النص المفهرس

صفحات 221-240

يضعف معه تمييزه، حتى يقول فى تلك الحال من الأقوال ما إذا صحاعرف
أنه غالط فيه، كما يحكى نحو ذلك عن مثل أبى يزيد، وأبى الحسن النورى ،
وأبي بكر الشبلي وأمثالهم .
بخلاف أبى سليمان الدارانى ، ومعروف الكرخي، والفضيل بن عياض
بل وبخلاف الجنيد وأمثالهم ممن كانت عقولهم وتميزم بصحبهم فى أحوالهم
فلا يقعون فى مثل هذا الفناء والسكر ونحوه ، بل الكمل تكون
قلوبهم ليس فيها سوى محبة الله وإرادته وعبادته، وعندهم من سعة
العلم والتمييز ما يشهدون الأمور على ماهي عليه، بل يشهدون المخلوقات
قائمة بأمر الله مديرة بمشيئته بل مستجيبة له قانتة له، فيكون لهم فيها
تبصرة وذكرى ، ويكون ما يشهدونه من ذلك مؤيداً وممداً لما فى قلوبهم
من إخلاص الدين ، وتجريد التوحيد له ، والعبادة له وحده
لا شريك له .
وهذه (( الحقيقة)) التى دعا إليها القرآن ، وقام بها أهل تحقيق
الإيمان ، والكمل من أهل العرفان . ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام
هؤلاء وأكملهم ؛ ولهذا لما عرج به إلى السموات وعاين ما هنالك من
الآيات وأوحى إليه ما أوحى من أنواع المناجاة أصبح فيهم وهو لم يتغير
حاله، ولا ظهر عليه ذلك ، بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشي -
صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
٢٢١

( وأما النوع الثالث ) مما قد يسمى فناء : فهو أن يشهد أن لا
موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق ، فلا فرق بين
الرب والعبد فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين فى
الحلول والاتحاد.
والمشايخ المستقيمون إذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أولا أنظر
إلى غير الله، ونحو ذلك فمرادهم بذلك ما أرى ربا غيره، ولا خالقاً غيره
ولا مديراً غيره ، ولا إلها غيره ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفا منه
أو رجاء له ؛ فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب، فمن أحب شيئاً أو
رجاه أو خافه التفت إليه ، وإذا لم يكن فى القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف
منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له لم يقصد القلب أن يلتفت إليه
ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه وإن رآه اتفاقا رؤية مجردة كان كما لو رأى
حائطا ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به .
والمشايخ الصالحون - رحمهم الله - يذكرون شيئاً من تجريد
التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله بحيث لا يكون العبد ملتفتاً إلى غير
الله ولا ناظراً إلى ما سواه: لا حباً له، ولا خوفا منه، ولا رجاء له بل
يكون القلب فارغا من المخلوقات خالياً منها لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق
يسمع وبالحق يبصر وبالحق يبطش وبالحق يمشي ، فيحب منها ما يحبه الله ،
ويبغض منها ما يبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويعادي منها ما عاداه
٢٢٢

الله، ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها ولا يرجوها فى
الله، فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحقق
الموحد بمعرفة الأنبياء والمرسلين ، وبحقيقتهم وتوحيده .
( وأما النوع الثالث ) وهو الفناء في الموجود : فهو تحقيق آل فرعون
ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم.
وهذا النوع الذي عليه أتباع الأنبياء هو («الفناء المحمود)» الذي
يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين .
وجنده الغالبين .
وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من
المخلوقات هو رب الأرض والسموات ، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية
الضلال والفساد إما فساد العقل؛ وإما فساد الاعتقاد . فهو متردد بين
الجنون والإلحاد.
وكل المشايخ الذين يقتدى بهم فى الدين متفقون على ما اتفق عليه
سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في
مخلوقاته شيء من ذاته ولا فى ذاته شيء من مخلوقاته ، وأنه يجب إفراد
القديم عن الحادث ؛ وتمييز الخالق عن المخلوق . وهذا فى كلامهم
٢٢٣

أكثر من أن يمكن ذكره هنا . وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من
الأمراض والشبهات ؛ وأن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه
خالق الأرض والسموات لعدم التمييز والفرقان فى قلبه ؛ بمنزلة من
رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التى فى السماء .
وم قد يتكلمون فى ((الفرق، والجمع)) ويدخل فى ذلك من العبارات
الملفتة نظير ما دخل فى الفناء فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة فى
المخلوقات يبقى قلبه متعلقاً بها ، متشتتاً ناظراً إليها متعلقا بها : إما محبة
وإما خوفا وإما رجاء؛ فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله
وعبادته وحده لا شريك له فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين
فصارت محبته لربه وخوفه من ربه ورجاؤه لربه واستعانته بربه ، وهو فى
هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق.
فقد يكون مجتمعاً على الحق معرضاً عن الخلق نظراً وقصداً وهو نظير النوع
الثاني من الفناء .
ولكن بعد ذلك ((الفرق الثاني)) وهو: أن يشهد أن المخلوقات قائمة
بالله مديرة بأمره ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه
سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها فيكون مع اجتماع قلبه
على الله - إخلاصا له ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة
فيه ومعاداة فيه وأمثال ذلك - ناظراً إلى الفرق بين الخالق والمخلوق مميزاً
٢٢٤

بين هذا وهذا يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل
شيء ومليكه وخالقه وأنه هو الله لا إله إلا هو وهذا هو الشهود الصحيح
المستقيم وذلك واجب في على القلب وشهادته وذكره ومعرفته : فى حال القلب
وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته .
وذلك تحقيق (( شهادة أن لا إله إلا الله)) فإنه ينفى عن قلبه ألوهية ما
سوى الحق ويثبت فى قلبه ألوهية الحق فيكون نافياً الألوهية كل شيء من
المخلوقات مثبتاً لألوهية رب العالمين رب الأرض والسموات ، وذلك يتضمن
اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه ، فيكون مفرقا: فى علمه وقصده
فى شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالماً بالله
تعالى ذاكراً له عارفاً به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم
وتوحده دونهم ، ويكون محباً لله معظما له عابداً له راجياً له خائفاً منه مواليا فيه
معادياً فيه مستعيناً به متوكلا عليه، ممتنعاً عن عبادة غيره والتوكل عليه
والاستعانة به والخوف منه والرجاء له والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة لأمره
وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهية اللّه سبحانه وتعالى.
وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه
رب كل شيء ومليكه وخالقه ومديره ، فحينئذ يكون موحداً لله .
ويبين ذلك أن أفضل الذكر ((لا إله إلا الله)) كما رواه الترمذي وابن أبي
٢٢٥

الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الذكر
لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)) وفى الموطأ وغيره عن طلحة بن
عبد الله بن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل ما قلت أنا
والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو
على كل شيء قدير )) .
ومن زعم أن هذا ذكر العامة ، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد ،
وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر ، فهم ضالون غالطون. واحتجاج بعضهم
على ذلك بقوله: ( قُلِ اللّهُ ثُمَّذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) من أبين غلط
هؤلاء، فإن الاسم هو مذكور فى الأمر بجواب الاستفهام. وهو قوله :
) إلى قوله
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِىِ جَآءَبِهِ، مُوسَى نُورًّا وَهُدَّى لِلنَّاسِ
)
( قُلِ اللَّهُ )، أي الله الذي أزل الكتاب الذي جاء به موسى، فالاسم
مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام ، كما فى نظائر ذلك تقول : من
جاره فيقول زيد .
وأما الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فليس بكلام تام، ولا جملة مفيدة
ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي ، ولم يذكر ذلك أحد من
سلف الأمة ، ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعطي
القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالاً نافعا ، وإنما يعطيه تصوراً مطلقاً لا يحكم
عليه بنفي ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه ،
٢٢٦

وإلا لم يكن فيه فائدة . والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه
لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره .
وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد
وأنواع من الاتحاد . كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال : أخاف أن أموت بين
النفي والإثبات . حال لا يقتدى فيها بصاحبها ، فإن فى ذلك من الغلط مالا
خفاء به ؛ إذلو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه،
إذ الأعمال بالنيات، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتلقين
الميت لا إله إلا الله، وقال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة))
ولو كان ماذكره محذوراً لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت فى أثنائها مونا
غير محمود ، بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد .
والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة ، وأدخل فى البدعة
وأقرب إلى إضلال الشيطان ، فإن من قال: ياهو ياهو ، أو : هو هو . ونحو
ذلك لم يكن الضمير عائداً إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي
وقد يضل، وقد صنف صاحب ((الفصوص)) كتابا سماه ((كتاب الهو))
وزعم بعضهم أن قوله : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ) معناه وما يعلم تأويل
هذا الاسم الذي هو ((الهو)). وقيل هذا وان كان مما اتفق المسلمون بل
٢٢٧

العقلاء على أنه من أبين الباطل ، فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء ،
حتى قلت مرة لبعض من قال شيئا من ذلك لو كان هذا كما قلته لكتبت
( وما يعلم تأويل هو ) منفصلة .
ثم كثيراً ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: ((اللّه))
بقوله : ( قُلِ اللَّهُ ثُمَّذَّرْهُمْ ) ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد ،
وهذا غلط باتفاق أهل العلم ، فإن قوله: (قُلِ آللَّهُ ) معناه الله الذي أزل
الكتاب الذى جاء به موسى . وهو جواب لقوله: (قُلّ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى
جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَ عُلِّمْتُم ◌َالَمْتَعَلَمُواْ
أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ اَللَّهُ )
أي الله الذي
أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. رد بذلك قول من قال: ما أزل
الله على بشر من شىء، فقال: ( مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَبِهِ، مُوسَى
(
ثم قال: ( قُلِ اللَّهُ ) أنزله ( ثُمَّذَرْ) هؤلاء المكذبين (فِ
خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) .
ومما يبين ما تقدم: ماذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو أن العرب
يحكون بالقول ما كان كلاما ، لا يحكون به ما كان قولاً، فالقول لا يحكى
به إلا كلام تام، أو جملة اسمية أو فعلية، ولهذا يكسرون إن إذا جاءت
بعد القول، فالقول لا يحكى به اسم، والله تعالى لا يأمر أحداً بذكر
اسم مفرد، ولا شرع للمسلمين اسماً مفرداً مجرداً، والاسم المجرد لا يفيد الإيمان
٢٢٨

باتفاق أهل الإسلام ، ولا يؤمر به فى شيء من العبادات ، ولا فى شيء
من المخاطبات .
ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعراب من
بمؤذن يقول: ((أشهد أن محمداً رسول الله)) بالنصب فقال: ماذا يقول هذا؟
هذا الاسم فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام ؟ .
(
وَاذْكُرِاسْمَرَبِّكَ وَبَتَّلْ إِلَيْهِنَبِيلًا
وما فى القرآن من قوله : (
وقوله: ( سَبِّحَ أَسْمَرَّكَ اَلْأَعْلَى ) وقوله: (قَدْأَفْلَحَ مَنْ تَزَّكَّى * وَذَكَرَ اُسْمَرٍِّ،
فَصَلَّی
) وقوله: (فَسَبِّحُ بِسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) ونحو ذلك لا يقتضي
ذكره مفرداً بل فى السنن أنه لما نزل قوله: (فَسَبِّحُ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) قال
((اجعلوها فى ركوعكم ولما نزل قوله: ( سَبِّعَ أَسْمَرَبِّكَ اَلْأَعْلَى ) قال
اجعلوها فى سجودكم)) فشرع لهم أن يقولوا فى الركوع سبحان ربى
العظيم، وفى السجود سبحان ربي الأعلى. وفي الصحيح ((أنه كان
يقول فى ركوعه: سبحان ربي العظيم ، وفى سجوده : سبحان ربى الأعلى»
وهذا هو معنى قوله: ((اجعلوها فى ركوعكم)) و((سجودكم))
باتفاق المسلمين .
فتسبيح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك هو بالكلام
التام المفيد ، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان
٢٢٩

الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله. والله أكبر)). وفى الصحيح عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان
فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده، سبحان الله
العظيم)). وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من
قال فى يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك،
وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له حرزاً من الشيطان
يومه ذلك حتى يمسي . ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال
مثل ما قال، أو زاد عليه . ومن قال فى يومه مائة مرة : سبحان الله
وبحمده سبحان الله العظيم، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد
البحر )). وفى الموطأ وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)». وفى سنن ابن ماجة
وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل
الدعاء الحمد لله)).
ومثل هذه الأحاديث كثيرة فى أنواع ما يقال من الذكر والدعاء.
وكذلك ما فى القرآن من قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُواْمِمَّا لَمْيُذَّكَرٍ أَسْمُ
( فَكُلُوْمِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ
اللَّهِ عَلَيْهِ ) وقوله :
عَلَيْهِ ) إنما هو قوله : بسم الله. وهذا جملة تامة إما اسمية على أظهر
٢٣٠

قولي النحاة ؛ أو فعلية، والتقدير ذبحي باسم الله، أو أذبح باسم الله،
وكذلك قول القارىء (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فتقديره: قراءتى
بسم الله ؛ أو أقرأ بسم الله.
ومن الناس من يضمر فى مثل هذا ابتدائى بسم الله ؛ أو ابتدأت
بسم الله. والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول بسم الله، ليس مجرد
ابتدائه كما أظهر المضمر فى قوله ( آقْرَأْبِاَسِرَبِكَ الَّذِى خَلَقَ ) وفى قوله:
( بِسِْاللَّهِ مَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَا ) وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم:
(( من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى . ومن لم يكن ذبح
فليذبح بسم اللّه)). ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبى سلمة: (( سم الله وكل بيمينك ؛
وكل مما يليك)) فالمراد أن يقول بسم الله. ليس المراد أن يذكر
الاسم مجرداً. وكذلك قوله فى الحديث الصحيح لعدى بن حاتم ((إذا
أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل)) وكذلك قوله صلى الله عليه
وسلم ((إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله؛ وعند
خروجه . وعند طعامه . قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء )) وأمثال
ذلك كثير.
وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذاتهم وحجهم وأعيادم من
ذكر الله تعالى إنما هو بالجملة التامة. كقول المؤذن: الله أكبر. الله
٢٣١

أكبر . أشهد أن لا إله إلا الله: أشهد أن محمداً رسول الله . وقول
المصلي: الله أكبر. سبحان ربي العظيم. سبحان ربي الأعلى. سمع الله
لمن حمده. ربنا ولك الحمد . التحيات لله. وقول الملى: لبيك اللهم
لبيك. وأمثال ذلك. فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام .
لا اسم مفرد لا مظهر ولا مضمر . وهذا هو الذي يسمى فى اللغة كلة ،
كقوله: ((كلمتان خفيفتان على اللسان . ثقيلتان فى الميزان . حبيبتان
إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)) وقوله ((أفضل
كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) ومنه
قوله تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ ) الآية وقوله: ( وَتَمَّتْ
كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة
فى الكتاب والسنة ، بل وسائر كلام العرب فإنما يراد به الجملة التامة ،
كما كانوا يستعملون الحرف فى الاسم ، فيقولون : هذا حرف غريب .
أي لفظ الاسم غريب .
وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، ليس
باسم وفعل . وكل من هذه الأقسام يسمى حرفاً لكن خاصة الثالث
أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل : وسمى حروف الهجاء باسم
الحرف وهي أسماء ، ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها ؛ كما
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ((من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف
٢٣٢

عشر حسنات: أما أني لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف ولام
حرف وميم حرف )) وقد سأل الخليل أصحابه عن النطق بحرف الزاي
من زيد فقالوا: زاي، فقال: جئتم بالاسم، وإنما الحرف ((ز)).
ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى فى اللغة بالحرف
يسمى كلمة، وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى، ليس باسم ولا فعل.
كحروف الجر ونحوها ، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف
عن نفس الحرف من اللفظ . وتارة باسم ذلك الحرف ، ولما غلب هذا
الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب ، ومنهم من
يجعل لفظ الكلمة فى اللغة لفظاً مشتركا بين الاسم مثلا وبين الجملة ،
ولا يعرف فى صريح اللغة من لفظ الكلمة إلا الجملة التامة .
والمقصود هنا أن المشروع فى ذكر الله سبحانه هو ذكره («بجملة
تامة)) وهو المسمى بالكلام ، والواحد منه بالكلمة ، وهو الذي ينفع
القلوب ، ويحصل به الثواب والأجر ، والقرب إلى الله ومعرفته ومحبته
وخشيته ، وغير ذلك من المطالب العالية، والمقاصد السامية. وأما الاقتصار
على ((الاسم المفرد)) مظهراً أو مضمراً فلا أصل له، فضلا عن أن يكون
من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات
وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد ، وأهل
الاتحاد ، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع .
٢٣٣

وجماع الدين ((أصلان)) ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما
شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: (فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
وذلك تحقيق ((الشهادتين)):
صَلِ حًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ).
شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله. ففي الأولى أن لا نعبد
إلا إياه ، وفى الثانية أن محمداً هو رسوله المبلغ عنه . فعلينا أن نصدق خبره
ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور ، وأخبر
أنها ضلالة. قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ:أَخْرُهُعِندَرَبِّهِ،
وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ) .
كما أنا مأمورون ألا نخاف إلا اللّه ولا نتوكل إلا على الله، ولا ترغب
إلا إلى اللّه، ولا نستعين إلا بالله، وألا تكون عبادتنا إلا الله، فكذلك
نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به، فالخلال ما حلله والحرام
ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَ اتَهُمُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ)
فجعل الإيتاء للّه والرسول، كما قال: ( وَمَآءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَكُمْ
عَنْهُفَأننَهُوا) وجعل التوكل على الله وحده بقوله: (وَقَالُوْ حَسْبُنَا اللَّهُ) ولم يقل
ورسوله، كما قال فى ( الآية الأخرى) ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )
) أي
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ومثله قوله : (
٢٣٤

صح
حسبك وحسب المؤمنين كما قال: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) .
ثم قال: (سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ ) فجعل الإيتاء لله
والرسول، وقدم ذكر الفضل ؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو
الفضل العظيم ، وله الفضل على رسوله وعلى المؤمنين، وقال: (إِنَّ إِلَى اللَّهِ
رَغِبُونَ) فجعل الرغبة إلى الله وحده كما في قوله: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ *
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب) وقال النبى صلى الله عليه وسلم لابن عباس: ((إذا سألت
فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)). والقرآن يدل على مثل هذا فى
غير موضع .
فجعل العبادة والخشية والتقوى للّه، وجعل الطاعة والمحبة الله ورسوله،
كما في قول نوح عليه السلام: ( أَنِ اعْبُدُ واْ اللَّهَ وَنَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) وقوله :
(وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ)
وأمثال ذلك .
فالرسل أمروا بعبادته وحده والرغبة إليه والتوكل عليه ، والطاعة لهم .
فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول و(اتَّخَذُوّا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَّهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ) فجعلوا يرغبون إليهم
ويتوكلون عليهم ويسألونهم، مع معصيتهم لأمرهم ومخالفاتهم لسنتهم ، وهدى
الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه
٢٣٥

فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين ، فأخلصوا دينهم لله، وأسلموا
وجوههم لله، وأنابوا إلى ربهم، وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه
وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروم ووقروم وأحبوم
ووالوم وانبعوم ، واقتفوا آثارم واهتدوا بمنارم.
وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل
وهو الدين الذي لا يقبل اللّه من أحد دينا إلا إياه، وهو حقيقة العبادة
لرب العالمين .
فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، ويكمله لنا ويميتنا عليه وسأر
إخواننا المسلمين .
والحمد لله وحده . وصلى الله على سيدنا محمد وآ له وصحبه وسلم.
٢٣٦

سئل شيخ الإسلام
ابن تيمية - قدس الله روحه - عن قول النبى صلى الله عليه وسلم:
((دعوة أخي ذي النون)): (لَّ إِلَهَ إِلَّأَنْتَ سُبْحَنَكَ إِى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته)) ما معنى هذه الدعوة؟ ولم كانت كاشفة
للكرب؟ وهل لها شروط باطنة عند النطق بلفظها؟ وكيف مطابقة اعتقاد
القلب لمعناها. حتى يوجب كشف ضره؟ وما مناسبة ذكره: (إِنِّ كُنتُ
مِنَ الظَّالِمِينَ) مع أن التوحيد. يوجب كشف الضر؟ وهل يكفيه اعترافه .
أم لا بد من التوبة والعزم فى المستقبل ؟ وما هو السر فى أن كشف الضر
وزواله يكون عند انقطاع الرجاء عن الخلق والتعلق بهم؟ وما الحيلة في
الصراف القلب عن الرجاء للمخلوقين والتعلق بهم بالكلية وتعلقه بالله تعالى
ورجائه وانصرافه إليه بالكلية، وما السبب المعين على ذلك؟؟ .
فأجاب ) الحمد لله رب العالمين.
لفظ ((الدعاء والدعوة)) فى القرآن يتناول معنيين.
دعاء العبادة.
٢٣٧

ودعاء المسألة .
( فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ)
قال الله تعالى :
وقال تعالى: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ هَاءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَرَبِّهِّ إِنَّهُ.
لَ يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ) وقال تعالى: ( وَلَا تَدْعُ مَعَ الَّهِ إِلَهَاءَاخَرُ لَا إِلَهَإِلَّا هُوَ)
وقال: ( وَأَنَّهُ لَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُ وايَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) وقال (إِن يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَّا مَرِيدًا) وقال تعالى: (لَهُ رَعُوَةُ
اَلْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى الْمَآءِ لِتَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِسَالِهِ)
وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَاللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَاللّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) وقال في آخر السورة:
( قُلْ مَا يَعْبَؤُ اْ بِكُتْرَبِ لَوْلَا
دُعَاؤُكُمْ).
قيل : لولا دعاؤكم إياه ، وقيل لولا دعاؤه إياكم . فإن المصدر
يضاف إلى الفاعل تارة ، وإلى المفعول تارة ، ولكن إضافته إلى الفاعل
أقوى ؛ لأنه لا بد له من فاعل ، فلهذا كان هذا أقوى القولين ؟ أي
ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه وتسألونه: (فَقَدْكَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ
لِزَامًا ) أي عذاب لازم للمكذبين .
ولفظ ((الصلاة في اللغة)) أصله الدعاء ، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى
الدعاء، وهو العبادة والمسألة .
٢٣٨

وقد فسر قوله تعالى: ( أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبُ لَكُمْ ) بالوجهين ، قيل:
اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم كما قال تعالى: (وَيَسْتَجِيبُ
اُلَّذِينَءَامَنُواْوَ عَمِلُواْالصَّلِحَتِ ) : أي يستجيب لهم ، وهو معروف فى اللغة،
يقال : استجابه واستجاب له كما قال الشاعر :
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وداع دعا یا من يجيب إلى الندى
وقيل : سلوني أعطكم.
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ينزل
ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من
يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرنى فأغفر له))
فذكر أولاً لفظ الدعاء ، ثم ذكر السؤال والاستغفار . والمستغفر
سائل كما أن السائل داع : لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل
الطالب للخير، وذكرهما جميعاً بعد ذكر الداعي الذي يتناولهما وغيرهما فهو
من باب عطف الخاص على العام .
وقال تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَادَعَانِ) .
وكل سائل راغب راهب ، فهو عابد للمسؤول ، وكل عابد له
٢٣٩

فهو أيضاً راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه ، فكل عابد
سائل وكل سائل عابد. فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه،
ولكن إذا جمع بينهما : فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع
المضرة بصيغ السؤال والطلب . ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر
وإن لم يكن فى ذلك صيغ سؤال.
والعابد الذي يريد وجه الله، والنظر إليه هو أيضاً راج خائف
راغب راهب: يرغب فى حصول مراده، ويرهب من فواته. قال تعالى:
( إِنَّهُمْ كَانُوْيُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَارَغَبًّا وَرَهَبًا) وقال تعالى:
( نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) ولا يتصور
أن يخلو داع لله - دعاء عبادة أو دعاء مسألة - من الرغب والرهب من
الخوف والطمع .
وما يذكر عن بعض الشيوخ أنه جعل الخوف والرجاء من مقامات
العامة ، فهذا قد يفسر مراده بأن المقربين يريدون وجه الله فيقصدون
التلذذ بالنظر إليه ، وإن لم يكن هناك مخلوق يتلذذون به ، وهؤلاء يرجون
حصول هذا المطلوب، ويخافون حرمانه، فلم يخلوا عن الخوف والرجاء لكن
مرجوم ومخوفهم بحسب مطلوبهم.
ومن قال من هؤلاء : لم أعبدك شوقا إلى جنتك، ولا خوفا من نارك ،
٢٤٠