النص المفهرس
صفحات 141-160
وإن كان قد يحصل فيه من الألم من جنس ما يحصل فى سائر البدن بسبب مرض الجسم فذلك شيء آخر . فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه أعظم من مرض الجسم وشفائه، فتارة يكون من حملة الشبهات . كما قال: (فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌِّ ) وكما صنف الخرائطي (( كتاب اعتلال القلوب بالأهواء » ففي قلوب المنافقين : المرض من هذا الوجه ، ومن هذا الوجه من جهة فساد الاعتقادات ، وفساد الإرادات . والمظلوم فى قلبه مرض، وهو الألم الحاصل بسبب ظلم الغير له ، فإذا استوفى حقه اشتفى قلبه . كما قال تعالى: ( وَيَشْفِ صُدُوَرَقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمْ ) فإن غيظ القلب إنما هو الدفع الأذى والألم عنه، فإذا اندفع عنه الأذى واستوفى حقه زال غيظه . فكما أن الإنسان إذا صار لا يسمح بأذنه، ولا يبصر بعينه، ولا ينطق بلسانه كان ذلك مرضاً مؤلماً له يفوته من المصالح ويحصل له من المضار فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ، ولم يميز بين الخير والشر ، والغي والرشاد كان ذلك من أعظم أمراض قلبه ولمه؛ وكما أنه إذا اشتهى ما يضره مثل الطعام الكثير فى الشهوة الكلية ، ومثل أكل الطين ونحوه كان ذلك مرضاً ؛ فإنه يتألم حتى يزول ألمه ١٤١ بهذا الأكل الذي يوجد ألماً أكثر من الأول ؛ فهو يتألم إن أكل ؛ ويتألم إن لم يأكل . فكذلك إذا بلي بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرئاسة أو المال ونحو ذلك فإن لم يحصل محبوبه ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم ؛ وإن حصل محبوبه فهو أشد مرضاً وألماً وسقماً؛ ولذلك كما أن المريض إذا كان يبغض ما يحتاج إليه من الطعام والشراب كان ذلك الألم حاصلاً ؛ وكان دوامه على ذلك يوجب من الألم أكثر من ذلك حتى يقتله ؛ حتى يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ويحتاج إليه ؛ فهو متألم فى الحال ؛ وتألمه فيما بعد إن لم يعافه الله أعظم وأكبر. فبغض الحاسد لنعمة الله على المحسود كبفض المريض لأكل الأصحاء لأَطعمتهم وأشربتهم حتى لا يقدر أن يرام يأكلون ؛ ونفرته عن أن يقوم بحقه كنفرة المريض عما يصلح له من طعام وشراب ؛ فالحب والبغض الخارج عن الاعتدال والصحة في النفس كالشهوة والنفرة الخارج عن الاعتدال والصحة فى الجسم . وعمى القلب وبكمه أن يبصر الحقائق، ويميز ما ينفعه ويضره ، كعمى الجسم وخرسه عن أن ببصر الأمور المرتبة ، ويتكلم بها ويميز بين ما ينفعه ويضره . وكما أن الضرير إذا أبصر وجد أن الراحة والعافية والسرور أمراً ١٤٢ عظيماً فبصر القلب ، ورؤيته الحقائق بينه وبين بصر الرأس من التفاوت ما لا يحصيه إلا الله، وإنما الغرض هنا تشبيه أحد المرضين بالآخر . فطب الأديان يحتذي حذو طب الأبدان . وقد كتب سليمان إلى أبى الدرداء . أما بعد : فقد بلغني أنك قعدت طبيباً فإياك أن تقتل، والله أنزل كتابه شفاء لما فى الصدور. وقال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا) ذلك أن الشفاء إنما يحصل لمن يتعمد الدواء وهم المؤمنون وضعوا دواء القرآن على داء قلوبهم . فمرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال: أما شهوة مالا يحصل، أو يفقد الشهوة النافعة، وينفر به عما يصلح ويفقد النفرة عما يضر ، ويكون بضعف قوة الإدراك والحركة ، كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال ، وهي الأهواء التى قال اللّه فيها : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَئِهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ). وقال: (بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْأَهْوَاءَ هُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ) . كما يكون الجسد خارجا عن الاعتدال إذا فعل ما يشتهيه الجسم بلا قول الطبيب ، ويكون لضعف إدراك القلب وقوته حتى لا يستطيع أن يعلم ويريد ما ينفعه ويصلح له، وكما أن المرضى الجهال قد يتناولون ما يشتهون فلا ١٤٣ يحتمون ولا يصبرون على الأدوية الكريهة لما فى ذلك من تعجيل نوع من الراحة واللذة، ولكن ذلك يعقبهم من الآلام مايعظم قدره ، أو يعجل الهلاك . فكذلك بنوا آدم هم جهال ظلموا أنفسهم: يستعجل أحدم ما ترغبه لذته وبترك ما تكرهه نفسه مما هو لايصلح له، فيعقبهم ذلك من الألم والعقوبات ، إما في الدنيا وإما في الآخرة مافيه عظم العذاب والهلاك الأعظم . و((التقوى)) هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه؛ فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال النافع ، وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضاً استعمال لضار ، فلا يكون صاحبه من المتقين . وأما ترك استعمال الضار والنافع فهذا لا يكون ، فإن العبد إذا عجز عن تناول الغذاء كان مغتذيا بما معه من المواد التى تضره حتى يهلك ، ولهذا كانت العاقبة للتقوى، وللمتقين؛ لأنهم المحتمون عما يضرم فعاقبتهم الإسلام والكرامة ، وإن وجدوا ألمافى الابتداء لتناول الدواء والاحتماء، كفعل الأعمال الصالحة المكروهة. كما قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرْهُ لَّكُمْ وَعَسَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّلَّكُمْ ). ولكثرة الأعمال الباطلة المشتهاة، كما قال تعالى: ( وَأَمَّامَنْ خَافَ مَقَامَرَبِّهِ. ١٤٤ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى * فَإِنَّالْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ). وكما قال: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) فأما من لم يحتم فإن ذلك سبب الضرره فى العاقبة، ومن تناول ما ينفعه مع يسير من التخليط فهو أصلح ممن احتمى حمية كاملة ولم يتناول الأشياء سراً؛ فإن الحمية التامة بلا اغتذاء تمرض، فهكذا من ترك السيئات ولم يفعل الحسنات. وقد قدمنا فى ((قاعدة كبيرة)) أن جنس الحسنات أنفع من جنس ترك السيئات ، كما أن جنس الاغتذاء من جنس الاحتماء ، وبينا أن هذا مقصود لنفسه وذلك مقصود لغيره بالانضمام إلى غيره، وكما أن الواجب الاحتماء عن سبب المرض قبل حصوله، وإزالته بعد حصوله ، فهكذا أمراض القلب يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها - بأن [ عرض] له المرض - دواماً، والصحة تحفظ بالمثل، والمرض يزول بالضد، فصحة القلب تحفظ باستعمال أمثال مافيها، أو هو ما يقوي العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة، وتزول بالضد، فتزال الشبهات بالبينات ، وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق . ولهذا قال يحيى بن عمار: العلوم خمسة : فعلم هو حياة الدنيا. وهو علم التوحيد. وعلى هو غذاء الدين؛ وهو علم التذكر بمعانى القرآن والحديث . وعلم هو دواء الدين؛ وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من ١٤٥ يشفيه منها ، كما قال ابن مسعود. وعلم هو داء الدين وهو الكلام المحدث وعلم هو هلاك الدين؛ وهو علم السحر ونحوه . فحفظ الصحة بالمثل، وإزالة المرض بالضد، فى مرض الجسم الطبيعي ، ومرض القلب النفسانى الدينى الشرعي . قال النبى صلى الله عليه وسلم: « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)» ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا) أخرجاه فى الصحيحين. قال الله تعالى (وَلَهُ,مَنْ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَِنُونَ * وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُاْلْخَلْقَ إلىقوله ثُمَّيُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْهٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ ) (بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ) إلى قوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَبِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ). فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفاً ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب، وتركها ظلم عظيم اتبع أهله أهواءهم بغير علم ، ولا بد لهذه الفطرة والخلقة . - وهي صحة الخلقة - من قوت وغذاء يمدها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علماً وعملا؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة، وهي مأدبة اللّه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن مسعود: ((إن كل آدب يحب أن ١٤٦ تؤتى مأدبته وإن مأدبة اللّه هي القرآن)) ومثله كماء أنزله الله من السماء، كما جرى مثيله بذلك فى الكتاب والسنة. والمحرفون للفطرة المغيرون للقلب عن استقامته م ممرضون القلوب مسقمون لها ، وقد أزل الله كتابه شفاء لما في الصدور . وما يصيب المؤمن فى الدنيا من المصائب هي بمنزلة ما تصيب الجسم من الألم يصح بها الجسم وتزول أخلاطه الفاسدة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولاهم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه)) وذلك تحقيق لقوله: (مَن يَعْمَلْ سُوءً ا يُجْزَبِهِ ). ومن لم يطهر فى هذه الدنيا من هذه الأمراض فيؤوب صحيحاً، وإلا احتاج أن يطهر منها فى الآخرة فيعذبه الله، كالذي اجتمعت فيه أخلاطه ، ولم يستعمل الأدوية لتخفيفها عنه فتجتمع حتى يكون هلا كه بها، ولهذا جاء فى الأثر ((إذا قالوا المريض: اللهم ارحمه، يقول الله: كيف أرحمه من شىء به أرحمه؟!)) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابية ورقها)). وكما أن أمراض الجسم ما إذا مات الإنسان منه كان شهيداً. كالمطعون والمبطون وصاحب ذات الجنب ، وكذلك الميت بغرق أو حرق أو هدم، فمن ١٤٧ أمراض النفس، ما إذا اتقى العبد ربه فيه وصبر عليه حتى مات كان شهيداً ، كالجبان الذي يتقى الله ويصبر للقتال حتى يقتل؛ فإن البخل والجبن من أمراض النفوس إن أطاعه أوجب له الألم، وإن عصاه تألم كأمراض الجسم . وكذلك العشق فقدروى «من عشق فعف وكتم وصبر، ثم مات مات شهيداً)) فإنه مرض فى النفس يدعو إلى ما يضر النفس كما يدعو المريض إلى تناول ما يضر، فإن أطاع هواه عظم عذابه في الآخرة وفى الدنيا أيضاً ، وإن عصى الهوى بالعفة والكتمان صار في نفسه من الألم والسقم ما فيها فإذا مات من ذلك المرض كان شهيداً ، هذا يدعوه إلى النار فيمنعه كالجبان تمنعه نفسه عن الجنة فيقدمها . فهذه الأمراض إذا كان معها إيمان ونقوى كانت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له إن أصابته سراء فشكر، كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له)). والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وسلم تسليما . ١٤٨ مثل الشيخ / حمد الله عن قوله عز وجل : (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ ) فما العبادة وفروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا ؟ وما حقيقة العبودية ؟ وهل هي أعلا المقامات فى الدنيا والآخرة أم فوقها شيء من المقامات ؟ وليبسطوا لنا القول فى ذلك . فأجاب: الحمد لله رب العالمين. ((العبادة)) هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة ، والصيام ، والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ؛ وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم. والدعاء والذكر والقراءة ، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه . وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمه ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ؛ ١٤٩ والرجاء لرحمته ، والخوف لعذابه ، وأمثال ذلك هي من العبادة لله . وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له ، التى خلق الخلق لها ، كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ( أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَلَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرم لقومهم. وقال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَّ فَمِنْهُمْ مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ ) وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) كما قال فى الآ ية الأخرى: (بَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْمِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْصَلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ). وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت كما قال: (وَأَعْبُدْرَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِينُ ) وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: (وَلَهُمَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِندَرَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ. ( وَقَالَ وذم المستكبرين عنها بقوله : وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) ١٥٠ رَبُّكُمُ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: (عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَاِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا ) وقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) الآيات . ولما قال الشيطان: (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَتَهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال الله تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) وقال في وصف الملائكة بذلك: (وَقَالُواْ اتَّخَذَّ الرَّحْمَنُ وَلَ أْسُبْحَنَّةَ، بَلْ عِبَادُ شُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) إلى قوله : (وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ) وقال تعالى: (وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الَرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا * تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَفَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا * أَنْ دَعَوْاْلِزَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِلَّ مَانِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَذَّهُمْ عَذَّا * وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ فَرْدًا) وقال تعالى عن المسيح - الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة - (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدَ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىِّ إِسْرَِّيلَ)، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ١٥١ ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)) وقد نعته الله ((بالعبودية)) فى أكمل أحواله فقال فى الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) وقال فى الإيحاء: ( فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى) وقال فى الدعوة: ( وَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُ واْيَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) فى التحدي: (وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ ) فالدين كله داخل فى العبادة . وقال وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابى وسأله عن الإسلام قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال: فما الإيمان ؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال فما الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (( ثم قال في آخر الحديث (( هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)) فعل هذا كله من الدين . و ((الدين)) يتضمن معنى الخضوع والذل. يقال : دنته فدان أي : ذللته فذل، ويقال بدين الله، ويدين الله أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له . ١٥٢ و ((العبادة)) أصل معناها الذل أيضاً ، يقال: طريق معبد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام . لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب ، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم ، وأوله ((العلاقة)) لتعلق القلب بالمحبوب، ثم ((الصبابة)) لا نصباب القلب إليه، ٨ ٨ ثم (الغرام)) وهو الحب اللازم للقلب، ثم ((العشق)) وآخرها ((التنيم)) يقال: تيم اللّه أي: عبد اللّه، فالمتيم المعبد لمحبوبه. ومن خضع الإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له ، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له ، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لايكفي أحدهما فى عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شىء ، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله . وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلاً، قال اللّه تعالى: (قُلْإِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَ جَّكُمُ وَعَشِيرَتُكُنْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَتَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهِ) ، فجلس المحبة تكون لله ورسوله، كالطاعة؛ فإن الطاعة الله ورسوله ١٥٣ والإرضاء لله ورسوله: (وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) والإيتاء لله ورسوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) وأما (( العبادة)) وما يناسبها من التوكل؛ والخوف ؛ ونحو ذلك فلا يكون إلا الله وحده، كما قال تعالى: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) إلى قوله : ﴿فَإِن تَوَلَوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُ واْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُوْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ ) فالإيتاء لله والرسول كقوله: (وَمَآءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ). وأما الحسب وهو الكافي فهو الله وحده، كما قال تعالى: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَّكُمُ ) وقال تعالى : فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي حسبك وحسب من اتبعك اللّه . ومن ظن أن المعنى حسبك الله والمؤمنون معه فقد غلط غلطاً فاحشاً ، كما قد بسطناه فى غير هذا الموضع وقال تعالى: (أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) . و ((تحرير ذلك)) أن العبد يراد به ((المعبد)) الذي عبده الله فذلله ودبره ١٥٤ وصرفه ، وبهذا الاعتبار المخلوقون كلهم عباد الله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار وأهل الجنة وأهل النار ؛ إذ هو ربهم كلهم ومليكهم . لا يخرجون عن مشيئته وقدرته ، وكلماته التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر؛ فما شاء كان وإن لم يشاءوا. وما شاءوا إن لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ). فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواء ولا خالق إلا هو سواء اعترفوا بذلك أو أنكروه، وسواء علموا ذلك أو جهلوه : لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك واعترفوا به ؛ بخلاف من كان جاهلا بذلك ؛ أو جاحداً له مستكبراً على ربه لا يقر ولا يخضع له ؛ مع علمه بأن الله ربه وخالقه . فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذابا على صاحبه، كما قال تعالى: ( وَحَحَدُ واْبِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ وقال تعالى: ( الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ فَانْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وقال تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّالَّلِينَ بِعَايَتِ اُللَّهِ يَجْحَدُونَ). ١٥٥ فإن اعترف العبد أن اللّه ربه وخالقه؛ وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه فيتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره؛ وقد يعصيه ، وقد يعبده مع ذلك؛ وقد يعبد الشيطان والأصنام. ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة والنار ، ولا يصير بها الرجل مؤمناً. كما قال تعالى: (وَمَايُؤْ مِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّوَهُم مُشْرِكُونَ) فإن المشركين كانوا يقرون أن اللّه خالقهم ورازقهم وم يعبدون غيره قال تعالى: ( وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ ) وقال تعالى: (قُل ◌ِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ) إلى قوله: (قُلٌ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) وكثير ممن يتكلم فى الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة وهى ((الحقيقة الكونية)) التى يشترك فيها وفى شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وإبليس معترف بهذه الحقيقة؛ وأهل النار. قال إبليس: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) وقال: (رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِىِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَتَهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقال: (فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقال: (أَرَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَى ) وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن اللّه ربه وخالقه وخالق غيره : وكذلك أهل النار قالوا: (رَبَّنَا غَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ١٥٦ ضَآَلِينَ ) وقال تعالى: (وَلَوْتَرَىَ إِذْ وُقِفُواْعَلَى رَبِهِمّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ قَالُواْ بَى وَرَيِّنَا) فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر به من الحقيقة الدينية التى هي عبادته المتعلقة بالهيته وطاعة أمره وأمر رسوله كان من جنس إبليس وأهل النار ؛ وإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان ، كان من أشر أهل الكفر والإلحاد . ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله. حتى يدخل فى ((النوع الثانى)) من معنى العبد وهو العبد بمعنى العابد فيكون عابداً لله لا يعبد إلا إياه؛ فيطيع أمره وأمر رسله ، ويوالى أولياءه المؤمنين المتقين ؛ ويعادي أعداءه، وهذه العبادة متعلقة بالهيته، ولهذا كان عنوان التوحيد ((لا إله إلا الله)) بخلاف من يقر بربوبيته ولا يعبده: أو يعبد معه إلهاً آخر ، فالإله الذي يألهه القلب بكال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك ، وهذه العبادة هي التى يحبها الله ويرضاها ، وبها وصف المصطفين من عباده، وبها بعث رسله . وأما ((العبد)) بمعنى المعبد سواء أقر بذلك أو أنكره ؛ فتلك يشترك ١٥٧ فيها المؤمن والكافر . وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين ((الحقائق الدينية)» الداخلة فى عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التى يحبها ويرضاها ويوالى أهلها ويكرمهم بجنته، وبين ((الحقائق الكونية)) التى يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر التى من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين . ومن اكتفى بها فى بعض الأمور دون بعض، أو فى مقام أو حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب مانقص من الحقائق الدينية . وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون ، وكثر فيه الاشتباه على السالكين ، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان مالا يحصيهم إلا الله الذي يعلم السر والإعلان: وإلى هذا أشار الشيخ ((عبد القادر)) رحمه الله فيما ذكر عنه ، فبين أن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أنا فإنى انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق ؛ والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقاً للقدر . والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله ؛ لكن كثير من الرجال غلطوا، فإنهم قد يشهدون ما يقدر على أحدم من المعاصي والذنوب ؛ أو ما يقدر على الناس من ذلك ، بل من الكفر ؛ ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره داخل فى حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته ١٥٨ فيظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ، ونحو ذلك ، ديناً وطريقاً وعبادة ؛ فيضاهون المشركين الذين قالوا: ( لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ). وقالوا: ( أَنْطْعِمُ مَنْ لَّوْنَشَاءُ اللَّهُأَطْعَمَهُ ). وقالوا : ( لَوْشَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُم ) ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به، ونصبر على موجبه فى المصائب التى تصيبنا كالفقر والمرض والخوف ، قال تعالى: ) . قال مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّ بِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) بعض السلف : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وقال تعالى: (مَاأَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآءَاتَّنكُمٌ ) . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((احتج آدم وموسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، فهل وجدت ذلك مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى)). ١٥٩ وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظناً أن المذنب يحتج بالقدر ، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ، ولو كان هذا عذراً لكان عذراً لإبليس وقوم نوح وقوم هود وكل كافر ، ولا موسى لام آدم أيضاً لأجل الذنب ، فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهدى ، ولكن لامه لأجل المصيبة التى لحقتهم بالخطيئة ، ولهذا قال : فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فأجابه آدم أن هذا كان مكتوباً قبل أن أخلق ، فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له ، فإنه من تمام الرضا بالله رباً . وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب ، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب ، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب . قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ ) وقال تعالى: ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) وقال: ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وقال يوسف: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ). وكذلك ذنوب العباد ، يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر - بحسب قدرته - ويجاهد فى سبيل الله الكفار والمنافقين ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب فى الله ويبغض فى اللّه. كما قال تعالى: (يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ ١٦٠