النص المفهرس

صفحات 441-460

الصحيح عن أبي موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا
مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو
صحيح مقيم)).
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فى غزوة تبوك
«إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم،
قالوا : وهم بالمدينة ؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر)) فهؤلاء كانوا
قاصدين للعمل الذي كانوا يعملونه راغبين فيه لكن عجزوا فصاروا بمنزلة
العامل ؛ بخلاف من زال عقله فإنه ليس له قصد صحيح ولا عبادة
أصلا ، بخلاف أولئك فإن لهم قصداً صحيحاً يكتب لهم به الثواب .
وأما إن كان قبل جنونه كافراً أو فاسقاً أو مذنباً لم يكن حدوث
الجنون به مزيلا لما ثبت من كفره وفسقه ، ولهذا كان من جن من
اليهود والنصارى بعد تهوده وتنصره محشوراً معهم ، وكذلك من جن
من المسلمين بعد إيمانه وتقواه محشوراً مع المؤمنين من المتقين . وزوال
العقل بجنون أو غيره سواء سمى صاحبه مولهاً أو متولهاً لا يوجب مزيد
حال صاحبه من الإيمان والتقوى ، ولا يكون زوال عقله سبباً لمزيد
خيره ولا صلاحه ولا ذنبه ؛ ولكن الجنون يوجب زوال العقل ، فيبقى
على ما كان عليه من خير وشر، لا أنه يزيده ولا ينقصه ، لكن جنونه
يحرمه الزيادة من الخير ، كما أنه يمنع عقوبته على الشر .
٤٤١

وأما إن كان زوال عقله بسبب محرم : كشرب الخمر ، وأكل
الحشيشة ، أو كان يحضر السماع الملحن فيستمع حتى يغيب عقله، أو
الذي يتعبد بعبادات بدعية حتى يقترن به بعض الشياطين فيغيروا عقله
أو بأ كل بنجا يزيل عقله ، فهؤلاء يستحقون النم والعقاب على ما أزالوا
به العقول . وكثير من هؤلاء يستجلب الحال الشيطانى بأن يفعل
ما يحبه فيرقص رقصاً عظيما حتى يغيب عقله ، أو يغط ويخور حتى يجيئه
الحال الشيطاني ، وكثير من هؤلاء بقصد التوله حتى بصير مولهاً .
فهؤلاء كلهم من حزب الشيطان وهذا معروف عن غير واحد منهم .
واختلف العلماء هل م ((مكلفون)) فى حال زوال عقلهم؟ والأصل
((مسألة السكران)) والمنصوص عن الشافعي وأحمد وغيرهما أنه مكلف
حال زوال عقله . وقال كثير من العلماء ليس مكلفاً ، وهو أحد القولين
فى مذهب الشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن أحمد أن طلاق
السكران لا يقع وهذا أظهر القولين . ولم يقل أحد من العلماء أن
هؤلاء الذين زال عقلهم بمثل هذا يكونون من أولياء الله الموحدين
المقربين وحزبه المفلحين . ومن ذكره العلماء من عقلاء المجانين
الذين ذكروم بخير فهم من القسم الأول الذين كان فيهم خير ثم
زالت عقولهم .
ومن ((علامة هؤلاء)) أنهم إذا حصل لهم فى جنونهم نوع من الصحو
٤٤٢

تكلموا بما كان فى قلوبهم من الإيمان ، لا بالكفر والبهتان بخلاف غيرم
ممن يتكلم إذا حصل له نوع إفاقة بالكفر والشرك ، ويهذى فى زوال
عقله بالكفر فهذا إنما يكون كافراً لا مسلماً ، ومن كان يهذى بكلام لا يعقل
بالفارسية أو التركية أو البربرية وغير ذلك مما يحصل لبعض من يحضر السماع
ويحصل له وجد يغيب عقله حتى يهذي بكلام لا يعقل - أو بغير العربية -
فهؤلاء إنما يتكلم على ألسنتهم الشيطان كما يتكلم على لسان المصروع .
ومن قال : إن هؤلاء أعطاه الله عقولاً وأحوالاً فأبقى أحوالهم
وأذهب عقولهم وأسقط ما فرض عليهم بما سلب .
قبل : قولك وهب الله لهم أحوالآ كلام مجمل؛ فإن الأحوال
تنقسم إلى : حال رحماني ، وحال شيطاني ، وما يكون لهؤلاء من خرق
عادة بمكاشفة وتصرف عجيب، ((فتارة )) يكون من جنس ما يكون
للسحرة والكهان، و((تارة)) يكون من الرحمن من جنس ما يكون
من أهل التقوى والإيمان : فإن كان هؤلاء فى حال عقولهم كانت لهم
مواهب إيمانية ، وكانوا من المؤمنين المتقين فلا ريب أنه إذا زالت
عقولهم سقطت عنهم الفرائض بما سلب من العقول ، وإن كان ما
أعطوه من الأحوال الشيطانية - كما يعطاء المشركون وأهل الكتاب
والمنافقون - فهؤلاء إذا زالت عقولهم لم يخرجوا بذلك مما كانوا عليه
من الكفر والفسوق ، كما لم يخرج الأولون عما كانوا عليه من الإيمان
٤٤٣

والتقوى كما أن نوم كل واحد من الطائفتين وموته وإغماءه لا يزيل
حكم ما تقدم قبل زوال عقله من إيمانه وطاعته أو كفره وفسقه بزوال
العقل ، غايته أن يسقط التكليف .
ورفع القلم لا يوجب حمداً ولا مدحاً ولا ثواباً ولا يحصل لصاحبه
بسبب زوال عقله موهبة من مواهب أولياء الله، ولا كرامة من كرامات
الصالحين ، بل قد رفع القلم عنه كما قد يرفع القلم عن النائم والمغمى
عليه والميت ولا مدح فى ذلك ولا نم ، بل النائم أحسن حالاً من
هؤلاء ؛ ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام ينامون وليس فيهم مجنون ولا
موله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يجوز عليه النوم والإغماء ، ولا يجوز
عليه الجنون، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه
وقد أغمي عليه فى مرضه .
وأما ((الجنون)) فقد نزه الله أنبياءه عنه؛ فإنه من أعظم نقائص
الإنسان ؛ إذ كمال الإنسان بالعقل ، ولهذا حرم الله إزالة العقل بكل
طريق، وحرم ما يكون ذريعة إلى إزالة العقل ، كشرب الخمر ؛ فحرم
القطرة منها وإن لم تزل العقل ؛ لأنها ذريعة إلى شرب الكثير الذي
يزيل العقل ، فكيف يكون مع هذا زوال العقل سبباً أو شرطاً
أو مقربا إلى ولاية الله كما يظنه كثير من أهل الضلال ؟! حتى قال
قائلهم في هؤلاء :
٤٤٤

ثم معشر حلوا النظام وخرقوا السـ
ياج فلا فرض لديهم ولا نفل
مجانين إلا أن سر جنونهم
عزيز على أبوابه يسجد العقل
فهذا كلام ضال ؛ بل كافر " يظن أن للمجنون سراً يسجد العقل
على بابه ؛ وذلك لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة أو تصرف
عجيب خارق للعادة . ويكون ذلك بسبب ما اقترن به من الشياطين
كما يكون السحرة والكهان ، فيظن هذا الضال أن كل من كاشف
أو خرق عادة كان وليا لله . ومن اعتقد هذا فهو كافر بإجماع المسلمين
واليهود والنصارى ؛ فإن كثيراً من الكفار والمشركين فضلا عن أهل
الكتاب يكون لهم من المكاشفات وخرق العادات بسبب شياطينهم
أضعاف ما لهؤلاء؛ لأنه كلما كان الرجل أضل وأكفر كان الشيطان
إليه أقرب ؛ لكن لا بد فى جميع مكاشفة هؤلاء من الكذب
والبهتان . ولا بد فى أعمالهم من فجور وطغيان، كما يكون لإخوانهم
من السحرة والكهان ، قال الله تعالى: (هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *
تَنَُّ عَلَى كُلِّ أَفَالٍ أَشِمٍ )
فكل من تنزلت عليه الشياطين لا بد أن يكون فيه كذب
٤٤٥

وفجور ، من أي قسم كان . والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن
أولياء الله ثم الذين يتقربون إليه بالفرائض، وحزبه المفلحون، وجنده
الغالبون ، وعباده الصالحون . فمن اعتقد فيمن لا يفعل الفرائض ولا
النوافل أنه من أولياء الله المتقين إما لعدم عقله أو جهله أو لغير ذلك
فمن اعتقد فى مثل هؤلاء أنه من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين
وعباده الصالحين فهو كافر مرتد عن دين رب العالمين ، وإذا قال :
أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول اللّه كان من
الكاذبين الذين قيل فيهم: ( إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّالْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ * أَتَّخَذُوَاْأَيْهَنَهُمْ جُنَّةً
فَصَدُّ واعَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْسَآَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْءَامَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه)) فإذا
كان طبع على قلب من ترك الجمع وإن صلى الظهر ، فكيف بمن لا
يصلي ظهراً ولا جمعة ولا فريضة ولا نافلة ولا يتطهر للصلاة لا الطهارة
الكبرى ولا الصغرى ؟! فهذا لو كان قبل مؤمناً ، وكان قد طبع على
قلبه كان كافراً مرتداً بما تركه ولم يعتقد وجوبه من هذه الفرائض ،
وإن اعتقد أنه مؤمن كان كافراً مرتداً ، فكيف يعتقد أنه من أولياء
٤٤٦

الله المتقين. وقد قال تعالى فى صفة المنافقين: ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ
فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ ) أي: استولى، يقال: حاذ الإبل حوذاً إذا استاقها،
فالذين استحوذ عليهم الشيطان فساقهم إلى خلاف ما أمر الله به
(أَمْتَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ
ورسوله قال تعالى :
تَؤُزُّهُمْ أَذَّا ) أي تزعجهم إزعاجا، فهؤلاء (اسْتَحْوَذَ عَلَيَّهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرَ
اللَّهِأُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَيِ هُمُ الْخَسِرُونَ ).
وفى السنن عن أبى الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( ما من ثلاثة فى قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم
الشيطان )) . فأي ثلاثة كانوا من هؤلاء لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة
كانوا من حزب الشيطان الذين استحوذ عليهم لا من أولياء الرحمن
الذين أكرمهم ؛ فإن كانوا عباداً زهاداً ولهم جوع وسهر وصمت
وخلوة كرهبان الديارات والمقيمين فى الكهوف والمغارات كأهل جبل لبنان
وأهل جبل الفتح الذي باسون، وجبل ليسون، ومغارة الم يجبل
قاسيون ، وغير ذلك من الجبال والبقاع التى يقصدها كثير من العباد
الجهال الضلال ويفعلون فيها خلوات ورياضات من غير أن يؤذن ، وتقام
فيهم الصلاة الخمس بل يتعبدون بعبادات لم يشرعها الله ورسوله بل
يعبدونه بأذواقهم ومواجيدم من غير اعتبار لأحوالهم بالكتاب والسنة
٤٤٧

ولا قصد المتابعة لرسول الله الذي قال الله فيه: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِي
الآية، فهؤلاء أهل البدع والضلالات
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبَكُمْ )
من حزب الشيطان لا من أولياء الرحمن. فمن شهد لهم بولاية الله فهو شاهد
زور كاذب وعن طريق الصواب ناكب .
ثم إن كان قد عرف أن هؤلاء مخالفون للرسول، وشهد مع
ذلك أنهم من أولياء الله فهو مرتد عن دين الاسلام إما مكذب
للرسول ، وإما شاك فيما جاء به مرتاب وإما غير منقاد له بل مخالف له
إما جحوداً أو عناداً أو اتباعا لهواه وكل من هؤلاء كافر .
وأما إن كان جاهلا بما جاء به الرسول ، وهو معتقد مع ذلك أنه
رسول اللّه إلى كل أحد فى الأمور الباطنة والظاهرة وأنه لا طريق إلى
الله إلا بمتابعته صلى الله عليه وسلم، لكن ظن أن هذه العبادات
البدعية والحقائق الشيطانية هي مما جاء بها الرسول ولم يعلم أنها من
الشيطان ، لجهله بسنته وشريعته ومنهاجه وطريقته وحقيقته ؛ لا لقصد
مخالفته، ولا يرجو الهدى فى غير متابعته ، فهذا يبين له الصواب ويعرف
ما به من السنة والكتاب، فإن تاب وأناب وإلا ألحق بالقسم الذي قبله
وكان كافراً مرتداً ، ولا تنجيه عبادته ولا زهادته من عذاب الله، كما لم
ينج من ذلك الرهبان وعباد الصلبان وعباد النيران وعباد الأوثان، مع
كثرة من فيهم ممن له خوارق شيطانية ، ومكاشفات شيطانية قال
٤٤٨

تعالى: (قُلْ هَلْ نُنِّئَُّ بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) .
قال سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف نزلت في أصحاب
الصوامع والديارات. وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وغيره أنهم كانوا يتأولونها فى الحرورية ونحوم من أهل البدع
والضلالات . وقال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى
فالأفاك هو الكذاب والأثيم الفاجر كما قال :
كُلِّ أَقَّاكٍ أَشِمٍ )
لَنَسْفَعَابِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) .
)
ومن تكلم فى الدين بلا علم كان كاذبا وإن كان لا يتعمد الكذب،
كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم لما قالت له سبيعة
الأسلمية وقد توفى عنها زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع فكانت
حاملا فوضعت بعد موت زوجها بليال قلائل ، فقال لها أبو السنابل بن
بعكك : ما أنت بناكمة حتى يمضى عليك آخر الأجلين فقال النبى صلى
اللّه عليه وسلم: (( كذب أبو السنابل، بل حللت فانكحي)) وكذلك لما
قال سلمة بن الأكوع إنهم يقولون : أن عامراً قتل نفسه وحبط عمله
فقال: (( كذب من قالها ؛ إنه لجاهد مجاهد)) وكان قائل ذلك لم يتعمد
الكذب فإنه كان رجلا صالحاً ، وقد روى أنه كان أسيد بن الحضير ؛
لكنه لما تكلم بلا علم كذبه النبي صلى الله عليه وسلم.
٤٤٩

وقد قال أبو بكر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة فيما يفتون
فيه باجتهادهم : إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فهو مني ومن
الشيطان واللّه ورسوله بريئان منه. فإذا كان خطأ المجتهد المغفور له هو
من الشيطان فكيف بمن تكلم بلا اجتهاد يبيح له الكلام فى الدين ؟
فهذا خطؤه أيضاً من الشيطان مع أنه يعاقب عليه إذا لم يتب، والمجتهد
خطؤه من الشيطان وهو مغفور له ؛ كما أن الاحتلام والنسيان وغير
ذلك من الشيطان وهو مغفور بخلاف من تكلم بلا اجتهاد يبيح له
ذلك، فهذا كاذب آثم فى ذلك، وإن كانت له حسنات في غير ذلك فإن
الشيطان ينزل على كل إنسان ويوحي إليه بحسب موافقته له، ويطرد
بحسب إخلاصه لله وطاعته له قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَرُّ ) .
وعباده هم الذين عبدوه بما أمرت به رسله من أداء الواجبات
والمستحبات، وأما من عبده بغير ذلك فإنه من عباد الشيطان ؛ لا من
عباد الرحمن. قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّءَادَمَ أَنْ لَّا تَعْبُدُواْ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّقُبِينٌ * وَأَنْ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ
مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُو ◌ْتَعْقِلُونَ ).
والذين يعبدون الشيطان أكثرهم لا يعرفون أنهم يعبدون الشيطان
بل قد يظنون أنهم يعبدون الملائكة أو الصالحين، كالذين يستغيثون بهم
٤٥٠

ويسجدون لهم فهم في الحقيقة إنما عبدوا الشيطان وإن ظنوا أنهم
يتوسلون ويستشفعون بعباد الله الصالحين. قال تعالى: (وَيَوْمَ يُحِشْرَهُمْ
جَمِيعَاتُمَ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِنَّاكُمُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَامِن
دُونِهِمْ بَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْحِنَّ أَ كْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس
ووقت غروبها؛ فإن الشيطان يقارنها حينئذ حتى يكون سجود عباد الشمس له.
وهم يظنون أنهم يسجدون للشمس وسجوده للشيطان ، وكذلك أصحاب دعوات
الكواكب الذين يدعون كوكباً من الكواكب ويسجدون له ويناجونه
ويدعونه ويصنعون له من الطعام واللباس والبخور والتبركات(١) ما يناسبه ،
كما ذكره صاحب ((السر المكتوم)) المشرقى، وصاحب ((الشعلة النورانية))
البوني المغربي وغيرها ؛ فإن هؤلاء تنزل عليهم أرواح تخاطبهم وتخبرهم
ببعض الأمور وتقضي لهم بعض الحوائج ويسمون ذلك
روحانية الكواكب .
ومنهم من يظن أنها ملائكة وإنما هى شياطين تنزل عليهم ، قال
تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَلَهُ، قَرِينٌ)
وذكر الرحمن هو الذي أنزله وهو الكتاب والسنة اللذان قال الله فيها
وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْمِنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمبِهِ
(
)
(١) نسخة والتسبيحات.
٤٥١

وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ )
وقال تعالى: ( هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّعِنَ رَسُولًاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَلِهِ، وَيُزَكِّهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ )
وهو الذكر الذي قال الله فيه:
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَيْفِظُونَ ) فمن أعرض عن هذا الذكر وهو
الكتاب والسنة قيض له قرين من الشياطين فصار من أولياء الشيطان
بحسب ما تابعه .
وإن كان موالياً للرحمن تارة وللشيطان أخرى كان فيه من الإيمان
وولاية اللّه بحسب ما والى فيه الرحمن، وكان فيه من عداوة الله والنفاق
بحسب ما والى فيه الشيطان ، كما قال حذيفة بن اليمان القلوب ((أربعة))
قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف فذلك
قلب الكافر - و((الأغلف)) الذي يلف عليه غلاف. كما قال تعالى عن
اليهود: ( وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُأَ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) وقد تقدم
قوله صلى الله عليه وسلم ((من ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه)) - وقلب
منكوس فذلك قلب المنافق. وقلب فيه مادتان : مادة تمده للإيمان ومادة
تمده للنفاق فأيهما غلب كان الحكم له. وقد روى هذا فى ((مسند الإمام
أحمد)» مرفوعا .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى
٤٥٢

الله عليه وسلم أنه قال: (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصا ، ومن
كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى بدعها : إذا
اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا
خاصم فجر )) .
فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أن القلب يكون فيه شعبة
نفاق، وشعبة إيمان . فإذا كان فيه شعبة نفاق كان فيه شعبة من
ولايته وشعبة من عداوته؛ ولهذا يكون بعض هؤلاء يجري على يديه
خوارق من جهة إيمانه بالله وتقواه تكون من كرامات الأولياء، وخوارق
من جهة نفاقه وعداوته تكون من أحوال الشياطين ؛ ولهذا أمرنا الله
تعالى: أن نقول كل صلاة: ( أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ).
و ((المغضوب عليهم)) هم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه ،
و ((الضالون)» الذين يعبدون الله بغير علم. ثمن اتبع هواه وذوقه
ووجده ، مع علمه أنه مخالف للكتاب والسنة فهو من (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)
وان كان لا يعلم ذلك فهو من ((الضالين)).
نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم،
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً .
والحمد لله رب العالمين. والعاقبة للمتقين. وصلى الله على محمد .
٤٥٣

وسئل عمى بقول
الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق. هل قوله صحيح؟؟ .
فأجاب : إن أراد بذلك الأعمال المشروعة الموافقة للكتاب والسنة:
كالصلاة، والصدقة، والجهاد، والذكر، والقراءة وغير ذلك. فهذا صحيح.
وإن أراد إلى اللّه طريقاً مخالفاً للكتاب والسنة ؛ فهو باطل .
والله أعلم .
٤٥٤

قال شيخ الإسلام: علامة الزمان
أبو العباس أحمد بن تيمية - قدس الله روحه - ونور ضريحه .
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن
يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .
قال الشيخ أبو محمد ((عبد القادر)) فى كتاب ( فتوح الغيب ) :
لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء :
أمر يمثله .
ونهي يجتنبه.
وقدر يرضى به .
٤٥٥

فأقل حالة لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة ،
فينبغي له أن يلزم بها قلبه ، ويحدث بها نفسه ، ويأخذ بها الجوارح
في كل أحواله )).
( قلت ) : هذا كلام شريف، جامع يحتاج إليه كل أحد، وهو
تفصيل لما يحتاج إليه العبد، وهي مطابقة لقوله تعالى: (إِنَّهُ، مَن يَتَّقِ
وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ولقوله تعالى: ( وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) ولقوله تعالى: ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )؛ فإن ((التقوى)) تتضمن: فعل المأمور،
وترك المحظور، و((الصبر)) يتضمن: الصبر على المقدور. ((فالثلاثة))
ترجع إلى هذين الأصلين ، والثلاثة فى الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر،
وهو طاعة الله ورسوله .
فحقيقة الأمر أن كل عبد فإنه محتاج فى كل وقت إلى طاعة الله
ورسوله ، وهو : أن يفعل فى ذلك الوقت ما أمر به فى ذلك الوقت
وطاعة الله ورسوله هي عبادة الله التى خلق لها الجن والإنس . كما
) وقال تعالى :
قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ ) وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ) .
٤٥٦

والرسل كلهم أمروا قومهم أن يعبدوا الله ، ولا يشركوا به
شيئاً، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ
وَأَجْتَنِبُواْالطَّغُوتَ ) وقال تعالى: ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا
مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَ الِهَةً يُعْبَدُونَ).
وإنما كانت ((الثلاثة)) ترجع إلى امتثال الأمر؛ لأنه فى الوقت
الذي يؤمر فيه بفعل [شيء] من الفرائض: كالصلوات الخمس والحيج ونحو ذلك
يحتاج إلى فعل ذلك المأمور ، وفى الوقت الذي تحدث أسباب المعصية
يحتاج إلى الامتناع والكراهة والإمساك عن ذلك ، وهذا فعل لما أمر
به فى هذا الوقت ، وأما من لم تخطر له المعصية بيال فهذا لم يفعل
شيئاً يؤجر عليه ، ولكن عدم ذنبه مستلزم لسلامته من عقوبة الذنب ،
والعدم المحض المستمر لا يؤمر به، وإنما يؤمر بأمر يقدر عليه العبد ،
وذاك لا يكون إلا حادثاً : سواء كان إحداث إيجاد أمر، أو
إعدام أمر .
وأما ((القدر الذي يرضى به )) فإنه إذا ابتلى بالمرض أو الفقر أو
الخوف فهو مأمور بالصبر أمر إيجاب ، ومأمور بالرضا ، إما أمر إيجاب
وإما أمر استحباب ؛ وللعلماء من أصحابا وغيرم فى ذلك قولان ،
ونفس الصبر والرضا بالمصائب هو طاعة لله ورسوله ، فهو من امتثال
الأمر وهو عبادة لله .
٤٥٧

لكن هذه ((الثلاثة)) وإن دخلت في امتثال الأمر عند الإطلاق
فعند التفصيل والاقتران : إما أن تخص بالذكر وإما أن يقال يراد بهذا
ما لا يراد بهذا، كما فى قوله: ( فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقوله :
(فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ ) فإن هذا داخل فى العبادة إذا أطلق
اسم العبادة ، وعند ((الاقتران)) إما أن يقال : ذكره عموماً
وخصوصاً ، وإما أن يقال ذكره خصوصاً يغني عن دخوله
فى العام.
ومثل هذا قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ) وقوله :
( وَأَذْكُرِأُسْمَ رَبِكَ وَتَبَثَّلْ إِلَيْهِبَبِيلًا * رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْغَرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا *
وَأَصْبِرْ عَلَى مَايَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا )
وقد يقال : لفظ
((التبتيل)) لا يتناول هذه الأمور المعطوفة كما يتناولها لفظ العبادة
والطاعة .
و ((بالجملة)» فرق ما بين ما يؤمر به الإنسان ابتداء ، وبين
ما يؤمر به عند حاجته إلى جلب المنفعة ودفع المضرة ، أو عند حب
الشيء وبغضه .
وكلام الشيخ - قدس الله روحه - يدور على هذا القطب ،
وهو أن يفعل المأمور ويترك المحظور ، ويخلو فيما سواهما عن إرادة ؛
٤٥٨

لئلا يكون له مراد غير فعل ما أمر الله به ، وما لم يؤمر به العبد بل
فعله الرب عز وجل بلا واسطة العبد ، أو فعله بالعبد بلا هوى من
العبد . فهذا هو القدر الذي عليه أن يرضى به .
وسيأتي فى كلام الشيخ ما يبين مراده ، وأن العبد فى كل حال
عليه أن يفعل ما أمر به، ويترك ما نهي عنه . وأما إذا لم يكن هو
أمر العبد بشيء من ذلك فما فعله الرب كان علينا التسليم فيما فعله ،
وهذه هي «الحقيقة)) في كلام الشيخ وأمثاله. وتفصيل الحقيقة الشرعية
فى هذا المقام أن هذا (( نوعان)):
( أحدهما ) : أن يكون العبد مأموراً فيما فعله الرب . إما بحب له
وإعانة عليه . وإما ببغض له ودفع له .
و ( الثاني ) : أن لا يكون العبد مأموراً بواحد منها .
( فالأول ) مثل البر والتقوى الذي يفعله غيره ، فهو مأمور
بحبه وإعانته عليه : كإعانة المجاهدين في سبيل الله على الجهاد ، وإعانة
سائر الفاعلين للحسنات على حسناتهم بحسب الإمكان ، وبمحبة ذلك
والرضا به، وكذلك هو مأمور عند مصيبة الغير : إما بنصر مظلوم، وإما
بتعزية مصاب، وإما بإغناء فقير ونحو ذلك .
٤٥٩

وأما ما هو مأمور بيغضه ودفعه فمثل : ما إذا أظهر الكفر والفسوق
والعصيان ، فهو مأمور بيغض ذلك ودفعه ، وإنكاره بحسب الإمكان
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((من رأى
منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه . فإن لم يستطع
فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان )) .
وأما ما لا يؤمر العبد فيه بواحد منها : فمثل ما يظهر له من فعل
الإنسان للمباحات التى لم يتبين له أنه يستعان بها على طاعة ولا معصية .
فهذه لا يؤمر يحبها ، ولا ببغضها، وكذلك مباحات نفسه المحضة التى لم
بقصد الاستعانة بها على طاعة ولا معصية .
مع أن هذا نقص منه ، فإن الذي ينبغي أنه لا يفعل من المباحات
إلا ما يستعين به على الطاعة ، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة ، فهذا
سبيل المقربين السابقين الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض،
ولم يزل أحدهم يتقرب إليه بذلك حتى أحبه ، فكان سمعه الذي يسمع
به ، وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التي يمشي بها
وأما من فعل المباحات مع الغفلة ، أو فعل فضول المباح التى لا يستعان
بها على طاعة مع أداء الفرائض واجتناب المحارم باطناً وظاهراً، فهذا
من المقتصدين أصحاب اليمين .
٤٦٠