النص المفهرس

صفحات 101-120

مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَامِّ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ
مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَ غَرْبِِّ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْلَمْتَمْسَسَهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ )
( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
فهذا مثل نور الإيمان فى قلوب المؤمنين ثم قال :
أَعْمَلُهُمْ كَسَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَا جَآءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.
فَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ وَلَهُ سَرِيعُ الْحِسَابٍ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِ بَحِْلُِّّ يَغْشَتُهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ.
مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُوَمْ يَكَدِيَرَهَا وَمَنْ لَّيَجْعَلِ اللَّهُ
لَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِن نُّورٍ ) .
(فالأول ) مثل الاعتقادات الفاسدة والأعمال التابعة لها يحسبها صاحبها
شيئاً ينفعه فإذا جاءها لم يجدها شيئاً ينفعه، فوفاه الله حسابه على
تلك الأعمال .
و (الثاني): مثل للجهل البسيط وعدم الإيمان والعلم، فإن صاحبها فى
ظلمات بعضها فوق بعض لا يبصر شيئاً ؛ فإن البصر إنما هو بنور
الإيمان والعلم.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَهُمْ طَنَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَاهُم
مُّبْصِرُونَ ) وقال تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَّءَا بُرْهَنَ رَبٍِّ ) وهوبرهان
الإيمان الذي حصل فى قلبه فصرف الله به ما كان م به وكتب له حسنة كاملة ولم يكتب
١٠١

عليه خطيئة إذا فعل خيراً ولم يفعل سيئة. وقال تعالى: ( لِنُخْرِجَالنَّاسَ مِنَ
اُلْتُظُلُمَتِ إِلَى النُّورِ ) وقال: (اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَالَّذِينَ كَفَرُوْأَوْ لِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ) وقال :
(يََّتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ
نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ) .
ولهذا ضرب الله للإيمان ((مثلين)). مثلا بالماء الذي به الحياة وما يقترن
به من الزبد، ومثلا بالنار التى بها النور وما يقترن بما يوقد عليه
من الزبد .
وكذلك ضرب الله للنفاق ((مثلين)) قال تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَسَالَتْ
ج
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًّاً وَمِمَايُوقِدُ ونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ.
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءُ وَأَمَّامَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى
وقال تعالى فى المنافقين :
اُلْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ )
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَاحَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكُهُمْ فِى
ظُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمْ بُكْمَّ ◌ُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِفِیهِ
ظُلُمَتُ وَرَعْدُ وَبْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِم مِنَ الصَّوْعِقِ حَذَّرَالْمَوْتِ وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِينَ
يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم ◌َّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ
*
اُللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) .
١٠٢

فضرب لهم مثلاً كالذي أوقد النار كما أضاءت أطفأها الله ، والمثل
المائي كالمثل النازل من السماء وفيه ظلمات ورعد وبرق يرى . ولبسط
الكلام فى هذه الأمثال موضع آخر .
وإنما المقصود هنا ذكر حياة القلوب وإنارتها ، وفى الدعاء المأثور
((اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا)). و((الربيع)) هو
المطر الذي ينزل من السماء فيذبت به النبات ، قال النبى صلى الله عليه
وسلم: ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم)). والفصل الذي
ينزل فيه أول المطر تسمية العرب الربيع لنزول المطر الذي ينبت
الربيع فيه ، وغيرهم يسمي الربيع الفصل الذي يلي الشتاء ؛ فان
فيه تخرج الأزهار التى تخلق منها الثمار ، وتثبت الأوراق
على الأشجار .
والقلب الحي المنور ؛ فإنه لما فيه من النور بسمع ويبصر ويعقل ،
والقلب الميت فإنه لا يسمع ولا يبصر . قال تعالى: ( وَمَثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءُ وَنِدَآءَ هُمْ بُكْمُّ ◌ُعُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ )
وقال تعالى: (وَمِنْهُمَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَنُواْ لَا يَعْقِلُونَ *
وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ ) وقال
تعالى: (وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌّ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَ كِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِى ◌ّءَاذَانِهِمْ
١٠٣

وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْ كُلَّءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْبِهِأَ حَتَّىَ إِذَا جَاءُوَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْإِنْ هَذَآ
إِلَّ أَسَطِيُ اُلْأَوَّلِينَ ) الآيات.
فأخبر أنهم لا يفقهون بقلوبهم ولا يسمعون بآذانهم ولا يؤمنون
بما رأوه من النار، كما أخبر عنهم حيث قالوا: ( قُلُوبُنَا فِىَأَكِنَّةٍ مِّمًا
فذكروا
تَدْعُونَآإِلَيْهِ وَفِيِّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَ مِنْ بَلْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ).
الموانع على القلوب والسمع والأبصار ، وأبدانهم حية تسمع الأصوات
وترى الأشخاص ؛ لكن حياة البدن بدون حياة القلب من جنس حياة
البهائم ، لها سمع وبصر وهي تأكل وتشرب وتنكح ، ولهذا قال
تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءَ
وَنِدَآءَ ).
فشيهم بالغنم الذى ينعق بها الراعي وهي لا تسمع إلا نداء . كما
قال فى الآية الأخرى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْيَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْإلَّا
،د /ماره
( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
وقال تعالى :
كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)
كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنْسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْءَ اذَانٌ لَّا
يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِبَلْ هُمْ أَضَلُّ ).
١٠٤

فطائفة من المفسرين تقول فى هذه الآيات وما أشبها كقوله :
وَإِذَامَسَّ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَادِمَا فَمَّا كَتَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ
وأمثالها مما ذكر الله فى عيوب
(
كَأَنْ لَّمْيَدْعُنَا إِلَىَ ضُرٍ مَسَّهُ
الإنسان وذمها ، فيقول هؤلاء : هذه الآية فى الكفار، والمراد بالإنسان
هنا الكافر ، فيبقى من يسمع ذلك يظن أنه ليس لمن يظهر الإسلام
فى هذا النم والوعيد نصيب ؛ بل يذهب وهمه إلى من كان مظهراً
للشرك من العرب ، أو إلى من يعرفهم من مظهرى الكفر ، كاليهود
والنصارى ومشركي الترك والهند . ونحو ذلك ، فلا ينتفع بهذه الآيات
التى أنزلها الله ليهتدى بها عباده.
فيقال : - أولاً - : المظهرون للإسلام فيهم مؤمن ومنافق ،
والمنافقون كثيرون في كل زمان ، والمنافقون فى الدرك الأسفل
من النار .
ويقال: ((ثانياً)) الإنسان قد يكون عنده شعبة من نفاق وكفر .
وإن كان معه إيمان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث
المتفق عليه: (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه
خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب
وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر )) فأخبر أنه من
كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق .
١٠٥

وقد ثبت فى الحديث الصحيح أنه قال لأبى ذر رضى الله عنه :
((إنك امرؤ فيك جاهلية)) وأبو ذر - رضي الله عنه - من أصدق
الناس إيماناً، وقال فى الحديث الصحيح: (( أربع فى أمتى من أمر
الجاهلية : الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة ، والاستسقاء
بالنجوم)) وقال فى الحديث الصحيح (( لتتبعن سنن من كان قبلكم
حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : اليهود
والنصارى؟ ! قال : فمن ؟!)) وقال أيضاً فى الحديث الصحيح :
(( لتأخذن أمتى ما أخذت الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع . قالوا :
فارس والروم ؟! قال: ومن الناس إلا هؤلاء)).
وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب محمد - صلى الله
عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه ، وعن علي - أو حذيفة -
رضي الله عنهما - قال: القلوب ((أربعة)). قلب أجرد فيه سراج
يزهر فذلك قلب المؤمن ، وقلب أغلف فذاك قلب الكافر ، وقلب
منكوس . فذاك قلب المنافق ، وقلب فيه مادتان : مادة عده الإيمان ،
ومادة مده النفاق ، فأولئك قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً .
وإذا عرف هذا على أن كل عبد ينتفع بما ذكر الله فى الإيمان من مدح
شعب الإيمان وذم شعب الكفر، وهذا كما يقول بعضهم في قوله : (أُهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) . فيقولون المؤمن قد هدي إلى الصراط المستقيم، فأي
١٠٦

فائدة فى طلب الهدى ؟! ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول
العرب للنائم : ثم حتى آتيك ، أو يقول بعضهم ألزم قلوبنا الهدى ، فحذف
الملزوم ، ويقول بعضهم زدني هدى ، وإنما يوردون هذا السؤال لعدم
تصورهم الصراط المستقيم الذي يطلب العبد الهداية إليه ؛ فإن المراد به العمل
بما أمر الله به ، وترك ما نهى الله عنه فى جميع الأمور.
والإنسان وإن كان أقر بأن محمداً رسول الله، وأن القرآن حق على
سبيل الإجمال ، فأكثر ما يحتاج إليه من العلم بما ينفعه ويضره وما أمر به وما
نهى عنه فى تفاصيل الأمور وجزئياتها لم يعرفه، وما عرفه فكثير منه لم يعمل
بعلمه ، ولو قدر أنه بلغه كل أمر ونهي فى القرآن والسنة ، فالقرآن
والسنة إنما تذكر فيها الأمور العامة الكلية لا يمكن غير ذلك لا تذكر
ما يخص به كل عبد ، ولهذا أمر الإنسان فى مثل ذلك بسؤال الهدى إلى
الصراط المستقيم .
والهدى إلى الصراط المستقيم يتناول هذا كله ، يتناول التعريف بما جاء
به الرسول مفصلا ، ويتناول التعريف بما يدخل فى أوامره الكليات ،
ويتناول إلهام العمل بعلمه ، فإن مجرد العلم بالحق لا يحصل به الاهتداء إن
لم يعمل بعلمه ، ولهذا قال لنبيه بعد صلح الحديبية: ( إِنَّا فَتَحْنَالَكَ فَتْحَامُّبِينًا *
لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَّقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَنَهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)
١٠٧

وقال فى حق موسى وهرون: ( وَءَانَّيْنَهُمَا الْكِنَبَ الْمُسْتَّبِينَ * وَهَدَيْنَهُمَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ )
والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور الخبرية والعلمية الاعتقادية
والعملية، مع أنهم كلهم متفقون على أن محمداً حق والقرآن حق ، فلو
حصل لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا ، ثم
الذين علموا ما أمر اللهبه أكثرهم يعصونه وإلا] يحتذون حذوه، فلو هدوا إلى
الصراط المستقيم فى تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا مانهو عنه ،
والذين هداه الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من
أعظم أسباب ذلك دعاؤم اللّه بهذا الدعاء فى كل صلاة، مع علمهم بحاجتهم
وفاقتهم إلى الله دائماً فى أن يهديهم الصراط المستقيم .
فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين . قال سهل
ابن عبد الله التستري ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار،
وما حصل فيه الهدى فى الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه فى المستقبل
وهذا حقيقة قول من يقول : ثبتنا واهدنا لزوم الصراط .
وقول من قال : زدنا هدى بتناول ما تقدم ؛ لكن هذا كله هدی
منه فى المستقبل إلى الصراط المستقيم ؛ فإن العمل فى المستقبل بالعلم لم يحصل
بعد ، ولا يكون مهتديا حتى يعمل فى المستقبل بالعلم ، وقد لا يحصل العلم فى
١٠٨

المستقبل بل يزول عن القلب ، وإن حصل فقد لا يحصل العمل ، فالناس
كلهم مضطرون إلى هذا الدعاء ؛ ولهذا فرضه الله عليهم فى كل صلاة ، فليسوا
إلى شيء من الدعاء أحوج منهم إليه، وإذا حصل الهدى إلى الصراط المستقيم
حصل النصر والرزق وسائر ما تطلب النفوس من السعادة والله أعلى .
واعلم أن حياة القلب، وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الإرادية ،
أو مجرد العلم والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار فى على الله وقدرته ، كأبي
الحسين البصري . قالوا : إن حياته أنه بحيث يعلم ويقدر ، بل الحياة صفة
قائمة بالموصوف ، وهي شرط فى العلم والإرادة والقدرة على الأفعال الاختيارية،
وهي أيضاً مستلزمة لذلك ، فكل حي له شعور وإرادة وعمل اختياري
بقدرة، وكل ما له علم وإرادة وعمل اختياري فهو حي .
والحياء مشتق من الحياة ؛ فإن القلب الحي يكون صاحبه حيا فيه حياء
يمنعه عن القبائح ، فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التى تفسد القلب ،
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الحياء من الإيمان)) وقال: ((الحياء
والعي شعبتان من الإيمان . والبذاء والبيان شعبتان من النفاق»
فان الحي بدفع ما يؤذيه ؛ بخلاف الميت الذي لاحياة فيه [فإنه] يسمى وقحا،
والوقاحة الصلابة ، وهو الييس المخالف الرطوبة الحياة ، فإذا كان وقحاً يابساً
صليب الوجه لم يكن فى قلبه حياة توجب حياءه، وامتناعه من القبح كالأرض
١٠٩

اليابسة لا يؤثر فيها وطء الأقدام ، بخلاف الأرض الخضرة .
ولهذا كان الحي يظهر عليه التأثر بالقبح ، وله إرادة تمنعه عن فعل
القبح ، بخلاف الوقح الذي ليس بحي فلا حياء معه، ولا إيمان يزجره عن
ذلك . فالقلب إذا كان حياً فمات الإنسان بفراق روحه بدنه كان
موت النفس فراقها للبدن ، ليست هي فى نفسها ميتة بمعنى زوال
حياتها عنها.
ولهذا قال تعالى: (وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيَاءٌ )
ج
) مع
وقال تعالى: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ
أنهم موتى داخلون في قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ ) وفى قوله: (إِنَّكَ
مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَّتُونَ ) وقوله: (وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّيُحْيِيَكُمْ )
فالموت المثبت غير الموت المنفي. المثبت هو فراق الروح البدن ، والمنفى زوال
الحياة بالجملة عن الروح والبدن .
وهذا كما أن النوم أخو الموت ، فيسمى وفاة ويسمى موتا ، وإن كانت
الحياة موجودة فيها . قال الله تعالى: ( اُللَّهُ يَتَوَفَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَّ إِلَى
أَجَلِ مُسَمَّى ) . وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذ استيقظ من منامه
يقول: ((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)) وفى حديث آخر:
١١٠

((الحمد لله الذي رد علي روحي ، وعافاني فى جسدي، وأذن لي بذكره وفضلني
على كثير ممن خلق تفضيلا)) وإذا أوى إلى فراشه يقول: ((اللهم أنت خلقت
نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها إن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها
فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، ويقول: ((باسمك اللهم
أموت وأحيا )).
فصل
ومن أمراض القلوب ((الحسد)) كما قال بعضهم فى حده: إنه أذى يلحق
بسبب العلم بحسن حال الأغنياء . فلا يجوز أن يكون الفاضل حسوداً ؛ لأن
الفاضل يجري على ما هو الجميل ، وقد قال طائفة من الناس إنه تمنى زوال
النعمة عن المحسود ، وإن لم يصر للحاسد مثلها ، بخلاف الغبطة فإنه تمنى مثلها
من غير حب زوالها عن المغبوط .
والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود
وهو نوعان :
(أحدهما) كراهة للنعمة عليه مطلقاً، فهذا هو الحسد المذموم ، وإذا
أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه ، فيكون ذلك مرضاً في
قلبه ، ويلتذ زوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها ؛ لكن نفعه
١١١

زوال الألم الذي كان فى نفسه، ولكن ذلك الألم لم يزل إلا بمباشرة منه،
وهو راحة ، وأشده كالمريض الذي عولج بما يسكن وجعه والمرض باق ؛
فإن بغضه لنعمة الله على عبده مرض، فإن تلك النعمة قد تعود على
المحسود وأعظم منها ، وقد يحصل نظير تلك النعمة لنظير ذلك المحسود .
والحاسد ليس له غرض في شيء معين؛ لكن نفسه تكره ما أنعم
به على النوع . ولهذا قال من قال : إنه تمنى زوال النعمة، فإن من كره
النعمة على غيره تمنى زوالها بقلبه .
و (النوع الثاني ) : أن يكره فضل ذلك الشخص عليه ، فيحب أن
يكون مثله أو أفضل منه ، فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة ، وقد سماه
النبى صلى الله عليه وسلم حسداً فى الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود
وابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((لا حسد إلا فى اثنتين: رجل آتاه
الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته
فى الحق)) هذا لفظ ابن مسعود .
ولفظ ابن عمر « رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ،
ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه في الحق آناء الليل والنهار)) رواه البخاري من
حديث أبي هريرة ولفظه: ((لا حسد إلا فى اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو
يتلوه الليل والنهار ، فسمعه رجل فقال : ياليتني أوتيت مثل ما أوتى هذا
١١٢

فعملت فيه مثل ما يعمل هذا، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه فى الحق
فقال رجل : ياليتني أونيت مثل ما أوتى هذا فعملت فيه مثل ما يعمل هذا »
فهذا الحسد الذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم إلا في موضعين هو
الذي سماه أولئك الغبطة ، وهو أن يحب مثل حال الغير ويكره أن
يفضل عليه .
فإن قيل : إذا لم سمي حسداً وإنما أحب أن ينعم اللّه عليه؟. قيل مبدأ
هذا الحب هو نظره إلى إنعامه على الغير وكراهته أن يتفضل عليه ، ولولا
وجود ذلك الغير لم يحب ذلك ، فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يتفضل عليه
الغير كان حسداً ؛ لأنه كراهة تتبعها محبة ، وأما من أحب أن ينعم الله عليه
مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء .
ولهذا يبتلى غالب الناس بهذا القسم الثاني ، وقد تسمى المنافسة فيتنافس
الاثنان فى الأمر المحبوب المطلوب ، كلاهما يطلب أن يأخذه ، وذلك لكراهية
أحدهما أن يتفضل عليه الآخر ، كما يكره المستبقان كل منهما أن يسبقه الآخر ،
والتنافس ليس مذموماً مطلقاً، بل هو محمود فى الخير . قال تعالى: (إِنَّ
اُلْأَبْرَارَفِى نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَابِكِ ينَظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن
زَّحِيقِ مَّخْتُومٍ * خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ )
فأمر المنافس أن ينافس فى هذا النعيم ، لا ينافس في نعيم الدنيا
١١٣

الزائل ، وهذا موافق لحديث النبى صلى الله عليه وسلم فإنه نهى عن الحسد
إلا فيمن أوتى العلم فهو يعمل به ويعلمه ، ومن أوتي المال فهو ينفقه . فأما
من أوتي علماً ولم يعمل به ولم يعلمه، أو أوتى مالا ولم ينفقه فى طاعة الله فهذا
لا يحسد ولا يتمنى مثل حاله ، فإنه ليس فى خير يرغب فيه ، بل هو معرض
للعذاب ، ومن ولي ولاية فيأتيها بعلم وعدل، أدى الأمانات إلى أهلها ، وحكم
بين الناس بالكتاب والسنة فهذا درجته عظيمة ؛ لكن هذا في جهاد عظيم ،
كذلك المجاهد فى سبيل الله .
والنفوس لا يحسد من هو فى تعب عظيم ؛ فلهذا لم يذكره، وإن كان
المجاهد فى سبيل الله أفضل من الذي ينفق المال؛ بخلاف المنفق والمعلم فإن
هذين ليس لهم فى العادة عدو من خارج ، فإن قدر أنهما لهما عدو يجاهدانه .
فذلك أفضل لدرجتها ، وكذلك لم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم المصلي
والصائم والحاج: لأن هذه الأعمال لا يحصل منها فى العادة من
نفع الناس الذي يعظمون به الشخص ويسودونه ما يحصل
بالتعليم والإنفاق .
والحسد فى الأصل إنما يقع لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة ، وإلا
فالعامل لا يحد فى العادة ، ولو كان تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر
من غيره ، بخلاف هذين النوعين فإنهما يحسدان كثيراً، ولهذا يوجد بين أهل
١١٤

العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك، وكذلك
فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله فهذا ينفع الناس بقوت القلوب
وهذا ينفعهم بقوت الأبدان ، والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم
من هذا وهذا .
ولهذا ضرب الله سبحانه ((مثلين)»: مثلاً بهذا، ومثلاً بهذا فقال:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لََّيَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَّارِزْقًا حَسَنًا
فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًاٌ هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُ عَلَى مَوْلَنُهُ
أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَ مَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ ) .
و (المثلان) ضربهما الله سبحانه لنفسه المقدسة ولما يعبد من دونه؛ فإن
الأوثان لا تقدر لا على عمل ينفع ، ولا على كلام ينفع ، فإذا قدر عبد مملوك
لا يقدر على شيء، وآخر قد رزقه الله رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً
هل يستوى هذا المملوك العاجز عن الإحسان وهذا القادر على الإحسان
المحسن إلى الناس سراً وجهراً، وهو سبحانه قادر على الإحسان إلى عباده ،
وهو محسن إليهم دائماً، فكيف يشبه به العاجز المملوك الذي لا يقدر على
شيء حتى يشرك به معه ، وهذا مثل الذي أعطاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء
الليل والنهار.
١١٥

و(المثل الثاني) إذا قدر شخصان أحدهما أبكم لا يعقل ولا يتكلم ولا
يقدر على شيء ، وهو مع هذا كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ،
فليس فيه من نفع قط ، بل هو كلّ على من يتولى أمره، وآخر عالم عادل يأمر
بالعدل ، ويعمل بالعدل، فهو على صراط مستقيم. وهذا نظير الذي أعطاه الله
الحكمة فهو يعمل بها ويعلمها الناس .
وقد ضرب ذلك مثلاً لنفسه؛ فإنه سبحانه عالم عادل قادر يأمر بالعدل ،
وهو قائم بالقسط على صراط مستقيم. كما قال تعالى: (شَهِدَ اللّهُأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَا
) وقال
هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْعَِزُ الْحَكِيمُ
هود: (إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
ولهذا كان الناس يعظمون دار العباس، كان عبد الله يعلم الناس وأخوه
يطعم الناس ، فكانوا يعظمون على ذلك . ورأى معاوية الناس
يسألون ابن عمر عن المناسك وهو يفتيهم فقال : هذا والله الشرف ،
أو نحو ذلك .
هذا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نافس أبا بكر رضي الله عنه الإنفاق
كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: ((أمرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك ما لا عندي فقلت اليوم
أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً . قال : فيئت بنصف مالي، قال : فقال لي رسول
١١٦

اللّه صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله، وأتى أبو بكر
رضي الله عنه بكل ما عنده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك
إلى شيء أبداً ».
فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة ؛ لكن حال
الصديق رضي الله عنه أفضل منه وهو أنه خال من المنافسة مطلقاً لا ينظر
إلى حال غيره .
وكذلك موسى صلى الله عليه وسلم فى حديث المعراج ((حصل له منافسة
وغبطة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى لما تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم
فقيل له : ما يبكيك؟ فقال: أبكي ؛ لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من
أمته أكثر ممن يدخلها من أمتى)) أخرجاه فى الصحيحين وروى فى بعض الألفاظ
المروية غير الصحيح ((مررنا على رجل وهو يقول ويرفع صوته: أكرمته
وفضلته، قال : فرفعناه إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال: من هذا معك
يا جبريل؟ قال : هذا أحمد، قال: مرحباً بالنبي الأمي الذى بلغ رسالة ربه
ونصح لأمته، قال: ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى
ابن عمران ، قلت : ومن يعاتب؟ قال : يعاتب ربه فيك، قلت : ويرفع صوته
علی ربه قال إن الله عز وجل قد عرف صدقه)) .
١١٧

وعمر رضي الله عنه كان مشبهاً بموسى، ونبينا حاله أفضل من حال موسى
فإنه لم يكن عنده شيء من ذلك.
وكذلك كان فى الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ونحوه كانوا سالمين من
جميع هذه الأمور، فكانوا أرفع درجة ممن عنده منافسة وغبطة، وإن كان
ذلك مباحاً، ولهذا استحق أبو عبيدة رضى الله عنه أن يكون أمين هذه الأمة
فإن المؤتمن إذا لم يكن فى نفسه مزاحمة على شيء مما اؤتمن عليه كان أحق بالأمانة
ممن يخاف مزاحمته؛ ولهذا يؤتمن على النساء والصبيان الخصيان، ويؤتمن على
الولاية الصغرى من يعرف أنه لا يزاحم على الكبرى، ويؤتمن على المال من
يعرف أنه ليس له غرض فى أخذ شيء منه، وإذا اؤتمن من فى نفسه خيانة شبه
بالذئب المؤتمن على الغنم ، فلا يقدر أن يؤدى الأمانة فى ذلك لما فى نفسه من
الطلب لما اؤمن عليه .
وفى الحديث الذي رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أنس رضي الله عنه:
((قال : كنا يوما جلوسا عندرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن
من هذا الفح رجل من أهل الجنة ، قال: فطلع رجل من الأنصار تنطف
لحيته من وضوء قد علق نعليه فى يده الشمال فسلم، فلما كان الغد قال النبى
صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل على مثل حاله فلما كان اليوم
الثالث ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل
حاله فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي
١١٨

الله عنه فقال: إنى لا حيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن
تؤيني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت قال: نعم ! قال أنس رضي الله عنه فكان
عبد الله يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً ؛ غير أنه
إذا تعار انقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر،
فقال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن
أحقر عمله قلت : ياعبد اللّه لم يكن بينى وبين والدي غضب ولا هجرة،
ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات يطلع عليكم
رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك لأنظر
ما عملك، فأقتدي بذلك، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ماهو إلا ما رأيت غير أنى لا
أجد على أحد من المسلمين فى نفسي غشاً ولا حسداً على خير أعطاء الله إياه
قال عبد الله هذه التى بلغت بك وهي التى لا نطيق)). فقول عبد الله بن عمرو
له هذه التى بلغت بك وهي التى لا نطيق يشير إلى خلوه وسلامته من جميع
أنواع الحسد .
وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار فقال: (وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) أي مما أونى إخوانهم
المهاجرون، قال المفسرون لا يجدون فى صدورم حاجة أي حسداً وغيظاً مما
أوتي المهاجرون، ثم قال بعضهم من مال الفيء، وقيل من الفضل والتقدم.
١١٩

فهم لا يجدون حاجة مما أوتوا من المال ولا من الجاه ، والحسد يقع
على هذا .
وكان بين الأوس والخزرج منافسة على الدين فكان هؤلاء إذا فعلوا
ما يفضلون به عند الله ورسوله أحب الآخرون أن يفعلوا نظير ذلك ، فهو
منافسة فيما يقربهم إلى اللّه كما قال: (وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَّنَفِسُونَ).
وأما الحسد المذموم كله فقد قال تعالى فى حق اليهود: ( وَدَّكَثِيرٌمِّنْ
أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْيَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ
مَانَبَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) يودون أي يتمنون ارتدادكم حداً، فجعل الحسد هو
الموجب لذلك الود من بعد ما تبين لهم الحق ؛ لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل
لكم من النعمة ما حصل؛ بل مالم يحصل لهم مثله حسدوكم ، وكذلك فى الآية
الأخرى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَ اتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيمَ
اُلْكِتَبَ وَالِحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكَّا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى
بِجَهَنَّمَسَعِيرًا ) وقال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
*
وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّالنَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ
حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) .
وقد ذكر طائفة من المفسرين أنها (زات ) بسبب حسد اليهود للنبي
صلى الله عليه وسلم حتى سحروه : سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، فالحاسد
١٢٠