النص المفهرس

صفحات 641-660

سئل شيخ الإسلام
قدس الله روحه
عن رجل تفقه وعلى ما أمر الله به وما نهى عنه، ثم تزهد وترك
الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفاً من كسب الحرام والشبهات ،
وبعث الآخرة وطلب رضا الله ورسوله ، وساح فى أرض الله والبلدان
فهل يجوز له أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله وحده .
((الزهد المشروع)) هو ترك [ كل ] شيء لا ينفع فى الدار
الآخرة ، وثقة القلب بما عند الله. كما فى الحديث الذي في الترمذي
(( ليس الزهد فى الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد
أن تكون بما في يد الله أوثق بما فى يدك، وأن تكون فى ثواب المصيبة
إذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك؛ لأن الله تعالى يقول
لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْبِمَآءَاتَنكُمْ ) . فهذا
)
صفة ((القلب)).
٦٤١

وأما في ((الظاهر)» فترك الفضول التى لا يستعان بها على طاعة
الله من مطعم وملبس ومال وغير ذلك ، كما قال الإمام أحمد : إنما
هو طعام دون طعام ، ولباس دون لباس ، وصبر أيام قلائل .
وجماع ذلك خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت عنه
فى الصحيح أنه كان يقول: ((خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدى
هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)). وكان عادته
فى المطعم أنه لا يرد موجوداً ، ولا يتكلف مفقوداً، ويلبس من اللباس
ما تيسر من قطن وصوف وغير ذلك ، وكان القطن أحب إليه ، وكان
إذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن يعتدي فيزيد فى الزهد ، أو العبادة
على المشروع ، ويقول : أينا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
يغضب لذلك، ويقول: ((والله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بحدود الله
تعالى)) وبلغه أن بعض أصحابه قال : أما أنا فأصوم فلا أفطر ، وقال
الآخر أما أنا فأقوم فلا أنام ، وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال
آخر أما أنا فلا آكل اللحم ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لكني أصوم
وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، وآكل اللحم ، فمن رغب عن
سنتى فليس مني )) .
فأما الإعراض عن الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله ،
ولا هو من دين الأنبياء؛ بل قد قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَارُ سُلَّا مِّن قَبْلِكَ
٦٤٢

) والإنفاق على العيال والكسب لهم
وَجَعَلْنَالَهُمْ أَزْوَجَاوَذُرِيَّةً
يكون واجباً تارة ومستحباً أخرى، فكيف يكون ترك الواجب أو
المستحب من الدين ؟!
وكذلك السياحة فى البلاد لغير مقصود مشروع ، كما يعانيه بعض
النساك أمر منهى عنه ، قال الإمام أحمد : ليست السياحة من الإسلام
فى شيء ، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين .
وأما السياحة المذكورة فى القرآن من قوله: (التِّبُونَ الْعَبِدُونَ
اْحَمِدُونَ السََّبِحُونَ) ومن قوله: (مُسْلِمَتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَنِتَاتٍ تَنِّبَتٍ عَبِدَاتٍ
سَبِحَتٍ ثَيِّبَتٍ وَأَتْكَارًا
) فليس المراد بها هذه السياحة المبتدعة؛
فإن الله قد وصف النساء اللاتي يتزوجهن رسوله بذلك، والمرأة
المزوجة لا يشرع لها أن تسافر فى البراري سائحة ؛ بل المراد
بالسياحة شيئان :
( أحدهما ) الصيام . كما روى عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحلال بين، والحرام
بين، وبينها أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن ترك
الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع فى الشبهات وقع في
الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل
٦٤٣

ملك حمى ، ألا وإن حمى اللّه محارمه ، ألا وإن فى الجسد مضغة إذا
صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي
القلب )) . متفق عليه .
لكن إذا ترك الإنسان الحرام ، أو الشبهة ، بترك واجب أو
مستحب ، وكان الإثم أو النقص الذي عليه في الترك أعظم من الإثم
الذي عليه فى الفعل لم يشرع ذلك ، كما ذكر أبو طالب المكي وأبو
حامد الغزالي، عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عمن ترك ما لا شبهة
فيه وعليه دين ؟ فسأله ولده أترك هذا المال الذي فيه شبهة فلا أقضيه؟
فقال : له أتدع (١)
(١) بياض بالاصل .
٦٤٤

سئل شيخ الإسلام أبو العباس
أحمد بن تيمية - رحمه الله - عن قوله تعالى: (حَقُّ أَلْيَقِينِ )
و (عَيْنَ اَلْيَقِينِ) و(عِلْمَ أَلْيَقِينِ) فما معنى كل مقام منها ؟ وأي
مقام أعلى ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. للناس فى هذه الأسماء
مقالات معروفة .
( منها ): أن يقال: ((عِلْمَ الْيَقِينِ)) ما علمه بالسماع والخبر
والقياس والنظر، و ((عَيْنَ الْيَقِينِ)) ما شاهده وعاينه بالبصر، و « حَقُّ
اَلْيَقِينِ )) ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار .
((فالأولى )) مثل من أخبر أن هناك عسلاً ، وصدق المخبر . أو
رأى آثار العسل فاستدل على وجوده .
و ((الثانى)) مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه، وهذا أعلى
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس المخبر كالمعاين)).
٦٤٥

و ((الثالث)) مثل من ذاق العسل ، ووجد طعمه وحلاوته،
ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله ؛ ولهذا يشير أهل المعرفة إلى ما عندهم
من الذوق والوجد ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح
(( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره
أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار))
وقال صلى الله عليه وسلم: ((ذاق طعم الإيمان : من رضي بالله رباً
وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً )) فالناس فيما يجده أهل الإيمان ويذوقونه
من حلاوة الإيمان وطعمه على ثلاث درجات :
((الأولى)) من على ذلك مثل من يخبره به شيخ له بصدقه، أو
يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم ، أو يجد من آثار أحوالهم
ما يدل على ذلك .
و ((الثانية)) من شاهد ذلك وعاينه، مثل أن يعاين من أحوال
أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم ، وإن كان
هذا فى الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ، ولكن شاهد ما دل عليه
لكن هو أبلغ من المخبر ، والمستدل بآثارهم .
و ((الثالثة)) أن يحصل له من الذوق والوجد فى نفسه ما كان
٦٤٦

سمعه ، كما قال بعض الشيوخ : لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل
الجنة فى الجنة فى مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر :
إنه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طرباً. وقال الآخر : لأهل
الليل فى ليلهم ألذ من أهل اللهو فى لهوم .
والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات :
( إحداها ) العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل ، وما قام من الأدلة
على وجود ذلك .
((الثانية)): إذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب
والجنة والنار .
و((الثالثة)) إذا باشروا ذلك ؛ فدخل أهل الجنة الجنة ؛ وذاقوا
ما كانوا يوعدون ، ودخل أهل النار النار ، وذاقوا ما كانوا يوعدون ،
فالناس فيما يوجد فى القلوب ، وفيما يوجد خارج القلوب على هذه
الدرجات الثلاث .
وكذلك فى أمور الدنيا : فإن من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره
ولم يذقه كان له علم به ، فإن شاهده ولم يذقه كان له معاينة له ، فإن ذاقه
بنفسه كان له ذوق وخبرة به، ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته ، فإن
٦٤٧

العبارة إنما تفيد التمثيل والتقريب ، وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل
بمجرد العبارة ، إلا لمن يكون قد ذاق ذلك الشىء المعبر عنه ، وعرفه
وخبره ؛ ولهذا يسمون أهل المعرفة لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه
غيرم بالخبر والنظر ، وفى الحديث الصحيح: (( أن هرقل ملك الروم
سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور النبى صلى الله
عليه وسلم قال: فهل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد ان
يدخل فيه ؟ قال : لا ، قال : وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته
القلب لا يسخطه أحد)) .
فالإيمان إذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب ، بل
يحبه ويرضاه ، فإن له من الحلاوة فى القلب واللذة والسرور والبهجة
ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه ، والناس متفاوتون في ذوقه والفرح
والسرور الذي فى القلب له من البشاشة ما هو بحسبه، وإذا خالطت
القلب لم يسخطه ، قال تعالى: ( قُلّ ◌ِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ
) وقال تعالى: (وَاُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ
هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ) وقال تعالى: (وَإِذَامَا أُنْزِلَتْ
سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَّهُ هَذِهِ: إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًّا
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من
القرآن ، والاستبشار هو الفرح والسرور؛ وذلك لما يجدونه فى
قلوبهم من الحلاوة واللذة والبهجة بما أنزل الله .
٦٤٨

و ((اللذة)) أبدا تتبع المحبة فمن أحب شيئاً ونال ما أحبه وجد
اللذة به ، فالذوق هو إدراك المحبوب، اللذة الظاهرة كالأكل مثلاً : حال
الإنسان فيها أنه يشتهي الطعام ويحبه ، ثم بذوقه ويتناوله فيجد حينئذ
لذته وحلاوته، وكذلك النكاح وأمثال ذلك .
وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين
لربهم ، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا
الله تعالى ، وكل ما يحب سواء فمحبته تبع لحبه ، فإن الرسول عليه
الصلاة والسلام إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل اللّه، ويتبع لأجل
الله. كما قال تعالى: ( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
(
وفى الحديث (« أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه، وأحبونى لحب الله،
وأحبوا أهل بيتى لحى )) وقال تعالى: (قُلْإِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ ) إلى
قوله : (أَحَتَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اْللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْحَتَّ يَأْتِى
) وقال النبى صلى الله
اللَّهُ بِأَمْرِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده
والناس أجمعين)) وفي حديث الترمذي وغيره «من أحب الله، وأبغض
اللّه، وأعطى الله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)) وقال تعالى:
( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
فالذين آمنوا أشد حباً لله، من كل محب
(
أَشَدُّحُبَّالِلَّهِ
المحبوبه . وقد بسطنا الكلام على هذا فى مواضع متعددة .
٦٤٩
1

و ((المقصود هنا)) أن أهل الإيمان يجدون بسبب محبتهم لله
ولرسوله من حلاوة الإيمان ما يناسب هذه المحبة ، ولهذا علق النبى
صلى الله عليه وسلم ما يجدونه بالمحبة فقال: ((ثلاث من كن فيه وجد
حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن
يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما بكره
أن يقذف في النار)) .
ومن ذلك ما يجدونه من ثمرة التوحيد والإخلاص. والتوكل
والدعاء لله وحده، فإن الناس فى هذا الباب على ثلاث درجات:
(( منهم)) من على ذلك سماعا واستدلالاً.
((ومنهم)) من شاهد وعاين ما يحصل لهم.
و ((منهم)) من وجد حقيقة الإخلاص والتوكل على الله،
والالتجاء إليه ، والاستعانة به، وقطع التعلق بما سواء، وجرب من نفسه
أنه إذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم ، وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا
عنه مضرة ، فإنه يخذل من جهتهم ؛ ولا يحصل مقصوده ، بل قد يبذل
لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته
إليهم ، فلا ينفعونه : إما لعجزم ، وإما لانصراف قلوبهم عنه ، وإذا
٦٥٠

توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه ، واستغاث به مخلصاً له الدين ؛ أحاب
دعاءه ؛ وأزال ضرره ، وفتح له أبواب الرحمة . فمثل هذا قد ذاق
[ من] حقيقة التوكل والدعاء لله، ما لم يذق غيره. وكذلك من ذاق
طعم إخلاص الدين لله وإرادة وجهه دون ما سواه؛ يجد من الأحوال
والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك .
بل من اتبع هواه فى مثل طلب الرئاسة والعلو ؛ وتعلقه بالصور
الجميلة ، أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان
والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه . وربما لا يطاوعه قلبه على ترك
الهوى ، ولا يحصل له ما يسره ؛ بل هو فى خوف وحزن دائماً : إن
كان طالباً لما يهواه فهو قبل إدراكه حزين متألم حيث لم يحصل.
فإذا أدركه كان خائفاً من زواله وفراقه .
وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فإذا ذاق هذا أو
غيره حلاوة الإخلاص لله. والعبادة له. وحلاوة ذكره ومناجاته.
وفهم كتابه . وأسلم وجهه لله وهو محسن بحيث يكون عمله صالحاً .
ويكون لوجه الله خالصاً ؛ فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو
أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا .
أو اندفع عنه ما يضره ؛ فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من
٦٥١

المنفعة ، أو اندفع عنه من المضرة ، ولا أنفع للقلب من التوحيد وإخلاص
الدين لله ، ولا اضر عليه من الإشراك .
فإذا وجد حقيقة الإخلاص التى هي حقيقة (إِنَّكَ نَعْبُدُ) مع حقيقة
التوكل التى هى حقيقة (إِيَّاكَ نَسْتَعِيبُ) كان هذا فوق ما يجده كل
أحد لم يجد مثل هذا . والله أعلم .
٦٥٢

سؤال أبي القاسم المغربي(١)
يتفضل الشيخ الإمام بقية السلف، وقدوة الخلف ، أعلم من
لقيت ببلاد المشرق والمغرب؛ تقي الدين أبو العباس ((أحمد بن تيمية))
بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي ، ويرشدنى إلى كتاب
يكون عليه اعتمادي فى على الحديث ، وكذلك فى غيره من العلوم الشرعية
وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ، ويبين لي أرجح
المكاسب ، كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار ، والله تعالى يحفظه.
والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته .
فأحاب :
الحمد لله رب العالمين.
أما (( الوصية)) فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها
(١) تسمى: ((الوصية الصغرى)).
٦٥٣

واتبعها . قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْلَكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ
أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ).
ووصى النبى صلى الله عليه وسلم معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال :
(( يا معاذ: اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق
الناس بخلق حسن )) .
وكان معاذ رضي الله عنه من النبى صلى الله عليه وسلم بمنزلة علية؛
فإنه قال له: ((يا معاذ! والله! إنى لأحبك)) وكان يردفه وراءه .
وروى فيه: « أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام ، وأنه يحشر أمام العلماء
برتوة - أي بخطوة - )). ومن فضله أنه بعثه النبى صلى الله عليه
وسلم مبلغاً عنه داعياً ومفقهاً ومفتياً وحاكماً إلى أهل اليمن .
وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام ، وإبراهيم إمام الناس .
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً
ولم يك من المشركين ؛ تشبيهاً له بإبراهيم.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية ، فعلم أنها جامعة .
وهي كذلك لمن عقلها ، مع أنها تفسير الوصية القرآنية .
أما بيان جمعها ؛ فلأن العبد عليه ((حقان)»:
٦٥٤

حق الله عز وجل . وحق لعباده . ثم الحق الذي عليه لا بد أن
يخل ببعضه أحياناً: إما بترك مأمور به ، أو فعل منهى عنه. فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله حيثما كنت)) وهذه كلمة جامعة
وفى قوله (( حيثما كنت )) تحقيق لحاجته إلى التقوى فى السر والعلانية .
ثم قال: (( وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) فإن الطبيب متى تناول المريض
شيئاً مضراً أمره بما يصلحه . والذنب للعبد كأنه أمر حتم . فالكيس
هو الذي لا يزال يأتى من الحسنات بما يمحو السيئات . وإنما قدم فى
لفظ الحديث ((السيئة)) وإن كانت مفعولة ، لأن المقصود هنا محوها
لا فعل الحسنة، فصار كقوله فى بول الأعرابى: ((صبوا عليه ذنوباً
من ماء )).
وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات ، فإنه أبلغ في المحو
والذنوب يزول موجبها بأشياء :
( أحدها ) التوبة .
و ( الثانى ) الاستغفار من غير توبة. فإن الله تعالى قد يغفر
له إجابة لدعائه وإن لم يتب ، فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال.
(الثالث ) الأعمال الصالحة المكفرة: إما (( الكفارات المقدرة))
٦٥٥

كما يكفر المجامع فى رمضان، والمظاهر، والمرتكب لبعض محظورات الحج
أو تارك بعض واجباته، أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة، وهي ((أربعة
أجناس)»: هدى وعتق وصدقة وصيام .
وإما ((الكفارات المطلقة)) كما قال حذيفة لعمر : فتنة الرجل فى
أهله وماله وولده ؛ يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر . وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح فى
التكفير بالصلوات الخمس ، والجمعة والصيام، والحج وسائر الأعمال
التى يقال فيها : من قال كذا وعمل كذا غفر له ، أو غفر له ما تقدم
من ذنبه ، وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصاً ما صنف فى
فضائل الأعمال .
وأعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه ؛ فإن
الإنسان من حين يبلغ ؛ خصوصاً فى هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة
الفترات التى تشبه الجاهلية من بعض الوجوه ، فإن الإنسان الذي ينشأ
بين أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء ، فكيف
بغير هذا ؟!
وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى
سعيد رضي الله عنه: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة
٦٥٦

حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : يا رسول الله ! اليهود
والنصارى؟ قال: فمن؟ )) هذا خبر تصديقه فى قوله تعالى: (فَأُسْتَمْتَعْتُم
◌ِخَفِكُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ يَخَلَقِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُواْ)
ولهذا شواهد في الصحاح والحسان .
وهذا أمر قد يسرى فى المنتسبين إلى الدين من الخاصة ؛ كما قال
غير واحد من السلف منهم ابن عيينة ؛ فإن كثيراً من أحوال اليهود
قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى العلم ، وكثيراً من أحوال النصارى قد
ابتلى به بعض المنتسبين إلى الدين ، كما يبصر ذلك من فهم دين
الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم نزله على
أحوال الناس .
وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على
نور من ربه ، وكان ميتاً فأحياه الله، وجعل له نوراً يمشي به فى الناس،
لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية، وطريق الأمتين المغضوب عليهم
والضالين من اليهود والنصارى ، فيرى أن قد ابتلى ببعض ذلك.
فأنفع ما الخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات
وهو إتباع السيئات الحسنات . والحسنات ما ندب الله إليه على لسان
خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات .
٦٥٧

ومما يزيل موجب الذنوب ((المصائب المكفرة)) وهي كل ما يؤلم
من م أو حزن أو أذى فى مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك ،
لكن ليس هذا من فعل العبد .
فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله: من عمل الصالح، وإصلاح
الفاسد قال: (( وخالق الناس بخلق حسن)) وهو حق الناس .
وجماع الخلق الحسن مع الناس : أن تصل من قطعك بالسلام
والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه، والزيارة له وتعطى من
حرمك من التعليم والمنفعة والمال ، وتعفو عمن ظلمك فى دم أو مال أو
عرض . وبعض هذا واجب وبعضه مستحب .
وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فهو
الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً، هكذا قال مجاهد وغيره، وهو
تأويل القرآن ، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ((كان خلقه القرآن)»
وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس
وانشراح صدر .
وأما بيان أن هذا كله فى وصية الله ، فهو أن اسم تقوى الله
يجمع فعل كل ما أمر الله به إيجابا واستحبابا، وما نهى عنه تحريما
٦٥٨

وتنزيها ، وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد . لكن لما كان تارة
يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم ، جاء مفسراً
فى حديث معاذ، وكذلك فى حديث أبى هريرة رضي الله عنهما الذي
رواه الترمذي وصححه: (( قيل: يارسول الله! ما أكثر ما يدخل
الناس الجنة ؟ قال : تقوى الله وحسن الخلق. قيل: وما أكثر ما يدخل
الناس النار ؟ قال : الأجوفان : الفم والفرج)).
وفى الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً)) فجعل
كمال الإيمان فى كمال حسن الخلق . ومعلوم أن الإيمان كله
تقوى الله .
وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع ، فإنها الدين
كله ؛ لكن ينبوع الخير وأصله: إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما فى
قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وفى قوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)
وفى قوله: (عَلَيْهِ نَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ) وفى قوله: (فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللّهِ
) بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من
الرِّزْفَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُ واْلَهُ
المخلوقين انتفاعا بهم أو عملا لأجلهم ، ويجعل همته ربه تعالى ، وذلك
بملازمة الدعاء له فى كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك ،
٦٥٩

والعمل له بكل محبوب . ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف
ما يعقبه ذلك .
وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض ؛ فإنه يختلف
باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه
جواب جامع مفصل لكل أحد ، لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله
وأمره : أن ملازمة ذكر الله دائماً هو أفضل ماشغل العبد به نفسه فى
الجملة ، وعلى ذلك دل حديث أبى هريرة الذي رواه مسلم: ((سبق
المفردون ، قالوا يارسول الله ! ومن المفردون ؟ قال : الذاكرون
الله كثيراً والذاكرات، وفيها رواه أبو داود عن أبى الدرداء
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا أنبئكم
بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها فى درجاتكم، وخير لكم
من إعطاء الذهب والورق ، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا
أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا : بلى يارسول اللّه! قال :
ذكر الله ».
والدلائل القرآنية والإيمانية بصراً وخبراً ونظراً على ذلك كثيرة .
وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام
المتقين صلى الله عليه وسلم، كالأذكار المؤقتة فى أول النهار وآخره ،
٦٦٠