النص المفهرس
صفحات 121-140
المبغض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالم معتد، والكاره لتفضيله المحب لماتلته منهي عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله، فإذا أحب أن يعطى مثل ما أعطى مما يقربه إلى الله فهذا لابأس به ، وإعراض قلبه عن هذا بحيث لاينظر إلى حال الغير أفضل . ثم هذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ظالما معتديا مستحقاً للعقوبة إلا أن يتوب ، وكان المحسود مظلوما مأموراً بالصبر والتقوى، فيصبر على أذى الحاسد ويعفو ويصفح عنه، كما قال تعالى: (وَدَّكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْيَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارَا حَسَدًّاً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمِمِنْ بَعْدِ مَانَبَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) وقد ابتلى يوسف بحسد إخوته له حيث قالوا: ( لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَتُّ إِلَىَّ أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَالَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ ) فحسدوهما على تفضيل الأب لهما، ولهذا قال يعقوب ليوسف: (لَا نَقْصُصُ رُءُ يَاكَ عَلَى إِخْوَيِكَ فَيَكِيدُ واْلَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَنَ لِلْإِنْسَنِ رويوم عَدُوٌّ مُبِيرٌ ) . ثم إنهم ظلموه بتكلمهم فى قتله وإلقائه فى الجب وبيعه رقيقاً لمن ذهب به إلى بلاد الكفر فصار مملوكاً لقوم كفار ، ثم إن يوسف ابتلي بعد أن ظلم بمن يدعوه إلى الفاحشة ويراود عليها ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك فاستعصم واختار السجن على الفاحشة ، وآثر عذاب ١٢١ الدنيا على سخط الله، فكان مظلوماً من جهة من أحبه لهواه وغرضه الفاسد . فهذه المحبة أحبته لهوى محبوبها شفاؤها وشفاؤه إن وافقها ، وأولئك المبغضون أبغضوه بغضة أوجبت أن يصير ملقى في الجب ثم أسيراً مملوكا بغير اختياره ، فأولئك أخرجوه من إطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره ، وهذه ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوساً مسجوناً باختياره ، فكانت هذه أعظم فى محنته ، وكان صبره هنا صبراً اختيارياً اقترن به التقوى ، بخلاف صبره على ظلمهم فإن ذلك كان من باب المصائب التى من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلو البهائم . والصبر الثاني أفضل الصبرين؛ ولهذا قال: (إِنَّهُمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ). وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان ، وإن لم يفعل أوذي وعوقب ، فاختار الأذى والعقوبة على فراق دينه : إما الحبس وإما الخروج من بلده ، كما جرى للمهاجرين حيث اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين ، وكانوا يعذبون ويؤذون . وقد أوذي النبى صلى الله عليه وسلم بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبراً اختيارياً ، فإنه إنما يؤذى لئلا يفعل ما يفعله ١٢٢ باختياره ، وكان هذا أعظم من صبر يوسف : لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة وإنما عوقب إذا لم يفعل بالحبس ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلب منهم الكفر وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه، وأهون ما عوقب به الحبس ، فإن المشركين حبسوه وبني هاشم بالشعب مدة، ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه ، فلما بايعت الأنصار وعرفوا بذلك صاروا يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه هو وأصحابه عن ذلك ولم يكن أحد يهاجر إلا سراً، إلا عمر بن الخطاب ونحوه ، فكانوا قد ألجأوم إلى الخروج من ديارهم ومع هذا منعوا من منعوه منهم عن ذلك وحبسوه . فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله ، لم يكن من المصائب السماوية التى تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف ، لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه ، وهذا أشرف النوعين ، وأهلها أعظم درجة ـ وإن كان صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه - فإن هذا أصيب وأوذي باختياره طاعة لله يثاب على نفس المصائب ويكتب له بها عمل صالح . قال تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاً وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ اُلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِّحُ إِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). ١٢٣ بخلاف المصائب التى تجري بلا اختيار العبد كالمرض وموت العزيز عليه وأخذ اللصوص ماله فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها لا على نفس ما يحدث من المصيبة ؛ لكن المصيبة يكفر بها خطاياه ، فإن الثواب إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما يتولد عنها . والذين يؤذون على الإِيمان ، وطاعة الله ورسوله ، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل ، أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال م فى ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم كالمهاجرين الأولين فهؤلاء بثابون على ما يؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح ، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظه الكفار ، وإن كانت هذه الآثار ليست عملاً فعله يقوم به لكنها متسببة عن فعله الاختيارى ، وهي التى يقال لها متولدة . وقد اختلف الناس هل يقال إنها فعل لفاعل السبب ، أو لله أو لا فاعل لها ، والصحيح أنها مشتركة بين فاعل السبب وسائر الأسباب ولهذا كتب له بها عمل صالح . والمقصود أن ((الحسد)) مرض من أمراض النفس، وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا قليل من الناس ، ولهذا يقال : ما خلا ١٢٤ جسد من حسد ، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه . وقد قيل للحسن البصرى : أيحسد المؤمن ؟ فقال ما أنساك إخوة يوسف لا أبالك ! ولكن عمه فى صدرك ، فإنه لا يضرك ما لم تعدبه بداً ولساناً . فمن وجد فى نفسه حسداً لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر . فيكره ذلك من نفسه ، وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود ، فلا يعينون من ظلمه ، ولكنهم أيضاً لا يقومون بما يجب من حقه ، بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده ، وكذلك لو مدحه أحد لسكتوا ، وهؤلاء مدينون في ترك المأمور فى حقه مفرطون في ذلك؛ لا معتدون عليه ، وجزاؤهم أنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أيضاً فى مواضع ، ولا ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود ، وأما من اعتدى بقول أوفعل فذلك يعاقب . ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل فى الظالمين نفعه الله بتقواه: كما جرى لزينب بنت جحش - رضي الله عنها - فإنها كانت هي التى تسامي عائشة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسد النساء بعضهن لبعض كثير غالب لاسيما المتزوجات بزوج واحد ، فإن المرأة تغار على زوجها لحظها منه ، فإنه بسبب المشاركة يفوت بعض حظها . ١٢٥ وهكذا الحسد يقع كثيراً بين المشاركين في رئاسة أو مال إذا أخذ بعضهم قسطاً من ذلك وفات الآخر ، ويكون بين النظراء لكراهة أحدهما أن يفضل الآخر عليه كسد إخوة يوسف ، وحسد ابني آدم أحدهما لأخيه ، فإنه حسده لكون أن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان هذا ؛ فسده على ما فضله اللّه من الإيمان والتقوى - كسد اليهود للمسلمين - وقتله على ذلك ؛ ولهذا قيل أول ذنب عصى الله به ثلاثة : الحرص ، والكبر، والحسد. فالحرص من آدم والكبر من إبليس والحسد من قابيل حيث قتل هابيل . وفى الحديث «ثلاث لا ينجو منهن أحد: الحسد ، والظن ، والطيرة . وسأحدثكم بما يخرج من ذلك إذا حسدت فلا تبغض ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض)) رواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة . وفى السنن عن النى صلى الله عليه وسلم ((دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد ، والبغضاء ، وهي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)) فسماه داء، كما سمى البخل داء فى قوله: ((وأى داء أدوا من البخل؟!)) فعلم أن هذا مرض، وقد جاء في حديث آخر (( أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء ، والأدواء» فعطف الأدواء على الأخلاق والأهواء . ١٢٦ فإن ((الخلق)) ما صار عادة للنفس، وسجية. قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) قال ابن عباس وابن عيينة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم : على دين عظيم ، وفى لفظ عن ابن عباس : على دين الإسلام. وكذلك قالت عائشة - رضي الله عنها - : كان خلقه القرآن . وكذلك قال الحسن البصرى: أدب القرآن هو الخلق العظيم. وأما ((الهوى)) فقد يكون عارضاً، والداء هو المرض، وهو تألم القلب والفساد فيه ، وقرن فى الحديث الأول الحسد بالبغضاء ؛ لأن الحاسد يكره أولاً فضل الله على ذلك الغير. ثم ينتقل إلى بغضه؛ فإن بغض اللازم يقتضي بغض الملزوم ، فإن نعمة الله إذا كانت لازمة وهو يحب زوالها، وهي لا تزول إلا بزواله أبغضه وأحب عدمه، والحسد يوجب البغي ، كما أخبر الله تعالى عمن قبلنا : أنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيابينهم ، فلم يكن اختلافهم لعدم العلم ، بل علموا الحق ولكن بغى بعضهم على بعض، كما يبغي الحاسد على المحسود. وفى الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحاسدوا، ولا تباغضوا؛ ولا تدابروا، ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )) وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من رواية أنس أيضاً(( والذي ١٢٧ نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). وقد قال تعالى: ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَُّبَطَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اللَّهُ عَلَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَبِنْ أَصَبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُرُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) . فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم، بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم ، وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها، بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ ، فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم ، أو شر دنيوي ينصرف عنهم ، إذا كانوالا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم، وأحبوا ماوصل إليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوده ما بسوء المؤمنين فليس منهم. ففي الصحيحين عن عامر قال سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول : ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد . إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )» وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه )). والشح مرض ، والبخل مرض، والحسد شر من البخل كما فى الحديث ١٢٨ الذي رواه أبو داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحسد يأ كل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) وذلك أن البخيل يمنع نفسه، والحسود يكره نعمة الله على عباده، وقد يكون في الرجل إعطاء لمن يعينه على أغراضه وحسد لنظرائه، وقد يكون فيه بخل بلا حسد لغيره والشح أصل ذلك. وقال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرم بالبخل فيخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمريم بالقطيعة فقطعوا » وكان عبد الرحمن بن عوف يكثر من الدعاء فى طوافه يقول: اللهم! قنى شح نفسي ، فقال له رجل: ما أكثر ما تدعو بهذا! فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة . والحسد يوجب الظلم . فصل فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها، بل وحبها لما يضرها، ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب، وأما مرض الشهوة والعشق فهو حب النفس لما يضرها، وقد يقترن به بغضها لما ينفعها، والعشق مرض نفسانى ، وإذا قوى أثر فى البدن فصار مرضاً فى الجسم، إما من أمراض ١٢٩ الدماغ كالماليخوليا ؛ ولهذا قيل فيه هو مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا ، وإما من أمراض البدن كالضعف والنحول ونحو ذلك . والمقصود هنا ((مرض القلب)) فإنه أصل محبة النفس لما يضرها كالمريض البدن الذي يشتهي ما يضره، وإذا لم يطعم ذلك تألم ، وإن أطعم ذلك قوى به المرض وزاد . كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعا ، بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهي ذلك ، فإن منع من مشتهاه تألم وتعذب، وإن أعطي مشتهاه قوي مرضه، وكان سبباً لزيادة الألم. وفى الحديث: ((إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا كما يحمى أحدكم مريضه الطعام والشراب)) وفى مناجاة موسى المأثورة عن وهب التي رواها الإمام أحمد في ( كتاب الزهد) ((يقول الله تعالى: إنى لأدود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يدود الراعي الشفيق إبله عن مراتع الهلكة. وإني لأجنبهم سكونها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم علي. ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطفئه الهوى)). وإنما شفاء المريض بزوال مرضه، بل بزوال ذلك الحب المذموم من قلبه . والناس فى العشق على قولين : ١٣٠ قيل إنه من باب الإرادات ، وهذا هو المشهور . وقيل : من باب التصورات ، وأنه فساد فى التخييل، حيث يتصور المعشوق على ماهو به، قال هؤلاء: ولهذا لايوصف الله بالعشق، ولا أنه يعشق ؛ لأنه منزه عن ذلك. ولا يحمد من بتخيل فيه خيالا فاسداً . وأما الأولون فمنهم من قال: يوصف بالعشق فإنه المحبة التامة، والله يحب ويحب، وروى فى أثر عن عبد الواحد بن زيد أنه قال: ((لا يزال عبدي يتقرب إلي يعشقني وأعشقه )) وهذا قول بعض الصوفية . والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق الله؛ لأن العشق هو المحبة المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغى ، والله تعالى محبته لانهاية لها فليست تنتهي إلى حد لا تنبغي مجاوزته . قال هؤلاء: والعشق مذموم مطلقاً لا يمدح لا فى محبة الخالق ولا المخلوق. لأنه المحبة المفرطة الزائدة على الحد المحمود و( أيضاً) فإن لفظ ((العشق)) إنما يستعمل فى العرف فى محبة الإنسان لامرأة أو صى، لا يستعمل فى محبة كمحبة الأهل والمال والوطن والجاء ومحبة الأنبياء والصالحين، وهو مقرون كثيراً بالفعل المحرم: إما بمحبة امرأة أجنبية أو صى، يقترن به النظر المحرم، واللمس المحرم . وغير ذلك من الأفعال المحرمة . ١٣١ وأما محبة الرجل لامرأته أو سريته [محبة ] تخرجه عن العدل بحيث يفعل لأجلها مالا يحل ، ويترك ما يجب، كما هو الواقع كثيراً، حتى يظلم ابنه من امرأته العتيقة؛ لمحبته الجديدة، وحتى يفعل من مطالبها المذمومة ما يضره فى دينه ودنياه ، مثل أن يخصها بميراث لا تستحقه، أو يعطي أهلها من الولاية والمال ما يتعدى به حدود الله ، أو يسرف في الإنفاق عليها، أو يملكها من أمور محرمة تضره فى دينه ودنياه ، وهذا فى عشق من يباح له وطؤها . فكيف عشق الأجنبية والذكر ان من العالمين، ؟ !! ففيه من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد وهو من الأمراض التى تفسددين صاحبها وعرضه، ثم قد تفسد عقله ثم جسمه. قال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَولِ فَيَطْمَعَالَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ ) . ومن فى قلبه مرض الشهوة وإرادة الصورة متى خضع المطلوب طمع المريض، والطمع الذي يقوي الإرادة والطلب ، ويقوي المرض بذلك بخلاف ما إذا كان آيساً من المطلوب ، فإن اليأس يزيل الطمع فتضعف الإرادة فيضعف الحب ، فإن الإنسان لا يريد أن يطلب ماهو آيس منه ، فلا يكون مع الإرادة عمل أصلا، بل يكون حديث نفس إلا أن يقترن بذلك كلام أو نظر ونحو ذلك فيأثم بذلك . ١٣٢ فأما إذا ابتلى بالعشق وعف وصبر فإنه يثاب على تقواه لله ، وقدروى فى الحديث: ((أن من عشق فعف وكتم وصبر، ثم مات كان شهيداً)) وهو معروف من رواية يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ، وفيه نظر ولا يحتج بهذا. لكن من المعلوم بأدلة الشرع أنه إذا عف عن المحرمات نظراً وقولاً وعملاً، وكتم ذلك فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلام محرم ، إما شكوى إلى المخلوق ،وإما إظهار فاحشة، وإما نوع طلب للمعشوق ، وصبر على طاعة الله ، وعن معصيته، وعلى ما فى قلبه من ألم العشق ، كما يصبر المصاب عن ألم المصيبة؛ فإن هذا يكون ممن انقى اللّه وصبر، ( إِنَّهُ مَن يَتَقِّ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَلَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وهكذا مرض الحسد وغيره من أمراض النفوس ، وإذا كانت النفس تطلب ما يبغضه الله فينهاها خشية من اللّه كان ممن دخل فى قوله: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى) فالنفس إذا أحبت شيئاً سعت في حصوله بما يمكن ، حتى تسعى في أمور كثيرة تكون كلها مقامات لتلك الغاية ، فمن أحب محبة مذمومة أو أبغض بغضاً مذموماً وفعل ذلك كان آ ثماً ، مثل أن يبغض شخصاً لحسده له فيؤذي من له به تعلق ، إما بمنع حقوقهم : أو بعد وان عليهم . أو لمحبة له ١٣٣ لهواه معه فيفعل لأجله ما هو محرم ، أو ما هو مأمور به لله فيفعله لأجل هواه لا لله ، وهذه أمراض كثيرة فى النفوس، والإنسان قد يبغض شيئاً فيبغض لأجله أموراً كثيرة بمجرد الوم والخيال . وكذلك يحب شيئاً فيحب لأجله أموراً كثيرة ؛ لأجل الوهم والخيال . كما قال شاعرم : أحب لحبها سود الكلاب أحب لحبها السودان حتى فقد أحب سوداء؛ فأحب جنس السواد ، حتى فى الكلاب . وهذا كله مرض في القلب فى تصوره وإرادته . فنسأل الله تعالى أن يعافى قلوبنا من كل داء ؛ ونعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء . والقلب إنما خلق لأجل ((حب الله تعالى)) وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه بهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه اقرأوا إن شئتم: (فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَ لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) أخرجه البخاري ومسلم . ١٣٤ فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده ؛ فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفاً باللّه محباً له عابداً له وحده ، لكن تفسد فطرته من مرضه كأبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، وهذه كلها تغير فطرته التى فطره عليها، وإن كانت بقضاء الله وقدره - كما يغير البدن بالجدع - ثم قد يعود إلى الفطرة إذا يسر الله تعالى لها من يسعى فى إعادتها إلى الفطرة . والرسل صلى الله عليهم وسلم بعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها لا لتغيير الفطرة وتحويلها ، وإذا كان القلب محباً لله وحده مخلصاً له الدين لم يبتل بحب غيره [ أصلا]، فضلا أن يبتلى بالعشق . وحيث ابتلي بالعشق فلنقص محبته لله وحده . ولهذا لما كان يوسف محباً لله مخلصاً له الدين لم يبتل بذلك ، بل قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَالْمُخْلَصِينَ). وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها ، فلهذا ابتليت بالعشق ، وما يبتلي بالعشق أحد إلا لنقص توحيده وإيمانه، وإلا فالقلب المنيب إلى الله الخائف منه فيه صار فإن يصر فإنه عن العشق : ( أحدهما ) إنابته إلى الله. ومحبته له، فإن ذلك ألذ وأطيب من كل شيء ، فلا تبقى مع محبة الله محبة مخلوق زاحمه . ١٣٥ و (الثانى) خوفه من الله، فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه ، وكل من أحب شيئاً بعشق أو غير عشق فإنه يصرف عن محبته بمحبة ما هو أحب إليه منه ، إذا كان زاحمه ، وينصرف عن محبته بخوف حصول ضرر يكون أبغض إليه من ترك ذاك الحب ، فإذا كان الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأخوف عنده من كل شيء ، لم يحصل معه عشق ولا مزاحمة إلا عند غفلة أو عند ضعف هذا الحب والخوف ، بترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، فكلما فعل العبد الطاعة محبة الله وخوفاً منه،وترك المعصيةحباً له، وخوفاً منه قوي حبه له وخوفه منه، فیزیل ما فى القلب من محبة غيره ومخافة غيره . وهكذا أمراض الأبدان : فإن الصحة تحفظ بالمثل ، والمرض بدفع بالضد ، فصحة القلب بالإيمان محفظ بالمثل ، وهو ما يورث القلب إيماناً من العلم النافع والعمل الصالح ، فتلك أغذية له ، كما في حديث ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً ((إن كل آدب يجب أن تؤتى مأدبته ، وأن مأدبة الله هي القرآن )) والآدب المضيف فهو ضيافة الله لعباده (١). مثل آخر الليل، وأوقات الأذان والإقامة وفى سجوده وفى أدبار الصلوات ويضم إلى ذلك الاستغفار ؛ فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متعه متاعا حسناً إلى أجل مسمى . (١) بياض بالاصل ١٣٦ وليتخذ ورداً من ((الأذ كار)) فى النهار، ووقت النوم ، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف ، فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه ، ويكتب الإيمان فى قلبه . وليحرص على إ كمال الفرائض من الصلوات الخمس باطنة وظاهرة فإنها عمود الدين ، وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها بها تحمل الأثقال وتكابد الأهوال ، وينال رفيع الأحوال . ولا يسأم من الدعاء والطلب ، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل ، فيقول: قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي، وليعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً ، ولم ينل أحد شيئاً من ختم الخير نبي فمن دونه إلا بالصبر . والحمد لله رب العالمين .. وله الحمد والمنة على الإسلام والسنة حمداً يكافئ نعمه الظاهرة والباطنة ، وکما ينبغي لکرم وجهه وعن جلاله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . وسلم تسليماً كثيراً . ١٣٧ قال شيخ الإسلام رحمه الله الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم. فصل في مرض القلوب وشفائها قد ذكرنا فى غير موضع : أن صلاح حال الإنسان فى العدل ، كما أن فساده في الظلم . وأن الله سبحانه عدله وسواه لما خلقه ، وصحة جسمه وعافيته من اعتدال أخلاطه وأعضائه وعرض ذلك الانحراف والميل . وكذلك استقامة القلب واعتداله واقتصاده ومحته وعافيته وصلاحه متلازمة . ١٣٨ وقد ذكر الله (( مرض القلوب وشفاءها)) فى مواضع من كتابه وجاء ذلك فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى عن وقال : ( فَتَرَی المنافقين: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) ( وَيَشْفِ صُدُورَ اُلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ ) وقال تعالى : قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمْ ) وقال: (قَدْجَاءَ تُكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ). وقال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) . وقال تعالى: ءَامَنُواْهُدَّى وَشِفَآءٌ ). وقال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ ) . وقال: (لَّيِنِ لَّيَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ). وقال: (وَإِذْيَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّاغُرُورًا ). وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال )) وقال الرشيد : الآن شفيتني يا مالك! وفى صحيح البخاري عن ابن مسعود ((إن أحداً لا يزال بخير ما انقى الله ، وإذا شك فى تفسير شيء سأل رجلاً فشفاه . وأوشك أن لا يجده، والذي لا إله إلا هو )) . وما ذكر الله من مرض القلوب وشفائها بمنزلة ما ذكر من موتها ١٣٩ وحياتها وسمعها وبصرها وعقلها وصممها وبكمها وعماها . لكن المقصود معرفة مرض القلب فنقول : المرض نوعان : فساد الحس . وفساد الحركة الطبيعية وما يتصل بها من الإرادية . وكل منها يحصل بفقده ألم وعذاب، فكما أنه مع صحة الحس والحركة الإرادية والطبيعية تحصل اللذة والنعمة ، فكذلك بفسادها يحصل الألم والعذاب ؛ ولهذا كانت النعمة من النعيم ، وهو ما ينعم الله به على عباده، مما يكون فيه لذة ونعيم، وقال: (لَتُتْشَلُنَّيَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي عن شكره . فسبب اللذة إحساس الملائم، وسبب الألم إحساس المنافى، ليس اللذة والألم نفس الإحساس والإدراك؛ وإنما هو نتيجته وثمرته ومقصوده وغايته، فالمرض فيه ألم لا بد منه وإن كان قد يسكن أحيانا لمعارض راجح ، فالمقتضي له قائم يهيج بأدنى سبب ، فلابد فى المرض من وجود سبب الألم ، وإنما يزول الألم بوجود المعارض الراجح . ولذة القلب والمه أعظم من لذة الجسم وألمه، أعنى ألمه ولذته النفسانيتان ١٤٠