النص المفهرس

صفحات 341-360

الظاهرة ؛ وقال فيهم بعض العلماء هؤلاء قوم أعطاهم الله عقولاً وأحوالاً
فسلب عقولهم وترك أحوالهم وأسقط مافرض بما سلب .
ولهذا اتفق العارفون على أن حال البقاء أفضل من ذلك ، وهو
شهود الحقائق بإشهاد الحق، كما قال الله تعالى فيما روى عنه رسوله:
(( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه
الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، وبده التى يبطش بها ورجله
التى يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. في يسمع
وبي يبصر ، وبي يبطش وبي يمشي)) وفي رواية ((وبى ينطق، وبى يعقل)) فإذا
سمع بالحق ورأى به سمع الأمر على ماهو عليه وشهد الحق على
ما هو عليه .
وعامة ما نجده فى كتب أصحاء الصوفية مثل شيخ الإسلام ومن
قبله من الفناء هو هذا ، مع أنه قد يغلط بعضهم فى بعض أحكامه
كما تكلمت عليه في غير هذا الموضع .
وفى الجملة فهذا الفناء صحيح وهو فى عيسوية المحمدية ، وهو شبيه
بالصعق والصياح الذي حدث فى التابعين . ولهذا يقع كثير من هؤلاء
فى نوع ضلال ؛ لأن الفناء عن شهود الحقائق مرجعه إلى عدم العلم
والشهود. وهو وصف نقص لا وصف كمال ، وإنما يمدح من جهة
٣٤١

عدم إرادة ما سواه ؛ لأن ذكر المخلوق قد يدعو إلى إرادته والفتنة به
ولهذا غالب عباد («العيسوية)) فى عدم العلم بالسوى ، وإرادته
والفتنة به، ويوصفون بسلامة القلوب. وغالب علماء ((الموسوية ))
في العلم بالسوى وإرادته والفتنة به ، ويوصفون بالعلم ؛ لكن الأولون
موصفون بالجهل والعدل . والآخرون موصفون بالظلم (١)
وكلاهما صحيح
فأما العلم بالحق والخلق ، وإرادة الله وحده لاشريك له فهذا
نعت المحمدية الكاملون فى العلم والإرادة ، وسلامة القلب المحمودة ،
هي سلامة (١) إذ الجهل لا يكون بنفسه صفة مدح . إلا أنه قد يمدح
لسلامته به عن الشرور ؛ فإن أكثر النفوس إذا عرفت الشر الذي
تهواه اتبعته أو فزعت منه أو فتها .
( الثالث ) : فناء عن وجود السوى : بمعنى أنه يرى أن الله هو
الوجود ، وأنه لا وجود لسواه ، لا به ولا بغيره ، وهذا القول والحال
للاتحادية الزنادقة من المتأخرين كالبليانى والتلمساني والقونوني ونحوم
الذين يجعلون الحقيقة أنه عين الموجودات وحقيقة الكائنات ، وأنه
(١) خرم فى الأصل .
٣٤٢

لا وجود لغيره ؛ لا بمعنى أن قيام الأشياء به ووجودها به ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم [أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ]
ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
وكما قيل فى قوله: ( كُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ ) فإنهم لو
أرادوا ذلك لكان ذلك هو الشهود الصحيح ؛ لكنهم يريدون أنه هو عين
الموجودات ، فهذا كفر وضلال ربما تمسك أصحابه بألفاظ متشابهة توجد
فى كلام بعض المشايخ . كما تمسك النصارى بألفاظ متشابهة تروى عن
المسيح . ويرجعون إلى وجد فاسد أو قياس فاسد. فتدبر هذا التقسيم
فإنه بيان الصراط المستقيم .
٣٤٣

وقال شيخ الإسلام
قدس الله روحه
فصل(١)
((الأمر والنهي)) الذي يسميه بعض العلماء ((التكليف الشرعي)
هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة ، فلا تجب الشريعة على من
لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل ، ولا تجب على من يعجز كالأعمى
والأعرج والمريض فى الجهاد ؛ وكما لا يجب الطهارة بالماء ، والصلاة قائماً
والصوم ، وغير ذلك على من يعجز عنه .
سواء قيل : يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز ؛ فإنه لا خلاف
أن تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحمال غير واقع في
(١) يقول المؤلف: ((هذا الفصل يتعلق بما قبله، ويتعلق بما كتبته (أى في المسودة]
في حال الفناء قبل هذا .
٣٤٤

الشريعة ، بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم
والقدرة تخفيفاً عنه، وضبطاً لمناط التكليف ، وإن كان تكليفه ممكناً
كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم ، وإن كان له فهم وتميز ؛ لكن
ذاك لأنه لم يتم فهمه ؛ ولأن العقل يظهر فى الناس شيئاً فشيئاً ؛
وم يختلفون فيه ، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ.
وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زاداً وراحلة عند جمهور
العلماء ؛ مع إمكان المشى لما فيه من المشقة ، وكما لا يجب الصوم على
المسافر مع إمكانه منه تخفيفاً عليه، وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف
معه زيادة المرض وتأخر البرء ، وإن كان فعلها ممكناً .
لكن هذه المواضع هي مما تختلف فيها الشرائع ؛ فقد يوجب الله فى
شريعة ما يشق ، ويحرم ما يشق تحريمه : كالآ صار والأغلال التى
كانت على بني اسرائيل ، وقد يخفف فى شريعة أخرى كما قال المؤمنون:
(رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأُنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَاحَمَلْتَهُ.
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) وكما قال الله تعالى: ( يُرِيدُ اللّهُبِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ )
وقال: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) وقال: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُخَفِّفَ عَنكُمْ )
٣٤٥

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه فى قصة الأعرابي :
((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) وقال لمعاذ وأبي موسى :
((يسرا ولا تعسرا)) وقال: ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين
أحد إلا غلبه)) وقال: ((لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم
فإن أقواماً شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم فتلك بقايام في
الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم )) وقال :
((لارهبانية فى الإسلام)) وقال ((لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام
وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتى فليس مني)) وقال :
((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤنى معصيته )) وروى
عنه أنه قال: ((بعثت بالحنيفية السمحة)).
وأما كون الإنسان مريداً لما أمر به أو كارهاً له فهذا لا تلتفت
إليه الشرائع ، بل ولا أمر عاقل ، بل الإنسان مأمور بمخالفة هواء.
و((الإرادة)) هي الفارقة بين أهل الجنة وأهل النار ، كما قال
مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا
تعالى : (
وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا
لَهُجَهَتَ يَصْلَنِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا
سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَتِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا
) وقال تعالى :
تِلْكَ الدَّارُلْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَ يُرِدُ ونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
(
وقال تعالى: ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا ) الآية
٣٤٦

وقال تعالى : (وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
(
ونظائره كثيرة.
فإن هذه الأصول ممهدة فى الكتاب والسنة ، وكلام العلماء والعارفين،
وليس الغرض هنا تقريرها .
وإنما الغرض شىء آخر ، وهو أنه إذا كان التكليف مشروطاً
بالتمكن من العلم الذي أصله العقل ، وبالقدرة على الفعل فنقول : كل
من هذين قد يزول بأسباب محظورة ، وبأسباب غير محظورة ، فإذا
أزال عقله بشرب الخمر أو البنج ونحوهما لم يزل منه بذلك إثم بما يتركه
من الواجبات ويفعله من المحرمات ، إذا كان السكر يقتضى ذلك ؛
بخلاف ما إذا زال بسبب غير محرم ، كالإغماء لمرض أو خوف أو
سكر بشرب غير محرم ، مثل أن يجرع الخمر مكرهاً ، فإن هذا
لا إثم عليه .
وأما قضاء الصلاة عليه عند أحمد وعند من يقول : يقضى صلاة
يوم وليلة ، فذاك نظير وجوب قضائها على النائم والناسي، ولا إثم
عليها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس في النوم تفريط وإنما
التفريط فى اليقظة)) وقال: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا
ذكرها فإن ذلك وقتها لاكفارة لها إلا ذلك))
٣٤٧

وكذلك ((قدرة العبد)) فإنه لو فرط بعد وجوب الحج عليه حتى
ضيع ماله بقي الحج فى ذمته ، وكذلك في استحلال المحرمات قال الله
). فالضرورة بسبب
تعالى: ( فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَبَاِخْ وَلَاعَادٍفَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
محظور لا تستباح بها المحرمات ؛ بخلاف الضرورة التى هي بسبب
غير محظور .
وقد اختلف العلماء فى العاصى بسفره هل يترخص ترخص المسافر؟
ومذهب الشافعي وأحمد أنه لا يترخص .
فالأحوال التى ترد على العباد وأهل المعرفة والزهاد ونحوم مما
توجب زوال عقل أحدهم وعلمه، حتى تجعله كالمجنون والموله والسكران
والنائم ، أو زوال قدرته حتى تجعله كالعاجز ، أو تجعله كالمضطر الذي
يصدر عنه القول والفعل بغير إرادته واختياره ، فإن زوال العقل
والقدرة قد يوجب عجزه عن أداء واجبات ، وقد يوجب وقوعه
فى محرمات .
فهؤلاء يقال فيهم : إن كان زوال ذلك بسبب غير محرم فلا
حرج عليهم فيما بتركونه من الواجبات ، ويفعلونه من المحرمات ، ولا
يجوز أيضاً اتباعهم فيما هو خارج عن الشريعة من أقوالهم وأفعالهم .
ولا ندمهم على ذلك ، بل قد يمدحون على ماوافقوا فيه الشريعة من
٣٤٨

الأقوال والأعمال ، ويرفع عنهم اللوم فيما عذرهم فيه الشارع ، كما يقال
في المجتهد المخطئء سواء ، بل المجتهد المخطئ نوع من هذا الجنس حيث
سقط عنه اللوم لعجزه عن العلم .
وإن كان زوال ذلك بسبب محرم استحقوا الذم والعقاب على
ما يتركونه من واجب ويفعلونه من محرم .
مثال ((الأول)) من يسمح القرآن على الوجه المشروع؛ فهاج له
وجد يحبه ، أو مخافة أو رجاء ، فضعف عن حمله حتى مات أو معق أو
صاح صياحاً عظيما ، أو اضطرب اضطرابا كثيراً ، فتولد عن ذلك ترك
صلاة واجبة ، أو تعدى على بعض الناس ، فإن هذا معذور فى ذلك ؛
فإن هذا في هذه الحال بمنزلة عقلاء المجانين المولهين الذين حصل لهم
الجنون ؛ مع أنهم من الصالحين وأهل المعرفة ، إما لقوة الوارد الذي
ورد عليهم ؛ وإما لضعف قلوبهم عن حمله ؛ وإما لانحراف أمزجتهم
وقوة الخلط ؛ وإما لعارض من الجن ؛ فإن هؤلاء كما بلغنا عن الإمام
أبى محمد المقدسي حيث سئل عنهم فقال: هؤلاء قوم أعطامع الله
عقولاً وأحوالاً ؛ فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم ، وأسقط ما
فرض بما سلب .
ولهذا كان هذا الصنف والذي قبله موجوداً فى التابعين ومن
٣٤٩

بعدم ؛ لا سيما في عباد البصريين ، فإن فيهم من مات من سماع القرآن
كزرارة بن أوفى ، وأبى جهير الضرير وغيرهما ،
وأما الصحابة فإن حالهم كان أكمل من أن يكون فيهم مجنون
أو مصعوق ؛ ومن هؤلاء أيضاً من غلب عليه الذكر لله والتوحيد
له والمحبة حتى غاب بالمذكور المشهود المحبوب المعبود عما سواه ؛ كما
يحصل لبعض العاشقين في غيبته بمعشوقه عما سواه ، فيقول أحدم فى
هذه الحال : أنا الحق ، أو سبحانى، أو ما في الجبة إلا الله. ومنهم
من غلب عليه حال الرجاء والرحمة حتى قال : أبسط سجادتى على
جهنم . ثمن قال هذا فى حال زوال عقله بحيث يكون كالسكران أو
الموله . وكان السبب الذي أوجب ذلك غير منهى عنه شرعاً
فلا إثم عليه .
ومثال (( الثانى)): ما قد يحصل عند سماع المكاء والتصدية
لكثير من أهل السماع ، فإنه قد ينشد أشعاراً فيها ما يخالف الشرع
بأصوات مخالفة للشرع ، ويكون الإنسان فيه استعداد فيوجب ذلك
اختلاطاً وزوال عقل ، حتى يقتل بعضهم بعضاً ، إما ظاهراً وإما باطناً
بالهمة والقلوب ، ويوجب أيضاً من ترك واجبات الشريعة ، ومن
الاعتداء على المؤمنين فى الدين والدنيا ما الله به عليم .
٣٥٠

وكذلك قد يسلك أحدم عبادات غير شرعية فى الاعتقادات والأعمال
فتورثه تلك العبادات والأعمال أحوالاً قوية قاهرة يترك بها الواجبات
ويفعل بها المحرمات أعظم مما يفعله الملك الجيار ، إذا سكر بشرب الخمر
بالنفوس والأموال .
وإذا خوطب أحدم فى حال صحوه وعقله قال : كنت مغلوباً ،
وورد علي وارد فعل بى هذا ، والحكم للوارد ، وهذه حال كثير من
خفراء العدو وكثير ممن يعين الكفرة والظلمة ، ويعتدي على المسلمين
والمؤمنين من أهل الأحوال ، ويقول: إنه مغلوب فى ذلك، وأنه ورد
عليه وارد أوجب ذلك ، وأنه خوطب بذلك الفعل .
فيقال : أما زوال عقلك حتى صرت لا تفهم أمر الله ونهيه وزوال
قدرتك حتى صرت مضطراً إلى تلك الأفعال ، وإن كنت صادقا فى ذلك
فسببه تفريطك وعدوانك أولاً حتى صرت فى حال المجانين والسكارى ،
فأنت بمنزلة شارب الخمر الذي سكر منها ، والمتعرض للعشق حتى يعشق
فيفعل فيه العشق الأفاعيل ، إذ لافرق بين سكر الأصوات والصور
والشراب ؛ فإن هذا سكر الأجسام وهذا سكر النفوس وهذا سكر
الأرواح ، فإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذوراً فى
دين الإسلام .
٣٥١

ولهذا إنما تقع هذه الأحوال ممن فيه نصرانية يميل بسببها إلى
السكر كما يفعله النصارى فى الشراب والأصوات والصور ، ولهذا كان
هؤلاء فى عالم الضلال .
وأما قولك : إنك خوطبت بذلك وأمرت فمن أي الجهتين ؟ أمن
جهة الكلمات الدينية ؟ أم من جهة الكلمات الكونية ؟ .
فالأولى مثل قوله: ( إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ ) وقوله:
هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ اْلْأُمِّنَ ) وقوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ ).
)
والثانية مثل قوله: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيَهَا ) وقوله: (بَعَتْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا
أَنّ) وقوله: ( أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ ) فإن ذكرت أنه من الجهة
((الأولى)) فباطل بخلاف الكتاب والسنة .
وإن أقررت أنه من ((الثانية)) فصحيح، لكن هذا حال الكفار
والمنافقين مثل إبليس وفرعون ونمرود ، وسأر من أطاع الأوامر
الكونية ، وتبع الإرادة القدرية وأعرض عن الأوامر الشرعية ، ولم يقف
عند الإرادة الدينية .
فتدبر هذا الأصل فإنه عظيم نافع جداً، فتتكشف به الأحوال
المخالفة للشرع . وانقسام أهلها إلى معذور وموزور ، كانقسامها إلى
٣٥٢

مسطور على صاحبه ومغفور بمنزلة الأحوال الصادرة عن غير أهل
العبادات والزهادات من العقل والصحو ، ومن الإغماء والسكر والجنون
ومن الاضطرار والاختيار ، فإن أحوال الملوك والأمراء وأحوال الهداة
والعلماء ، وأحوال المشايخ والفقراء تشترك فى هذه القاعدة الشريفة .
وتحكم الشريعة فيها بالفرقان .
وإذا ضم إلى ذلك أن مايصدر عن ذوي الأحوال من كشف علي
أو تأثير قدري ليس بمستلزم لولاية الله، بل ولا للصلاح، بل ولا
للإيمان ، إذ قد يكون هذا الجنس فی کافر ومنافق وفاسق وعاص،
وإنما أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا
وكانوا يتقون .
ففرق بين ولاية الله وبين الأحوال ، كما فرق بين خلافة النبوة
وبين جنس الملك ، وفرق بين العلم الذي ورثته الأنبياء ، وبين جنس
الكلام ، فبين هذين النوعين خصوص وعموم ، فقد يكون الرجل
ولياً للّه له حال تأثير وكشف، وقد يكون ولياً ليس له تلك الحال
بكما لها، وقد يكون له شيء من هذه الأحوال وليس ولياً لله ، كما قد
يكون خليفة نى مطاعا وقد يكون خليفة نى مستضعفاً ، وقد يكون
جباراً مطاعا ليس من النبوة في شيء ، وقد يكون عالماً ليس متكلما ،
بما يخالف كلام الأنبياء، وقد يكون عالماً متكلما بكلام الأنبياء.
٣٥٣

فصل
واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات فى هذا القدر وغيره
إنما وقع فى الأمة فى أواخر خلافة الخلفاء الراشدين ، كما أخبر به
النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((من يعش منكم بعدي فسيرى
اختلافا كثيراً ، فعليكم بسنتى ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين
من بعدي )) .
ومعلوم أنه إذا استقام ((ولاة الأمور)) الذين يحكمون في النفوس
والأموال استقام عامة الناس، كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخاري
فى صحيحه للمرأة الأحمسية لما سألته فقالت: ((ما بقاؤنا على هذا الأمر
الصالح))؟ قال: ((ما استقامت لكم أتمتكم)) وفى الأثر ((صنفان إذا
صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء)): أهل الكتاب وأهل الحديد ،
كما دل عليه قوله : ( لَقَدْأَرْسَلْنَا ) الآية .
وثم «أولو الأمر)) فى قوله: (أَطِيعُواْاللَّهَ وَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِِّ
مِنْكُمْ ) .
٣٥٤

وكذلك من جهتهم يقع الفساد كما جاء فى الحديث مرفوعا ، وعن
جماعة من الصحابة (( أن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق
بالقرآن وأتمّة مضلون) فالأئمة المضلون ثم الأمراء ، والعالم والمجادل ثم
العلماء ، لكن ( أحدهما ) صحيح الاعتقاد يزل، وهو العالم كما يقع من
أئمة الفقهاء أهل السنة والجماعة .
و (الثاني ) كالمتفلسفة والمتكلمين الذين يجادلون بشبهات القرآن
مع أنهم فى الحقيقة منسلخون من آيات الله، وإنما احتجاجهم به دفعاً
للخصم ، لا اهتداء به واعتماداً عليه؛ ولهذا قال: ((جدال منافق
بالقرآن )) فإن السنة والإجماع تدفع شبهته .
والدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو ((الأصل))،
والأعمال الظاهرة هي («الفروع ) وهي كمال الإيمان .
فالدين أول ما ينى من أصوله ويكمل بفروعه ، كما أنزل الله بمكة
أصوله من التوحيد والأمثال التى هي المقاييس العقلية ، والقصص والوعد
والوعيد ، ثم أنزل بالمدينة - لما صار له قوة - فروعه الظاهرة من
الجمعة والجماعة ، والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا ،
والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته .
٣٥٥

فأصوله تمد فروعه وتثبتها ، وفروعه تكمل أصوله ويحفظها ، فإذا
وقع فيه نقص ظاهر فإنما يقع ابتداء من جهة فروعه ، ولهذا قال
صلى الله عليه وسلم «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون
من دينكم الصلاة)) وروى عنه أنه قال: ((أول مايرفع الحكم بالأمانة»
و((الحكم)» هو عمل الأمراء وولاة الأمور ، كما قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوْبِالْعَدْلِ ).
وأما (( الصلاة )) فهي أول فرض ، وهي من أصول الدين
والإيمان ، مقرونة بالشهادتين، فلا تذهب إلا فى الآخر ، كما قال صلى
الله عليه وسلم: (( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى
للغرباء )، فأخبر أن عوده كبدئه .
فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين ، وصار ملكا ظهر النقص في
الأمراء ، فلا بد أن يظهر أيضاً فى أهل العلم والدين تحدث في آخر
خلافة علي بدعتا الخوارج والرافضة ، إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة ،
وتوابع ذلك من الأعمال والأحكام الشرعية .
وكان ملك ((معاوية)) ملكا ورحمة ، فلما ذهب معاوية ــ رحمة
اللّه عليه - وجاءت إمارة ((يزيد)) وجرت فيها فتنة قتل ((الحسين))
بالعراق، وفتنة أهل ((الحرة)) بالمدينة، وحصروا مكة، لما قام
عبد الله بن الزبير .
٣٥٦

ثم مات يزيد وتفرقت الأمة : ابن الزبير بالحجاز ، وبنو الحكم
بالشام ، ووثب المختار بن أبى عبيد وغيره بالعراق . وذلك فى أواخر
عصر الصحابة ، وقد بقى فيهم مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن
عمر وجابر بن عبد اللّه وأبو سعيد الخدري وغيرهم، حدثت ((بدعة
القدرية والمرجئة)) فردها بقايا الصحابة كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة
بن الأسقع وغيرهم - رضي الله عنهم - مع ما كانوا يردونهم وغيرهم
من بدعة الخوارج والروافض .
وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه : أعمال العباد ، كما
يتكلم فيها المرجئة ، فصار كلامهم فى الطاعة والمعصية ، والمؤمن والفاسق
ونحو ذلك من مسائل ((الأسماء والأحكام))، و((الوعد)) و((الوعيد))
ولم يتكلموا بعد فى ربهم ولا فى صفاته إلا [ في ] أواخر عصر صغار
التابعين، من حين أواخر ((الدولة الأموية)) حين شرع ((القرن الثالث))
- تابعو التابعين - ، ينقرض أكثرم - فإن الاعتبار فى القرون
الثلاثة بجمهور أهل القرن وم وسطه ، وجمهور الصحابة انقرضوا
بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة ، حتى أنه لم يكن بقى من أهل بدر إلا
نفر قليل ، وجمهور التابعين بإحسان . انقرضوا فى أواخر عصر أصاغر
الصحابة فى إمارة ابن الزبير وعبد الملك ، وجمهور تابعي التابعين
انقرضوا فى أواخر الدولة الأموية ؛ وأوائل الدولة العباسية - وصار
٣٥٧

فى ولاة الأمور كثير من الأعاجم ، وخرج كثير من الأمر عن ولاية
العرب وعريت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس والهند والروم،
وظهر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثم يفشو الكذب حتى يشهد
الرجل ولا يستشهد، ويحلف ولا يستحلف)» - حدث ثلاثة أشياء .
((الرأي)) و((الكلام)) و((التصوف)).
وحدث ((التجهم)) وهو نفى الصفات. وبإزائه ((التمثيل)).
فكان جمهور الرأي من الكوفة ؛ إذ هو غالب على أهلها مع
ما كان فيهم من التشيع الفاحش . وكثرة الكذب فى الرواية ، مع أن
فى خيار أهلها من العلم والصدق والسنة والفقه والعبادة أمر عظيم؛
لكن الغرض أن فيها نشأ كثرة الكذب فى الرواية . وكثرة الآراء في
الفقه والتشيع فى الأصول ، وكان جمهور الكلام والتصوف
فى البصرة .
فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين بقليل ظهر عمرو بن عبيد ،
وواصل بن عطاء ؛ ومن اتبعهما من أهل الكلام والاعتزال .
وظهر أحمد بن علي الهجيمي الذي صحب عبد الواحد بن زيد ،
(١) فى ميزان الاعتدال: أحمد بن عطاء الهجيمي البصرى الزاهد .
٣٥٨

وعبد الواحد صحب الحسن البصرى ومن اتبعه من المتصوفة ، وبنى
دويرة للصوفية ؛ هي أول ما بنى فى الإسلام ، وكان عبد الرحمن
ابن مهدي وغيره يسمونهم ((الفقرية)» وكانوا يجتمعون في دويرة لهم.
وصار لهؤلاء من الكلام المحدث طريق بتدينون به ، مع تمسكهم
بغالب الدين .
ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به مع تمسكهم بغالب
التعبد المشروع ، وصار لهؤلاء حال من السماع والصوت حتى إن أحدم
يموت أو يغشى عليه .
ولهؤلاء حال في الكلام والحروف حتى خرجوا به إلى تفكير
أوقعهم فى بحير .
وهؤلاء أصل أمرم ((الكلام)).
وهؤلاء أصل أمريم ((الإرادة)).
وهؤلاء يقصدون (( بالكلام )» التوحيد ؛ ويسمون نفوسهم
الموحدين .
وهؤلاء يقصدون ((بالإرادة)) التوحيد ويسمون نفوسهم أهل
ء
٣٥٩

التوحيد والتجريد .
وقد كتبت قبل هذا في ((القواعد)) ما فى طريقى أهل الكلام
والنظر وأهل الإرادة والعمل من الانحراف، إذا لم يقترن بمتابعة
الرسول. كما بينت فى ((قاعدة كبيرة)) أن أصل العلم والهدى
والدين هو الإيمان بالله ورسوله ، واستصحاب ذلك فى جميع
الأقوال والأحوال .
وكان ((أهل المدينة)) أقرب من هؤلاء وهؤلاء فى القول والعمل
إذ لم ينحرفوا انحراف الطائفتين من الكوفيين والبصريين : هوى ورواية
ورأيا وكلاماً وسماعا ، وإن كان فى بعضهم نوع انحراف لكن
ثم أقرب .
وأما ((الشاميون)) فكان غالبهم مجاهدين ، وأهل أعمال قلبية،
أقرب إلى الحال المشروع من صوفية البصريين إذ ذاك.
ولهذا تجد كتب «الكلام ؛ والتصوف)» إنما خرجت فى الأصل
من البصرة . فمتكلمة المعتزلة أئمتهم بصريون : مثل أبى الهذيل العلاف
وأبى علي الجبائى وابنه أبى هاشم وأبى عبد الله (١) ، وأبى الحسين
(١) بالأصل كلمة غير متضحة .
٣٦٠