النص المفهرس

صفحات 601-620

وسلم قال لأصحابه: (( الفقر تخافون؟! لا أخاف عليكم الفقر . إنما
أخاف عليكم الدنيا، حتى إن قلب أحدكم إذا زاغ لا يزيغه إلا هي))
وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه ، والذين يبغضونه كأعدائه ،
فالذين يحبونه يجذبونه إليهم ، فإذا لم تكن المحبة منهم له للّه كان ذلك
مما يقطعه عن اللّه، والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه فيشغلونه بأذام
عن الله، ولو أحسن إليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله أوجب
إحسانهم إليه محبته لهم، وانجذاب قلبه إليهم ، ولو كان على غير الاستقامة،
وأوجب مكافأته لهم ، فيقطعونه عن الله وعبادته .
فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله عن
وجل ، فيكون حبه لله ولما يحبه الله ، وبغضه الله ولما يبغضه الله،
وكذلك موالاته ومعاداته ، وإلا فمحبة المخلوق تجذبه ، وحب الخلق له
سبب يجذبهم به إليه ، ثم قد يكون هذا أقوى ، وقد يكون هذا
أقوى ، فإذا كان هو غالباً لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواء ، ولا
محبوباته إليها ؛ لكونه غالباً لهواه ناهياً لنفسه عن الهوى ، لما فى قلبه
من خشية الله ومحبته التى تمنعه عن انجذابه إلى المحبوبات.
وأما حب الناس له فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم إليهم ،
فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة الله وخشيته،
٦٠١

وإلا جذبوه وأخذوه إليهم، كب امرأة العزيز ليوسف ؛ فإن قوة
((يوسف)) ومحبته لله وإخلاصه وخشيته كانت أقوى من جمال امرأة
العزيز وحسنها وحبه لها ، هذا إذا أحب أحدهم صورته ، مع أن هنا
الداعي قوي منه ومنهم ، فهنا المعصوم من عصمه الله، وإلا فالغالب
على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض الشر بنهم .
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يخلون رجل
بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)).
وقد يحبونه لعلمه أو دينه أو إحسانه أو غير ذلك ؛ فالفتنة فى
هذا أعظم ؛ إلا إذا كانت فيه قوة إيمانية ، وخشية وتوحيد تام ؛
فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون . وم مع ذلك يطلبون
منه مقاصده، إن لم يفعلها وإلا نقص الحب ، أو حصل نوع بغض ،
وربما زاد أو أدى إلى الانسلاخ من حبه ، فصار مبغوضاً بعد أن كان
محبوباً ، فأصدقاء الإنسان يحبون استخدامه واستعماله فى أغراضهم، حتى
يكون كالعبد لهم ، وأعداؤه يسعون فى أذاه وإضراره ، وأولئك يطلبون
منه انتفاعهم ، وإن كان مضراً له مفسداً لدينه لا يفكرون فى ذلك .
وقليل منهم الشكور .
فالطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا دفع ضرره ، وإنما
٦٠٢

يقصدون أغراضهم به ، فإن لم يكن الإنسان عابداً الله، متوكلاً عليه
موالياً له وموالياً فيه ومعادياً ، وإلا أكلته الطائفتان، وأدى ذلك إلى
هلا كه فى الدنيا والآخرة .
وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم ، وما يقع بينهم من المحاربات
والمخاصمات والاختلاف والفتن . قوم يوالون زيداً ويعادون عمراً.
وآخرون بالعكس ؛ لأجل أغراضهم ، فإذا حصلوا على أغراضهم ممن
يوالونه وما هم طالبونه من زيد انقلبوا إلى عمرو ، وكذلك أصحاب عمرو
كما هو الواقع بين أصناف الناس .
وكذلك ((الرأس)) من الجانبين ، يميل إلى هؤلاء الذين يوالونه
وهم إذا لم تكن الموالاة لله أضر عليه من أولئك؛ فإن أولئك إنما يقصدون
إفساد دنياه : إما بقتله ، أو بأخذ ماله ، وإما بإزالة منصبه ، وهذا كله
ضرر دنيوي لا يعتد به إذا سلم العبد ، وهو عكس حال أهل الدنيا
ومحبيها الذين لا يعتدُّون بفساد دينهم مع سلامة دنياهم . فهم لا يبالون
بذلك. وأما « دين العبد)) الذي بينه وبين الله فهم لا يقدرون عليه .
وأما أولياؤه الذين يوالونه للأغراض ، فإنما يقصدون منه فساد
دينه بمعاونته على أغراضهم وغير ذلك ، فإن لم يفعل انقلبوا أعداء .
فدخل بذلك عليه الأذى من (« جهتين)):
٦٠٣

من جهة مفارقتهم .
ومن جهة عداوتهم .
وعداوتهم أشد عليه من عداوة أعدائه ؛ لأنهم قد شاهدوا منه .
وعرفوا ما لم يعرفه أعداؤه . فاستجلبوا بذلك عداوة غيرهم
فتتضاعف العداوة .
وإن لم يحب مفارقتهم احتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على
ما يريدونه ، وإن كان فيه فساد دينه . فإن ساعدهم على نيل مرتبة
دنيوية ناله مما يعملون فيها نصيباً وافراً وحظاً تاماً من ظلمهم وجورهم
وطلبوا منه أيضاً أن يعاونهم على أغراضهم ، ولو فاتت أغراضه الدنيوية.
فكيف بالدينية إن وجدت فيه أو عنده !! فإن الإنسان ظالم جاهل
لا يطلب إلا هواء .
فإن لم يكن هذا فى الباطن يحسن إليهم ، ويصبر على أذاهم .
ويقضي حوائجهم اللّه، وتكون استعانته عليهم باله تامة، وتوكله على الله
تام . وإلا أفسدوا دينه ودنياه ، كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن
يطلب الرئاسة الدنيوية ، فإنه يطلب منه من الظلم والمعاصي ما ينال به
تلك الرئاسة ، ويحسن له هذا الرأي، ويعاديه إن لم يقم معه ، كما قد
٦٠٤

جرى ذلك مع غير واحد .
وذلك يجري فيمن يحب شخصاً لصورته ، فإنه يخدمه ويعظمه
ويعطيه ما يقدر عليه ، ويطلب منه من المحرم ما يفسد دينه .
وفيمن يحب صاحب ((بدعة)) لكونه له داعية إلى تلك البدعة ،
بحوجه إلى أن ينصر الباطل الذي يعلم أنه باطل . وإلا عاداه ، ولهذا
صار علماء الكفار وأهل البدع مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون
ذلك الباطل ؛ لأجل الاتباع والمحبين، ويعادون أهل الحق
ويهجنون طريقهم .
فمن أحب غير الله ووالى غيره كره محب الله ووليه ، ومن أحب
أحداً لغير الله كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه ؛ فإن
أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي ، والحيلولة بينه
وبينه رحمة فى حقه ، وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها
عنه ، فأي صداقة هذه ؟! ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه فى
أغراضهم ، وفيما يحبونه ، وكلاهما ضرر عليه .
( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ
قال تعالى :
قال الفضيل بن عياض عن ليث
وَتَّقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) .
٦٠٥

عن مجاهد : هي المودات التى كانت لغير اللّه، والوصلات التى كانت
بينهم فى الدنيا (وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْأَنَّ لَنَاَكَرَّةٌّ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُ واْمِنَّا كَذَلِكَ
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ).
فالأعمال التى أرام الله حسرات عليهم : هي الأعمال التى
يفعلها بعضهم مع بعض فى الدنيا كانت لغير الله، ومنها الموالاة والصحبة
والمحبة لغير الله . فالخير كله فى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فصل
ومما يحقق هذه الأمور أن المحب يجذب ، والمحبوب يجذب . فمن
أحب شيئاً جذبه إليه بحسب قوته ، ومن أحب صورة جذبته تلك
الصورة إلى المحبوب الموجود فى الخارج بحسب قوته ، فإن المحب علته
فاعلية ، والمحبوب علته غائية ، وكل منهما له تأثير فى وجود المعلول ،
والمحب إنما يجذب المحبوب بما فى قلب المحب من صورته التى بتمثلها ،
فتلك الصورة تجذبه بمعنى انجذابه إليها ، لا أنها هي فى نفسها قصد
وفعل ، فإن في المحبوب من المعنى المناسب ما يقتضى انجذاب المحب إليه
كما ينجذب الإنسان إلى الطعام ليأكله ، وإلى امرأة ليباشرها، وإلى
٦٠٦

صديقه ليعاشره ، وكما تنجذب قلوب المحبين لله ورسوله إلى الله ورسوله،
والصالحين من عباده لما اتصف به سبحانه من الصفات التى يستحق لأجلها
أن يحب ويعبد .
بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه
وبحمده ، فكل محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته ،
والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه ، وهذا من معاني إلهيته
و ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَالِهَهُ إِلَّا لَهُلَفَسَدَنَا ) فإن محبة الشيء لذاته شرك،
فلا يحب لذاته إلا الله، فإن ذلك من خصائص إلهيته ، فلا يستحق
ذلك إلا الله وحده ، وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله أو لما يحب
لأجله فمحبته فاسدة .
والله تعالى خلق فى النفوس حب الغذاء ، وحب النساء ، لما فى
ذلك من حفظ الأبدان وبقاء الإنسان ؛ فإنه لولا حب الغذاء لما أكل
الناس ففسدت أبدانهم ، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل
والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ، ويكون هو
المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره .
وإنما تحب الأنبياء والصالحون تبعاً لمحبته ، فإن من تمام حبه حب
ما يحبه ، وهو يحب الأنبياء والصالحين ، ويحب الأعمال الصالحة، فيها
٦٠٧

للّه هو من تمام حبه، وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين
يحبون أندادهم كحب الله، فالمخلوق إذا أحب الله كان حبه جاذباً
إلى حب الله، وإذا بحاب الرجلان فى الله اجتمعا على ذلك
وتفرقا عليه ، كان كل منهما جاذباً للآخر إلى حب الله، كما قال تعالى:
(( حقت محبتى للمتحابين في ، وحقت محبتى للمتجالسين في ، وحقت
محبتى للمتباذلين في ، وإن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم
الأنبياء والشهداء بقربهم من الله، وم قوم تحابوا بروح الله على غير
أموال يتباذلونها ، ولا أرحام يتواصلون بها ، إن لوجوههم لنوراً،
وإنهم لعلى كراس من نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون
إذا حزن الناس)) .
فإنك إذا أحببت الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته ، فكلما
تصورته فى قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته ، فازداد حبك الله . كما
إذا ذكرت النى صلى الله عليه وسلم ، والأنبياء قبله، والمرسلين
وأصحابهم الصالحين ، وتصورتهم فى قلبك ، فإن ذلك يجذب قلبك إلى
محبة الله المنعم عليهم، وبهم، إذا كنت تحبهم اللّه، فالمحبوب اللّه يجذب
إلى محبة الله، والمحب الله إذا أحب شخصاً الله فإن الله هو محبوبه،
فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى، وكل من المحب للّه والمحبوب اللّه
يجذب إلى الله.
وهكذا إذا كان الحب لغير الله، كما إذا أحب كل من الشخصين
٦٠٨

الآخر بصورة : كالمرأة مع الرجل ، فإن المحب يطلب المحبوب والمحبوب
يطلب المحب ، بانجذاب المحبوب ، فإذا كانا متحابين صار كل منها جاذبا
مجذوبا من الوجهين ، فيجب الاتصال ، ولو كان الحب من أحد الجانبين
لكان المحب يجذب المحبوب والمحبوب يجذبه ، لكن المحبوب لايقصد
جذبه ، والمحب يقصد جذبه وينجذب .
وهذا ((سبب التأثير في المحبوب)) إما تمثل يحصل في قلبه فينجذب
وإما أن ينجذب بلا محبة : كما يأكل الرجل الطعام ، ويلبس الثوب ،
ويسكن الدار ، ونحو ذلك من المحبوبات التى لا إرادة لها .
وأما (( الحيوان)» فيحب بعضه بعضا بكونه سبباً للإحسان إليه وقد
جبلت النفوس على حب من أحسن إليها ، لكن هذا فى الحقيقة إنما
هو محبة الإحسان ، لا نفس المحسن، ولو قطع ذلك لاضمحل ذلك الحب
وربما أعقب بغضا ، فإنه ليس لله عز وجل .
فإن من أحب إنسانا لكونه يعطيه ، فما أحب إلا العطاء ، ومن قال :
إنه يحب من يعطيه للّه فهذا كذب ومحال وزور من القول ، وكذلك من
أحب إنسانا لكونه ينصره إنما أحب النصر لا الناصر . وهذا كله من
اتباع ما تهوى الأنفس، فإنه لم يحب فى الحقيقة إلا ما يصل إليه من جلب
منفعة أو دفع مضرة ، فهو إنما أحب تلك المنفعة ودفع المضرة وإنما
٦٠٩

أحب ذلك لكونه وسيلة إلى محبوبه ، وليس هذا حباً لله ولا
لذات المحبوب.
وعلى هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض ، وهذا لا يثابون
عليه في الآخرة ولا ينفعهم؛ بل ربما أدى ذلك إلى النفاق والمداهنة ،
فكانوا فى الآخرة من الأخلاء الذين بعضهم لبعض عدو إلا المتقين.
وإنما ينفعهم فى الآخرة الحب فى الله ولله وحده، وأما من يرجو النفع
والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه الله فهذا من دسائس النفوس
ونفاق الأقوال .
وإنما ينفع العبد الحب الله لما يحبه الله من خلقه كالأنبياء والصالحين
لكون حبهم يقرب إلى الله ومحبته وهؤلاء هم الذين يستحقون محبة
اللّه لهم.
ونبينا كان يعطى المؤلفة قلوبهم ويدع آخرين ثم أحب إليه من
الذي يعطي ؛ يكلهم إلى ما في قلوبهم من الإيمان ، وإنما كان يعطي المؤلفة
قلوبهم لما فى قلوبهم من الهلع والجزع ؛ ليكون ما يعطيهم سبباً لجلب
قلوبهم إلى أن يحبوا الإسلام فيحبوا الله، فكان مقصوده بذلك دعوة
القلوب إلى حب الله عز وجل وصرفها عن ضد ذلك؛ ولهذا كان يعطي
أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم فى النار منعهم بذلك العطاء عما
٦١٠

يكرهه منهم فكان يعطي للّه ويمنع الله. وقد قال: ((من أحب الله
وأبغض لله وأعطى الله ومنح اللّه فقد استكمل الإيمان)) وفى صحيح
البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنى والله إنما أنا قاسم
لا أعطي أحداً ولا أمنح أحداً ولكن أضع حيث أمرت)).
وصورة المحبوب المتمثلة فى النفس بتحرك لها المحب ويريد لها
ويحب ويبغض ويبتهج وينشرح عند ذكرها من أي جنس كانت ، فتبقى
هى كالآمر الناهي له ؛ ولهذا يجد فى نفسه كأنها تخاطبه بأمر ونهى
وغير ذلك كما يرى كثير من الناس من يحبه ويعظمه فى منامه وهو
يأمره وينهاه ويخبره بأمور.
والمشركون تتمثل لهم الشياطين فى صور من يعبدونه .
تأمرهم وتنهام.
والقائلون بالشاهد والمنتسبون إلى السلوك يقول أحدم : إنه
تخاطب في باطنه على لسان الشاهد، فمنهم من يصلي بالليل وذاك بلزائه
ليشاهده فى الضوء، ومنهم من يشاهده فى حال السماع في غيره، ويظنون
أنهم يخاطبون ويجدون المريد فى قلوبهم بذلك ، وذلك لأنهم يتمثلونه فى
أنفسهم، وربما كان الشيطان يتمثل فى صورته فيجدون فى نفوسهم خطابا
من تلك الصورة فيقولون خوطبنا من جهته. وهذا وإن كان موجوداً فى
٦١١

المخاطب فمن المخاطب له ؟ فالفرقان هنا . فإنما ذلك المخاطب من وسواس
الشيطان والنفس .
وقد يخاطبون بأشياء حسنة رشوة منه لهم ، ولا يخاطبون بما
يعرفون أنه باطل ، لئلا ينفرون منه ، بل الشيطان يخاطب أحدم بما
يرى أنه حق ، والراهب إذا راض نفسه فمرة يرى فى نفسه صورة
التثليث ، وربما خوطب منها لأنه كان قد يتمثلها قبل ذلك ، فلما
انصقلت نفسه بالرياضة ظهرت له ، والمؤمن الذي يحب الله ورسوله
يرى الرسول فى منامه بحسب إيمانه ، وكذلك يرى الله تعالى فى منامه
بحسب إيمانه، كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
ولهذا كثير من أهل الزهد والعبادة يكون من أعوان الكفار
ويزعم أنه مأمور بذلك ، ويخاطب به ويظن أن الله هو الذي أمره
بذلك، واللّه منزه عن ذلك، وإنما الآمر له بذلك النفس والشيطان
وما فى نفسه من الشرك، إذ لو كان مخلصاً لله الدين لما عرض له شيء
من ذلك ، فإن هذا لا يكون إلا لمن فيه شرك في عبادته ، أو عنده
بدعة ، ولا يقع هذا لمخلص متمسك بالسنة ألبتة .
وإذا كانت ((الرؤيا)) على ((ثلاثة اقسام)»:
رؤيا من الله .
٦١٢

ورؤيا من حديث النفس .
ورؤيا من الشيطان .
فكذلك ما يلقى فى نفس الإنسان فى حال يقظته ((ثلاثة أقسام))
ولهذا كانت الأحوال ((ثلاثة)) رحمانى ، ونفسانى ، وشيطانى.
وما يحصل من نوع المكاشفة والتصرف ((ثلاثة أصناف)) ملكى
ونفسي ، وشيطانى ، فإن الملك له قوة ، والنفس لها قوة ، والشيطان
له قوة ، وقلب المؤمن له قوة . فما كان من الملك ومن قلب المؤمن
فهو حق ، وما كان من الشيطان ووسوسة النفس فهو باطل .
وقد اشتبه هذا بهذا على طوائف كثيرة ، فلم يفرقوا بين أولياء
الله وأعداء الله ، بل صاروا يظنون فى من هو من جنس المشركين
والكفار - أهل الكتاب من وجوه كثيرة - أنه من أولياء الله
المتقين . والكلام فى هذا مبسوط فى موضع آخر .
ولهذا فى هؤلاء من يرى جواز قتال الأنبياء ، ومنهم من يرى
أنه أفضل من الأنبياء ، إلى أنواع أخر . وذلك لأنه حصل لهم من
الأنواع الشيطانية والنفسانية ماظنوا أنها من كرامات الأولياء ، فظنوا
٦١٣

أنهم منهم ، فكان الأمر بالعكس . وأصل هذا أنهم تعبدوا بما تحبه
النفس ؛ وأما العبادة بما يحبه الله ويرضاه فلا يحبونه ولا يريدونه
وحده ، ويرون أنهم إذا عبدوا الله بما أمر به ورسله حط لهم عن
منصب الولاية ، فيحدثون محبة قوية ونألهاً وعبادة وشوقا وزهداً ؛
ولكن فيه شرك وبدعة .
ومحبة («التوحيد)) إنما تكون لله وحده على متابعة رسوله ؛ كما
قال تعالى: ( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )؛
فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم ؛ يحبون للّه ،
ويبغضون له. وثم على ملة إبراهيم. والذين معه ( إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّا
بُرَءَؤْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ كَفَرْنَابِكُمْ وَبَدَابَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبْدًا حَتَّى
تُؤْمِنُواْبِاللهِوَحْدَهُ) وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ،
ولا مجاهدين فى سبيل الله، فليست هي المحبة الإخلاصية. فإنها
مقرونة بالتوحيد .
ولهذا سمى أبو طالب المكى كتابه « قوت القلوب فى معاملة المحبوب
ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد ))
والله سبحانه أعلم .
٦١٤

قال شيخ الإسلام
رحمه الله
فصل
قد كتبت فى كراسة الحوادث فصلا فى ((جماع الزهد والورع)):
وأن ((الزهد)) هو عما لا ينفع إما لانتفاء نفعه ، أو لكونه
مرجوحا ؛ لأنه مفوت لما هو أنفع منه ، أو محصل لما يربو ضرره على
نفعه . وأما المنافع الخالصة أو الراجحة : فالزهد فيها حمق .
وأما (( الورع)) فإنه الإمساك عما قد يضر ، فتدخل فيه المحرمات
والشبهات لأنها قد تضر . فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه
ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام ، كالراعي حول الحمى يوشك
أن يواقعه .
وأما (( الورع)) عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة - لما
٦١٥

تقترن به من جلب منفعة راجحة ، أو دفع مضرة أخرى راجحة -
فجهل وظلم. وذلك يتضمن ((ثلاثة أقسام)) لا يتورع عنها : المنافع
المكافأة، والراجحة والخالصة : كلباح المحض ، أو المستحب، أو الواجب
فإن الورع عنها ضلالة .
وأنا أذكر هنا تفصيل ذلك فأقول :
((الزهد » خلاف الرغبة . يقال : فلان زاهد فى كذا . وفلان
راغب فيه. و((الرغبة)) هي من جنس الإرادة . فالزهد فى الشيء
انتفاء الإرادة له، إما مع وجود كراهته وإما مع عدم الإرادة
والكراهة بحيث لا يكون لا مريداً له ولا كارهاً له، وكل من لم يرغب
فى الشيء ويريده فهو زاهد فيه .
وكما أن سبيل الله يحمد فيه الزهد فيما زهد الله فيه من فضول
الدنيا فتحمد فيه الرغبة والإرادة لما حمد الله إرادته والرغبة فيه ؛
ولهذا كان أساس الطريق الإرادة . كما قال تعالى: (وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
وقال تعالى : ( وَمَنْ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ )
أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا )
ونظاره متعددة.
٦١٦

كما رغب فى ((الزهد)) وذم ضده فى قوله: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَّةَ
الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى
) وقال تعالى: (أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ ) السورة.
اَلْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
وقال تعالى: ( وَتَأْكُلُونَ الثُّرَاثَ أَكْلًا لَّمَّا * وَتُحِبُونَ الْمَالَ
حُبَّاجَعًا) وقال: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ.
لِحُبِّ الْخَيِ لَشَدِيدُ) وقال تعالى: ( أَعْلَمُوْأَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبُ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ) الآية . وهذا باب واسع.
وإنما المقصود هنا يميز («الزهد الشرعي)» من غيره، وهو الزهد
المحمود، وميز ((الرغبة الشرعية)) من غيرها ، وهي الرغبة المحمودة،
فإنه كثيراً ما يشتبه الزهد بالكل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية
وكثيراً ما تشتبه الرغبة الشرعية بالحرص والطمع والعمل الذي ضل
سعي صاحبه .
وأما (( الورع)) فهو اجتناب الفعل واتقاؤه ، والكف والإمساك
عنه والحذر منه ، وهو يعود إلى كراهة الأمر والنفرة منه والبغض له
وهو أمر وجودي أيضاً - وإن كان قد اختلف فى المطلوب بالنهي .
هل هو عدم المنهي عنه ، أو فعل ضده ؟ وأكثر أهل الإثبات على
الثاني - فلا ريب أنه لا يسمى ورعا ، ومتورعا، ومتقياً ، إلا إذا
وجد منه الامتناع والإمساك الذي هو فعل ضد المنهي عنه .
٦١٧

و ((التحقيق)» أنه مع عدم المنهي عنه يحصل له عدم مضرة الفعل
المنهي عنه ، وهو ذمه وعقابه ونحو ذلك ، ومع وجود الامتناع والانقاء
والاجتناب يكون قد وجد منه عمل صالح وطاعة وتقوى ، فيحصل له
منفعة هذا العمل ، من حمده وثوابه ، وغير ذلك . فعدم المضرة لعدم
السيئات ، ووجود المنفعة لوجود الحسنات .
فتلخص أن (( الزهد)) من باب عدم الرغبة والإرادة فى المزهود
فيه. و((الورع)) من باب وجود النفرة والكراهة للمتورع عنه ،
وانتفاء الإرادة إنما يصلح فيما ليس فيه منفعة خالصة أو راجحة ، وأما
وجود الكراهة فإنما يصلح فيا فيه مضرة خالصة أو راجحة ، فأما إذا
فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة ، أو منفعته ومضرته سواء من كل
وجه ؛ فهذا لا يصلح أن يراد ، ولا يصلح أن يكره ، فيملح فيه
الزهد ، ولا يصلح فيه الورع ، فظهر بذلك أن كل ما يصلح فيه
الورع يصلح فيه الزهد ، من غير عكس ، وهذا بين . فإن ما صلح
أن يكره وينفر عنه صلح ألا يراد ولا يرغب فيه ، فإن عدم الإرادة
أولى من وجود الكراهة ؛ ووجود الكراهة مستلزم عدم الإرادة من
غير عكس . وليس كل ما صلح ألا يراد يصلح أن يكره ؛ بل قد
يعرض من الأمور ما لا تصلح إرادته ولا كراهته ، ولا حبه ولا بغضه
ولا الأمر به ، ولا النهي عنه.
٦١٨

وبهذا يتبين : أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا
ورع ؛ وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع. وأما
المباحات فيصلح فيها الزهد دون الورع ، وهذا القدر ظاهر تعرفه
بأدفى تأمل .
وإنما الشأن فيما إذا تعارض في الفعل . هل هو مأمور به ؟ أو
منهي عنه؟ أو مباح؟ وفيما إذا اقترن بما جنسه مباح ما يجعله مأموراً
به أو منهياً عنه ، أو اقترن بالمأمور به ما يجعله منهياً عنه وبالعكس .
فعند اجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وتعارضها ؛ يحتاج
إلى الفرقان .
سـ
٦١٩

و قال
فصل
قول بعض الناس : الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على
الإطلاق ، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من ((الرهبانيات ،
والعبادات المبتدعة)» التى لم يشرعها الله ورسوله من جنس محريمات
المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي
ذمه النبى صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ((هلك المتنطعون))؛
وقال: (( لو مد لي الشهر لواصلت وصالاً بدع المتعمقون تعمقهم))
- مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع
أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتعرى والمشي
الذي يضر الإنسان بلا فائدة : مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر
أن يصوم وأن يقوم قائماً ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (( مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم
٦٢٠