النص المفهرس

صفحات 621-640

صومه )) رواه البخاري ، وهذا باب واسع .
وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ورسوله فى
عمل ميسر كما يسر الله على أهل الإسلام ((الكلمتين)) وهما أفضل
الأعمال؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان خفيفتان
على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن ، سبحان الله
وبحمده ، سبحان الله العظيم )) أخرجاه فى الصحيحين .
ولو قيل: الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته لكان صحيحاً اتصاف
((الأول)) باعتبار تعلقه بالأمر و((الثاني)) باعتبار صفته فى نفسه.
والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط ، وتارة من
جهة صفته فى نفسه ، وتارة من كلا الأمرين . فبالاعتبار الأول ينقسم
إلى طاعة ومعصية ، وبالثاني ينقسم إلى حسنة وسيئة ، والطاعة والمعصية
اسم له من جهة الأمر، والحسنة والسيئة اسم له من جهة نفسه (١)
وإن كان كثير من الناس لا يثبت إلا ((الأول))، كما تقوله الأشعرية
وطائفة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم .
ومن الناس من لا يثبت إلا ((الثانى)) كما تقوله المعتزلة وطائفة
(١) خرم بالاصل مقدار ثلث سطر .
٦٢١

من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ، والصواب إثبات الاعتبارين كما تدل
عليه نصوص الأئمة وكلام السلف وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم.
,(١)
فأما كونه مشقاً فليس هو سبباً لفضل العمل ورجحانه ، ولكن قد
(١
١)
يكون العمل الفاضل مشقاً ففضله لمعنى غير مشقته ، والصبر عليه مع
المشقة يزيد ثوابه وأجره ، فيزداد الثواب بالمشقة ، كما أن من كان
بعده عن البيت فى الحج والعمرة أكثر: يكون أجره أعظم من القريب
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في العمرة: ((أجرك على قدر
نصك)) لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة ، وبالبعد يكثر
النصب فيكثر الأجر ، وكذلك الجهاد ، وقوله صلى الله عليه وسلم:
((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتتعتع فيه،
وهو عليه شاق له أجران .
فكثيراً ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب ، لا لأن التعب
والمشقة مقصود من العمل ؛ ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب،
هذا فى شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال ، ولم يجعل علينا
فيه حرج ، ولا أريد بنا فيه العسر ؛ وأما فى شرع من قبلنا فقد
تكون المشقة مطلوبة منهم . وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم
والتعب مطلوباً مقربا إلى الله ؛ لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب (شاقا )
٦٢٢

إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد ، وهذا من جنس زهد
الصابئة والهند وغيرم.
ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال
الشاقة الشديدة المتعبة من أنواع العبادات والزهادات ، مع أنه لا فائدة
فيها ولا ثمرة لها ولا منفعة إلا أن يكون شيئاً يسيراً لا يقاوم العذاب
الأليم الذي يجدونه .
ونظير هذا الأصل الفاسد مدح بعض الجهال بأن يقول : فلان
ما نكح ولا ذبح. وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ولا يذبحون،
وأما الحنفاء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لكني أصوم وأفطر
وأتزوج النساء وآ كل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
وهذه الأشياء هي من الدين الفاسد وهو مذموم كما أن الطمأنينة
إلى الحياة الدنيا مذموم.
والناس أقسام .
أصحاب ((دنيا محضة)) وهم المعرضون عن الآخرة.
وأصحاب ((دين فاسد)) وم الكفار والمبتدعة الذين يتدينون بما لم
٦٢٣

يشرعه الله من أنواع العبادات والزهادات.
و((القسم الثالث)) وهم أهل الدين الصحيح، أهل الإسلام المستمسكون
بالكتاب والسنة والجماعة ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي
لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق .
=
٦٢٤

وقال شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية - رحمه الله
فصل
فى ((تزكية النفس)) وكيف تزكو بترك المحرمات مع فعل
المأمورات. قال تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنْهَا ) و( قَدْأَفَحَ مَنْ
تَزَّكَى ) .
قال قتادة وابن عيينة وغيرهما : قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله
وصالح الأعمال . وقال الفراء والزجاج : قد أفلحت نفس زكاها الله
وقد خابت نفس دساها الله. وكذلك ذكره الوالى عن ابن عباس وهو
منقطع. و [ ليس ] هو مرادا من الآية ؛ بل المراد بها الأول قطعاً
لفظاً ومعنى .
أما ((اللفظ)) فقوله : من زكاها اسم موصول ولا بد فيه من عائد
٦٢٥

على ( من ) فإذا قيل : قد أفلح الشخص الذي زكاها كان ضمير
الشخص فى زكاها يعود على ( من ) هذا وجه الكلام الذى لا ريب
فى صحته كما يقال: قد أفلح من اتقى الله وقد أفلح من
أطاع ربه .
وأما إذا كان المعنى : قد أفلح من زكاء الله لم يبق فى الجملة ضمير
يعود على ( من ) فإن الضمير على هذا يعود على الله وليس هو (من)
وضمير المفعول يعود على النفس المتقدمة فلا يعود على ( من ) لا ضمير
الفاعل ولا المفعول . فتخلو الصلة من عائد وهذا لايجوز .
نعم ! لو قيل : قد أفلح من زكى الله نفسه أو من زكاها الله له
ونحو ذلك صح الكلام ، وخفاء هذا على من قال به من النحاة عجب . وهو
لم يقل : قد أفلحت نفس زكاها . فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة
لنفس لا صلة ؛ بل قال: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنْهَا ) فالجملة صلة لـ (من)
لا صفة لها .
ولا قال أيضا : قد أفلحت النفس التى زكاها ؛ فإنه لو قيل ذلك
وجعل في (زكاها ) ضمير يعود على اسم الله صح، فإذا تكلفوا وقالوا :
التقدير (قَدْأَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ) هي النفس التى زكاها. وقالوا: فى
زكى ضمير المفعول يعود على ( من) وهي تصلح للمذكر والمؤنث
٦٢٦

والواحد والعدد ، فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي
ولهذا قيل : ( قَدْأَفَحَ ) ولم يقل قد أفلحت، قيل لهم : هذا مع
أنه خروج من اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك فى
مثل ومن (١) على أن المراد لنا، وكذا قوله: ( وَمِنْهُم ◌َنْ يَسْتَمِعُونَ
إِلَيْكَ ) ونحو ذلك .
وأما هنا فليس فى لفظ ( من ) وما بعدها ما يدل على أن المراد
به النفس المؤنثة فلا يجوز أن يراد بالكلام ماليس فيه دليل على إرادته؛
فإن مثل هذا مما يصان كلام الله عز وجل عنه، فلو قدر احتمال
عود ضمير ( زكاها ) إلى نفس وإلى ( من ) مع أن لفظ ( من ) لا
دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى
ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو فى التذكير أظهر، لعدم دلالته على
التأنيث، فإن الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومن
تكلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن منزه عن
ذلك، والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى مالا يدل عليه بلا دليل
لا يجوز ألبتة فكيف إذا كان نصا من جهة المعنى؟! فقد أخبر الله
أنه يلهم التقوى والفجور . ولبسط هذا موضع آخر .
(١) بياض بالاصل .
٦٢٧

و (المقصود هنا ) أمر الناس بتزكية أنفسهم والتحذير من
تدسيتها . كقوله: ( قَدْأَفَحَ مَن تَزََّى ) فلو قدر أن المعنى قد أفلح
من زكى الله نفسه لم يكن فيه أحر لهم ولا نهي، ولا ترغيب ولا ترهيب.
والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد ((القدر )) فلا يقول : من
جعله الله مؤمناً؛ بل يقول: (قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (قَدْأَفْلَحَ مَنْ
تَزَّكَى ) إذ ذكر مجرد القدر فى هذا يناقض المقصود ، ولا يليق هذا
بأضعف الناس عقلا فكيف بكلام الله ؟! ألا ترى أنه فى مقام الأمر
والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد، والمدح
والفم ، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم : إما بما ليس من
أفعالهم ، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح ، ويذكره فى سياق قدرته
ومشيئته، وأما فى معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النعم . كقوله :
( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَازَكِنَ) الآية، فهذا مناسب.
وهذه الآية من جنس الثانية
قَدْأَفْلَحَمَنْتَزَّگی )
وقوله : (
لا الأولى .
والمقصود ((ذكر التزكية)) قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ )
الآية. وقال: ( فَرْجِعُوأَهُوَزَكَى لَكُمْ ) وقال: (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ ) وقال: (وَمَا عَلَيَّكَ أَلَّايَزََّى ).
وأصل ((الزكاة)) الزيادة فى الخير. ومنه يقال: زكا الزرع، وزكا
٦٢٨

المال إذا نما . ولن ينمو الخير إلا بترك الشر ، والزرع لا يزكو
حتى يزال عنه الدغل ، فكذلك النفس والأعمال لا تزكوا حتى يزال
عنها ما يناقضها ولا يكون الرجل متزكياً إلا مع ترك الشر ، فإنه بدنس
النفس ويدسيها . قال الزجاج : ( دساها ) جعلها ذليلة حقيرة خسيسة
وقال الفراء : دساها ؛ لأن البخيل يخفي نفسه ومنزله وماله ، قال ابن
قتيبة : أي أخفاها بالفجور والمعصية ، فالفاجر دس نفسه ؛ أي قمعها
وخباها ، وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها ، وكانت أجواد العرب تنزل
الربى لتشهر أنفسها ، واللئام تنزل الأطراف والوديان .
فالبر والتقوى يبسط النفس ، ويشرح الصدر ، بحيث يجد الإنسان
فى نفسه اتساعا وبسطاً عما كان عليه قبل ذلك؛ فإنه لما اتسع بالبر
والتقوى والإحسان بسطه اللّه وشرح صدره ، والفجور والبخل يقمع
النفس ويضعها ويهينها، بحيث يجد البخيل فى نفسه أنه ضيق . وقد
بين النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فى الحديث الصحيح فقال: ((مثل
البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت
أيديهما إلى تراقيهما . فجعل المتصدق كلما هم بصدقة اتسعت وانبسطت
عنه ، حتى تغشى أنامله. وتعفو أثره وجعل البخيل كلما م بصدقة
قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها ، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع )) اخرجاه .
٦٢٩

وإخفاء المنزل وإظهاره تبعاً لذلك. قال تعالى: (يَتَوَرَى مِنَ
) الآية . فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد
اُلْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا ◌ُشْرَبِهِ
دسها صاحبها فى بدنه بعضها فى بعض ، ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه
كما ينزع السفود من الصوف المبتل ، والنفس البرة التقية النقية التى قد
زكاها صاحبها فارتفعت والسعت ومجدت ونبلت فوقت الموت تخرج
من البدن تسيل كالقطرة من فى السقاء ، وكالشعرة من العجين . قال
ابن عباس: (( إن للحسنة لنوراً فى القلب ، وضياء في الوجه ، وقوة
فى البدن ، وسعة فى الرزق ، ومحبة فى قلوب الخلق ، وإن للسيئة لظلمة
فى القلب ، وسواداً فى الوجه ، ووهنا فى البدن ، وضيقاً فى الرزق ،
وبغضة فى قلوب الخلق)) قال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ ) الآية. وهذا
مثل البخيل والمنفق. قال: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ
(
الآية. وقال: ( اللَّهُ وَلِىُّالَّذِينَ ءَامَنُواْ ) الآية.
وقال له فى سياق الرمي بالفاحشة وذم من أحب إظهارها فى
المؤمنين، والمتكلم بما لا يعلم: (وَلَوْلَا فَضْلُ الَّهِ عَلَيْكُمْوَرَحْتُهُمَازَكَ مِنْكُمْمِنْ
) الآية . فبين أن الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة
أَحَدٍ أَبَدًا
ولهذا قال: ( قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ ) الآية . وذلك أن
ترك السيئات هو من أعمال النفس ، فإنها تعلم أن السيئات مذمومة
ومكروه فعلها ، ويجاهد نفسه إذا دعته إليها ، إن كان مصدقاً لكتاب
٦٣٠

ربه مؤمناً بما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا التصديق
والإيمان والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة ، فتزكو
بذلك أيضاً ؛ بخلاف ما إذا عملت السيئات فإنها تتدنس وتندس وتنقمع
كالزرع إذا نبت معه الدغل .
والثواب إنما يكون على عمل موجود ، وكذلك العقاب . فأما العدم
المحض فلا ثواب فيه ولا عقاب ، لكن فيه عدم الثواب والعقاب، والله
سبحانه أمر بالخير ونهى عن الشر ، واتفق الناس على أن المطلوب بالأمر
فعل موجود ، واختلفوا فى النهي هل المطلوب أمر وجودي ، أم عدمي
فقيل : وجودي ، وهو الترك ، وهذا قول الأكثر . وقيل : المطلوب
عدم الشر ، وهو أن لا يفعله .
و «التحقيق)» أن المؤمن إذا نهى عن المنكر، فلا بد ألا يقربه ويعزم
على تركه، ويكره فعله، وهذا أمر وجودي بلا ريب ؛ فلا يتصور أن المؤمن
الذي يعلم أنه (١) وجودي، لكن قد لا يكون مريداً له كما يكره أكل
الميتة طبعاً ، ومع ذلك فلابد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه
لطاعة الشارع ، وهذا قدر زائد على كراهة الطبع ، وهو أمر وجودي
يثاب عليه ؛ ولكن ليس كثواب من كف نفسه وجاهدها عن طلب
(١) بياض بالاصل
٦٣١

المحرم ، ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة إيمان ، وقد غمر إيمانه
ـحكم طبعه ، فهذا أعلى الأقسام الثلاثة ، وهذا صاحب النفس المطمئنة،
وهو أرفع من صاحب اللوامة التى تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه ،
وتتلوم وتتردد هل تفعله أم لا ؟ !
وأما من لم يخطر بباله أن الله حرمه ، ولا هو مريد له؛ بل لم
يفعله ، فهذا لا يعاقب. ولا يثاب ، إذ لم يحصل منه أمر وجودي يثاب
عليه أو يعاقب فمن قال : المطلوب ألا يفعل ، إن أراد أن هذا
المطلوب يكفي فى عدم العقاب ، فقد صدق ، وإن أراد أنه يثاب على
هذا العدم فليس كذلك . والكافر إذا لم يؤمن بالله ورسوله فلا بد
لنفسه من أعمال يشتغل بها عن الإيمان ، وترك الأعمال كفر
يعاقب عليها .
ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار فى النار ، ذكر أموراً وجودية
وتلك تدس النفس ؛ ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تزكو به
النفس ، وكان الشرك أعظم ما يدسيها ، وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة
هذا كله مما ذكره السلف. قالوا: في ( قَدْأَفْلَحَ مَنْ تَزََّ ) تظهر من
الشرك ومن المعصية بالتوبة ، وعن أبى سعيد وعطاء وقتادة : صدقة
الفطر . ولم يريدوا أن الآية لم تتناول إلا هي ، بل مقصودم : أن من
أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد تناولته وما بعدها ، ولهذا
٦٣٢

كان يزيد بن حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج بصدقة ، ويتصدق
بها قبل الصلاة، ولو لم يجد إلا بصلا. قال الحسن: ( قَدْأَفَحَ مَن
تَزََّ ) من كان عمله زاكيا ، وقال أبو الأحوص: زكاة الأمور كلها ،
وقال الزجاج: تزكى بطاعة الله عز وجل، ومعنى الزاكي
النامي الكثير .
وكذلك قالوا فى قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ)
قال ابن عباس : لا يشهدون أن لا إله إلا الله ، وقال مجاهد : لا
يزكون أعمالهم أي ليست زاكية ، وقيل لا يطهرونها بالإخلاص،
كأنه أراد - والله أعلم - أهل الريا، فإنه شرك. وعن الحسن: لا يؤمنون
بالزكاة ، ولا يقرون بها . وعن الضحاك : لا يتصدقون ، ولا ينفقون
في الطاعة ، وعن ابن السائب : لا يعطون زكاة أموالهم. قال : كانوا
يحجون ويعتمرون ولا يزكون.
و ((التحقيق)) أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد
والأعمال الصالحة. كقوله: ( هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَى ) وقوله: (قَدْ
أَفْلَحَ مَن تَزَّكَّى ) والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزولها .
فإن قيل : ( يؤتى ) فعل متعد .
قيل: هذا كقوله: ( ثُمَّسُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا)، وتقدم قبلها أن
٦٣٣

الرسول دعام ، وهو طلب منه ، فكان هذا اللفظ متضمناً قيام الحجة
عليهم بالرسل ، والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم .
ومما يليق : أن الزكاة تستلزم الطهارة ؛ لأن معناها معنى الطهارة .
قوله: ( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) من الشر (وَتُزَكِهِم) بالخير
قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم طهرني بالماء والبرد والثلج)) كان
يدعو به في الاستفتاح وفى الاعتدال من الركوع ، والغسل .
فهذه الأمور توجب تبريد المغسول بها و ((البرد)) يعطي قوة
وصلابة ، وما يسر يوصف بالبرد وقرة العين ، ولهذا كان دمع السرور
بارداً، ودمع الحزن حاراً؛ لأن ما يسوء النفس يوجب حزنها وغمها ،
وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد الباطن .
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : أن يغسل الذنوب على وجه
يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه
ما يسوء النفس من الذنوب .
وقوله: ((بالثلج والبرد والماء البارد)) تمثيل بما فيه من هذا الجنس، وإلا
فنفس الذنوب لا تغسل بذلك، كما يقال : أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك.
ولما قضى أبو قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم: ((الآن
٦٣٤

بردت جلدته)) ويقال : برد اليقين، وحرارة الشك. ويقال: هذا
الأمر يثلج له الصدر ، إذا كان حقاً يعرفه القلب ويفرح به ، حتى
يصير فى مثل برد الثلج. وحرض النفس : إما شبهة وإما شهوة أو
غضب ، والثلاثة توجب السخونة. ويقال لمن نال مطلوبه : برد قلبه .
فإن الطالب فيه حرارة الطلب .
وقوله: ( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ ) دليل على أن عمل الحسنات يطهر
النفس ويزكيها من الذنوب السالفة، فإنه قاله بعد قوله : (وَءَآخَرُونَ
اعْتَرَفُواْ) الآية. فالتوبة والعمل الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية
ولهذا قال فى سياق قوله: ( قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ ) الآيات. (وَتُوبُواْ
إِلَى اللَّهِ ) الآية. فأمرهم جميعاً بالتوبة فى سياق ما ذكره ؛ لأنه لا يسلم
أحد من هذا الجنس. كما فى الصحيح: (( إن الله كتب على ابن آدم
حظه من الزنا)) الحديث . وكذلك فى الصحيح ((إن قوله: (إِنَّ
الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) نزلت بسبب رجل نال من امرأة كل شيء
إلا الجماع، ثم ندم فنزلت )).
ويحتاج المسلم فى ذلك إلى أن يخاف الله ، وينهى النفس عن الهوى ،
ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه ، بل على اتباعه والعمل به ، فإذا
كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله، وعملاً صالحاً . وثبت
عنه أنه قال: ((المجاهد من جاهد نفسه فى ذات اللّه)) فيؤمر بجهادها
٦٣٥

كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصي ويدعو إليها ، وهو إلى جهاد نفسه
أحوج، فإن هذا فرض عين وذاك فرض كفاية ، والصبر فى هذا من
أفضل الأعمال، فإن هذا الجهاد حقيقة ذلك الجهاد ، فمن صبر عليه
صبر على ذلك الجهاد. كما قال: ((والمهاجر من هجر السيئات)).
ثم هذا لا يكون محموداً فيه، إلا إذا غلب ، بخلاف الأول فإنه من
(يقتل او يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم
((ليس الشديد بالصرعة الخ )) وذلك لأن الله أمر الإنسان أن ينهى
النفس عن الهوى ، وأن يخاف مقام ربه ، فحصل له من الإيمان ما يعينه
على الجهاد ، فإذا غلب كان لضعف إيمانه ، فيكون مفرطاً بترك المأمور؛
بخلاف العدو الكافر فإنه قد يكون بدنه أقوى .
فالذنوب إنما تقع إذا كانت النفس غير ممثلة لما أمرت به ، ومع
امتثال المأمور لا تفعل المحظور، فإنهما ضدان. قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ
عَنْهُ السُّوْءَ ) الآية . وقال: (إِنَّعِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ ) فعباد الله
المخلصون لا يغويهم الشيطان، و ((الغي )) خلاف الرشد وهو اتباع الهوى .
ثمن مالت نفسه إلى محرم ، فليأت بعبادة الله كما أمر الله مخلصاً له الدين ،
فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء (١) خشية ومحبة ، والعبادة له
(١) بياض بالاصل .
٦٣٦

وحده ، وهذا يمنع من السيئات.
فإذا كان تائباً ، فإن كان ناقصاً ، فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحيا
لها بعد الوقوع ، فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم ، ويرفعه بعد حصوله،
وكالغذاء من الطعام والشراب، وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنح النفس عن
طلب الحرام ، فإذا حصل له طلب إزالته ، وكالعلم الذي يمنح من الشك، ويرفعه
بعد وقوعه، وكالطب الذي يحفظ الصحة ويدفع المرض ، وكذلك ما فى القلب
من الإيمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به .
وإذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات أزيل بهذه ، ولا يحصل
المرض إلا لنقص أسباب الصحة، كذلك القلب لا يمرض إلا لنقص إيمانه .
وكذلك الإيمان والكفر ان متضادان ، فكل ضدين: فأحدهما يمنع الآخر
تارة، ويرفعه أخرى، كالسواد والبياض(١) حصل موضعه ويرفعه إذا
كان حاصلا، كذلك الحسنات والسيئات والإحباط (١) والمعتزلة أن الكبيرة
تحبط الحسنات حتى الإيمان ، وأن من مات عليها لم يكن (١) الجبائي
وابنه بالموازنة. لكن قالوا : من رجحت سيئاته خلد فى النار ، والموازنة
بلا تخليد قول (١) الإحباط ما أجمع عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر
كما قال: (وَمَن يَرْتَدِ دْمِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ) الآية. وقوله: (وَمَن يَكْفُرْ بِلْإِيَنِ
(١) بياض بالاصل .
٦٣٧

. (
فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) الآية وقال: ( وَلَوْأَشْرَّكُوْلَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّاكَانُوا يَعْمَلُونَ
وقال: ( لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) الآية .
وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف ، فإنه سبحانه ذكر حد
الزانى وغيره، ولم يجعلهم كفاراً حابطي الأعمال ، ولا أمر بقتلهم كما
أمر بقتل المرتدين ، والمنافقون لم يكونوا بظهرون كفرم . والنبي صلى
اللّه عليه وسلم أمر بالصلاة على الغال، وعلى قاتل نفسه ، ولو كانوا
كفاراً ومنافقين لم تجز الصلاة عليهم . فعلم أنهم لم يحبط إيمانهم كله .
وقال عمن شرب الخمر ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) وذلك الحب
من أعظم شعب الإيمان . فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها . وثبت
من وجوه كثيرة: (( يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان،
ولو حبط لم يكن فى قلوبهم شيء منه. وقال تعالى: ( ثُمَّأَثْنَ الْكِنَبَ )
الآية . فجعل من المصطفين .
فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات ، فهل تحبط بقدرها
وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟ فيه قولان للمنتسبين إلى
السنة . منهم من ينكره ، ومنهم من يثبته ، كما دلت عليه النصوص .
مثل قوله: (لَانْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ) الآية. دل على أن
هذه السيئة تبطل الصدقة، وضرب مثله بالمرائي، وقالت عائشة ((أبلغى
زيداً أن جهاده بطل )) الحديث .
٦٣٨

وأما قوله: ( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ ) وحديث صلاة العصر ففي
ذلك نزاع. وقال تعالى: ( وَلَنْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ) قال الحسن :
بالمعاصي والكبار ، وعن عطاء : بالشرك والنفاق ، وعن ابن السائب :
بالرياء والسمعة ، وعن مقاتل : بالمن . وذلك أن قوماً منوا بإسلامهم ،
فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصى والكبار محبط الأعمال.
فإن قيل : لم يرد إلا إبطالها بالكفر .
قيل : ذلك منهي عنه فى نفسه ، وموجب للخلود الدائم ، فالنهي
عنه لا يعبر عنه بهذا، بل يذكره على وجه التغليظ. كقوله: ( مَن يَرْتَدَّ
مِنْكُمْ عَنْ دِينِ) ونحوها. والله سبحانه فى هذه وفى آية المن سماها
إيطالا ، ولم يسمه إحباطاً؛ ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: (إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واعَنْ سَبِيلِ الَّهِثُمَّ مَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ) الآية.
فإن قيل : المراد إذا دخلتم فيها فأتموها ، وبها احتج من قال :
يلزم التطوع بالشروع فيه .
قيل : لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض
العمل ، فإبطاله كله أولى ، بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا
يسمى صلاة ولا صوماً ؟!
٦٣٩

ثم يقال : الإبطال يوجد قبل الفراغ أو بعده، وما ذكروه أمر
بالإتمام ، والإبطال هو إبطال الثواب ، ولا نسلم أن من لم يتم العبادة
يبطل جميع ثوابه ، بل يقال : إنه يثاب على ما فعل من ذلك . وفى
الصحيح حديث المفلس ((الذي يأتى بحسنات أمثال الجبال)).
٦٤٠