النص المفهرس
صفحات 461-480
و (بالجملة ) الأفعال التى يمكن دخولها تحت الأمر والنهي لا تكون مستوية من كل وجه ، بل إن فعلت على الوجه المحبوب كان وجودها خيراً للعبد ؛ وإلا كان تركها خيراً له وإن لم يعاقب عليها ، ففضول المباح التى لا تعين على الطاعة عدمها خير من وجودها ، إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة الله، فإنها تكون شاغلة له عن ذلك، وأما إذا قدر أنها تشغله عما دونها فهي خير له مما دونها، وإن شغلته عن معصية الله كانت رحمة فى حقه ، وإن كان اشتغاله بطاعة الله خيراً له من هذا وهذا . وكذلك أفعال الغفلة والشهوة التى يمكن الاستعانة بها على الطاعة : كالنوم الذي يقصد به الاستعانة على العبادة ؛ والأكل والشرب واللباس والنكاح الذي يمكن الاستعانة به على العبادة ؛ إذا لم يقصد به ذلك كان ذلك نقصاً من العبد وفوات حسنة ؛ وخير يحبه الله . ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد: (( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في فى امرأتك)) وقال فى الصحيح: ((نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة )). فما لا يحتاج إليه من المباحات ، أو يحتاج إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة فعدمه خير من وجوده ، إذا كان مع عدمه يشتغل بما هو ٤٦١ خير منه، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( فى بضع أحدكم صدقة . قالوا : يا رسول الله! يأتى أحدنا شهوته ويكون له أجر . قال : أرأيتم لو وضعها فى الحرام أما كان عليه وزر ؟ قالوا : بلى ! قال : فكذلك إذا وضعها فى الحلال كان له بها أجر . فلم تعتدون بالحرام ولا تعتدون بالحلال)). وذلك أن المؤمن عند شهوة النكاح يقصد أن يعدل عما حرمه اللّه إلى ما أباحه الله: ويقصد فعل المباح معتقداً أن الله أباحه ((والله يجب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته )) كما رواه الإمام أحمد في المسند ورواه غيره ، ولهذا أحب القصر والفطر ، فعدول المؤمن عن الرهبانية والتشديد وتعذيب النفس الذي لا يحبه الله إلى ما يحبه الله من الرخصة هو من الحسنات التى يثيبه الله عليها، وإن فعل مباحاً لما اقترن به من الاعتقاد والقصد الذين كلاهما طاعة لله ورسوله . فإنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى. و ( أيضاً) فالعبد مأمور بفعل ما يحتاج إليه من المباحات ، هو مأمور بالأكل عند الجوع والشرب عند العطش ، ولهذا يجب على المضطر إلى الميتة أن يأكل منها ، ولو لم يأكل حتى مات كان مستوجباً للوعيد ، كما هو قول جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم ، وكذلك هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه ، بل وهو مأمور ٤٦٢ بنفس عقد النكاح إذا احتاج إليه وقدر عليه . فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( فى بضع أحدكم صدقة)) فإن المباضعة مأمور بها لحاجته ولحاجة المرأة إلى ذلك ، فإن قضاء حاجتها التى لا تنقضى إلا به بالوجه المباح صدقة . و «السلوك)) سلوكان : سلوك الأبرار أهل اليمين ، وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطناً وظاهراً . و (الثاني ) : سلوك المقربين السابقين، وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان، وترك المكروه والمحرم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )». وكلام الشيوخ الكبار: كالشيخ («عبد القادر)) وغيره بشير إلى هذا السلوك ؛ ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب وينهون عما هو مكروه غير محرم ، فإنهم يسلكون بالخاصة مسلك الخاصة ، وبالعامة مسلك العامة، وطريق الخاصة طريق المقربين ألا يفعل العبد إلا ما أمر به ، ولا يريد إلا ما أمر الله ورسوله بإرادته ، وهو ما يحبه ٤٦٣ اللّه ويرضاه، ويريده إرادة دينية شرعية، وإلا فالحوادث كلها مرادة له خلقاً وتكويناً . والوقوف مع الإرادة الخلقية القدرية مطلقاً غير مقدور عقلاً ، ولا مأمور شرعاً؛ وذلك لأن من الحوادث ما يجب دفعه ولا تجوز إرادته ، كمن أراد تكفير الرجل أو تكفير أهله ، أو الفجور به أو بأهله أو أراد قتل النبى وهو قادر على دفعه ، أو أراد إضلال الخلق وإفساد دينهم ودنياهم ، فهذه الأمور يجب دفعها وكراهتها ؛ ولا يجوز إرادتها . وأما الامتناع عقلا ؛ فلأن الإنسان مجبول على حب ما يلائمه وبغض ما ينافره ، فهو عند الجوع يحب ما يغنيه كالطعام ، ولا يحب ما لا يغنيه كالتراب فلا يمكن أن تكون إرادته لهذين سواء . وكذلك يحب الإيمان والعمل الصالح الذي ينفعه ، ويبغض الكفر والفسوق الذي يضره ، بل ويحب الله وعبادته وحده ، ويبغض عبادة ما دونه. كما قال الخليل: ( أَفَيْتُمْمَاكُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ اُلْأَقْدَمُونَ * فَإِنَهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّرَبَّ الْعَلَمِينَ ) وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنََّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَ وَأْمِنْكُمْ وَمِمَاتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ ) . ٤٦٤ فقد أمرنا الله أن نتأسي بإبراهيم والذين معه إذ تبرؤوا من المشركين ومما يعبدونه من دون الله، وقال الخليل: ( إِنَّنِى بَآءٌ مِمَّ تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ) والبراءة ضد الولاية ، وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب، وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا يحب إلا الله، ويحب ما يحبه الله لله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا للّه. قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبَّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) . والفرق ثابت بين الحب لله والحب مع الله ، فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير الله لله، والمشركون يحبون غير الله مع الله، كب المشركين لآلهتهم، وحب النصارى للمسيح، وحب أهل الأهواء رؤوسهم . فإذا عرف أن العبد مفطور على حب ما ينفعه ، وبغض ما يضره لم يمكن أن تستوي إرادته لجميع الحوادث فطرة وخلقاً، ولا هو مأمور من جهة الشرع أن يكون مريداً لجميع الحوادث ، بل قد أمره الله بإرادة أمور وكراهة أخرى . ٤٦٥ والرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه )) قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ وفى الحديث اُلْذِيبُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «يقول الله تعالى: إنى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بى مالم أزل به سلطانا )). و((الحنيفية)) هي الاستقامة بإخلاص الدين لله، وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيء ، لا فى الحب ولا في الذل ، فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل ، وذلك لا يستحقه إلا الله وحده، وكذلك الخشية والتقوى لله وحده، والتوكل على الله وحده . والرسول يطاع ويحب ، فالخلال ما أحله والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه. قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ اُلْفَآئِزُونَ ) وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ). ٤٦٦ وهذا حقيقة دين الإسلام . والرسل بعثوا بذلك، كما قال تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىبِهِ،نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الّذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ) وقال تعالى: (يَأَيُّها الرُّسُلُ كُلُوْمِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتِكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ ) . فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به ، فلا بد أن يكون مريداً محباً لما أمره الله بإرادته ومحبته، كارها مبغضاً لما أمره الله بكراهته وبغضه. والناس في هذا الباب «أربعة أنواع)) : أكملهم الذين يحبون ما أحبه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله ، فيريدون ما أمرجم الله ورسوله بإرادته، ويكرهون ما أمرهم اللّه ورسوله بكراهته، وليس عندهم حب ولا بغض لغير ذلك. فيأمرون بما أمر الله به ورسوله، ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون عما نهى الله عنه ورسوله ، ولا ينهون عن غير ذلك ، وهذه حال الخليلين أفضل البرية : محمد وإبراهيم صلى الله عليها وسلم، وقد ٤٦٧ ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إن الله اتخذنى خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)) وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((إنى والله لا أعطي أحداً، ولا أمنح أحداً ، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت )). وذكر : أن ربه خيره بين أن يكون نبياً ملكا ؛ وبين أن يكون عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً. فإن ((النبى الملك)» مثل داود وسليمان ، قال تعالى: ( هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْأَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قالوا : معناه أعط من شئت ، وامنع من شئت ، لايحاسبك. ((فالنى الملك)» يعطي بإرادته لا يعاقب على ذلك ، كالذي يفعل المباحات بإرادته، وأما ((العبد الرسول)) فلا يعطى ولا يمنع إلا بأمر ربه ، وهو محبته ورضاه وإرادته الدينية ، والسابقون المقربون أتباع العبد الرسول ، والمقتصدون أهل اليمين أتباع التى الملك ، وقد يكون للإنسان حال هو فيها خال عن الإرادتين : وهو ألا تكون له إرادة فى عطاء ولا منع ، لا إرادة دينية هو مأمور بها، ولا إرادة نفسانية سواء كان منهياً عنها أو غير منهي عنها ، بل ما وقع كان مراداً له ، ومهما فعل به كان مراداً له ، من غير أن يفعل المأمور به شرعا فى ذلك . ٤٦٨ فهذا بمنزلة من له أموال يعطيها وليس له إرادة في إعطاء معين ، لا إرادة شرعية ولا إرادة مذمومة ؛ بل يعطى كل أحد . فهذا إذا قدر أنه قام بما يجب عليه بحسب إمكانه ولكنه خفي عليه الإرادة الشرعية فى تفعيل أفعاله . فإنه لا يذم على ما فعل ولا يمدح مطلقاً . بل يمدح لعدم هواه، ولو على تفصيل المأمور به وأراده إرادة شرعية لكان أكمل . بل هذا مع القدرة إما واجب وإما مستحب . وحال هذا خير من حال من يريد بحكم هواه ونفسه ؛ وإن كان ذلك مباحاً له ، وهو دون من يريد بأمر ربه لا بهواه ، ولا بالقدر المحض . فمضمون هذا المقام أن الناس فى المباحات من الملك والمال وغير ذلك على « ثلاثة أقسام)) : ( قوم ) لا يتصرفون فيها إلا بحكم الأمر الشرعي . وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم . وهو حال العبد الرسول ومن اتبعه فى ذلك . و ( قوم ) يتصرفون فيها بحكم إرادتهم والشهوة التى ليست محرمة . وهذا حال النى الملك . وهو حال الأبرار أهل اليمين . و (قوم) لا يتصرفون بهذا ولا بهذا. أما (( الأول ) فلعدم ٤٦٩ علمهم به. وأما (( الثانى)) فلزهدم فيه ؛ بل يتصرفون فيها بحكم القدر المحض ، اتباعا لإرادة الله الخلقية القدرية حين تعذر معرفة الإرادة الشرعية الأمرية، وهذا كالترجيح بالقرعة إذا تعذر الترجيح بسبب شرعي معلوم ، وقد يتصرف هؤلاء في هذا المقام بإلهام يقع فى قلوبهم وخطاب . وكلام ((الشيخ عبد القادر)) - قدس الله روحه - كثيراً مايقع فى هذا المقام ؛ فإنه يأمر بالزهد فى إرادة النفس وهواها، حتى لا يتصرف بحكم الإرادة والنفس ، وهذا رفع له عن حال الأبرار أهل اليمين وعن طريق الملوك مطلقاً ، ومن حصل هذا وتصرف بالأمر الشرعي المحمدي القرآنى فهو أكمل الخلق ، لكن هذا قد يخفى عليه ؛ فإن معرفة هذا على التفصيل قد يتعذر أو يتعسر فى كثير من المواضع ألا ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ فى بني قريظة فحكم بقتل مقاتلتهم ، وبسبى ذراريهم ، وغنيمة أموالهم . قال: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)). وذلك أن تخيير ولي الأمر بين القتل والاسترقاق ، والمن والفداء ليس تخيير شهوة، بل تخيير رأي ومصلحة ، فعليه أن يختار الأصلح ، فإن اختار ذلك فقد وافق حكم الله، وإلا فلا . ولما كان هذا يخفى كثيراً قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ٤٧٠ الصحيح : ((إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ماحكم الله فيهم، ولكن أزلهم على حكمك وحكم أصحابك )) والحاكم الذي ينزل أهل الحمن على حكمه عليه أن يحكم باجتهاده، فلما أمر سعد بما هو الأرضى لله، والأحب إليه ، حكم بحكمه ، ولو حكم بغير ذلك لنفذ حكمه فإنه حكم باجتهاده ، وإن لم يكن ذلك هو حكم الله فى الباطن . ففي مثل هذه الحال التى لايتبين الأمر الشرعي فى الواقعة المعينة يأمر الشيخ عبد القادر وأمثاله من الشيوخ: ((تارة)) بالرجوع إلى الأمر الباطن والإلهام إن أمكن ذلك، و((تارة)) بالرجوع إلى القدر المحض لتعذر الأسباب المرجحة من جهة الشرع ، كما يرجح الشارع بالقرعة . فهم يأمرون ألا يرجح بمجرد إرادته وهواه ، فإن هذا إما محرم وإما مكروه ، وإما منقص ، فهم فى هذا الهي كنهيهم عن فضول المباحات . ثم إن تبين لهم الأمر الشرعي وجب الترجيح به ، وإلا رجحوا : إما ((بسبب باطن)) من الإلهام والذوق، وإما (( بالقضاء والقدر)) الذي لا يضاف إليهم. ومن يرجح فى مثل هذه الحال ((باستخارة الله)) كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة فى الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن ، فقد أصاب . ٤٧١ وهذا كما أنه إذا تعارضت أدلة ((المسألة الشرعية)) عند الناظر المجتهد، وعند المقلد المستفتى ، فإنه لا يرجح شيئاً؛ بل ما جرى به القدر أفروه، ولم ينكروه. وتارة يرجح أحدهم: إما بمنام، وإما برأي مشير ناصح ، وإما برؤية المصلحة فى أحد الفعلين . وأما الترجيح بمجرد الاختيار ، بحيث إذا تكافأت عنده الأدلة يرجح بمجرد إرادته واختياره . فهذا ليس قول أحد من أئمة الإسلام ، وإنما هو قول طائفة من أهل الكلام ، ولكن قاله طائفة من الفقهاء فى العامي المستفتى: إنه يخير بين المفتين المختلفين . وهذا كما أن طائفة من السالكين إذا استوى عنده الأمران في الشريعة رجح بمجرد ذوقه وإرادته ، فالترجيح بمجرد الإرادة التى لا تستند إلى أمر علمي باطن ولا ظاهر، لا يقول به أحد من أئمة العلم والزهد . فأئمة الفقهاء والصوفية لا يقولون هذا . ولكن من جوز لمجتهد أو مقلد الترجيح بمجرد اختياره وإرادته فهو نظير من شرع للسالك الترجيح بمجرد إرادته وذوقه . لكن قد يقال : القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بإرادته فهو ترجيح شرعي . وعلى هذا التقدير ليس من هذا فمن غلب على قلبه إرادة ما يحبه الله، وبغض ما يكرهه الله، إذا لم يدر فى الأمر المعين ٤٧٢ هل هو محبوب الله أو مكروه ، ورأى قلبه يحبه أو يكرهه كان هذا ترجيحاً عنده . كما لو أخبره من صدقه أغلب من كذبه ، فإن الترجيح بخبر هذا عند انسداد وجوه الترجيح ترجيح بدليل شرعي . ففي ((الجملة)) متى حصل ما يظن معه أن أحد الأمرين أحب إلى اللّه ورسوله كان هذا ترجيحاً بدليل شرعى، والذين أنكروا كون الإلهام طريقاً على الإطلاق أخطأوا، كما أخطأ الذين جعلوه طريقاً شرعياً على الإطلاق . ولكن إذا اجتهد السالك فى الأدلة الشرعية الظاهرة فلم ير فيها ترجيحاً ، وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين مع حسن قصده وعمارته بالتقوى ، فإلهام مثل هذا دليل فى حقه ؛ قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة ؛ والأحاديث الضعيفة ، والظواهر الضعيفة ، والاستصحابات الضعيفة التى يحتج بها كثير من الخائضين فى المذهب ، والخلاف وأصول الفقه . وفى الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله تعالى : إِنَّ فِى ذَلِكَ لَتِ لِلْمَُّوَسِمِينَ).)) وقال عمر بن الخطاب: اقتربوا ) من أفواه المطيعين ؛ واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنه تتجلى لهم أمور ٤٧٣ صادقة. وقد ثبت في الصحيح قول الله تعالى: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، وبده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها في يسمع وبى ببصر ، وبى يبطش وبى يمشي)) و ( أيضاً ) فالله سبحانه وتعالى فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف ، وبغض المنكر ، فإذا لم تستحل الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق ، فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان ، منورة بنور القرآن ، وخفي عليها دلالة الأدلة السمعية الظاهرة ، ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين، كان هذا من أقوى الأمارات عند مثله، وذلك أن الله علم القرآن والإيمان. قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحُيًا الآية . ثم قال : أَوْ مِن وَرَآَبِحِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا ) (وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُنُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا) وقال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً . وفى الصحيحين عن حذيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله أنزل الأمانة فى جذر قلوب الرجال، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة )) وفى الترمذي وغيره حديث النواس عن النبى صلى الله عليه ٤٧٤ وسلم أنه قال: (( ضرب الله مثلا صراطا مستقيما. وعلى جنبتى الصراط سوران ، وفى السورين أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وداع يدعو على رأس الصراط ، وداع يدعو من فوق الصراط . فالصراط المستقيم هو الإسلام ، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي - أو كما قال - ياعبد الله! لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه . والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مؤمن )) . فقد بين أن فى قلب كل مؤمن واعظ ، والواعظ الأمر والنهي بترغيب وترهيب؛ فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن مطابق الأمر القرآن ونهيه، ولهذا يقوى أحدهما بالآخر. كما قال تعالى: (ثُورُ عَلَى نُورٍ ) قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا سمع بالأثر كان نوراً على نور . نور الإيمان الذي فى قلبه يطابق نور القرآن ، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل ؛ فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤنى الآخر . كما فى الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب. ومثل ٤٧٥ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ؛ ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ربح وطعمها مر)). والإلهام فى القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد ، وتارة يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب ، فقد يقع في قلبه أن هذا القول أرجح وأظهر وأصوب، وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر، وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن فى أمتى أحد فعمر )) والمحدث الملهم المخاطب، وفى مثل هذا قول النى صلى الله عليه وسلم فى حديث وابصة: ((البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب والإثم ما حاك فى نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك)) وهو في السنن . وفى صحيح مسلم عن النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البر حسن الخلق والإتم ما حاك فى نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) وقال ابن مسعود: الإم حزاز القلوب . و ( أيضاً ) فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن يقيناً أو ظناً، فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى ، فإنه إلى كشفها أحوج ، لكن هذا فى الغالب لابد أن يكون كشفاً بدليل ، وقد يكون ٤٧٦ بدليل ينقدح فى قلب المؤمن ، ولا يمكنه التعبير عنه ، وهذا أحد ما فسر به معنى ((الاستحسان)). وقد قال من طعن فى ذلك - كأبي حامد وأبى محمد -: مالا يعبر عنه فهو هوس ، وليس كذلك ؛ فإنه ليس كل أحد يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه ، وكثير من الناس يبينها بيانا ناقصاً، وكثير من أهل الكشف يلقي فى قلبه أن هذا الطعام حرام ، أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق ، من غير دليل ظاهر ، وبالعكس قد يلقى فى قلبه محبة شخص وأنه ولي لله أو أن هذا المال حلال. وليس المقصود هنا بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية ؛ لكن إن مثل هذا يكون ترجيحاً لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلة السمعية الظاهرة . فالترجيح بها خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعاً ، فإن التسوية بينهما باطلة قطعاً . كما قلنا : إن العمل بالظن الناشيء عن ظاهر أو قياس خير من العمل بنقيضه إذا احتيج إلى العمل بأحدهما . والصواب الذي عليه السلف والجمهور أنه لابد فى كل حادثة من دليل شرعي ، فلا يجوز تكافؤ الأدلة فى نفس الأمر، لكن قد تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور الترجيح له، وأما من قال: إنه ليس في نفس الأمر حق معين ، بل كل مجتهد عالم بالحق الباطن في المسألة، وليس لأحدهما على الآخر مزية فى علم ولا عمل ، فهؤلاء ٤٧٧ قد يجوزون أو بعضهم تكافؤ الأدلة ، ويجعلون الواجب التخيير بين القولين ، وهؤلاء يقولون ليس على الظن دليل في نفس الأمر ؛ وإنما رجحان أحد القولين هو من باب الرجحان بالميل والإرادة ، كترجيح النفس الغضبية للانتقام، والنفس الحليمة للعفو . وهذا القول خطأ ؛ فإنه لابد فى نفس الأمر من حق معين يصيبه المستدل تارة ويخطئه أخرى . كالكعبة فى حق من اشتبهت عليه القبلة والمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى جهة سقط عنه الفرض بالصلاة إليها ، كالمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى قول فعمل بموجبه كلاهما مطيع لله . وهو مصيب بمعنى أنه مطيح للّه وله أجر على ذلك؛ وليس مصيباً بمعنى أنه علم الحق المعين؛ فإن ذلك لا يكون إلا واحداً ومصيبه له أجران وهذا فى كشف الأنواع التى يكون عليها دليل شرعي لكن قد يخفى على العبد . فإن الشارع بين ( الأحكام الكلية ) . وأما ( الأحكام المعينات ) التى تسمى ((تنقيح المناط)) مثل كون الشخص المعين عدلاً أو فاسقاً أو مؤمناً أو منافقاً أو ولياً لله أو عدواً له، وكون هذا المعين عدواً للمسلمين يستحق القتل، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه ، وكون هذا المال يخاف عليه من ظلم ظالم ، فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله ، فهذه ٤٧٨ الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية العامة الكلية ، بل تعلم بأدلة خاصة تدل عليها . ومن طرق ذلك «الإلهام)) فقد يلهم الله بعض عباده حال هذا المال المعين ، وحال هذا الشخص المعين ، وإن لم يكن هناك دليل ظاهر بشركه فيه غيره . وقصة موسى مع الخضر هي من هذا الباب ، ليس فيها مخالفة لشرع الله تعالى؛ فإنه لا يجوز قط لأحد لا نى ولا ولي أن يخالف شرع الله ، لكن فيها على حال ذاك المعين بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر ، كمن دخل إلى دار وأخذ ما فيها من المال لعلمه بأن صاحبها أذن له وغيره لم يعلم ، ومثل من رأى ضالة أخذها ولم يعرفها ، لعلمه بأنه أتى بها هدية له ، ونحو ذلك . ومثل هذا كثير عند أهل الإلهام الصحيح . و ( النوع الثاني ) عكس هذا. وهو أنهم يتبعون هوام، لا أمر الله؛ فهؤلاء لا يفعلون ولا بأمرون إلا بما يحبونه بهوام، ولا يتركون وينهون إلا عنما يكرهونه بهوام، وهؤلاء شر الخلق . قال تعالى: (أَرَبَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) قال الحسن : هو المنافق لا يهوى شيئاً إلا ركبه . وقال تعالى : ٤٧٩ وقال عمر بن عبد (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَكَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ ) العزيز : لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواء ، ويخالفه إذا خالف هواء ، فإذا أنت لا تثاب على ما اتبعته من الحق ، وتعاقب على ما خالفته. وهو كما قال - رضي الله عنه - لأنه فى الموضعين إنما قصد اتباع هواء لم يعمل لله . ألا ترى أن ((أبا طالب)) نصر النبى صلى الله عليه وسلم، وذب عنه أكثر من غيره ؛ لكن فعل ذلك لأجل القرابة ، لا لأجل الله تعالى، فلم يتقبل الله ذلك منه، ولم يتبه على ذلك؟! وأبو بكر الصديق - رضى الله عنه - أعانه بنفسه وماله لله ؛ فقال الله فيه: ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى * الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزََّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ * إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى). ( القسم الثالث ) : الذي يريد تارة إرادة يحبها الله؛ وتارة إرادة يبغضها الله. وهؤلاء أكثر المسلمين فإنهم يطيعون الله تارة ، ويريدون ما أحبه ، ويعصونه ثارة ويريدون ما يهوونه، وإن كان يكرهه . و (القسم الرابع ) : أن يخلو عن الإرادتين، فلا يريد الله ولا لهواه ، وهذا يقع لكثير من الناس فى بعض الأشياء، ويقع لكثير ٤٨٠