النص المفهرس

صفحات 421-440

واجبة ؛ لأنه سبحانه لم يوجب تلك العبادة ابتداء، بل هو يرضى من
العبد بأن يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم ، لكن هذا الناذر يكون قد
ضيع كثيراً من حقوق اللّه ثم بذل ذلك النذر لأجل تلك النعمة، وتلك
النعمة أجل من أن ينعم الله بها لمجرد ذلك المبذول المحتقر.
وإن كان المبذول كثيراً والعبد مطيع الله: فهو أكرم على الله من
أن يحوجه إلى ذلك المبذول الكثير ؛ فليس النذر سبباً لحصول مطلوبه
كالدعاء ، فإن الدعاء من أعظم الأسباب وكذلك الصدقة وغيرها من
العبادات جعلها الله تعالى أسبابا لحصول الخير ودفع الشر إذا فعلها العبد
ابتداء ، وأما ما يفعله على وجه النذر فإنه لا يجلب منفعة ولا يدفع عنه
مضرة ، لكنه كان بخيلا فلما نذر لزمه ذلك ، فالله تعالى إستخرج
بالنذر من البخيل، فيعطى على النذر مالم يكن يعطيه بدونه
والله أعلم .
٤٢١

سئل شيخ الإسلام
رحمه الله
ما عمل أهل الجنة ؟ وما عمل أهل النار ؟ .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين.
((عمل أهل الجنة)) الإيمان والتقوى، وعمل أهل النار الكفر
والفسوق والعصيان ، فأعمال أهل الجنة الإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره والشهادتان : شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
وصوم رمضان، وحج البيت. وأن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه
فإنه يراك .
ومن ((أعمال أهل الجنة)): صدق الحديث، وأداء الأمانة والوفاء
بالعهد ، وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين
والمملوك من الآدميين والبهائم .
٤٢٢

ومن (( أعمال أهل الجنة)) الإخلاص لله والتوكل عليه، والمحبة
له ولرسوله ، وخشية الله ورجاء رحمته، والإنابة إليه، والصبر على حكمه
والشكر لنعمه .
ومن ((أعمال أهل الجنة)): قراءة القرآن وذكر الله ودعاؤه ومسألته
والرغبة إليه .
ومن (( أعمال أهل الجنة)): الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ،
والجهاد فى سبيل الله للكفار والمنافقين.
ومن (( أعمال أهل الجنة)): أن تصل من قطعك ، وتعطي من
حرمك وتعفو عمن ظلمك ؛ فإن الله أعد الجنة للمتقين . الذين ينفقون فى
السراء والضراء والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله
يحب المحسنين .
ومن ((أعمال أهل الجنة)): العدل فى جميع الأمور، وعلى جميع
الخلق حتى الكفار. وأمثال هذه الأعمال .
وأما ((عمل أهل النار )): فمثل الإشراك بالله، والتكذيب بالرسل
والكفر والحسد، والكذب والخيانة، والظلم والفواحش، والغدر وقطيعة،
الرحم والجين عن الجهاد ، والبخل، واختلاف السر والعلانية، واليأس من
٤٢٣

روح اللّه، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر
عند النعم ، وترك فرائض الله واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف
المخلوق دون الخالق، ورجاء المخلوق دون الخالق ، والتوكل على المخلوق
دون الخالق، والعمل رياء وسمعة ، ومخالفة الكتاب والسنة وطاعة المخلوق
فى معصية الخالق، والتعصب بالباطل ، والاستهزاء بآيات الله وجحد الحق،
والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة .
ومن ((عمل أهل النار)) السحر وعقوق الوالدين وقتل النفس
التى حرم الله بغير الحق ، وأكل مال اليتيم وأكل الربا، والفرار من
الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات .
وتفصيل ((الجملتين)) لا يمكن؛ لكن ((أعمال أهل الجنة)) كلها
تدخل فى طاعة الله ورسوله، و((أعمال أهل النار)) كلها تدخل فى
معصية الله ورسوله، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * وَمَنْ
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُ ودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ, عَذَابُ
مُّهِيرٌ) والله أعلم.
٤٢٤

وقال الشيخ رحم الله
فصل
وأما قوله : هل الأفضل للسالك العزلة أو الخلطة ؟
فهذه ((المسألة)) وإن كان الناس يتنازعون فيها ؟ إما نزاعاً كلياً
وإما حالياً. فحقيقة الأمر: أن ((الخلطة)) تارة تكون واجبة أو
مستحبة ، والشخص الواحد قد يكون مأموراً بالمخالطة تارة ، وبالانفراد
تارة. وجماع ذلك: أن ((المخالطة)) إن كان فيها تعاون على البر
والتقوى فهي مأمور بها ، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان
فهي منهي عنها ، فالاختلاط بالمسلمين فى جنس العبادات : كالصلوات
الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك هو
مما أمر الله به ورسوله .
وكذلك الاختلاط بهم فى الحج وفى غزو الكفار والخوارج
المارقين ، وإن كان أئمة ذلك فجاراً ، وإن كان فى تلك الجماعات فجار،
٤٢٥

وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيماناً: إما لانتفاعه به ، وإما
لنفعه له ، ونحو ذلك .
ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه فى دعائه وذكره وصلانه
وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه ، وما يختص به من الأمور التى
لا يشركه فيها غيره ، فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه ، إما فى
بيته . كما قال طاووس : نعم صومعة الرجل بيته ، يكف فيها بصره
ولسانه . وإما فى غير بيته .
فاختيار المخالطة مطلقاً خطأ ، واختيار الانفراد مطلقاً خطأ . وأما
مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا وهذا وما هو الأصلح له فى
كل حال فهذا يحتاج إلى نظر خاص كما تقدم .
وكذلك ((السبب وترك السبب)): فمن كان قادراً على السبب ،
ولا يشغله عما هو أنفع له فى دينه فهو مأمور به، مع التوكل على الله،
وهذا خير له من أن يأخذ من الناس ولو جاءه بغير سؤال ، وسبب
مثل هذا عبادة الله ، وهو مأمور أن يعبد الله ويتوكل عليه ، فإن
تسبب بغير نية صالحة ، أو لم يتوكل على الله، فهو [غير] (١) مطيع فى
هذا وهذا، وهذه [غير](٢) طريق الأنبياء والصحابة.
وأما من كان من الفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون
(١) (٢) أضيفتا حسب مفهوم السياق
٤٢٦

ضرباً فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، فهذا إما أن يكون
عاجزاً عن الكسب أو قادراً عليه بتفويت ما هو فيه أطوع اللّه من
الكسب ، ففعل ما هو فيه أطوع هو المشروع فى حقه ، وهذا يتنوع
بتنوع أحوال الناس .
وقد تقدم أن الأفضل يتنوع (( تارة )) بحسب أجناس العبادات ،
كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة ، وجنس القراءة أفضل
من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء، و((تارة))
يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر
والعصر هو المشروع دون الصلاة .
و ((تارة)) باختلاف عمل الإنسان الظاهر ، كما أن الذكر والدعاء
في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة ، وكذلك الذكر
والدعاء فى الطواف مشروع بالاتفاق ، وأما القراءة في الطواف ففيها
نزاع معروف .
و ((تارة)» باختلاف الأمكنة : كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة
وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة
ونحوها ، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة ، والصلاة للمقيمين
بمكة أفضل .
٤٢٧

و ((تارة)» باختلاف مرتبة جنس العبادة : فالجهاد للرجال أفضل
من الحج ، وأما النساء فجهادهن الحج ، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها
أفضل من طاعتها لأبويها ؛ بخلاف الأيمة فإنها مأمورة
بطاعة أبويها.
و ((تارة)» يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه : فما يقدر
عليه من العبادات أفضل فى حقه مما يعجز عنه ، وإن كان جنس
المعجوز عنه أفضل ، وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ،
ويتبعون أهواءهم .
فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة
له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ،
ويأمرم بمثل ذلك.
والله بعث محمداً بالكتاب والحكمة، وجعله رحمة للعباد وهدياً لهم
يأمر كل إنسان بما هو أصلح له، فعلى المسلم أن يكون ناصحاً للمسلمين
يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له.
وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له ،
ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل ، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات
٤٢٨

البدنية - كالصلاة والصيام - أفضل له، والأفضل المطلق ما كان
أشبه بحال النبى صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً.
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم.
والله سبحانه وتعالى أعلم .
٤٢٩

وقال الشيخ(١)
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيراً .
أما بعد: اعلم أنه يجب على كل بالغ عاقل من الإنس والجن أن
يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق
ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً. أرسله إلى جميع الخلق: إنسهم
وجنهم، وعربهم وعجمهم، وفرسهم وهندعم، وبريوم ورومهم ، وسائر أصناف
العجم أسودهم وأبيضهم، والمراد بالعجم من ليس بعربى على اختلاف ألسنتهم.
فمحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن
كتابيهم وغير كتابيهم ، فى كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة
والظاهرة ، فى عقائده وحقائقه، وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا
عقيدته ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته ولا شريعة إلا
شريعته ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته
(١) «مسألة فى اتباع الرسول بصريح المعقول)).
٤٣٠

وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهراً فى الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة
فى أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه ، وأقوال اللسان
وأعمال الجوارح .
وليس لله ولي إلا من اتبعه باطناً، وظاهراً، فصدقه فيما أخبر به من
الغيوب، والتزم طاعته فيا فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك
المحرمات . فمن لم يكن له مصدقا فيما أخبر ملتزماً طاعته فيما أوجب ،
وأمر به فى الأمور الباطنة التى فى القلوب والأعمال الظاهرة التى على
الأبدان لم يكن مؤمناً فضلا عن أن يكون ولياً لله ولو حصل له من
خوارق العادات ماذا عسى أن يحصل فإنه لايكون مح تركه لفعل
المأمور وترك المحظور من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها
وواجباتها إلا من أهل الأحوال الشيطانية ، المبعدة لصاحبها عن الله،
المقربة إلى سخطه وعذابه .
لكن من ليس بمكلف من الأطفال والمجانين قد رفع القلم عنهم .
فلا يعاقبون وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطناً وظاهراً مايكونون
به من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين وجنده الغالبين، لكن يدخلون
فى الإسلام تبعاً لآبلهم كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَأنَّعَنْهُمْ ذُرَُِّّهُمْ بِمَنِ اَلْحَقْنَا
.
(
بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَآ أَنْتَهُمْ مِّنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَىْءٍ كُلُّ أَمْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ
٤٣١

وثم مع عدم العقل لا يكونون ممن فى قلوبهم حقائق الإيمان ومعارف
أهل ولاية اللّه وأحوال خواص الله ؛ لأن هذه الأمور كلها مشروطة
بالعقل ؛ فالجنون مضاد العقل والتصديق والمعرفة واليقين والهدى والثناء ،
وإنما يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات. فالمجنون وإن كان الله
لا يعاقبه ويرحمه فى الآخرة فإنه لا يكون من أولياء الله المقربين والمقتصدين
الذين يرفع الله درجاتهم.
ومن ظن أن أحداً من هؤلاء الذين لايؤدون الواجبات ، ولا
يتركون المحرمات سواء كان عاقلا أو مجنوناً أو مولها أو متولهاً، فمن اعتقد أن
أحداً من هؤلاء من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين
وجنده الغالبين، السابقين، المقربين والمقتصدين الذين يرفع الله درجاتهم
بالعلم والإيمان مع كونه لايؤدي الواجبات ولا يترك المحرمات ، كان المعتقد
لولاية مثل هذا كافراً مرتداً عن دين الإسلام، غير شاهد أن محمداً
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو مكذب لمحمد صلى الله عليه
وسلم فيما شهد به؛ لأن محمداً أخبر عن الله أن أولياء الله م المتقون
المؤمنون قال تعالى: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ
يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
* الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ) وقال تعالى: (
◌َقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَبَابِلَ لِتَعَارَ فُواْ إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ
. (
أَنْقَئُكُمْ
٤٣٢

و «التقوى)) أن يعمل الرجل بطاعة الله على نور من الله يرجو
رحمة الله، وأن يترك معصية الله على نور من الله يخاف عذاب الله، ولا
يتقرب ولي الله إلا بأداء فرائضه ، ثم بأداء نوافله . قال تعالى :
((وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) كما جاء فى الحديث الصحيح الإلهي .
الذي رواه البخاري .
فصل
ومن أحب الأعمال إلى الله وأعظم الفرائض عنده الصلوات الخمس
فى مواقيتها ، وهي أول ما يحاسب عليها العبد من عمله يوم القيامة ،
وهي التى فرضها الله تعالى بنفسه ليلة المعراج لم يجعل فيها بينه وبين محمد
واسطة ، وهي عمود الإسلام الذي لا يقوم إلا به ، وهي أم أمر الدين
كما كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يكتب إلى عماله: إن أم أمركم
عندي الصلاة ، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها كان
لما سواها من عمله أشد إضاعة .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بين
العبد وبين الشرك ترك الصلاة)) وقال: ((العهد الذي بيننا وبينهم
٤٣٣

الصلاة ، فمن تركها فقد كفر)). فمن لم يعتقد وجوبها على كل عاقل
بالخ غير حائض ونفساء فهو كافر مرتد باتفاق أئمة المسلمين ، وإن اعتقد
أنها عمل صالح وأن الله يحبها ويثيب عليها وصلى مع ذلك وقام الليل
وصام النهار وهو مع ذلك لا يعتقد وجوبها على كل بالخ فهو
أيضاً كافر مرتد، حتى يعتقدَ أنها فرض واجب على كل
بالغ عاقل .
ومن اعتقد أنها تسقط عن بعض الشيوخ : العارفين والمكاشفين
والواصلين ؛ أو أن الله خواصاً لا يجب عليهم الصلاة ؛ بل قد سقطت
عنهم لوصولهم إلى حضرة القدس ، أو لاستغنائهم عنها بما هو أم منها
أو أولى . أو أن المقصود حضور القلب مع الرب ، أو أن الصلاة فيها
تفرقة فإذا كان العبد فى جمعيته مع الله فلا يحتاج إلى الصلاة ؛ بل
المقصود من الصلاة هي المعرفة ، فإذا حصلت لم يحتج إلى الصلاة، فإن
المقصود أن يحصل لك خرق عادة كالطيران فى الهواء ، والمشى على الماء
أو ملء الأوعية ماء من الهواء أو تغوير المياه واستخراج ما تحتها من
الكنوز ، وقتل من يبغضه بالأحوال الشيطانية . فمتى حصل له ذلك
استغنى عن الصلاة ونحو ذلك .
أو أن لله رجالاً خواصاً لا يحتاجون إلى متابعة محمد صلى الله عليه
وسلم بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى . أو أن كل
٤٣٤

من كاشف وطار في الهواء أو مشى على الماء فهو ولي سواء صلى
أو لم يصل .
أو اعتقد أن الصلاة تقبل من غير طهارة ، أو أن المولين والمتولهين
والمجانين الذين يكونون فى المقابر والمزابل والطهارات والخانات والقمامين
وغير ذلك من البقاع وهم لا يتوضئون ولا يصلون الصلوات المفروضات.
فمن اعتقد أن هؤلاء أولياء الله فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أمة
الإسلام ، ولو كان فى نفسه زاهداً عابداً . فالرهبان أزهد وأعبد ،وقد
آمنوا بكثير مما جاء به الرسول ، وجمهورم يعظمون الرسول ويعظمون
اتباعه ولكنهم لم يؤمنوا بجميع ما جاء به، بل آمنوا ببعض وكفروا
ببعض ، فصاروا بذلك كافرين كما قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ
وَنَكْفُرُ بِبَعْضِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُ واْبَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
حَقّاً وَأَعْتَدْ نَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيِهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَحِيمًا ) .
ومن كان مسلوب العقل أو مجنوناً فغايته أن يكون القلم قد رفع
عنه ، فليس عليه عقاب ، ولا يصح إيمانه ولا صلاته ولا صيامه ولا
شىء من أعماله ؛ فإن الأعمال كلها لا تقبل إلا مع العقل . فمن لاعقل
٤٣٥

له لا يصح شيء من عباداته لا فرائضه ولا نوافله ، ومن لا فريضة له
ولا نافلة ليس من أولياء الله؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
<
لِأُوْلِ النُّهَى ) أي العقول وقال تعالى: ( هَلْ فِذَلِكَ قَسَمٌ لِذِىِحِجْرٍ
أي لذى عقل . وقال تعالى: (وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ ) وقال: (إِنَّ
) وقال تعالى: (إِنَّا
شَرَّاُلَّوَآتِ عِندَاللَّهِ الصُمُ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
أَنزَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .
فإنما مدح الله وأثنى على من كان له عقل. فأما من لا يعقل فإن
الله لم يحمده ولم يثن عليه ولم يذكره بخير قط. بل قال تعالى عن
وَقَالُوْلَكُنَا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاْكَِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ
أهل النار : (
وقال تعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ
◌ِهَا وَهُمْ أَعْنُ لََّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْءَذَاٌ لَّ يَسَْعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ
أَمْ تَّحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
٠٠٠٠٠١٠٠
) وقال : (
اُلْغَفِلُونَ
. (
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِ بَلّ هُمْ أَضَلَّ سَكِيلًا
فمن لا عقل له لا يصح إيمانه ولا فرضه ولا نفله ، ومن كان
يهودياً أو نصرانياً ثم جن وأسلم بعد جنونه لم يصح إسلامه لا باطناً ولا
ظاهراً. ومن كان قد آمن ثم كفر وجن بعد ذلك فحكمه حكم
الكفار . ومن كان مؤمناً ثم جن بعد ذلك أتيب على إيمانه الذي كان فى
٤٣٦

حال عقله ، ومن ولد مجنوناً ثم استمر جنونه لم يصح منه إيمان ولا
كفر. وحكم المجنون حكم الطفل إذا كان أبواء مسلمين كان مسلماً تبعاً
لأبويه باتفاق المسلمين ، وكذلك إذا كانت أمه مسلمة عند جمهور العلماء
كأبي حنيفة والشافعي وأحمد .
وكذلك من جن بعد إسلامه يثبت لهم حكم الإسلام تبعاً لآبائهم.
وكذلك المجنون الذي ولد بين المسلمين يحكم له بالإسلام ظاهراً تبعاً
لأبويه أو لأهل الدار كما يحكم بذلك للأطفال . لا لأجل إيمان قام به
فأطفال المسلمين ومجانيهم يوم القيامة تبع لآبائهم ، وهذا الإسلام
لا يوجب له مزية على غيره ، ولا أن يصير به من أولياء الله المتقين
الذين يتقربون إليه بالفرائض والنوافل . وقد قال تعالى: ( يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْالصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَاجُنُبًا إِلََّ عَابِرِى
سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُواْ ) فنهى الله عز وجل عن قربان الصلاة إذا كانوا
سكارى حتى يعلموا ما يقولون .
وهذه الآية نزلت باتفاق العلماء قبل أن تحرم الخمر بالآية التى أزلها
الله فى ((سورة المائدة)). وقد روى أنه كان سبب نزولها: أن بعض
الصحابة على بأصحابه وقد شرب الخمر قبل أن تحرم خلط فى القراءة ،
فأنزل الله هذه الآية ؛ فإذا كان قد حرم الله الصلاة مع السكر والشرب
الذي لم يحرم حتى يعلموا ما يقولون ، على أن ذلك يوجب أن لايصلي
٤٣٧

أحد حتى يعلم ما يقول . فمن لم يعلم ما يقول لم تحل له الصلاة ، وإن
كان عقله قد زال بسبب غير محرم ؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه لا تصح
صلاة من زال عقله بأي سبب زال ، فكيف بالمجنون ؟!
وقد قال بعض المفسرين - وهو يروى عن الضحاك ... لاتقربوها
وأنتم سكارى من النوم . وهذا إذا قيل إن الآية دلت عليه بطريق
الاعتبار أو شمول معنى اللفظ العام ، وإلا فلا ريب أن سبب نزول
الآية كان السكر من الخمر . واللفظ صريح فى ذلك؛ والمعنى الآخر
صحيح أيضاً . وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إذا قام أحدكم يصلي بالليل فاستعجم القرآن على لسانه
فليرقد ، فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه - وفى
لفظ - إذا قام يصلي فنعس فليرقد)).
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة مع النعاس
الذي يغلط معه الناعس . وقد احتج العلماء بهذا على أن النعاس
لا ينقض الوضوء ؛ إذ لو نقض بذلك لبطلت الصلاة ، أو لوجب
الخروج منها لتجديد الطهارة ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما علل
ذلك بقوله ((فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه)) فعلم
أنه قصد النهي عن الصلاة لمن لا يدري ما يقول وإن كان ذلك بسبب
النعاس . وطرد ذلك أنه ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((لا يصلي
٤٣٨

أحدكم وهو يدافع الأخبئين ولا بحضرة طعام)) لما فى ذلك من شغل
القلب . وقال أبو الدرداء : من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته فيقضيها
ثم يقبل على صلاته وقلبه فارغ .
فإذا كانت الصلاة محرمة مع ما يزيل العقل ولو كان بسبب مباح
حتى يعلم ما يقول كانت صلاة المجنون ومن يدخل فى مسمى المجنون
وإن سمى مولها أو متولها أولى أن لا تجوز صلاته .
ومعلوم أن الصلاة (( أفضل العبادات)) كما فى الصحيحين عن ابن
مسعود أنه قال: (( قلت : للنبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب
إلى الله؟ قال : الصلاة على وقتها . قلت : ثم أي ؟ قال : بر
الوالدين. قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد . قال حدثني بهن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني)). وثبت أيضاً فى الصحيحين
عنه أنه جعل أفضل الأعمال إيمان بالله، وجهاد فى سبيله، ثم الحج
المبرور . ولا منافاة بينهما ؛ فإن الصلاة داخلة فى مسمى الإيمان بالله ،
كما دخلت في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ ) قال البراء
ابن عازب وغيره من السلف: أي صلاتكم إلى بيت المقدس .
ولهذا كانت الصلاة كالإِيمان لا تدخلها النيابة بحال فلا يصلى أحد
عن أحد الفرض لا لعذر ولا لغير عذر ، كما لا يؤمن أحد عنه ، ولا
٤٣٩

تسقط بحال كما لا يسقط الإيمان ؛ بل عليه الصلاة ما دام عقله حاضراً
وهو متمكن من فعل بعض أفعالها ، فإذا عجز عن جميع الأفعال ولم
يقدر على الأقوال فهل بصلي بتحريك طرفه ويستحضر الأفعال بقلبه؟
فيه قولان للعلماء ، وإن كان الأظهر أن هذا غير مشروع.
فإذا كان كذلك تبين أن من زال عقله فقد حرم ما يتقرب به إلى
الله من فرض ونفل، و((الولاية)) هي الإيمان والتقوى المتضمنة
للتقرب بالفرائض والنوافل ، فقد حرم ما به يتقرب أولياء الله إليه ؛
لكنه مع جنونه قد رفع القلم عنه فلا يعاقب ، كما لا يعاقب الأطفال
والبهائم ؛ إذ لا تكليف عليهم فى هذه الحال . ثم إن كان مؤمناً قبل
حدوث الجنون به وله أعمال صالحة وكان يتقرب إلى الله بالفرائض
والنوافل قبل زوال عقله كان له من ثواب ذلك الإيمان والعمل الصالح
ما تقدم ، وكان له من ولاية اللّه تعالى بحسب ما كان عليه من الإيمان
والتقوى ، كما لا يسقط ذلك بالموت ؛ بخلاف ما لو ارتد عن الإسلام؛
فإن الردة تحبط الأعمال ، وليس من السيئات ما يحبط الأعمال الصالحة
إلا الردة . كما أنه ليس من الحسنات ما يحبط جميع السيئات إلا
التوبة ، فلا يكتب للمجنون حال جنونه مثل ما كان يعمل في حال
إفاقته ، كما لا يكون مثل ذلك لسيئاته فى زوال عقله بالأعمال المسكرة
والنوم ؛ لأنه فى هذه الحال ليس له قصد صحيح ، ولكن في الحديث
٤٤٠