النص المفهرس
صفحات 61-80
أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ ). والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل ، بل ذلك يغريه بملازمة المحبة، كما قد قال أكثر الشعراء فى ذلك، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه ، فإن الملام على ذلك كثير . وأما الملام على فعل ما يكرهه الله أو ترك ما أحبه فهو لوم بحق ، وليس من المحمود الصبر على هذا الملام . بل الرجوع إلى الحق خير من التمادي فى الباطل . وبهذا يحصل الفرق بين ((الملامية)) الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لاتم فى ذلك، وبين ((الملامية)) الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام فى ذلك . فصل وإذا كانت المحبة أصل كل عمل دينى، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها ، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه. والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب. قال تعالى: (أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ٦١ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ, وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) الآية. وقال (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) . و((رحمته) اسم جامع لكل خير. (وعذابه)) اسم جامع لكل شر. ودار الرحمة الخالصة هي الجنة ، ودار العذاب الخالص هي النار، وأما الدنيا فدار امتزاج، فالرجاء وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم وأعلاه النظر إلى وجه الله ، کما فى صحيحمسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد . يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ، فيقولون: ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة وينجينا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطام شيئاً أحب إليهم من النظر إليه )) وهو الزيادة . ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قال : ما عبدتك شوقاً إلى جنتك ولا خوفاً من نارك؛ وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك، فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه أن الجنة لا يدخل فى مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، كما يوافقه على ذلك من ينكر رؤية الله من الجهمية، أو من يقربها، ويزعم أنه لا تقع بنفس رؤية الله ، كما يقوله طائفة من المتفقهة. فهؤلاء متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة ٦١ لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات ؛ ولهذا قال بعض من غلط من المشايخ لما سمع قوله: (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ) قال فأين من يريد الله، وقال آخر فى قوله تعالى: (إِنَّاللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) قال إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه، وكل هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر . و ((التحقيق)) أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم ، وأعلى ما فيها النظر إلى وجه الله ، وهو من النعيم الذي ينالونه فى الجنة ؛ كما أخبرت به النصوص . وكذلك أهل النار فإنهم محجوبون عن ربهم ، يدخلون النار . مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً أو لو لم تخلق جنة لكان يجب أن تعبد ويجب التقرب إليك والنظر إليك ، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق . وأما عمل الحي بغير حب ولا إرادة أصلا فهذا ممتع، وإن تخيله بعض الغالطين من النساك ، وظن أن كمال العبد أن لا تبقى له إرادة أصلا فذاك لأنه تكلم فى حال الفناء. والفاني - الذي يشتغل بمحبوبه - له إرادة ومحبة ولكن لا يشعر بها، فوجود المحبة شيء، والإرادة شيء، والشعور بها شىء آخر. فلما لم يشعروا بها ظنوا انتفاءها وهو غلط ؛ فالعبد لا يتصور أن يتحرك قط إلا عن حب وبغض وإرادة؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ((أصدق الأسماء حارث وهمام)) فكل إنسان له حرث وهو العمل ، وله هم وهو أصل ٦٣ الإرادة ولكن تارة يقوم بالقلب من محبة الله ما يدعوه إلى طاعته ، ومن إجلاله والحياء منه ماينهاه عن معصيته كما قال عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أي هو لم يعصه ولو لم يخفه فكيف إذا خافه ، فإن إجلاله وإكرامه الله يمنعه من معصيته. فالراجي الخائف إذا تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب باحتجاب الرب عنه والتنعم بتجليه له فمعلوم أن هذا من توابع محبته له ، فالمحبة هي التى أوجبت محبة التجلي والخوف من الاحتجاب ، وإن تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم به فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة الله المستلزمة محبته، ثم إذا وجد حلاوة محبة الله وجدها أحلى من كل محبة ؛ ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شىء كما فى الحديث (( إن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس)) وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته. فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له يسوقه إلى محبة الله التى هي الأصل . وهذا كله ينبني على ((أصل المحبة)) فيقال قد نطق الكتاب والسنة بذكر محبة العباد المؤمنين، كما فى قوله: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) وقوله تعالى: ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) وقوله تعالى: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي فى النار )) ٦٤ بل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت لمحبة الله كما فى قوله تعالى: (أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) وكما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))، وفى صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال : والله يارسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر ! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال واللّه لأنت أحب إلي من نفسي قال : الآن يا عمر » وكذلك محبة صحابته وقرابته، كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار » وقال: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) وقال علي رضي الله عنه: ((إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق)) وفى السنن أنه قال للعباس: ((والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتى)) يعني بني هاشم. وقد روى حديث عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبونى بحب الله وأحبوا أهل بيتى لأجلي » وأما محبة الرب سبحانه لعبده فقال تعالى: ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) (وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللَّهَيُحِبُّ وقال تعالى: (يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) وقال تعالى : فَأَتِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى اٌلْمُحْسِنِينَ) (وَأَقْسِطُوَأَ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ) ( ٦٥ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ( فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوْلَهُمْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُ الْمُنَّقِينَ) (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ) (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وأما الأعمال التى يحبها الله من الواجبات والمستحبات الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة ، وكذلك حبه لأهلها وهم المؤمنون أولياء الله المتقون . وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين المتبعون، وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية؛ بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى: ( وَاْلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَدُّ حُبَّالِلَّهِ) وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية . وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لامناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة، وكان أول من ابتدع هذا فى الإسلام هو الجعد بن درثم فى أوائل المائة الثانية فضحى به خالدبن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط . خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ٦٦ موسى تكليما ثم نزل فذبحه وكان قد أخذ هذا المذهب عنه الجهم بن صفوان فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول الجهمية فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد وظهر قولهم أثناء خلافة المأمون ، حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوا إلى الموافقة لهم على ذلك . وأصل قولهم هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلا ، وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل عليه السلام، وم يعبدون الكواكب ويذون الهياكل للعقول والنجوم وغيرها ، وهم ينكرون فى الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلا ، وموسى كليما، لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب كما قيل : قد تخللت مسلك الروح مني وبذاسمى الخليل خليلا ويشهد لهذا ماثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله))- يعني نفسه -. وفى رواية: ((إنى أبرأ إلى كل خليل من خلته ، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا)) وفى رواية: ((إن الله اتخذني خليلا كما انخذ إبراهيم ٦٧ خليلا )) فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه . مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا كما قال لمعاذ: ((والله إني لأحبك)) وكذلك قوله للأنصار. وكان زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ابنه أسامة حبه، وأمثال ذلك. وقال له عمرو بن العاص: ((أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال فمن الرجال. قال أبوها ». وقال لفاطمة ابنته رضي الله عنها «ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى! قال: فأحى عائشة)). وقال للحسن: ((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه)) وأمثال هذا كثير . فوصف نفسه بمحبة أشخاص وقال: ((إنى أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا اتخذت أبا بكر خليلا)، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة بحيث هي من كمالها وتخللها المحب حتى يكون المحبوب بها محبوباً لذاته لا لشيء آخر. إذ المحبوب لشيء غيره هو مؤخر فى الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة والمزاحمة لتخللها المحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب . فالحملة تنافى المزاحمة ، وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوباً لذاته ٦٨ محبة لا يزاحمه فيها غيره ، وهذه محبة لاتصلح إلا الله، فلا يجوز أن يشركه غيره فيما يستحقه من المحبة، وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره - إذا كان محبوبا بحق - فإنما يحب لأجله، وكل ما أحب لغيره فمحبته باطلة، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله تعالى. وإذا كانت الحملة كذلك فمن المعلوم أن من أنكر أن يكون اللّه محبوبا لذاته ينكر مخاللته. وكذلك أيضاً إن أنكر محبته لأحد من عباده فهو ينكر أن يتخذه خليلا بحيث يحب الرب ويحبه العبد على أكمل ما يصلح للعباد . وكذلك تكليمه لموسى أنكروه لإنكارم أن تقوم به صفة من الصفات أو فعل من الأفعال، فكما ينكرون أن يتصف بحياة أو قدرة أو علم أو أن يستوي أو أن يجيء فَكذلك بنكرون أن يتكلم أو يكلم، فهذا حقيقة قولهم. (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ). لكن لما كان الإسلام ظاهراً، والقرآن متلوا لا يمكن جحده لمن أظهر الإسلام، أخذوا يلحدون في أسماء الله ويحرفون الكلم عن مواضعه فتأولوا محبة العباد له بمجرد محبتهم لطاعته أو التقرب اليه ، وهذا جهل عظيم، فإن محبة المتقرب إلى المتقرب إليه تابع لمحبته وفرع عليه، فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه، إذ التقرب وسيلة، ومحبة الوسيلة تبح لمحبة المقصود ، فيمتنع أن تكون الوسيلة إلى الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء المقصود بالوسيلة . ٦٩ وكذلك ((العبادة والطاعة)) إذا قيل فى المطاع المعبود: إن هذا يحب طاعته وعبادته، فإن محبته ذلك تبع لمحبته، وإلا فمن لا يحب لا يحب طاعته وعبادته ، ومن كان لايعمل لغيره إلا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فإنه يكون معاوضاً له أو مفتديا منه لا يكون محباً له . ولا يقال إن هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة طاعته وعبادته ، فإن محبة المقصود وإن استلزمت محبة الوسيلة أو غير محبة الوسيلة ، فإن ذلك يقتضي أن يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة العمل. أما محبة الله فلا تعلق لها بمجرد محبة العوض. ألا ترى أن من استأجر أجيراً بعوض لايقال إن الأجير يحبه مجرد ذلك، بل قد يستأجر الرجل من لا يحبه بحال بل من يبغضه، وكذلك من افتدى نفسه بعمل من عذاب معذب لايقال إنه يحبه بل يكون مبغضاً له . فعلم أن ما وصف الله به عباده المؤمنين من أنهم يحبونه يمتنع ألا يكون معناه إلا مجرد محبة العمل الذي ينالون به بعض الأغراض المخلوقة من غير أن يكون ربهم محبوبا أصلا. وأيضاً فلفظ ((العبادة) متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم، ولهذا كانت محبة القلب للبشر على طبقات . أحدها: ((العلاقة)) وهو تعلق القلب بالمحبوب. ثم ((الصبابة)) وهو انصباب القلب إليه. ثم ((الغرام)) وهو الحب اللازم. ثم ((العشق)) وآخر ٧٠ المراتب هو ((التتيم)) وهو التعبد للمحبوب، والمتيم المعبود، وتيم الله عبد الله فإن المحب يبقى ذاكراً معبداً مذللا لمحبوبه . و( أيضاً ) فاسم الإنابة إليه يقتضي المحبة أيضاً، وما أشبه ذلك من الأسماء كما تقدم . و (أيضاً ) فلو كان هذا الذي قالوه حقاً من كون ذلك مجازاً لما فيه من الحذف والإضار ؛ فالمجاز لا يطلق إلا بقرينة تبين المراد. ومعلوم أن ليس في كتاب الله وسنة رسوله ما ينفى أن يكون الله محبوباً، وأن لا يكون المحبوب إلا الأعمال لا فى الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا فى العقل أيضاً و (أيضا) فمن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فيجب أن يصح إطلاق القول بأن الله لا يحب ولا يحب ، كما أطلق إمامهم الجعد بن درم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ومعلوم أن هذا ممتنع بإجماع المسلمين، فعلم دلالة الإجماع على أن هذا ليس مجازاً، بل هي حقيقة. و (أيضاً ) فقد فرق بين محبته ومحبة العمل له فى قوله تعالى (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ ) كما فرق بين محبته ومحبة رسوله فى قوله تعالى (أَحَتَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فلو كان المراد بمحبته ليس إلا محبة العمل لكان هذا تكريراً، أو من باب عطف الخاص على العام، وكلاهما على خلاف ظاهر الكلام الذي لا يجوز المصير إليه إلا بدلالة تبين المراد . وكما أن ٧١ محبته لا يجوز أن تفسر بمجرد محبة رسوله، فكذلك لا يجوز تفسيرها بمجرد محبة العمل له ، وإن كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة العمل له . و(أيضاً) فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه أمر لا يعرف فى اللغة لا حقيقة ولا مجازاً؛ فحمل الكلام عليه تحريف محض أيضاً . وقد قررنا فى مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوباً مراداً لذاته كما لا يجوز أن يكون غير الله موجوداً بذاته، بل لا رب إلا الله ولا إله إلا هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته ويعظم لذاته، كمال المحبة والتعظيم. وكل مولود يولد على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهى إليه إلا الله وحده، وأن كل ما أحبه المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور ومسموع وملموس يجد من نفسه أن قلبه يطلب شيئاً سواء ، ويحب أمراً غيره يتألمه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه الأجناس، ولهذا قال الله تعالى فى كتابه: (أَلَابِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) وفى الحديث الصحيح عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى أنه قال: ((إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمَتْ عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أزل به سلطاناً )) كما فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنهقال: ((كل مولود مولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ٧٢ البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شسم (فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَانَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الّذِينُ اُلْقَيِّمُ ) . و ( أيضاً ) فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال ، وكل ما فى غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى فهو المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال. وإنكار محبة العبد لربه هو فى الحقيقة إنكار لكونه إلهاً معبوداً. كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه رباً خالقاً فصار إنكارها مستلزماً لإنكار كونه رب العالمين ، ولكونه إله العالمين . وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود. ولهذا انفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى وعيسى صلوات الله عليها وسلامه أن أعظم الوصايا أن تحب الله بكل قلبك وعقلك وقصدك وهذا هو حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التى هي أصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن، وإنكار ذلك هو مأخوذ عن المشركين والعابثين أعداء إبراهيم الخليل ومن وافقهم على ذلك من متفلسف ومتكلم ومتفقه ومبتدع أخذه عن هؤلاء: وظهر ذلك فى القرامطة الباطنية من الإسماعيلية، ولهذا قال الخليل إمام الخفاء صلوات الله وسلامه عليه ( أَفَرَءَيْتُمْمَاكُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِىّ ◌ِلََّ رَبَ الْعَلَمِينَ) وقال أيضاً: (لَاّ أُحِبُّ ٧٣ اْأَفِلِينَ) وقال تعالى: ( يَوْمَلَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَ بَنُونَ * إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّه ◌ِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وهو السليم من الشرك . وأما قولهم: «إنه لا مناسبة بين المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر إليه)). فهذا الكلام مجمل . فإن أرادوا بالمناسبة أنه ليس بينها توالد فهذا حق، وإن أرادوا أنه ليس بينها من المناسبة ما بين الناكيح والمنكوح والآكل والمأكول، أو نحو ذلك فهذا أيضاً حق ، وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينها توجب أن يكون أحدهما محباً عابداً، والآخر معبوداً محبوباً فهذا هو رأس المسألة ، فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب، ويكفي فى ذلك المنح . ثم يقال بل لا مناسبة تقتضي المحبة الكاملة إلا المناسبة التى بين المخلوق والخالق الذي لا إله غيره الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض. وحقيقة قول هؤلاء جحدكون الله معبوداً فى الحقيقة ، ولهذا وافق على هذه المسألة طوائف من الصوفية المتكلمين الذين ينكرون أن يكون الله محباً فى الحقيقة، فأقروا بكونه محبوباً ومنعوا كونه محباً؛ لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول أولئك المتكلمة ، فأخذوا عن الصوفية مذهبهم فى المحبة، وإن كانوا قد يخلطون فيه ، وأصل إنكارها إنما هو قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية، فأما محبة الرب عبده فهم لها أشد إنكاراً . ومنكروها قسمان : ٧٤ (قسم ) يتأولونها بنفس المفعولات التى يحبها العبد فيجعلون محبته نفس خلقه . و ( قسم ) يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات . وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى ((قواعد الصفات والقدر )) وليس هذا موضعها. ومن المعلوم أنه قد دل الكتاب والسنة وانفاق سلف الأمة على أن الله يحب ويرضى ما أمر بفعله من واجب ومستحب ، وإن لم يكن ذلك موجوداً، وعلى أنه قد بريد وجود أمور بغضها ويسخطها من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر، وقد قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) وقال تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ ). والمقصود هنا إنما هو ذ کر محبة العباد لالههم. وقد تبين أن ذلك هو أصل أعمال الإيمان ، ولم يتبين بين أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان نزاع فى ذلك ، وكانوا يحركون هذه المحبة بما شرع الله أن تحرك به من أنواع العبادات الشرعية كالعرفان الإيماني والسماع الفرقاني، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوْحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ ) إلى آخر السورة . ٧٥ ثم إنه لما طال الأمد صار في طوائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر هذه المحبة. وصار فى بعض المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع الحديث كالتغيير . وسماع المكاء والتصدية، فيسمعون من الأقوال والأشعار ما فيه تحريك جفس الحب الذي يحرك من كل قلب ما فيه من الحب بحيث يصلح لمحب الأوثان والصلبان والإخوان والأوطان والمردان والفسوان كما يصلح لمحب الرحمن ، ولكن كان الذين يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والإمكان والخلان ، وربما اشترطوا له الشيخ الذي يحرس من الشيطان، ثم توسع فى ذلك غيرهم حتى خرجوا فيه إلى أنواع من المعاصي ، بل إلى أنواع من الفسوق؛ بل خرج فيه طوائف إلى الكفر الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التى فيها الكفر والإلحاد ، مما هو من أعظم أنواع الفساد ، وينتج ذلك لهم من الأحوال بحسبه، كما تنتج لعباد المشركين وأهل الكتاب عباداتهم بحسبها . والذي عليه محققو المشايخ أنه كما قال الجنيد رحمه الله: من تكلف السماع فتن به ، ومن صادفه السماع استراح به . ومعنى ذلك أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث ، ولا يؤمر به ، ولا يتخذ ذلك ديناً . وقربة ، فإن القرب والعبادات إنما تؤخذ عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فكما أنه لا حرام الإ ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله. قال الله تعالى: (أَمْ ٧٦ لَهُمْ شُرَكَؤُا شَرَعُوْلَهُم مِّنَ الّذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِاللَّهُ ) ولهذا قال تعالى: (قُلّ فجعل محبتهم الله إِن كُنتُمْ تُحِبُونَاللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبَكُمْ) موجبة لمتابعة رسوله ، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة اللّه لهم، قال أبي ابن كعب رضي الله عنه : عليكم بالسبيل والسنة ، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله إلا تحانت عنه خطاياه ، كما يتحات الورق اليابس من الشجرة، وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبداً، وإن اقتصاداً فى سبيل وسنة خير من اجتهادفى خلاف سبيل وسنة؛ فاحرصوا أن تكون أعمالكم اقتصاداً واجتهاداً على منهاج الأنبياء وسنتهم. وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع. فلو كان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب لكان ذلك مما دلت الأدلة الشرعية عليه ، ومن المعلوم أنه لم يكن فى القرون الثلاثة المفضلة التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم: ((خير القرون قرني الذي بمئت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) لا فى الحجاز، ولا فى الشام ، ولا فى اليمن ، ولا فى العراق ، ولا فى مصر ، ولا فى خراسان أحد من أهل الخير والدين يجتمع على السماع المبتدع لصلاح القلوب، ولهذا كرهه الأئمة كالإمام أحمد وغيره ، حتى عده الشافعي من إحداث الزنادقة حين قال : خلفت ببغداد شيئاً أحدثه الزنادقة يسمونه التغيير بصدون به الناس عن القرآن . ٧٧ وأما مالم يقصده الإنسان من الإستماع فلا يترتب عليه لا نهي ولا ذم باتفاق الأئمة ؛ ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع ، فالمستمع للقرآن يثاب عليه، والسامع له من غير قصد وإرادة لايثاب على ذلك إذ الأعمال بالنيات . وكذلك ماينهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع بدون قصده لم يضره ذلك ، فلو سمع السامع بيتاً يناسب بعض حاله فحرك ساكنه المحمود، وأزعج قاطنه المحبوب أو تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن هذا مما ينهى عنه، وكان المحمود الحسن حركة قلبه التى يحبها الله ورسوله إلى محبته التى تتضمن فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله. كالذي اجتاز بيتاً فسمع قائلا يقول : كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فأخذ منه إشارة تناسب حاله؛ فإن الإشارات من باب القياس والاعتبار وضرب الأمثال . ومسألة ((السماع)) كبيرة منتشرة قد تكلمنا عليها فى غير هذا الموضع . والمقصودهنا أن المقاصد المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع الإيماني القرآني النبوي الديني الشرعي الذي هو سماع النبيين ، وسماع العالمين ، وسماع العارفين، وسماع المؤمنين. قال الله تعالى: (أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم ٧٨ مِنَ النَّبِنَ مِنْ ذُرِّيَّةِءَآدَمَ ) إلى قوله: ( إِذَانْلَى عَيْهِمَْأَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَيُكِيًّا ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) إلى قوله ( وَيَزِيدُهُرْخُشُوعًا ) وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ) وقال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَّا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ). وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ) الآية . وكما مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه في مثل قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا ) إلى قوله ( وَإِذَانَتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَنَّ فِى أُذُنَّهِ وَقْرَاْ فَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُ واْبِثَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَاصُمَّا وَعُمْيَانًا ) وقال تعالى: (فَمَالَمْ عَنِ التَّذْكِرَوَمُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة ). * وقال تعالى: ( إِنَّ شَرَّ ◌ٌلَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ اُلُمُ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيَْ لَّأَسْمَعَهُمْ) الآية وقال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلَا وقال تعالى: (فَمَالَمْ تَسْمَعُواْلِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ٧٩ : كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ ) ومثل هذا كثير * عَنِ التَّذِكِرَوْمُعْرِضِينَ فى القرآن . وهذا كان سماع سلف الأمة، وأ كابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ كإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن عياض ، وأبى سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي ، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي وأمثال هؤلاء . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ذكرنا ربًا فيقرأوم يسمعون وييكون. وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ القرآن والباقى يستمعون وقد ثبت في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» وقال: ((مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال : لو علمت أنك تسمح لخبرته لك تحبيراً، أي لحسنته لك. تحسيناً وقال صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصوانكم)) وقال: ((الله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)) - أذنا أي استماعا - كقوله: (وَأَذِنَتْ لِهَ وَحُقَّتْ ) أي استمعت وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)) وقال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)). ٨٠