النص المفهرس

صفحات 381-400

وأما إذا قيل ذلك بمعنى أنه صواب أو صحيح فلابد من دليل على
تصويبه . وإلا فمجرد القول ، أو الفعل الصادر من غير الرسول ليس
حجة على تصويب القائل أو الفاعل ، فإذا علم أن ذلك الاجتهاد خطأ
كان تسليم حاله بمعنى رفع الذم عنه لا بمعنى إصابته . وكذلك إذا أريد
بتسليم حاله وإقراره أنه بقر على حكمه فلا ينقض ، أو على فتياه فلا
تنكر ، أو على جواز اتباعه لمن هو من أهل تقليده واتباعه ، بأن
للقاصرين أن يقلدوا ويتبعوا من يسوغ تقليده واتباعه من العلماء
والمشايخ فيما لم يظهر لهم أنه خطأ ، لكن بعض هذا يدخل في القسم
الثاني الذى لم يعلم مخالفته للشريعة .
وتسليم الحال في مثل هذا إذا عرف أنه معذور ، أو عرف أنه
صادق فى طريقه ، وأن هذا الأمر قد يكون اجتهاداً منه ، فهذه
((ثلاثة مواضع)) يسلم إليه فيها حاله لعدم تمكنه من العلم، وخفاء
الحق عليه فيها على وجه بعذر به .
ومثال ( الثانى ) : عدم قدرته - أن يرد عليه من الأحوال
ما يضطره إلى أن يخرق ثيابه ، أو بلطم وجهه، أو يصيح صياحاً
منكراً ، أو يضطرب اضطراباً شديداً . فهذا إذا عرف أن سبب ذلك
لم يكن محرماً، وأنه مغلوب عليه سلم إليه حاله ، وإن شك هل هو
مغلوب أو متصنع فإن عرف منه الصدق قيل هذا يسلم إليه حاله ،
٣٨١

وإن عرف كذبه أنكر عليه ، وان شك فيه توقف فى التسليم والإنكار
حتى يتبين أمره ، كما يفعل بمن شهد شهادة ، أو اتهم بسرقة . فإن
ظهر صدقه وعدله قبلت الشهادة ودفعت إليهم ، وإن ظهر كذبه
وخيانته ردت الشهادة ، وعوقب على السرقة . وإن اشتبه الأمر توقف
فيه ؛ فإن المؤمن وقاف متبين، هكذا قال الحسن البصري.
وكذلك إذا ترك الواجبات مظهراً أنه مغلوب لا يقدر على فعلها : مثل
أن يترك الصلاة مظهراً انه بمنزلة المغمى عليه، والنائم الذي لا يتمكن
من فعلها . كما قد يعترى بعض المصعوقين من وارد خوف الله أو محبته ،
أو نحو ذلك بحيث يسقط تمييزه فلا يمكنه الصلاة ، فهو فيما يتركه من
الواجبات نظير ما يرتكبه من المحرمات، فتسليم الحال بمعنى عدم اللوم قد
يراد به الحكم بأنه معذور، وقد يراد به ترك الحكم بأنه ملوم .
هذا فيما يعلم من الأقوال والأفعال أنه مخالف للشرع بلا ريب ،
كالشطحات المأثورة عن بعض المشايخ ، كقول ابن هود : إذا كان يوم
القيامة نصبت خيمتى على جهنم ، وكون الشبلي كان يحلق لحيته ويمزق
ثيابه حتى ادخلوه المارستان مرتين ، وما يحكى عن بعضهم أنه قال : إذا
كانت لك حاجة فتعال إلى قبري واستغث به وكترك آخر صلاة الجمعة
خلف إمام صالح لكونه دعا لسلطان وقته وسماه العادل ، وترك آخر
الصلاة خلف أمام لما كوشف به من حديث نفسه ، وما يحكى عن عقلاء
٣٨٢

المجانين الذين قيل فيهم : إن الله أعطام عقولا وأحوالا فسلب عقولهم وترك
أحوالهم، وأسقط ما فرض بما سلب .
جاع هذا أن هذه الأمور تعطى حقها من الكتاب والسنة ، فما جاء
به الكتاب والسنة من الخبر والأمر والنهي وجب اتباعه ، ولم يلتفت إلى
من خالفه كائناً من كان ، ولم يجز اتباع أحد فى خلاف ذلك كائناً من
كان ، كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة من اتباع الرسول وطاعته
وأن الرجل الذي صدر عنه ذلك يعطى عذره حيث عذرته الشريعة بأن
يكون مسلوب العقل، أو ساقط التمييز أو مجتهداً مخطئاً اجتهاداً قولياً
أو عملياً، أو مغلوباً على ذلك الفعل أو الترك بحيث لا يمكنه رد ما
صدر عنه من الفعل المنكر بلا ذنب فعله ولا يمكنه أداء ذلك الواجب
بلا ذنب فعله ويكون هذا الباب نوعه محفوظاً بحيث لا يتبع ما خالف
الكتاب والسنة ولا يجعل ذلك شرعة ولا منهاجا؛ بل لا سبيل إلى
الله ولا شرعة إلا ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الأشخاص الذين خالفوا بعض ذلك على الوجوه المتقدمة
فيعذرون، ولا يذمون ، ولا يعاقبون. فإن كل أحد من الناس قد
يؤخذ من قوله وأفعاله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما
من الأئمّة إلا من له أقوال وأفعال لا يتبح عليها ، مع أنه لا يذم عليها ،
وأما الأقوال والأفعال التى لم يعلم قطعاً مخالفتها للكتاب والسنة ، بل
٣٨٣

هي من موارد الاجتهاد التى تنازع فيها أهل العلم والإيمان ؛ فهذه الأمور
قد تكون قطعية عند بعض من بين اللّه له الحق فيها؛ لكنه لا يمكنه
أن يلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم، فيلتحق من وجه بالقسم الأول .
ومن وجه بالقسم الثانى .
وقد تكون اجتهادية عنده أيضاً فهذه تسلم لكل مجتهد، ومن قلده
طريقهم تسليما نوعياً بحيث لا ينكر ذلك عليهم ، كما سلم فى القسم
الأول تسليما شخصياً .
وأما الذي لا يسلم إليه حاله : فمثل أن يعرف منه أنه عاقل يتوله
ليسقط عنه اللوم ككثير من المنتسبة إلى الشيخ أحمد بن الرفاعى،
و ((اليونسية)) فيما يأتونه من المحرمات، ويتركونه من الواجبات ، أو
يعرف منه أنه يتواجد ويتساكر فى وجده ليظن به خيراً ، ويرفع عنه
الملام فيما يقع من الأمور المنكرة ، أو يعرف منه أن الحق قدتبين له ،
وأنه متبع لهواه ، أو يعرف منه تجويز الانحراف عن موجب الشريعة
المحمدية ، وأنه قد يتفوه بما يخالفها ، وأن من الرجال من قد يستغنى عن
الرسول أو له أن يخالفه ، أو أن يجري مع القدر المحض المخالف للدين
كما يحكى بعض الكذابين الضالين: أن أهل الصفة قاتلوا النبى صلى
اللّه عليه وسلم مع الكفار لما انهزم أصحابه وقالوا: نحن مع الله ، من غلب
كنا معه، وأنه صبيحة الإسراء سمع منه ما جرى بينه وبين ربه من المناجاة
٣٨٤

وأنه تواجد فى السماء حتى وقع الرداء عنه ، وأن السر الذي أوصى
إليه أو دعه فى أرض نبت فيها اليراع فصار فى الشبابة بمعنى ذلك السر ،
أو يسوغ لأحد بعد محمد الخروج عن شريعته ، كما ساغ للخضر الخروج
عن أمر موسى ، فإنه لم يكن مبعوثاً إليه كما بعث محمد إلى الناس كافة .
فهؤلاء وبحوم ممن يخالف الشريعة ويبين له الحق فيعرض عنه يجب
الإنكار عليهم بحسب ماجاءت به الشريعة من اليد واللسان والقلب .
وكذلك أيضا ينكر على من اتبع الأولين المعذورين فى اقوالهم
وأفعالهم المخالفة للشرع ، فإن العذر الذي قام بهم منتف فى حقه فلا وجه
لمتابعته فيه .
ومن اشتبه أمره من أي القسمين هو : توقف فيه ، فإن الإمام
إن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة ، لكن لا يتوقف في
رد ما خالف الكتاب والسنة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )). فلا يسوغ الخروج عن موجب
العموم والإطلاق فى الكتاب والسنة بالشبهات ، ولا يسوغ النم والعقوبة
بالشبهات ، ولا يسوغ جعل الشيء حقا أو باطلا أو صوابا أو خطأ
بالشبهات ، والله يهدينا الصراط المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ؛ غير المغضوب عليهم
ولا الضالين.
٣٨٥

وبقيت هنا ((المسألة)) التى تشتبه غالباً، وهو أن يظهر من بعض
الرجال المجهول الحال أمر مخالف للشرع فى الظاهر ، ويجوز أن يكون
معذوراً فيه عذراً شرعياً . مثل وجد خرج فيه عن الشرع لا يدري أهو
صادق فيه أم متصنع ، وأخذ مال بغير إذن صاحبه فى الظاهر ، مع
تجويز أن يكون على طيب قلب صاحبه به ، فهذا إن قيل : ينكر عليه
جاز أن يكون معذوراً، وإن قيل : لا ينكر عليه لزم إقرار المجهولين
على مخالفة الشرع فى الظاهر ، فالواجب فى مثل هذا أن يخاطب صاحبه
أولا برفق ، ويقال له : هذا فى الظاهر منكر ، وأما فى الباطن فأنت
أمين الله على نفسك ، فأخبرنا بحالك فيه أولا تظهره حيث يكون إظهاره
فتنة ، وتسلك فى ذلك طريقة لا تفضي إلى إقرار المنكرات، ولا لوم البرآء.
والضابط أن من عرف من عادته الصدق والأمانة أقر على ما لم يعلم أنه
كذب وحرام، ومن عرف منه الكذب أو الخيانة لم يقر على المجهول، وأما
المجهول فيتوقف فيه .
٣٨٦

وقال الشيخ الإمام العالم العلامة
شيخ الإسلام ، بقية السلف الكرام ، العالم الربانى ، المقذوف فى
قلبه النور القرآنى ، أبو العباس أحمد بن تيمية الحرانى، قدس الله
روحه ، ونور ضريحه ، وأسكنه فسيح الجنان :
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن
يضلل فلا هادي له .
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، ونشهد أن محمداً
عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى
بالله شهيداً. فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة،
وجاهد فى الله حق جهاده ، وعبد الله مخلصاً حتى أتاه اليقين من ربه.
صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
٣٨٧

فصل
فى ((العبادات)) و((الفرق بين شرعيها وبدعيها)).
فإن هذا باب كثر فيه الاضطراب كما كثر فى باب الحلال والحرام .
فإن أقواماً استحلوا بعض ما حرمه الله، وأقواماً حرموا بعض ما أحل
الله تعالى، وكذلك أقواماً أحدثوا عبادات لم يشرعها الله بل نهى عنها.
و((أصل الدين)) أن الحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام
ما حرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله ؛ ليس لأحد أن
يخرج من الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله . قال الله تعالى :
( وَأَنَّ هَذَاصِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ
وَضَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَِّكُمْ تَثَّقُونَ ) .
وفى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه خط خطاً ، وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ، ثم قال :
(«هذه سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو
٣٨٨
٠

إليه )) ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَّبِعُواْ السُّبُلَ فَذَفَرَّقَ بِكُمْ
عَن سَبِيلِهِ ).
وقد ذكر الله تعالى فى سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ماذم به
المشركين حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى ، كالبحيرة والسائبة ،
واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم، وشرعوا دينا لم يأذن به الله،
فقال تعالى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَ كَوْا شَرَعُوْلَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ
(
ومنه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك والفواحش ، مثل الطواف
بالبيت عراة وغير ذلك .
والكلام فى ((الحلال والحرام)) له مواضع أخر .
والمقصود هنا ((العبادات)) فنقول :
العبادات التى يتقرب بها إلى الله تعالى منها ما كان محبوبا لله
ورسوله مرضياً لله ورسوله، إما واجب وإما مستحب ، كما في الصحيح
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى:
(( ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب
إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ،
وبصره الذي يبصر به ، وبده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها
٣٨٩

في يسمع وبي يبصر وبى يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه
ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن
قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)) .
ومعلوم أن الصلاة منها فرض ، وهي الصلوات الخمس ، ومنها
نافلة كقيام الليل وكذلك الصيام فيه فرض ، وهو صوم شهر رمضان
ومنه نافلة كصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وكذلك السفر إلى المسجد
الحرام فرض وإلى المسجدين الآخرين : مسجد النبى صلى الله عليه وسلم
وبيت المقدس - مستحب .
وكذلك الصدقة منها ما هو فرض ومنها ما هو مستحب ، وهو العفو
كما قال تعالى: ( وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ ).
وفى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا ابن
آدم! إنك إن تنفق الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا
تلام على كفاف ، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)»
والفرق بين الواجب والمستحب له موضع آخر غير هذا، والمقصودهنا الفرق
بين ما هو مشروع سواء كان واجباً أو مستحباً وما ليس بمشروع .
فالمشروع هو الذي يتقرب به إلى الله تعالى، وهو سبيل الله،
٣٩٠

وهو البر والطاعة والحسنات والخير والمعروف ، وهو طريق السالكين
ومنهاج القاصدين والعابدين ، وهو الذي يسلكه كل من أراد الله
هدايته وسلك طريق الزهد والعبادة ، وما يسمى بالفقر والتصوف
ونحو ذلك .
ولا ريب أن هذا يدخل فيه الصلوات المشروعة واجبها ومستحبها ،
ويدخل فى ذلك قيام الليل المشروع وقراءة القرآن على الوجه المشروع،
والاذكار والدعوات الشرعية . وما كان من ذلك موقتاً بوقت كطرفي
النهار ، وما كان متعلقاً بسبب كتحية المسجد ، وسجود التلاوة ،
وصلاة الكسوف ، وصلاة الاستخارة ، وما ورد من الأذكار والأدعية
الشرعية فى ذلك . وهذا يدخل فيه أمور كثيرة ، وفى ذلك من الصفات
ما يطول وصفه ، وكذلك يدخل فيه الصيام الشرعي كصيام نصف
الدهر وثلثه أو ثلثيه أو عشره، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر ،
ويدخل فيه السفر الشرعي، كالسفر إلى مكة وإلى المسجدين الآخرين،
ويدخل فيه الجهاد على اختلاف أنواعه ، وأكثر الأحاديث النبوية فى
الصلاة والجهاد ، ويدخل فيه قراءة القرآن على الوجه المشروع.
و ((العبادات الدينية)) أصولها: الصلاة والصيام والقراءة التى
جاء ذكرها فى الصحيحين فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص،
لما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ألم أحدث أنك قلت لأصومن
٣٩١

النهار ، ولأقومن الليل، ولأقرأن القرآن فى ثلاث ؟ قال: بلى ! قال :
فلا تفعل : فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ، ونفهت له النفس
ثم أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، فقال إني أطيق أكثر من
ذلك ، فانتهى به إلى صوم يوم وفطر يوم فقال : إني أطيق أكثر من
ذلك فقال : لا أفضل من ذلك وقال : أفضل الصيام صيام داود عليه
السلام ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ولا يفر إذا لاقى . وأفضل
القيام قيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وأمره
أن يقرأ القرآن فى سبع)).
ولما كانت هذه العبادات هي المعروفة قال فى حديث الخوارج الذي
فى الصحيحين: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم
وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمية )) فذكر اجتهادهم بالصلاة والصيام
والقراءة ، وأنهم يغلون فى ذلك حتى يحقر الصحابة عبادتهم فى
جنب عبادة هؤلاء .
وهؤلاء غلوا في العبادات بلا فقه فآل الأمر بهم إلى البدعة فقال :
(( يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . أينما وجد تموم
فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)). فإنهم
قد استحلوا دماء المسلمين ، وكفروا من خالفهم. وجاءت فيهم الأحاديث
٣٩٢

الصحيحة ، قال الامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: صح فيهم
الحديث من عشرة أوجه ، وقد أخرجها مسلم فى صحيحه وأخرج
البخاري قطعة منها .
ثم هذه الأجناس الثلاثة مشروعة ؛ ولكن يبقى الكلام فى القدر
المشروع منها ، وله صنف ((كتاب الاقتصاد فى العبادة)). وقال أبي بن
كعب وغيره : اقتصاد فى سنة ، خير من اجتهاد فى بدعة.
والكلام فى سرد الصوم وصيام الدهر سوى يومي العيدين وأيام
التشريق وقيام جميع الليل ، هل هو مستحب ؟ كما ذهب إلى ذلك
طائفة من الفقهاء والصوفية والعباد ، أو هو مكروه - كما دلت عليه
السنة وإن كان جازاً ؟ لكن صوم يوم وفطر يوم أفضل ، وقيام ثلث
الليل أفضل ، ولبسطه موضع آخر .
إذ المقصود هنا الكلام فى أجناس عبادات غير مشروعة حدثت فى
المتأخرين كالخلوات فإنها تشتبه بالاعتكاف الشرعي. والاعتكاف الشرعي
فى المساجد كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعله هو وأصحابه من
العبادات الشرعية .
وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنئه بغار حراء قبل الوحى ، وهذا خطأ ؛
٣٩٣

فإن ما فعله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد
النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه وإلا فلا. وهو من حين نبأه الله تعالى
لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون . وقد أقام
صلوات الله عليه بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة فى
عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريباً من عشرين ليلة، وأناها في حجة
الوداع؛ وأقام بها أربع ليال ، وغار حراء قريب منه ولم يقصده .
وذلك أن هذا كانوا يأتونه فى الجاهلية ويقال : إن عبد المطلب هو
سن لهم إتيانه لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التى جاء بها بعد
النبوة صلوات الله عليه ، كالصلاة والاعتكاف فى المساجد فهذه تغني عن
إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي ، فإنه لم يكن يقرأ
بل قال له الملك عليه السلام : ( اقرأ ) قال صلوات الله عليه وسلامه
((فقلت لست بقاريء )) ولا كانوا يعرفون هذه الصلاة ؛ ولهذا لما
صلاها النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عنها من نهاه من المشركين كأبي جهل
قال الله تعالى: ( أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّ * أَرَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَّ * أَوْأَمَرَ
بِاَلنَّقْوَ * أَرَدَيْتَ إِنَ كَذَّبَ وَتَوَلَّ * أَمْيَعْلَنَّاللّه يَرَى * كَلََّلَيِن لَّمْبَنْتَهِ لَنَسْفَعَابِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ
خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ, * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا نُطِعُهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ ).
و ((طائفة)) يجعلون الخلوة أربعين يوما ويعظمون أمر الأربعينية،
٣٩٤

ويحتجون فيها بأن الله تعالى واعد موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها
بعشر ، وقد روى أن موسى عليه السلام صامها وصام المسيح أيضاً
أربعين لله تعالى وخوطب بعدها. فيقولون يحصل بعدها الخطاب والتنزل،
كما يقولون فى غار حراء حصل بعده نزول الوحي .
وهذا أيضاً غلط فإن هذه ليست من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
بل شرعت لموسى عليه السلام كما شرع له السبت والمسلمون لا يسبتون ،
وكما حرم فى شرعه أشياء لم تحرم فى شرع محمد صلى الله عليه وسلم.
فهذا تمسك بشرع منسوخ، وذاك تمسك بما كان قبل النبوة .
وقد جرب أن من سلك هذه العبادات البدعية أتته الشياطين ،
وحصل له تنزل شيطاني ، وخطاب شيطانى، وبعضهم يطير به شيطانه ،
وأعرف من هؤلاء عدداً طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء
من التنزل فنزلت عليهم الشياطين؛ لأنهم خرجوا عن شريعة النبي صلى
الله عليه وسلم التى أمروا بها. قال تعالى: ( ثُمَّجَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ
مِّنَ أَلْأَمْرٍ فَاتَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ
شَيْئاً وَإِنَّ الَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاَللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ ).
وكثير منهم لا يحد للخلوة مكان ولا زمانا بل يأمر الإنسان أن
يخلو فى الجملة .
٣٩٥

ثم صار أصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية :
الصلاة والصيام والقراءة والذكر . وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير
مشروعة ، فمن ذلك طريقة أبى حامد ومن تبعه ، وهؤلاء يأمرون صاحب
الخلوة أن لا يزيد على الفرض ، لا قراءة ولا نظراً فى حديث نبوي ولا
غير ذلك ، بل قد بأمرونه بالذكر ، ثم قد يقولون ما يقوله أبو حامد :
ذكر العامة: ((لا إله إلا الله)) وذكر الخاصة: ((الله، الله)) وذكر
خاصة الخاصة: ((هو)) ((هو)).
والذكر بالاسم المفرد مظهراً ومضمراً بدعة فى الشرع وخطأ فى
القول واللغة ، فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما لا إيمانا ولا كفراً.
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل
الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله ولا إله
إلا الله، والله أكبر)) وفي حديث آخر: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)
وقال: « أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). والأحاديث
فى فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة .
وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع وليس هو بكلام يعقل ولا
فيه إيمان؛ ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس
٣٩٦

قصدنا ذكر الله تعالى، ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد
النفس لما يرد عليها ، فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات ،
فإذا اجتمع قلبه ألقى عليه حالاً شيطانيا فيلبسه الشيطان ، ويخيل إليه أنه
قد صار فى الملأ الأعلى، وأنه أعطي مالم يعطه محمد صلى الله عليه وسلم
ليلة المعراج ، ولا موسى عليه السلام يوم الطور، وهذا وأشباهه وقع لبعض
من كان فى زماننا .
وأبلغ من ذلك من يقول ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء
كان ، حتى يقول لافرق بين قولك : يا حي! وقولك يا جحش ! . وهذا
مما قاله لي شخص منهم وأنكرت ذلك عليه ، ومقصودم بذلك أن تجتمع
النفس حتى يتنزل عليها الشيطان .
ومنهم من يقول : إذا كان قصد وقاصد ومقصود فاجعل الجميع واحداً
فيدخله فى أول الأمر فى وحدة الوجود .
وأما أبو حامد وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة فلم يكونوا يظنون
أنها تفضي إلى الكفر - لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر -
ولكن أمروا المريد أن يفرغ قلبه من كل شيء ، حتى قد بأمروه أن
يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ويقول: الله، الله. وهم يعتقدون أنه إذا
فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب ، بل
٣٩٧

قد يقولون : إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء .
ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء ، وأبو حامد
يكثر من مدح هذه الطريقة فى ((الإحياء )) وغيره كما أنه يبالغ فى مدح
الزهد، وهذا من بقايا الفلسفة عليه. فإن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله
يزعمون أن كل ما يحصل فى القلوب من العلم للأنبياء وغيرهم فإنما هو
من العقل الفعال ؛ ولهذا يقولون : النبوة مكتسبة ، فإذا تفرغ صفى
قلبه - عندهم - وفاض على قلبه من جنس مافاض على الأنبياء . وعندهم
أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء عقله؛ لم يسمع الكلام
من خارج، فلهذا يقولون إنه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى وأعظم مما
حصل لموسى .
و (( أبو حامد)» يقول: إنه سمع الخطاب كما سمعه موسى عليه السلام ،
وإن لم يقصد هو بالخطاب، وهذا كله لنقص إيمانهم بالرسل وأنهم آمنوا
ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا ببعض ، وهذا الذي قالوه باطل
من وجوه :
( أحدها ) أن هذا الذي يسمونه ((العقل الفعال)) باطل لاحقيقة له
كما قد بسط هذا فى موضع آخر .
( الثاني ) أن ما يجعله الله فى القلوب يكون تارة بواسطة الملائكة
٣٩٨

إن كان حقاً ، وتارة بواسطة الشياطين إذا كان باطلا والملائكة والشياطين
أحياء ناطقون كما قد دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من جهة الأنبياء،
وكما يدعي ذلك من باشره من أهل الحقائق. وم يزعمون أن الملائكة
والشياطين صفات لنفس الإنسان فقط. وهذا ضلال عظيم.
( الثالث ) أن الأنبياء جاءتهم الملائكة من ربهم بالوحي ، ومنهم من
كله الله تعالى فقربه وناداه ، كما كلم موسى عليه السلام لم يكن ما حصل
لهم مجرد فيض كما يزعمه هؤلاء.
( الرابع ) أن الإنسان إذا فرغ قلبه من كل خاطر، فمن أين يعلم
أن ما يحصل فيه حق ؟ هذا إما أن يعلم بعقل أو سمع وكلاهما لم يدل
على ذلك .
( الخامس ) أن الذي قد علم بالسمع والعقل أنه إذا فرغ قلبه من
كل شيءٍ حلت فيه الشياطين، ثم تنزلت عليه الشياطين، كما كانت تنزل
على الكهان ؛ فإن الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم
مافيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان
قال الله تعالى: ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِيِنٌ *
وقال
وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
الشيطان فيما أخبر الله عنه: (قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّعِبَادَكَ مِنْهُمُ
٣٩٩

اُلْمُخْلَصِينَ ) وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ
والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا يشركون
مِنَ الْغَاوِينَ)
به شيئاً، وإنما يعبد الله بما أمر به على ألسنة رسله فمن لم يكن كذلك
تولته الشياطين .
وهذا باب دخل فيه أمر عظيم على كثير من السالكين؛ واشتبهت
عليهم الأحوال الرحمانية بالأحوال الشيطانية ، وحصل لهم من جنس
ما يحصل للكهان والسحرة، وظنوا أن ذلك من كرامات أولياء الله المتقين،
كما قد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع .
( السادس ) أن هذه الطريقة لو كانت حقاً فإنما تكون فى حق
من لم يأته رسول فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه
ضل . وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بعبادات شرعية
من صلاة وذكر ودعاء وقراءة ، لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل
خاطر وانتظار ما ينزل .
فهذه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة
بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف وهي طريقة جاهلية لا توجب
الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق ، بأن يقذف الله تعالى فى قلب
٤٠٠