النص المفهرس
صفحات 321-340
إياك أن تتكلم فى مسألة ليس لك فيها إمام ، وكان فى المحنة يقول : كيف أقول ما لم يقل ؟ واتباع أحمد للسنة والآثار وقوة رغبته فى ذلك ، وكراهته لخلافه من الأمور المتواترة عنه يعرفها من يعرف حاله من الخاصة والعامة . وما ذكروه من أن الخشية توجب العموم . فجوابه أنه قد يعلم قبح أحد الذنبين دون الآخر ، وإنما يتوب مما يعلم قبحه . و ( أيضاً ) فقد يعلم قبحها ولكن هواه يغلبه فى أحدهما دون الآخر فيتوب من هذا دون ذاك ، كمن أدى بعض الواجبات دون بعض ؛ فإن ذلك يقبل منه . ولكن المعتزلة لهم أصل فاسد وافقوا فيه الخوارج فى الحكم وإن خالفوم في الاسم ، فقالوا : إن أصحاب الكبائر يخلدون فى النار ولا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها، وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممن يعاقبه الله ثم ينيبه ؛ ولهذا يقولون : بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة. وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون ٣٢١ من النار ويشفع فيهم ، وأن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ؛ ولكن قد يحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة ، ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر ، كما لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة ، فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك، وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته . وكتاب الله عز وجل يفرق بين حكم السارق والزاني وقتال المؤمنين بعضهم بعضاً، وبين حكم الكفار فى ((الأسماء، والأحكام)). والسنة المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة يدل على ذلك، كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع . وعلى هذا تنازع الناس فى قوله: ( إِنَّمَايَتَقَبَّلُ اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ) فعلى قول الخوارج والمعتزلة لا تقبل حسنة إلا ممن اتقاء مطلقاً فلم يأت كبيرة ، وعند المرجئة إنما يتقبل ممن اتقى الشرك ، فجعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم ((المتقين)) وعند أهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله خالصاً لله موافقاً لأمر الله، فمن اتقاء في عمل تقبله منه ، وإن كان عاصياً فى غيره . ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعاً في غيره . والتوبة من بعض الذنوب دون بعض كفعل بعض الحسنات المأمور ٣٢٢ بها دون بعض إذا لم يكن المتروك شرطاً في صحة المفعول كالإيمان المشروط فى غيره من الأعمال، كما قال الله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا ) وقال تعالى : (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ اُلْجَنَّةَ) وقال: (وَمَن يَرْتَدِ دْ مِنْكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَكَافِرُ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ). ( الأصل الثانى ) أن من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ماتاب منه أما مالم يتب منه فهو باق فيه على حكم من لم يتب ، لا على حكم من تاب ، وما علمت فى هذا نزاعا إلا فى الكافر إذا أسلم ، فإن إسلامه يتضمن التوبة من الكفر فيغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه ، وهل تغفر له الذنوب التى فعلها فى حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام ؟ هذا فيه قولان معروفان . ( أحدهما ) يغفر له الجميع ، لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم : ((الإسلام يهدم ما كان قبله)) رواه مسلم. مع قوله تعالى (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِن يَنْتَهُوْيُغْفَرْلَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ ). ( والقول الثانى ) أنه لا يستحق أن يغفر له بالإسلام إلا ماتاب منه ؛ ٣٢٣ فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر فحكمه فى ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر ، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص ؛ فإن فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم: (( قال له حكيم بن حزام: يا رسول الله ! أنؤاخذ بما عملنا فى الجاهلية ؟ فقال : من أحسن منكم فى الإسلام لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر )) فقد دل هذا النص على أنه إنما ترفع المؤاخذة بالأعمال التى فعلت فى حال الجاهلية عمن أحسن لاعمن لا يحسن ؛ وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر ، ومن لم يتب منها فلم يحسن . وقوله تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْإِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْلَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ) يدل على أن المنتهى عن شيء يغفر له ما قد سلف منه ، لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف من غيره ؛ وذلك لأن قول القائل لغيره: إن انتهيت غفرت لك ما تقدم ، ونحو ذلك يفهم منه عند الإطلاق أنك إن انتهيت عن هذا الأمر غفر لك ما تقدم منه ، وإذا انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه ، كما يفهم مثل ذلك فى قوله : ((إن تبت))، لا يفهم منه أنك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره . وأما قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام يهدم ما قبله)» وفى رواية ((يجب ما كان قبله )) فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص وطلب ٣٢٤ أن يغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له: (( يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها)) ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه، لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب. ( الأصل الثالث ) أن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها وقد يتوب توبة مطلقة لا يستحضر معها ذنوبه ، لكن إذا كانت نيته التوبة العامة فهي تتناول كل ما يراه ذنباً ؛ لأن التوبة العامة تتضمن عزماً عاماً بفعل المأمور وترك المحظور ، وكذلك تتضمن ندماً عاماً على كل محظور . و((الندم)) سواء قيل: إنه من باب الاعتقادات ، أو من باب الإرادات ، أو قيل : إنه من باب الآلام التى تلحق النفس بسبب فعل ما يضرها ؛ فإذا استشعر القلب أنه فعل ما يضره ، حصل له معرفة بأن الذي فعله كان من السيئات ، وهذا من باب الاعتقادات ، وكراهية لما كان فعله ، وهو من جنس الإرادات ؛ وحصل له أذى وغم لما كان فعله ؛ وهذا من باب الآلام، كالغموم والأحزان ، كما أن الفرح والسرور هو من باب اللذات ليس هو من باب الاعتقادات والإرادات . ومن قال من المتفلسفة ومن اتبعهم : إن اللذة هى إدراك الملائم ٣٢٥ من حيث هو ملائم ، وأن الألم هو إدراك المنافر من حيث هو منافر فقد غلط فى ذلك . فإن اللذة والألم حالان يتعقبان إدراك الملائم والمنافر فإن الحب لما يلائمه، كالطعام المشتهى مثلا له ثلاثة أحوال : ( أحدها ) الحب ، كالشهوة للطعام . و(الثانى ) إدراك المحبوب ، كأكل الطعام . و (الثالث ) : اللذة الحاصلة بذلك ، واللذة أمر مغاير للشهوة ولذوق المشتهى ؛ بل هي حاصلة لذوق المشتهي ؛ ليست نفس ذوق المشتهى . وكذلك ((المكروه)» كالضرب مثلا . فإن كراهته شيء ، وحصوله شىء آخر ، والألم الحاصل به ثالث . وكذلك ما للعارفين أهل محبة الله من النعيم والسرور بذلك ؛ فإن حبهم اللّه شيء، ثم ما يحصل من ذكر المحبوب شيء، ثم اللذة الحاصلة بذلك أمر ثالث ، ولا ريب أن الحب مشروط بشعور المحبوب ، كما أن الشهوة مشروطة بشعور المشتهى ؛ لكن الشعور المشروط فى اللذة غير الشعور المشروط فى المحبة ، فهذا الثاني يسمى إدرا كا وذوقا ونيلاً ووجداً ووصالاً ، ونحو ذلك مما يعبر به عن إدراك المحبوب، ٣٢٦ سواء كان بالباطن أو الظاهر ، ثم هذا الذوق يستلزم اللذة ، واللذة أمر يحسه الحي باطناً وظاهراً . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح («ذاق طعمَ الإِيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً )) وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه من سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله ، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما بكره أن يلقى فى النار » فبين صلى اللّه عليه وسلم أن ذوق طعم الإيمان لمن رضي بالله ربّاً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً، وإن وجد حلاوة الإيمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله أشد من حبه لغيرهما ، ومن كان يحب شخصاً الله لا لغيره ، ومن كان يكره ضد الإيمان ، كما يكره أن باقي فى النار ؛ فهذا الحب للإيمان . والكراهية للكفر استلزم حلاوة الإيمان ، كما استلزم الرضى المتقدم ذوق طعم الإيمان ، وهذا هو اللذة ؛ وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة فى القلب ، ولا نفس الحب الحاصل فى القلب ؛ بل هذا نتيجة ذاك وتمرته ولازم له ، وهي أمور متلازمة ، فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق ، وإلا فمن أحب شيئاً ولم يذق منه ٣٢٧ شيئاً لم يجد لذة ، كالذي يشتهي الطعام ولم يذق منه شيئاً ، ولو ذاق ما لا يحبه لم يجد لذة ، كمن ذاق مالا يريده ، فإذا اجتمع حب الشيء وذوقه حصلت اللذة بعد ذلك . وإن حصل بغضه وذوق البغيض حصل الألم ، فالذي يبغض الذنب ولا يفعله لا يندم ، والذي لا يبغضه لا يندم على فعله ، فإذا فعله وعرف أن هذا مما يبغضه ويضره ندم على فعله إياه . وفي المسند عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الندم توبة)). إذا تبين هذا . فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها ، وإن لم يستحضر أعيان الذنوب إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص ، مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه؛ لقوة إرادته إياه أو لاعتقاده أنه حسن ليس بقبيح ، فما كان لو استحضره لم يتب منه لم يدخل فى التوبة ، وأما ما كان لو حضر بعينه لكان مما يتوب منه فإن التوبة العامة شاملته . وأما «التوبة المطلقة)» : وهي أن يتوب توبة مجملة ، ولا تستلزم التوبة من كل ذنب ، فهذه لا توجب دخول كل فرد من أفراد الذنوب فيها ولا تمنع دخوله كالفظ المطلق ؛ لكن هذه تصلح أن تكون سبباً لغفران المعين . كما تصلح أن تكون سبباً لغفران الجميع ؛ بخلاف ٣٢٨ العامة فإنها مقتضية للغفران العام ، كما تناولت الذنوب تناولاً عاماً . وكثير من الناس لا يستحضر عند التوبة إلا بعض المتصفات بالفاحشة أو مقدماتها أو بعض الظلم باللسان أو اليد ، وقد يكون ما تركه من المأمور الذي يجب الله عليه في باطنه وظاهره من شعب الإيمان وحقائقه أعظم ضرراً عليه مما فعله من بعض الفواحش ، فإن ما أمر الله به من حقائق الإيمان التى بها بصير العبد من المؤمنين حقاً أعظم نفعاً من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة ، كحب الله ورسوله ؛ فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت فى الصحيح ((أنه كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم رجل يدعى حماراً، وكان يشرب الخمر ، وكان كما أتي به إلى النبى صلى الله عليه وسلم جلده الحد، فلما كثر ذلك منه أتى به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)). فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله ، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن فى الخمر عشرة: ((لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها)). ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له . ٣٢٩ وكذلك ((التكفير المطلق)) و((الوعيد المطلق)). ولهذا كان الوعيد المطلق فى الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين ، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له، والمغفور له ؛ فإن الذنوب تزول عقوبتها التى هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة - لكنها من عقوبات الدنيا - وكذلك ما يحصل فى البرزخ من الشدة ، وكذلك ما يحصل فى عرصات القيامة ، وتزول أيضاً بدعاء المؤمنين : كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع ، كمن يشفع فيه سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً . وحينئذ فأي ذنب تاب منه ارتفع موجبه ، وما لم يتب منه فله حكم الذنوب التى لم يتب منها ، فالشدة إذا حصلت بذنوب وتاب من بعضها خفف منه بقدر ما تاب منه ، بخلاف ما لم يتب منه ؛ مخلاف صاحب التوبة العامة . والناس فى غالب أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم إلى ذلك فإن التوبة واجبة على كل عبد فى كل حال ؛ لأنه دائماً يظهر له ما فرط فيه من ترك مأمور أو ما اعتدى فيه من فعل محظور ، فعليه أن يتوب دائماً . والله أعلم . ٣٣٠ وأما قول السائل : ما السبب فى أن الفرج بأنى عند انقطاع الرجاء عن الخلق ؟ وما الحيلة فى صرف القلب عن التعلق بهم وتعلقه بالله ؟ فيقال: سبب هذا تحقيق التوحيد: ((توحيد الربوبية))، و ((توحيد الإلهية)). ((فتوحيد الربوبية)) أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور ؛ بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ؛ فكل ما سواه إذا قدر سبباً فلا بد له من شريك معاون وضد معوق ، فإذا طلب مما سواء إحداث أمر من الأمور طلب منه ما لا يستقل به ولا يقدر وحده عليه ، حتى ما يطلب من العبد من الأفعال الاختيارية لا يفعلها إلا بإعانة الله له ، كأن يجعله فاعلاً لها بما يخلقه فيه من الإرادة الجازمة ويخلقه له من القدرة التامة ، وعند وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور . فمشيئة الله وحده مستلزمة لكل ما يريده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما سواه لا تستلزم إرادته شيئاً؛ بل ما أراده لا يكون إلا بأمور خارجة عن مقدوره إن لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده ، ونفس إرادته لا تحصل إلا بمشيئة الله تعالى. كما قال تعالى: (لِمَن شَآءَ وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ) وقال مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٣٣١ وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّه تعالى: (فَمَن شَآءَ أُمَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَاُلِّلِمِينَ أَعَدَّلَمْ عَذَابَ أَلِيمًا) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَآءَاللَّهُ هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ * وقال: ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ, اٌلْغْفِرَةِ ). والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده من ذلك المخلوق وذلك المخلوق عاجز عنه ، ثم هذا من الشرك الذي لا يغفره الله، فمن كمال نعمته وإحسانه إلى عباده المؤمنين أن يمنح حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد ، ثم إن وحده العبد توحيد الإلهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة . وإن كان ممن قيل فيه: ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّمَسَّةُ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ) وفى قوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الظُُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَّ نَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّأَ عْرَضْتُمْ وَكَانَ آلْإِنسَنُ كَفُورًا ) كان ما حصل له من وحدانيته حجة عليه . كما احتج سبحانه على المشركين الذين يقرون بأنه خالق كل شىء ثم يشركون ولا يعبدونه وحده لا شريك له ، قال تعالى: (قُل لِّمَنِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ اُلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآَإِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٣٣٢ سَيَقُولُونَ * قُلٌ مَنْ رَبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَنَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ مُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ) وقال تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخََّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) وهذا قد ذكر فى القرآن فى غير موضع . فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحداً سواه ، وتتعلق قلوبهم به لا بغيره ، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه ، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه ، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب ، أو حصول اليسر وزوال العسر فى المعيشة ، فإن ذلك لذات بدنية ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن. وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال ، أو يستحضر تفصيله بال ، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه ، ولهذا قال بعض السلف : يا ابن آدم ! لقد بورك لك فى حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك . وقال بعض الشيوخ : إنه ليكون لي إلى اللّه حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتى خشية أن تنصرف نفسي ٣٣٣ عن ذلك ؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضى انصرفت . وفى بعض الإسرائيليات يا ابن آدم ! البلاء يجمع بينى وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك . وهذا المعنى كثير ، وهو موجود مذوق محسوس بالحس الباطن للمؤمن ، وما من مؤمن إلا وقد وجد من ذلك ما يعرف به ما ذكرناه ، فإن ذلك من باب الذوق والحس لا يعرفه إلا من كان له ذوق وحس بذلك . ولفظ ((الذوق )) وإن كان قد يظن أنه فى الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله فى الكتاب والسنة بدل على أنه أعم من ذلك مستعمل فى الإحساس بالملائم والمنافر، كما أن لفظ ((الإحساس)) فى عرف الاستعمال عام فيما يحس بالحواس الخمس، بل وبالباطن. وأما فى اللغة فأصله ((الرؤية)) كما قال: ( هَلْ تُحِسّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ ) . و (المقصود) لفظ ((الذوق)) قال تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ) فجعل الخوف والجوع مذوقاً؛ وأضاف إليها اللباس ليشعر أنه لبس الجائع والخائف فشمله وأحاط به إحاطة اللباس باللابس؛ ٣٣٤ بخلاف من كان الألم لا يستوعب مشاعره بل يختص ببعض المواضع ، وقال تعالى : (فَذُوقُواْاُلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) وقال تعالى: ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) وقال تعالى: (ذُوقُواْمَسََّ سَقَرَ) وقال: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَاْلْمَوْتَ ) وقال تعالى: (لَّا يَذُ وقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَاقًا ) وقال: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ) وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ((ذاق طعمَ الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً)). فاستعمال لفظ ((الذوق)) في إدراك الملائم والمنافر كثير. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان)» كما تقدم ذكر الحديث . فوجود المؤمن حلاوة الإيمان فى قلبه وذوق طعم الإيمان أمر يعرفه من حمل له هذا الوجد . وهذا الذوق ، أصحابه فيه يتفاوتون ، فالذي يحصل لأهل الإيمان عند تجريد توحيد قلوبهم إلى اللّه وإقبالهم عليه دون ما سواه بحيث يكونون حنفاء له مخلصين له الدين ، لا يحبون شيئاً إلا له ، ولا يتوكلون إلا عليه ، ولا يوالون إلا فيه ، ولا يعادون إلا له ولا يسألون إلا إياه ، ولا يرجون إلا إياه، ولا يخافون إلا إياه، يعبدونه ويستعينون له وبه ، بحيث يكونون عند الحق بلا خلق ، وعند الخلق بلا هوى ؛ قد فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته ، ومحبة ما سواه بمحبته ، وخوف ٣٣٥ ما سواء بخوفه ، ورجاء ما سواه برجائه ، ودعاء ما سواه بدعائه ، هو أمر لا يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب ، وما من مؤمن إلا له منه نصيب . وهذا هو حقيقة الإسلام الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رعاه . والله سبحانه أعلم. ٣٣٦ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل ((الفناء )) الذي يوجد فى كلام الصوفية يفسر بثلاثة أمور . ( أحدها ) : فناء القلب عن إرادة ماسوى الرب ، والتوكل عليه وعبادته ، وما يتبع ذلك ، فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص، وهو فى ((الحقيقة)) عبادة القلب ، وتوكله ، واستعانته ، وتألهه وإنابته ، وتوجهه إلى الله وحده لاشريك له، وما يتبع ذلك من المعارف والأحوال . وليس لأحد خروج عن هذا . وهذا هو ((القلب السليم)) الذي قال الله فيه: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وهو سلامة القلب عن الاعتقادات الفاسدة. والإرادات الفاسدة ، وما يتبع ذلك . ٣٣٧ وهذا ((الفناء)) لا ينافيه البقاء ؛ بل يجتمع هو والبقاء فيكون العبد فانياً عن إرادة ما سواه، وإن كان شاعراً بالله وبالسوى ، وترجمته قول لا إله إلا الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن)) وهذا فى ((الجملة )) هو أول الدين وآخره . ( الأمر الثانى ) : فناء القلب عن شهود ماسوى الرب ، فذاك فناء عن الإرادة ، وهذا فناء عن الشهادة . ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه ، وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه ، فهذا الفناء فيه نقص ؛ فإن شهود الحقائق على ما هي عليه ، وهو شهود الرب مدبراً لعباده ، آمراً بشرائعه، أكمل من شهود وجوده ، أو صفة من صفاته ، أو اسم من أسمائه ، والفناء بذلك عن شهود ما سوى ذلك . ولهذا كان الصحابة أكمل شهوداً من أن ينقصهم شهود للحق مجملاً عن شهوده مفصلا ، ولكن عرض كثير من هذا لكثير من المتأخرين من هذه الأمة . كما عرض لهم عند تجلى بعض الحقائق : الموت والغشي والصياح والاضطراب ، وذلك لضعف القلب عن شهود الحقائق على ماهي عليه ، وعن شهود التفرقة فى الجمع ، والكثرة فى الوحدة ، حتى اختلفوا فى إمكان ذلك ، وكثير منهم يرى أنه لا يمكن سوى ذلك لما رأى أنه إذا ذكر الخلق أو الأمر اشتغل عن الخالق الآمر . وإذا عورض بالنبى ٣٣٨ صلى الله عليه وسلم وخلفائه ادعى الاختصاص، أو أعرض عن الجواب أو تحير في الأمر . وسبب ذلك أنه قاس جميع الخلق على ما وجده من نفسه ؛ ولهذا يقول بعض هؤلاء : إنه لا يمكن حين تجلي الحق سماع كلامه ، ويحكى عن ابن عربي أنه لما ذكر له عن الشيخ شهاب الدين السهروردي أنه جوز اجتماع الأمرين . قال : نحن نقول له عن شهود الذات وهو يخبرنا عن شهود الصفات ، والصواب مع شهاب الدين. فإنه كان صحيح الاعتقاد فى امتياز الرب عن العبد . وإنما بنى ابن عربى على أصله الكفرى فى أن الحق هو الوجود الفائض على الممكنات ، ومعلوم أن شهود هذا لا يقع فيه خطاب، وإنما الخطاب فى مقام العقل (١). وفي هذا الفناء قد يقول : أنا الحق ، أو سبحانى ، أو ما في الجبة إلا الله، إذا فني بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده. وبمذكور. عن ذكره ، وبمعروفه عن عرفانه. كما يحكون أن رجلا كان مستغرقا في محبة آخر ، فوقع المحبوب فى اليم فألقى الآخر نفسه خلفه ، فقال ما الذي أوقعك خافي ؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أنى . وفى مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود (١) هذه الكلمة غير متضحة في خط المؤلف لحرم الأصل ٣٣٩ حلاوة الإيمان ، كما يحصل بسكر الخمر ، وسكر عشيق الصور . وكذلك قد يحصل الفناء بحال خوف أو رجاء ، كما يحصل بحال حب فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق ويصدر منه قول أو عمل من جنس أمور السكارى وهي شطحات بعض المشايخ: كقول بعضهم : أنصب خيمتى على جهنم، ونحو ذلك من الأقوال والأعمال المخالفة للشرع ؛ وقد يكون صاحبها غير مأثوم، وإن لم يكن فيشبه هذا الباب أمر خفراء العدو ومن يعين كافراً أو ظالماً بحال ويزعم أنه مغلوب عليه. ويحكم [ على ] هؤلاء أن أحدم إذا زال عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليهم فيما يصدر عنهم من الأقوال والأفعال المحرمة بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمراً محرما . وهذا كما قلنا فى عقلاء المجانين والمولهين ، الذين صار ذلك لهم مقاما دائماً كما أنه يعرض لهؤلاء فى بعض الأوقات ، كما قال بعض العلماء ذلك فى من زال عقله حتى ترك شيئاً من الواجبات . إن كان زواله بسبب غير محرم مثل الإغماء بالمرض أو أسقى مكرها شيئاً يزيل عقله فلا إثم عليه، وإن زال بشرب الخمر ونحو ذلك من الأحوال المحرمة أثم بترك الواجب، وكذلك الأمر فى فعل المحرم . وكما أنه لا جناح عليهم فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة بل ثم في الخاصة مثل الغافل والمجنون فى التكاليف ٣٤٠