النص المفهرس

صفحات 561-580

وقد أودع الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ((حقائق التفسير)) من
هذا قطعة .
وليس المقصود الآن الكلام فى هذا فإنه باب آخر .
وإنما الغرض بيان حكم ذكر الاسم وحده من غير كلام تام ، وقد
ظهر بالأدلة الشرعية أنه غير مستحب .
وكذلك بالأدلة العقلية الذوقية ؛ فإن الاسم وحده لا يعطي إيمانا
ولا كفراً، ولا هدى ولا ضلالاً، ولا علماً ولا جهلا، وقد يذكر
الذاكر اسم نبي من الأنبياء ، أو فرعون من الفراعنة ، أو صنم من
الأصنام، ولا يتعلق بمجرد اسمه حكم إلا أن يقرن به ما يدل على نفي
أو إثبات ، أو حب أو بغض، وقد يذكر الموجود والمعدوم .
ولهذا اتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الاسم
وحده لا يحسن السكوت عليه ؛ ولا هو جملة تامة ؛ ولا كلاماً مفيداً
ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا يقول: أشهد أن محمداً رسولَ اللّه.
قال : فعل ماذا ؟! فإنه لما نصب الاسم صار صفة ، والصفة من تمام
الاسم الموصوف ، فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد ؛ ولكن المؤذن
قصد الخبر ولحن .
٥٦١

ولو كرر الإنسان اسم ((الله)) ألف ألف مرة لم يصر بذلك
مؤمناً، ولم يستحق ثواب الله ولا جنته ؛ فإن الكفار من جميع
الأمم يذكرون الاسم مفرداً، سواء أقروا به وبوحدانيته أم لا ؛ حتى
( فَكُلُوِْمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَاللَّهِ
إنه لما أمرنا بذكر اسمه كقوله :
وقوله: (وَلَا تَأْكُلُواْمِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ أَسْمُ اُللَّهِ عَلَيْهِ)
عَلَيْهِ ).
وقوله: (سَبِجِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله: (فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِكَ الْعَظِيمِ)
ونحو ذلك: كان ذكر اسمه بكلام تام مثل أن يقول :
بسم الله ، أو يقول : سبحان ربي الأعلى ، وسبحان ربي العظيم ،
ونحو ذلك . ولم يشرع ذكر الاسم المجرد قط ، ولا يحصل بذلك
امتثال أمر ولا [ حل صيد ](١) ولا ذبيحة ولا غير ذلك.
فإن قيل : فالذاكر أو السامع للاسم المجرد قد يحصل له وجد
محبة ، وتعظيم الله ، ونحو ذلك .
قلت : نعم ، ويثاب على ذلك الوجد المشروع ، والحال الإيماني
لا لأن مجرد الاسم مستحب ، وإذا سمع ذلك حرك ساكن القلب ،
وقد يتحرك الساكن بسماع ذكر محرم أو مكروه ، حتى قد يسمع المسلم
من يشرك بالله ؛ أو يسبه فيثور فى قلبه حال وجد ومحبة لله بقوة نفرته
(١) بالأصل كلمة لم تتضح لقدم الأصل ولعل ما بين القوسين هو المعنى المقصود.
٥٦٢

وبغضه لما سمعه، وقد قال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إن
أحدنا ليجد فى نفسه ما لأن يحترق حتى بصير حممة أو يخر من السماء
إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به . قال : أو قد وجدتموه ؟!
قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)) وفى رواية ((قال: الحمد لله
الذي رد كيده إلى الوسوسة )»
فالشيطان لما قذف فى قلوبهم وسوسة مذمومة محرك الإيمان الذي
فى قلوبهم بالكراهة لذلك ، والاستعظام له ، فكان ذلك صريح
الإيمان : ولا يقتضى ذلك أن يكون السبب الذي هو الوسوسة
مأموراً به .
والعبد أيضاً قد يدعوه داع إلى الكفر أو المعصية فيستعصم ويمتنع
ويورثه ذلك إيمانا وتقوى ؛ وليس السبب مأموراً به ؛ وقد قال تعالى:
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ
*
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَأَنْقَلَبُواْبِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ)
الآية . فهذا الإيمان الزائد والتوكل كان سبب تخويفهم بالعدو وليس
ذلك مشروعا بل العبد يفعل ذنباً فيورثه ذلك توبة يحبه الله بها ، ولا
يكون الذنب مأموراً به ، وهذا باب واسع جداً.
ففرق بين أن يكون نفس السبب موجباً للخير ومقتضياً ، وبين
٥٦٣

أن لا يكون؛ وإنما نشأ الخير من المحل . فالمأمور به من الكلمات
الطيبات والأعمال الصالحات ، هي موجبة للخير والرحمة والثواب . وإذا
اقترن بها قوة إيمان العبد وما يجده من حلاوة الايمان وتذوقه من
طعمه تضاعف الخير والرحمة والبركة ، وما ليس مأموراً به : إما من
فعل العبد : محرمه ومكروهه ومباحه . وإما من فعل غيره معه : من
الإنس والجن ، وإما من الحوادث السمائية التى يصيبه بها الرب ، إذا
صادفت منه إيماناً ويقيناً فركت ذلك الإيمان واليقين ، وازداد العبد
بذلك [إيمانا] لم يكن ذلك مما يوجب أن تحب تلك الأسباب، أو تحمد أو
يؤمر بها ، إذا لم يكن كذلك ، فإنها ليست مقتضية لذلك الخير، وإنما
مقتضاها تحريك الساكن وطال ما جرت إلى شر وضرر.
ويشبه هذا الباب ذكر الحب المطلق والشوق المطلق ، والوجل
المطلق ، وما يتضمن ذلك من نظم ونثر ، فإن هذا من المجمل أيضاً :
يشترك فيه المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، فلذلك لم يشرعها الله
ورسوله، ولم يأمر بها فإن اللّه إنما يأمر بالخير والعمل الصالح والبر
وذلك ليس من هذا الباب ، فإن شعر المحبين مشترك بين محب الإيمان
ومحب الأوثان ، ومحب النسوان ، ومحب المردان ، ومحب الأوطان ،
ومحب الأخدان .
٥٦٤

فثبت بما ذكرناه أن ذكر الاسم المجرد ليس مستحباً ؛ فضلاً عن
أن يكون هو ذكر الخاصة .
وأبعد من ذلك ذكر ((الاسم المضمر)) وهو: (( هو)). فإن
هذا بنفسه لا يدل على معين، وإنما هو بحسب ما يفسره من مذكور
أو معلوم فيبقى معناه بحسب قصد المتكلم ونيته ؛ ولهذا قد يذكر به
من يعتقد [ أن] الحق الوجود المطلق. وقد يقول: ((لا هو إلا هو))
ويسرى قلبه فى ((وحدة الوجود)) ومذهب فرعون والإسماعيلية
وزنادقة هؤلاء المتصوفة المتأخرين بحيث يكون قوله ((هو)) كقوله :
((وجوده)). وقد يغنى بقوله: ((لا هو إلا هو)) أي: أنه هو الوجود
وأنه ما ثم خلق أصلاً ، وأن الرب والعبد والحق والخلق شيء
واحد. كما بينته من مذهب ((الاتحادية )) فى غير هذا الموضع .
ومن أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن
الشرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول إلينا صلى الله عليه وسلم. فإن
البدع هي : مبادئ الكفر ومظان الكفر . كما أن السنن المشروعة هي :
مظاهر الإيمان ، ومقوية للإيمان ؛ فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
كما أخبر الله عن زيادته في مثل قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) وقوله: ( أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَّا)
٥٦٥

(
وقوله: ( هُوَالَّذِىّ أَنَزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْإِيمَنَا مَّعَ إِيَمَنِهِمْ
وغير ذلك.
فإن قيل : إذا لم يكن هذا الذكر مشروعا . فهل هو مكروه؟
قلت : أما فى حق المغلوب فلا يوصف بكراهة ؛ فإنه قد
يعرض للقلب أحوال يتعسر عليه فيها نطق اللسان مع امتلاء القلب
بأحوال الإيمان ، وربما تيسر عليه ذكر الاسم المجرد دون الكلمة التامة
وهؤلاء يأتون على ما فى قلوبهم من أحوال الإيمان وما قدروا عليه
من نطق اللسان ؛ فإن الناس فى الذكر أربع طبقات :
( إحداها ) الذكر بالقلب واللسان ، وهو المأمور به.
( الثاني ) الذكر بالقلب فقط ، فإن كان مع عجز اللسان حسن
وإن كان مع قدرته فترك للأفضل .
( الثالث ) الذكر باللسان فقط ، وهو كون لسانه رطباً بذكر
اللّه، وفيه حكاية التى لم يجد الملائكة فيه خيراً إلا حركة لسانه بذكر
الله. ويقول اللّه تعالى: (( أنا مع عبدي ما ذكرنى وتحركت بي شفتاه.
( الرابع ) عدم الأمرين وهو حال الخاسرين .
٥٦٦

وأما مع تيسر الكلمة التامة فالاقتصار على مجرد الاسم مكرراً
بدعة ، والأصل فى البدع الكراهة .
وما نقل عن ((أبى يزيد)) و((النوري)) و((الشبلي)) وغيرهم:
من ذكر الاسم المجرد ، فمحمول على أنهم مغلوبون ، فإن أحوالهم
تشهد بذلك، مع أن المشايخ الذين ثم أصبح من هؤلاء وأكمل لم
يذكروا إلا الكلمة التامة ، وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول،
وليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق .
والله أعلم .
٥٦٧

وقال الشيخ رحمه الله
فصل
في الصراط المستقيم: في ((الزهد)) و ((العبادة)) و((الورع))
فى ترك المحرمات والشهوات، و((الاقتصاد)) فى العبادة . وأن لزوم
ء
السنة هو يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة ، فإن
أصحابها لا بد أن يقعوا فى الآصار والأغلال ، وإن كانوا متأولين، فلابد
لهم من اتباع الهوى ؛ ولهذا سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء ؛ فإن
طريق السنة على وعدل وهدى ؛ وفى البدعة جهل وظلم ، وفيها اتباع
الظن وما تهوى الأنفس .
و ((الرسول)) ما ضل وما غوى، و((الضلال)) مقرون بالغي؛
فكل غاو ضال ؛ والرشد ضد الفي والهدى ضد الضلال ، وهو مجانبة
طريق الفجار وأهل البدع ، كما كان السلف ينهون عنها . قال تعالى :
( ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَتَّبَعُواْالشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ).
٥٦٨

و ((الغي)) فى الأصل: مصدر غوى يغوي غياً؛ كما يقال: لوى
يلوى لياً. وهو ضد الرشد كما قال تعالى: (وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ
لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ).
و ((الرشد)» العمل الذي ينفع صاحبه ، والغي العمل الذي يضر
صاحبه ، فعمل الخير رشد ، وعمل الشر غي ؛ ولهذا قالت الجن :
(وَنَّ لَا نَدْرِىَ أَشَرِّأُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْرَُهُمْ رَشَدًا)
فقابلوا بين الشر وبين الرشد، وقال في آخر السورة: (قُلْ إِنِّ لَآ أَمْلِكُ
لَكُضَرَّا وَلَا رَشَدًا) ومنه ((الرشيد)) الذي يسلم إليه ماله. وهو
الذي يصرف ماله فيما ينفع لا فيما يضر .
وقال الشيطان: (لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) وهو
أن يأمرهم بالشر الذي يضرم فيطيعونه كما قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِىَ
عَلَيْكُمْ مِن سُلْطٍَ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُوْلِى) وقال: (وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُلِلْغَاوِينَ)
إلى أن قال: ( فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَلْغَاوُونَ * وَحُنُودُ إِيْلِسَ أَجْمَعُونَ ) وقال :
) وقال :
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنَا
)
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ).
)
ثم إن ((الغي)) إذا كان اسماً لعمل الشر الذي يضر صاحبه فإن
عاقبة العمل أيضاً تسمى غياً، كما أن عاقبة الخير تسمى رشداً ، كما
٥٦٩

يسمى عاقبة الشر شراً، وعاقبة الخير خيراً ؛ وعاقبة الحسنات حسنات ؛
وعاقبة السيئات سيئات .
((فالحسنات والسيئات)» في كتاب الله يراد بها أعمال الخير
وأعمال الشر ، كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل،
فمن عمل خيراً وحسنات لقي خيراً وحسنات ، ومن عمل شراً وسيئات
لقي شراً وسيئات . كذلك من عمل غياً لقي غياً، وترك الصلاة واتباع
الشهوات غي يلقى صاحبه غياً . فلهذا قال الزمخشري : كل شر عند
العرب غي ، وكل خير رشاد . كما قيل :
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغولا بعدم على الفي لائماً .
وقال الزجاج : جزاؤه غي ؛ لقوله : ( يَلْقَ أَثَامًا ) أي مجازاة
آثام. وفى الحديث المأثور: ((إن غيا واد فى جهنم تستعيذ منه
أوديتها )) وهذا تعبير عن ملاقاة الشر، وقال سبحانه: (أَضَاعُواْ
الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُوْالشَّهَوَتِ ) فإن الصلاة فيها إرادة وجه الله. كما قال
تعالى: ( وَلَ تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِوَالْعَشِ يُرِيدُونَوَجْهَهُ
: (
أي يصلون صلاة الفجر والعصر . والداعي يقصد ربه ويريده ، فتكون
القلوب فى هذه الأشياء مريدة لربها محبة له .
٥٧٠

و (اتباع الشهوات) هو اتباع ما تشتهيه النفس؛ فإن ((الشهوات))
جمع شهوة، والشهوة هى فى الأصل : مصدر، ويسمى المشتهى شهوة .
تسمية للمفعول باسم المصدر . قال تعالى: ( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ
أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ) فجعل التوبة فى مقابلة اتباع الشهوات، فإنه يريد
أن يتوب علينا : أي فالله يحب لنا ذلك ويرضاه ويأمر به ، ( وَيُرِيدُ
اُلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ ) وهم الغاوون ( أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا) يعدل
بكم عن الصراط المستقيم إلى اتباع الشهوات عدولاً عظيماً ، فإن أصل
((الميل)) العدول ، فلا بد منه الذين يتبعون الشهوات ، كما قال صلى
الله عليه وسلم: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم
الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)) رواه أحمد وابن ماجه
من حديث ثوبان .
فأخبر أنا لا نطيق الاستقامة أو ثوابها إذا استقمنا. وقال: ( وَلَن
تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِ لُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةِ ) فقوله: ((كل الميل)) أي يريد نهاية الميل، يريد الزيغ عن
الطريق ، والعدول عن سواء الصراط إلى نهاية الشر ؛ بل إذا بليت
بذلك فتوسط ، وعد إلى الطريق بالتوبة .
كما فى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ميل المؤمن كميل
الفرس فى اخيته يحول ثم يرجع إلى آخيته. كذلك المؤمن يحول ثم يرجع
٥٧١

إلى ربه)) قال تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
السَمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) إلى قوله: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ)
فلم يقل لا يظلمون ولا يذنبون. بل قال: ( إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَّةً أَوْ ظَلَمُوَاْ
أَنْفُسَهُمْ ) أي بذنب آخر غير الفاحشة ؛ فعطف العام على الخاص . كما
قال موسى: (رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى ) وقالت بلقيس: (رَبِّ إِى ظَلَمْتُ
نَفْسِى ) وقال تعالى عموماً عن أهل القرى المهلكة: (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن
ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ) فظلموا أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه؛ وبعصيانهم لأنبيائهم؛
وبتركهم التوبة إلى ربهم .
وقوله تعالى: ( ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ) ولهذا قال :
( وَلَهُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) ثم قال: (يُرِيدُ اللَّهُأَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ
اُلْإِنسَنُ ضَعِيفًا
) . قال مجاهد وغيره : يتبعون الشهوات الزنا
وقال ابن زيد : ثم أهل الباطل . وقال السدي : م اليهود والنصارى
والجميع حق ؛ فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر ، وقد يكون مع
الاعتراف بأنها معصية .
ثم ذكر أنه ( خُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا ) وسياق الكلام يدل على
أنه ضعيف عن ترك الشهوات ، فلابد له من شهوة مباحة يستغنى بها
عن المحرمة ؛ ولهذا قال طاووس ومقاتل: ضعيف فى قلة الصبر عن
النساء ، وقال الزجاج وابن كيسان : ضعيف العزم عن قهر الهوى .
وقيل : ضعيف فى أصل الخلقة ؛ لأنه خلق من ماء مهين ، يروى ذلك
٥٧٢

عن الحسن ، لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر
ليناسب ما ذكر فى الآية، فإنه قال: ( يُرِيدُ اللَّهُأَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ
(
وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون إليه ولا تصبروا
عنه. كما أباح نكاح الفتيات؛ وقد قال قبل ذلك: (لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ
مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
فهو سبحانه مع إباحته نكاح الإماء عند عدم الطول وخشية العنت
قال: ( وَأَنْ تَصْبِرُواْخَيْرٌلَّكُمْ ) فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع
خشية العنت وأنه ليس النكاح كإباحة الميتة عند المخمصة ، فإن ذلك لا
يمكن الصبر عنه.
وكذلك من أباح ((الاستمناء)) عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء
أفضل . فقد روى عن ابن عباس : أن نكاح الإماء خير منه ، وهو
خير من الزنا ، فإذا كان الصبر عن نكاح الإمام أفضل فعن الاستمناء
بطريق الأولى أفضل .
لاسيما وكثير من العلماء أو أكثرم يجزمون بتحريمه مطلقاً، وهو
أحد الأقوال فى مذهب أحمد . واختاره ابن عقيل في المفردات والمشهور
عنه - يعني عن أحمد - أنه محرم إلا إذا خشى العنت . والثالث أنه
مكروه إلا إذا خشي العنت. فإذا كان اللّه قد قال فى نكاح الإماء: ( وَأَنْ
٥٧٣

) ففيه أولى . وذلك يدل على أن الصبر عن
تَصْبِرُواْخَيْرٌلَّكُمْ
كليهما ممكن .
فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه ، فذلك لتسهيل التكليف كما
قال تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا
(
و («الاستمناء)) لا يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفاً سواء
خشي العنت أو لم يخش ذلك . وكلام ابن عباس وما روى عن أحمد
فيه إنما هو لمن خشي ((العنت)) وهو الزنا واللواط خشية شديدة
خاف على نفسه من الوقوع فى ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة
عنته وشهوته .
وأما من فعل ذلك تلذذاً أو تذكراً أو عادة ؛ بأن يتذكر فى حال
استمنائه صورة كأنه يجامعها ، فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره
وقد أوجب فيه بعضهم الحد والصبر عن هذا من [ الواجبات لا
من ] المستحبات .
وأما الصبر عن المحرمات فواجب ، وإن كانت النفس تشتهيها
وتهواها. قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ فِكَ مَا حَتَّى يُغْنِيَهُمُاللهُ
مِن فَضْلِهِ) و((الاستعفاف)) هو ترك المنهي عنه. كما فى الحديث
٥٧٤

الصحيح عن أبى سعيد الخدري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((من يستعفف بعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن بتصبر
يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)).
((فالمستغني)) لا يستشرف بقلبه، و((المستعف» هو الذي لا
يسأل الناس بلسانه، و((المتصبر)» هو الذي لا يتكلف الصبر. فأخبر
أنه من يتصبر يصبره الله . وهذا كأنه فى سياق الصبر على الفاقة ، بأن
يصبر على حرارة الحاجة ، لا يجزع مما ابتلى به من الفقر ، وهو الصبر
فى البأساء والضراء. قال تعالى: (وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ
وَحِينَ الْبَأْسِ ).
و ((الضراء)) المرض. وهو الصبر على ما ابتلى به من حاجة
ومرض وخوف . والصبر على ما ابتلى به باختياره كالجهاد ؛ فإن الصبر
عليه أفضل من الصبر على المرض الذي يبتلى به بغير اختياره ؛ ولذلك
إذا ابتلى بالعنت فى الجهاد فالصبر على ذلك أفضل من الصبر عليه فى
بلده ؛ لأن هذا الصبر من تمام الجهاد . وكذلك لو ابتلى فى الجهاد بفاقة
أو مرض حصل بسببه كان الصبر عليه أفضل . كما قد بسط هذا
فى مواضع .
وكذلك مايؤذي الإنسان به فى فعله للطاعات كالصلاة والأمر بالمعروف
٥٧٥

والنهي عن المنكر وطلب العلم من المصائب ، فصبره عليها أفضل من
صبره على ما ابتلي به بدون ذلك ، وكذلك إذا دعته نفسه إلى محرمات:
من رئاسة ، وأخذ مال ، وفعل فاحشة كان صبره عنه أفضل من صبره
على ماهو دون ذلك ؛ فإن أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم
مما دونها.
فإن فى ((العلم)) و((الإمارة)) والجهاد)) و((الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر)) و((الصلاة)) و((الحج)) و ((الصوم)» و
((الزكاة)) من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها . ويعرض فى
ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور . فإذا كانت النفس غير
قادرة على ذلك لم تطمع فيه ، كما تطمع مع القدرة ؛ فإنها مع القدرة
تطلب تلك الأمور المحرمة ؛ بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع
القدرة جهاد ؛ بل هو من أفضل الجهاد . وأكمل من ثلاثة أوجه :
( أحدها ) : أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر
على المصائب .
( الثاني ) : أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها
أفضل من تركها بدون ذلك .
( الثالث ) : أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر ديني - كمن
٥٧٦

خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل إليه من ذلك فإن
صبره عن ذلك - يتضمن فعل المأمور وترك المحظور ؛ بخلاف ما إذا
مالت نفسه إلى ذلك بدون عمل صالح ؛ ولهذا كان يونس بن عبيد
يوصي بثلاث يقول : لا تدخل على سلطان ، وإن قلت: آمره بطاعة
الله. ولا تدخل على امرأة، وإن قلت : أعلمها كتاب الله. ولا تصغ
أذنك إلى صاحب بدعة ، وإن قلت : أرد عليه .
فأمره بالاحتراز من (( أسباب الفتنة)) فإن الإنسان إذا تعرض
لذلك فقد يفتتن ولا يسلم .
فإذا قدر أنه ابتلي بذلك بغير اختياره أو دخل فيه باختياره ، وابتلي فعليه
أن يتقي الله ويصبر ويخلص ويجاهد. وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه
بالواجب من أفضل الأعمال، كمن تولى ولاية وعدل فيها ، أو رد على أصحاب
البدع بالسنة المحضة ولم يفتنوه ، أو على النساء الدين على الوجه
المشروع من غير فتنة .
لكن الله إذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه، وإذا تعرض العبد
بنفسه إلى البلاء وكله الله إلى نفسه. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم
لعبد الرحمن بن سمرة: (( لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن
مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ) وكذلك
٥٧٧

قال فى الطاعون: (( إذا وقع ببلد وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه
وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه)) فمن فعل ما أمره الله به فعرضت
له فتنة من غير اختياره فإن الله يعينه عليها بخلاف من تعرض لها.
لكن باب التوبة مفتوح ؛ فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل
إليها ، ثم يندم فيتوب من سؤاله فيتوب اللّه عليه ويعينه؛ إما على إقامة
الواجب ، وإما على الخلاص منها ؛ وكذلك سائر الفتن . كما قال:
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَّ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
)
جَمِيعًا ) وهذه الأمور تحتاج إلى بسط لا يتسع له هذا
الموضع .
و ( المقصود ) أن الله سبحانه يريد أن يبين لنا ويهدينا سنن
أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَلُهُمُ
الذين من قبلنا الذين قال فيهم : (
أَقْتَدِة) وهم الذين أمرنا أن نسأله الهداية لسبيلهم فى قوله : ( أَهْدِنَا
الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فهو يحب لنا ويأمرنا
أن نتبع صراط هؤلاء ، وهو سبيل من أناب إليه ، فذكر هنا ثلاثة
أمور : البيان ، والهداية، والتوبة .
وقيل : المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل . أي : يريد
أن يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء فيهدي عباده المؤمنين إلى الحق ،
٥٧٨

ويضل آخرين ، فإن الهدى والضلال إنما يكون بعد البيان . كما قال :
(وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّ بِلِسَانِ فَوْمِهِ، لِيُبَِّنَ لَمّفَيُضِلُ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى
مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا
بَعْدَ إِذْهَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ)
فتكون (سنن ) متعلقاً بيبين يعنى سنن أهل الباطل لا بيهدى ، وأهل
الحق متعلق بقوله : ويهديكم . وقال الزجاج : السنن الطرق ، فالمعنى
يدلكم على طاعته ، كما دل الأنبياء وتابعيهم ، وهذا أولى ؛ لأنه قد
يقدم فعلين فلا يجعل الأول هو العامل وحده ؛ بل العامل إما الثانى
وحده، وإما الاثنان، كقوله: (ءَاتُونِيّ أُفْرِعْ عَلَيْهِ قِطْرًا )
أو إذا أريد هذا التقدير : يبين لكم سنن الذين من قبلكم
ويهديكم سنناً . فدل على أنه يهدينا سننهم . والمراد بذلك سنن أهل
) فإنه قال بعدها:
الحق ، بخلاف قوله : ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُفَنٌ
) فإنه أراد
فَسِيرُواْ فِى اُلْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
تعريف عقوبة الظالمين بالعيان ، وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به
سنن الذين من قبلنا ، وهم الذين أنعم الله عليهم. وذكر ثلاثة أمور:
((التبيين)) و((الهدى)) و((التوبة))؛ لأن الإنسان أو لا يحتاج
إلى معرفة الخير والشر وما أمر به وما نهى عنه ، ثم يحتاج بعد ذلك
٥٧٩

إلى أن يهدى فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل . وهو سنن الأنبياء
والصالحين . ثم لابد له بعد ذلك من الذنوب فيريد أن يتطهر منها بالتوبة
فهو محتاج إلى العلم والعمل به ، وإلى التوبة مع ذلك ، فلا بد له من
التقصير أو الغفلة في سلوك تلك السنن التى هداه الله إليها، فيتوب
منها بما وقع من تفريط فى كل سنة من تلك السنن، وهذه ((السنن))
تدخل فيها الواجبات والمستحبات ، فلا بد للسالك فيها من تقصير وغفلة
فيستغفر الله ويتوب إليه . فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع
أن يقوم لله بالحق الذي أوجبه عليه، فما يسعه إلا الاستغفار والتوبة
عقيب كل طاعة .
وقد قال: ((الهداية)) هنا البيان والتعريف أي: يعرفكم سنن
الذين من قبلكم من أهل السعادة والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا
هذه، كما قال تعالى: ( وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ) قال علي وابن مسعود :
سبيل الخير والشر . وعن ابن عباس : سبيل الهدى والضلال . وقال
مجاهد : سبيل السعادة والشقاوة : أي فطرنا على ذلك ، وعرفناه
إياه ، والجميع واحد . والنجدان الطريقان الواضحان ، والنجد المرتفع
من الأرض ، فالمعنى ألم نعرفه طريق الخير والشر ونينه له ڪتبيين
الطريقين العاليين ؛ لكن الهدى والتيين والتعريف فى هذه الآية يشترك
٥٨٠