النص المفهرس

صفحات 241-260

فهو يظن أن الجنة اسم لما يتمتع فيه بالمخلوقات ، والنار اسم لما لا عذاب فيه
إلا ألم المخلوقات ، وهذا قصور وتقصير منهم عن فهم مسمى الجنة ، بل كل
ما أعده الله لأوليائه فهو من الجنة، والنظر إليه هو من الجنة، ولهذا كان أفضل
الخلق يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، ولما سأل بعض أصحابه عما
يقول في صلاته (( قال: إنى أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار، أما إنى
لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال : حولها ندندن »
وقد أنكر على من قال هذا الكلام يعنى أسألك لذة النظر إلى وجهك
فريق من أهل الكلام ، ظنوا أن الله لا يتلذذ بالنظر إليه ، وأنه لا
نعيم إلا بمخلوق . فغلط هؤلاء فى معنى الجنة كما غلط أولئك ، لكن
أولئك طلبوا ما يستحق أن يطلب ، وهؤلاء أنكروا ذلك .
وأما التألم بالنار فهو أمر ضروري ، ومن قال : لو أدخلنى النار
لكنت راضياً ، فهو عزم منه على الرضا . والعزائم قد تنفسخ عند وجود
الحقائق ، ومثل هذا يقع فى كلام طائفة مثل سمنون الذي قال :
وليس لي فى سواك حظ
فكيفها ماشئت فامتخي
فابتلى بعسر البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول : ادعوا
لعمكم الكذاب. قال تعالى: ( وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ
رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم ◌َنْظُرُونَ ).
٢٤١

وبعض من تكلم فى علل المقامات جعل الحب والرضا والخوف والرجاء
من مقامات العامة بناء على مشاهدة القدر ، وأن من شهد القدر (١)
فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن وبقي من لم يزل ، يخرج عن هذه
الأمور ، وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعا.
أما الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لايكون حساساً محباً لما يلائمه مبغضاً
لما ينافره ، ومن قال إن الحي يستوى عنده جميع المقدورات فهو أحد
رجلين : إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل ، وإما أنه مكابر معاند
ولو قدر أن الإنسان حصل له حال أزال عقله ــ سواء سمى اصطلاما أو
محوا أو فناء أو غشياً أو ضعفاً - فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية.
بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره ، وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء
فإنه لم يسقط بجميعها.
فمن زعم أن المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا
يشهد فرقاً فإنه غالط ، بل لا بد من الفرق فإنه أمر ضروري .
لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي فى الفرق الطبعي ، فيبقي متبعاً
لهواه لا مطيعاً لمولاه.
(١) كذا فى نسختين وفي نسخة وأما من نظر إلى القدر الخ
٢٤٢

ولهذا لما وقعت ((هذه المسألة)) بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم «الفرق
الثاني )» وهو : أن يفرق بين المأمور والمحظور ، وبين ما يحبه الله وما
يكرهه مع شهوده للقدر الجامع، فيشهد الفرق فى القدر الجامع. ومن لم
يفرق بين المأمور والمحظور خرج عن دين الإسلام .
وهؤلاء الذين يتكلمون فى الجمع لا يخرجون عن الفرق الشرعي بالكلية
وإن خرجوا عنه كانوا كفاراً من شر الكفار ، وهم الذين يخرجون إلى
التسوية بين الرسل وغيرهم ، ثم يخرجون إلى القول بوحدة الوجود ، فلا
يفرقون بين الخالق والمخلوق ؛ ولكن ليس كل هؤلاء ينتهون إلى هذا
الإلحاد ، بل يفرقون من وجه دون وجه فيطيعون الله ورسوله تارة ،
ويعصون الله ورسوله تارة ، كالعصاة من أهل القبلة . وهذه الأمور مبسوطة
في غير هذا الموضع .
والمقصود هنا: أن لفظ ((الدعوة والدعاء)) يتناول هذا وهذا،
قال الله تعالى: (وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) وفى الحديث:
(« أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)) رواه ابن ماجه
وابن أبي الدنيا . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه
الترمذي وغيره : «دعوة أخي ذي النون (لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِى
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته)) سماها ((دعوة))
لأنها تتضمن نوعى الدعاء . فقوله لا إله إلا أنت اعتراف بتوحيد الإلهية .
٢٤٣

وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء ، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى
دعاء عبادة ودعاء مسألة، وهو اللّه لا إله إلا هو.
وقوله: (إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). اعتراف بالذنب، وهو يتضمن
طلب المغفرة ، فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب ، وتارة
يسأل بصيغة الخبر، إما بوصف حاله ، وإما بوصف حال المسؤول ، وإما
بوصف الحالين . كقول نوح عليه السلام: ( رَبِّ إِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ
مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْلِ وَتَرْحَمْنِىَّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ ) فهذا ليس صيغة
طلب ، وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر .
ولكن هذا الخبر يتضمن سؤال المغفرة ، وكذلك قول آدم عليه السلام
) هو من
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
)
هذا الباب ، ومن ذلك قول موسى عليه السلام: (رَبِّ إِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ
خَيْرِ فَقِيرٌ ) فإن هذا وصف لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل الله إليه من الخير ،
وهو متضمن لسؤال الله إنزال الخير إليه.
وقد روى الترمذي وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطي
السائلين)) رواه الترمذي وقال حديث، حسن ورواه مالك بن الحويرث
٢٤٤

وقال: (( من شغله ذكري عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)»
وأظن البيهقي رواه مرفوعا بهذا اللفظ .
وقد سئل سفيان بن عيينة عن قوله: ((أفضل الدعاء يوم عرفة
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير))
فذكر هذا الحديث وأنشد قول أمية بن أبى الصلت يمدح ابن جدعان .
حباؤك إن شيمتك الحياء
أأُذكر حاجتى أم قد كفانى
إذا أثنى عليك المرء يوما
كفاه من تعرضه الثناء
قال : فهذا مخلوق يخاطب مخلوقا فكيف بالخالق تعالى .
ومن هذا الباب الدعاء المأثور عن موسى عليه السلام: ((اللهم لك
الحمد، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، وبك المستغاث ، وعليك
التكلان)) فهذا خبر يتضمن السؤال .
ومن هذا الباب قول أيوب عليه السلام: ( أَنِ مَسَِّىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ
أَرْحَمُ الزَّحِينَ ) فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته
بكشف ضره وهي صيغة خبر تضمنت السؤال . وهذا من باب حسن الأدب
فى السؤال والدعاء ، فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه: أنا جائع ، أنا
٢٤٥

مريض ، حسن أدب فى السؤال . وإن كان فى قوله أطعمنى وداونى ونحو
ذلك مما هو بصيغة الطلب طلب جازم من المسؤول ، فذاك فيه إظهار حاله
وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال ، وهذا فيه الرغبة
التامة والسؤال المحض بصيغة الطلب .
وهذه الصيغة ((صيغة الطلب والاستدعاء)) إذا كانت لمن يحتاج إليه
الطالب أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك . فإنها تقال على
وجه الأمر : إما لما فى ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع
المطلوب، فأما إذا كانت من الفقير من كل وجه للغنى من كل وجه فإنها
سؤال محض بتذلل وافتقار وإظهار الحال .
ووصف الحاجة والافتقار هو سؤال بالحال ، وهو أبلغ من جهة
العلم والبيان .
وذلك أظهر من جهة القصد والإرادة، فلهذا كان غالب الدعاء من
القسم الثاني ؛ لأن الطالب السائل بتصور مقصوده ومراده فيطلبه ويسأله
فهو سؤال بالمطابقة والقصد الأول، وتصريح به باللفظ ، وإن لم يكن فيه
وصف لحال السائل والمسؤول، فإن تضمن وصف حالهما كان أكمل من
النوعين، فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضى للسؤال والإجابة ؛ ويتضمن القصد
والطلب الذي هو نفس السؤال، فيتضمن السؤال والمقتضى له والإجابة
٢٤٦

كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ((لما قال:
له علمني دعاء أدعو به فى صلانى، فقال: ((قل: اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً
كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك
أنت الغفور الرحيم)) . أخرجاه فى الصحيحين .
فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة ، وفيه
وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه
التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضى للإجابة وهو وصف
الرب بالمغفرة والرحمة ، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب .
وكثير من الأدعية يتضمن بعض ذلك . كقول موسى عليه السلام :
فهذا طلب ووصف
( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ)
) فيه
للمولى بما يقتضى الإجابة. وقوله: ( رَبِّ إِنِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ
وصف حال النفس والطلب. وقوله: ( إِنِّ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرِفَقِيْرٌ
(
فيه الوصف المتضمن للسؤال بالحال ، فهذه أنواع لكل نوع
منها خاصة .
يبقى أن يقال فصاحب الحوت ومن أشبهه لماذا ناسب حالهم صيغة
الوصف والخبر دون صيغة الطلب ؟ .
٢٤٧

فيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشركان بذنبى ،
فأصل الشر هو الذنب ، والمقصود دفع الضر والاستغفار جاء بالقصد
الثاني، فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو
الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سبه من
الاعتراف بظلمه، ولم يذكر صيغة طلب المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب
بالقصد الثاني ؛ بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له فى حال وجوده بالقصد
الأول ، إذ النفس بطبعها تطلب ماهي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل
من الحال قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر فى المستقبل بالقصد
الثاني، والمقصود الأول فى هذا المقام هو المغفرة، وطلب كشف الضر،
فهذا مقدم فى قصده وإرادته ، وأبلغ ما ينال به رفع سببه فجاء بما
يحصل مقصوده .
وهذا يتبين بالكلام على قوله : (سُبْحَنَكَ) فإن هذا اللفظ
يتضمن تعظيم الرب وتنزيهه ، والمقام يقتضي تنزيه عن الظلم والعقوبة بغير
ذنب ، يقول: أنت مقدس ومنزه عن ظلمى وعقوبتى بغير ذنب ؛ بل أنا
الظالم الذي ظلمت نفسي. قال تعالى: ( وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْأَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ ) وقال تعالى: ( وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ ) وقال :
( وَمَا ظَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْهُمُ الَِّمِينَ) وقال آدم عليه السلام: (رَبَّنَا
ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ).
٢٤٨

وكذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح الذي فى
مسلم فى دعاء الاستفتاح ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا
عبدك ، ظلمت نفسي واعترفت بذنبى ، فاغفر لي ذنوبى جميعا فإنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت ، وفى صحيح البخاري («سيد الإستغفار أن يقول العبد:
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك
ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء
بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، من قالها إذا أصبح
موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها
فمات من ليلته دخل الجنة )) .
فالعبد عليه أن يعترف بعدل الله وإحسانه فإنه لايظلم الناس شيئاً
فلا يعاقب أحداً إلا بذنبه ، وهو يحسن إليهم فكل نقمة منه عدل وكل
نعمة منه فضل .
فقوله : ( لا إله إلا أنت ) فيه إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية
تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته ، ففيها إثبات إحسانه إلى
العباد فإن ((الإله)) هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه
يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التى تستلزم أن يكون
هو المحبوب غاية الحب ، المخضوع له غاية الخضوع ؛ والعبادة تتضمن غابة
الحب بغاية الذل .
٢٤٩

وقوله : ( سبحانك ) يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من
النقائص ؛ فإن التسبيح وإن كان يقال : يتضمن نفي النقائص، وقد روى
فى حديث مرسل من مراسيل موسى بن طلحة عن النبى صلى الله عليه وسلم
في قول العبد: سبحان الله: (( إنها براءة الله من السوء)) فالتفي لا يكون
مدحا إلا إذا تضمن ثبوتا وإلا فالنفى المحض لا مدح فيه ، ونفى السوء
والنقص عنه يستلزم إثبات محاسنه وكماله، ولله الأسماء الحسنى .
وهكذا عامة ما يأتى به القرآن فى نفى السوء والنقص عنه يتضمن إثبات
محاسنه وكماله. كقوله تعالى: (اُللَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ
وَلَا نَوْمٌ ) فنفى أخذ السنة والنوم له يتضمن كمال حياته وقيوميته وقوله :
(وَمَا مَسَّنَامِن ◌ُّغُوبٍ ) يتضمن كمال قدرته ، ونحو ذلك. فالتسبيح
المتضمن تنزيهه عن السوء ، ونفي النقص عنه يتضمن تعظيمه . ففي قوله :
(سُبْحَكَ ) تبرئته من الظلم، وإثبات العظمة الموجبة له براءته من الظلم ،
فإن الظالم إنما يظلم لحاجته إلى الظلم أو لجهله ، والله غني عن كل شيء ، عليم
بكل شيء ، وهو غني بنفسه ، وكل ما سواه فقير إليه ، وهذا
كمال العظمة .
وأيضاً ففي هذا الدعاء التهليل والتسبيح فقوله: (لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ )
تهليل. وقوله: (سُبْحَنَكَ) تسبيح. وقد ثبت فى الصحيح عن
٢٥٠

النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع. وهن
من القرآن. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).
والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع له، والتكبير مقرون بالتهليل وتابع
له، وفى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل أي الكلام أفضل؟ قال:
(( ما اصطفى اللّه لملائكته سبحان الله وبحمده)) وفى الصحيحين عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ،
حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)» وفى القرآن
(فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَيِّكَ ) وقالت الملائكة: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ) .
وهاتان الكلمتان إحداهما مقرونة بالتحميد، والأخرى بالتعظيم ، فإنا
قد ذكرنا أن التسبيح فيه نفي السوء والنقائص المتضمن إثبات المحاسن
والكمال ، والحمد إنما يكون على المحاسن. وقرن بين الحمد والتعظيم كما
قرن بين الجلال والإكرام، إذ ليس كل معظم محبوبا محموداً، ولا كل
محبوب محموداً معظما، وقد تقدم أن العبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى
الحمد ، وتتضمن كمال الذل المتضمن معنى التعظيم ، ففي العبادة حبه وحمده على
المحاسن، وفيها الذل له الناشىء عن عظمته وكبريائه. ففيها إجلاله وإكرامه.
وهو سبحانه المستحق الجلال والإكرام ، فهو مستحق غاية الإجلال
وغاية الإكرام .
٢٥١

ومن الناس من يحسب أن ((الجلال)) هو الصفات السلبية و((الإكرام))
الصفات الثبوتية ، كما ذكر ذلك الرازي ونحوه والتحقيق أن كليهما صفات
ثبوتية ، وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص، لكن ذكر نوعي الثبوت وهو
ما يستحق أن يحب وما يستحق أن يعظم: كقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَالْغَنِىُّ
الْخَمِيدُ ) وقول سليمان عليه السلام: (فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ) وكذلك قوله:
( لَهُالْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) فإن كثيراً ممن يكون له الملك والغنى لا يكون محموداً بل
مذموما، إذ الحمد يتضمن الإخبار عن المحمود بمحاسنه المحبوبة ، فيتضمن
إخباراً بمحاسن المحبوب محبة له.
وكثير ممن له نصيب من الحمد والمحبة يكون فيه عجز وضعف وذل ينافى
العظمة والغنى والملك. فالأول يهاب ويخاف ولا يحب . وهذا يحب ويحمد،
ولا يهاب ولا يخاف. والكمال اجتماع الوصفين. كما ورد فى الأثر ((إن
المؤمن رزق حلاوة ومهابة)) وفى نعت النبى صلى الله عليه وسلم ((كان من
رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه)).
فقرن التسبيح بالتحميد، وقرن التهليل بالتكبير ؛ كما فى كلمات الأذان .
ثم إن كل واحد من النوعين يتضمن الآخر إذا أفرد : فإن التسبيح
والتحميد يتضمن التعظيم؛ ويتضمن إثبات ما يحمد عليه وذلك يستلزم الإلهية
فإن الإلهية تتضمن كونه محبوبا؛ بل تتضمن أنه لا يستحق كمال الحب إلا هو.
والحمد هو الإخبار عن المحمود بالصفات التى يستحق أن يحب فالإلهية
٢٥٢

تتضمن كمال الحمد، ولهذا كان ((الحمد لله)) مفتاح الخطاب؛ وكل أمر ذى بال لا يبدأ
فيه بالحمد لله فهو أجذم ((وسبحان الله)) فيها إثبات عظمته كما قدمناه؛ ولهذا قال:
(فَسَبِّحْ بِأَسْمِرَبِّكَ الْعَظِيمِ) وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوها
فى ركوعكم)) رواه أهل السنن وقال، (( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما
السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم)) رواه مسلم. نجعل
التعظيم فى الركوع أخص منه بالسجود والتسبيح بتضمن التعظيم.
ففي قوله (( سبحان الله وبحمده)) إثبات تنزيهه وتعظيمه وإلهيته وحمده.
وأما قوله: ((لا إله إلا الله والله أكبر)) ففي لا إله إلا الله [إثبات] محامده فإنها
كلها داخلة فى إثبات إلهيته وفى قوله: ((الله أكبر)) إثبات عظمته فإن
الكبرياء تتضمن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل.
ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة فى الصلاة والأذان بقول: ((الله
أكبر)) فإن ذلك أكمل من قول الله أعظم، كما ثبت في الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى الكبرياء ردائي
والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منها عذبته)) فجعل العظمة كالإزار ،
والكبرياء كالرداء ، ومعلوم أن الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ من
التعظيم صرح بلفظه ، وتضمن ذلك التعظيم، وفي قوله : سبحان الله .
صرح فيها بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم ، فصار كل من الكلمتين
٢٥٣

متضمنا معنى الكلمتين الأخريين إذا أفردنا، وعند الاقتران تعطى كل
كلمة خاصيتها .
وهذا كما أن كل اسم من أسماء الله فإنه يستلزم معنى الآخر ؛ فإنه يدل
على الذات ، والذات تستلزم معنى الاسم الآخر، لكن هذا باللزوم. وأما دلالة
كل اسم على خاصيته، وعلى الذات بمجموعهما فبالمطابقة، ودلالتها على
أحدهما بالتضمن .
فقول الداعي: (لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ) يتضمن معنى الكلمات الأربع
اللاتى هن أفضل الكلام بعد القرآن. وهذه الكلمات تتضن معانى أسماء الله
الحسنى وصفاته العليا ففيها كمال المدح .
وقوله : (إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فيه اعتراف بحقيقة حاله ، وليس
لأحد من العباد أن يبرئ نفسه عن هذا الوصف ، لاسيما فى مقام مناجاته
لربه. وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى)). وقال: ((من قال : أنا خير من يونس
ابن متى فقد كذب، فمن ظن أنه خير من يواس بحيث يعلم أنه ليس عليه أن يعترف
يظلم نفسه فهو كاذب ، ولهذا كان سادات الخلائق لا يفضلون أنفسهم
على يونس فى هذا المقام ، بل يقولون : كما قال أبوهم آدم وخاتمهم
محمد صلى الله عليه وسلم.
٢٥٤

فصل
وأما قول السائل : لم كانت موجبة لكشف الضر ؟ فذلك لأن
وَإِن يَمْسَسُكَ اللَّهُ بِضُرٍ
الضر لا يكشفه إلا الله. كما قال تعالى: (
) والذنوب سبب
فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَّوَ إِن يُرِدْكَ بِغَيْرِفَلَارَاذَلِفَضْلِهِ،
للضر، والاستغفار يزيل أسبابه كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
) فأخبر أنه سبحانه
وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّ بَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
لا يعذب مستغفراً. وفى الحديث: ((من أكثر الاستغفار جعل الله له
من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب))
وقال تعالى: ( وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ
عَنكَثِيرٍ ) .
فقوله: (إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) اعتراف بالذنب وهو استغفار، فإن
هذا الاعتراف متضمن طلب المغفرة .
وقوله: (لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ ) تحقيق التوحيد الإلهية، فإن الخير لا
موجب له إلا مشيئة الله، فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن ، والمعوق له
٢٥٥

من العبد هو ذنوبه ، وما كان خارجاً عن قدرة العبد فهو من الله،
وإن كانت أفعال العباد بقدر الله تعالى، لكن الله جعل فعل المأمور وترك
المحظور سبباً للنجاة، والسعادة، فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار
من الذنوب يغلق باب الشر .
ولهذا ينبغي للعبد أن لا يعلق رجاءه إلا بالله، ولا يخاف من الله أن
يظلمه : فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ؛ بل
نخاف أن يجزيه بذنوبه ، وهذا معنى ماروى عن علي رضي الله عنه أنه قال:
لا يرجونَ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه.
وفى الحديث المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه دخل على مريض
فقال : كيف تجدك ؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبى، فقال ما اجتمعا
في قلب عبد فى مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآ منه
مما يخاف )).
فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله ، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد
ولا عمله ، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل
لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بدله ، من معاون ،
ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا
بمشيئة الله تعالى.
٢٥٦

ولهذا قيل : الالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد ، ومحو
الأسباب أن تكون أسبابا نقص فى العقل ، والإعراض عن الأسباب
بالكلية قدح فى الشرع. ولهذا قال الله تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ
* وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: (وَعَلَى
اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه،
فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو
ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب ،
وما رجا أحد مخلوقاً، أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك :
( وَمَن يُشْرِكْ بِالَِّفَكَأَنَّمَا خَّمِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِمَكَانٍ
سَحِيقٍ ) .
وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ، ويرجوم ، فيحصل له رعب كما
قال تعالى: ( سَنُلِقِى فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْالرُّعْبَ بِمَا أَشْرَ كُواْبِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا) والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى :
( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) وقد
فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك . ففي الصحيح عن
ابن مسعود (( أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم وقالوا: أنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
إنما هذا الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)
٢٥٧

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ
وقال تعالى :
كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَسَدُّ حُبَّالِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَهُوْإِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ اُلْقُوَّةَ للَّهِ
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ
*
جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ اُلْعَذَابِ
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْلَوْأَنَّ
*
وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
لَنَاكَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَءُ وامِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَاهُم
قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم
وقال تعالى : (
(
بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
أُوْلَكَ الَّذِينَ
*
مِّنِ دُونِهِ، فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ
عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) ولهذا يذكر الله الأسباب، ويأمر بألا
يعتمد عليها، ولا يرجى إلا اللّه، قال تعالى لما أنزل الملائكة: (وَمَا
جَعَلَهُ اللَّهُإِلََّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّقُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
وقال: (إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لْكُمْ فَمَن ◌َذَا الَّذِى يَنْصُرُ كُمْ مِنْ بَعْدِهِ.
وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
وقد قدمنا أن الدعاء نوعان :
دعاء عبادة ، ودعاء مسألة.
وكلاهما لا يصلح إلا لله، فمن جعل مع الله إلهاً آخر قعد مذموماً
مخذولاً ، والراجي سائل طالب فلا يصلح أن يرجو إلا الله، ولا يسأل
٢٥٨

غيره : ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
((ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف مفخذه، ومالا فلا
تتبعه نفسك)). فالمشرف الذي يستشرف بقلبه ، والسائل الذي يسأل
بلسانه ، وفى الحديث الذي فى الصحيحين عن أبى سعيد الخدري
(( قال : أصابتنا فاقة فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسأله فوجدته
يخطب الناس وهو يقول: ((أيها الناس والله! مهما يكن عندنا من خير
فلن ندخره عنكم ، وإنه من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله ،
ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر))
و ((الاستغناء)) أن لا يرجو بقلبه أحداً فيستشرف إليه
و ((الاستعفاف)) ألاَّ يسأل بلسانه أحداً؛ ولهذا لما سئل أحمد بن
حنبل عن التوكل فقال : قطع الاستشراف إلى الخلق ؛ أي لا يكون فى
قلبك أن أحداً يأتيك بشىء فقيل له : فما الحجة في ذلك ؟ فقال :
قول الخليل لما قال له جبرائيل هل لك من حاجة؟ فقال : «أما
إليك فلا )).
فهذا وما يشبهه مما يبين أن العبد فى طلب ما ينفعه ودفع ما
يضره لا يوجه قلبه إلا إلى الله؛ فلهذا قال المكروب: (لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ). ومثل
هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: عند
الكرب ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم،
٢٥٩

لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم)) فإن
هذه الكلمات فيها تحقيق التوحيد ، وتأله العبد ربه ، وتعلق رجائه به وحده
لا شريك له ، وهي لفظ خبر يتضمن الطلب .
والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم: لا إله إلا الله، فقول العبد
لها مخلصاً من قلبه له حقيقة أخرى ، وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة
( أَرَبَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ
الله . قال تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا
وَكِيلًا
كَالْأَنَْمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَكِيلًا ) فمن جعل ما يألهمه هو ما يهواه فقد
اتخذ إلهه هواه ، أي جعل معبوده هو ما يهواه ، وهذا حال المشركين
الذين يعبد أحدم ما يستحسنه فهم يتخذون أنداداً من دون الله يحبونهم كب
الله، ولهذا قال الخليل: (لَآ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ).
فإن قومه لم يكونوا منكرين الصانع ، ولكن كان أحدم يعبد
ما يستحسنه ويظنه نافعاً له كالشمس والقمر والكواكب ، والخليل بين
أن الآفل يغيب عن عابده وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده ولا
يسمع كلامه ولا يعلم حاله ولا ينفعه ولا يضره بسبب ولا غيره ،
فأي وجه لعبادة من يأفل ؟ !.
وكلما حقق العبد الإخلاص فى قول : لا إله إلا الله خرج من قلبه
٢٦٠