النص المفهرس
صفحات 41-60
ولهذا لم يجيء في القرآن إلا مدخُ الراضين لا إيجاب ذلك وهذا فى الرضا بما يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال ) وقال كما قال تعالى: (وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ تعالى ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ فالبأساء فى الأموال ، والضراء فى الأبدان ( اَلْبَأْسَآءُ وَالضَّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ والزلزال فى القلوب. وأما ((الرضا بما أمر الله به)) فأصله واجب، وهو من الإيمان كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح ((ذاق طعم الإيمان من رضى بالله رباً، وبالاسلام ديناً، وبمحمد نبياً)) وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى قال تعالى: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ أ ◌َسْلِيمًا) وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ) الآية. وقال تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ) وقال تعالى: ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْبِالَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ ). ومن (( النوع الأول)) ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من سعادة ابن آدم استخارته ٤١ لله ورضاه بما قسم الله له. ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته للّه وسخطه بما بقسم الله له)). وأما ((الرضا بالمهيات)) من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضابها، كما لا تشرع محبتها، فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبها، وإن كان قد قدرها وقضاها كما قال سبحانه: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) وقال تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) وقال تعالى: (وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) ؛ بل يسخطها كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْمَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْرِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ). وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى اللّه خلقاً وتسخط من جهة كونها مضافة إلى العبد فعلاً وكسباً . وهذا القول لا ينافى الذي قبله ، بل هما يعودان إلى أصل واحد. وهو سبحانه إنما قدر الأشياء لحكمة، فهى باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية، وقد تكون فى نفسها مكروهة ومسخوطة . إذ الشىء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره من الآخر ، كما في الحديث الصحيح: (( ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن بكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)». وأما من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضى الذي ٤٢ هو مفعوله ، فهو خروج منه عن مقصود الكلام . فإن الكلام ليس فى الرضا فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وأفعاله، وإنما الكلام فى الرضا بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيناه فى غير هذا الموضع . والرضا وإن كان من أعمال القلوب فكاله هو الحمد ، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا؛ ولهذا جاء فى الكتاب والسنة حمد الله على كل حال، وذلك بتضمن الرضا بقضائه. وفى الحديث: ((أول من بدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله فى السراء والضراء)) وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه كان إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر الذي يسوؤه قال: الحمد لله على كل حال)) وفى مسند الإمام أحمد عن أبى موسى الأشعري عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قبض ولد العبد يقول الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم ، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون : نعم ، فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد)) ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد، وأمتهم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء . والحمد على الضراء يوجبه مشهدان : ( أحدهما ) : علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه ؛ فإنه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء ، وهو العليم الحكيم. الخبير الرحيم. ٤٣ و (الثانى): علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن، خير من اختيار هلنفسه، كما روى مسلم فى صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( والذي نفسي بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)). فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له. قال تعالى: (إِنَّ وذكرهما فى أربعة مواضع فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّصَبَّارٍ شَگُورٍ من كتابه . فأما من لا يصبر على البلاء ، ولا يشكر على الرخاء، فلا يلزم أن يكون القضاء خيراً له. ولهذا أجيب من أورد هذا على ما يقضى على المؤمن من المعاصي بجوابين . (أحدهما): أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما فعله العبد، كما في قوله تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِ) أي من سراء ( وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيَِّةٍ فَينِ نَّفْسِكَ ) أي من ضراء. وكقوله تعالى: (وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ ) أي بالسراء والضراء كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ ◌َعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبُّكُمْ وَالْخَيِِّفِتْنَةً ) وقال تعالى: ( ٤٤ سَبِئَةٌ يَفْرَحُوابِهَا ) فالحسنات والسيئات يراد بها المسار والمضار، ويراد بها الطاعات والمعاصي. ( والجواب الثانى) أن هذا فى حق المؤمن الصبار الشكور. والذنوب تنقص الإيمان ، فإذا تاب العبد أحبه الله ، وقد ترتفع درجته بالتوبة . قال بعض السلف : كان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة ، فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة ؛ وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها ، ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الأعمال بالخواتيم)) والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب : أن يتوب فيتوب الله عليه ، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له . أو يستغفر فيغفر له، أو يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات . أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حياً وميتاً. أو يهدون له من تواب أعمالهم ما ينفعه الله به، أو يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. أو يبتليه الله تعالى فى الدنيا بمصائب تكفر عنه، أو يبتليه فى البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه. أو يبتليه فى عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه. أو يرحمه أرحم الراحمين . ٤٥ فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه ، كما قال تعالى فيما يروي عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فإذا كان المؤمن يعلم أن القضاء خير له إذا كان صباراً شكوراً ، أو كان قد استخار اللّه وعلى أن من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له كان قد رضى بما هو خير له. وفى الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه قال (( إن الله يقضي بالقضاء فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)) ففي هذا الحديث الرضا والاستخارة، فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء. وهذا أكمل من الضراء والصبر ، فلهذا ذكر فى ذاك الرضا، وفى هذا الصبر . ثم إذا كان القضاء مع الصبر خيراً له فكيف مع الرضا ، ولهذا جاء فى الحديث ((المصابُ من حُرِمَ الثواب)) فى الأثر الذي رواه الشافعي فى مسنده: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم لما مات سمعوا قائلاً يقول: يا آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فى الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك ،ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا . فإن المصاب من حرم الثواب)) ولهذا لم يؤمر بالحزن المنافى للرضا قط، مع أنه لا فائدة فيه، فقد يكون فيه مضرة لكنه يعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله. ٤٦ لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب ، وذلك لا ينافي الرضا ؛ بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه ، وبهذا يعرف معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم لما بكى على الميت وقال: ((إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لالرحمة الميت ؛ فإن الفضيل بن عياض لما مات ابنه علي فضحك وقال: رأيت أن الله قد قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به: حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع . وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله تعالى، كمال النبى صلى الله عليه وسلم فهذا أكمل. كما قال تعالى: ( ثُمَ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ وَنَوَصَوْبِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَةِ ) فذكر سبحانه التواصي بالصبر والمرحمة . والناس ((أربعة أقسام)): منهم من يكون فيه صبر بقسوة. ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع . ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع . والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس . وقد ظن طائفة من المصنفين فى هذا الباب أن الرضا عن الله من توابع المحبة له، وهذا إنما يتوجه على ((المأخذ الأول)) وهو الرضا عنه لاستحقاقه ذلك بنفسه، مع قطع العبد النظر عن حظه، بخلاف ((المأخذ الثاني)) وهو الرضا لعلمه بأن المقضى خير له، ثم إن المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه، لكن قد يقال في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه . إن المحبة للمنوعان: ٤٧ محبة له نفسه، ومحبة له لما فيه من الإحسان ، وكذلك الحمد له نوعان : حمد له على ما يستحقه نفسه، وحمد على إحسانه إلى عبده ، فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة . وأما الرضابه وبدينه وبرسوله فذلك من حظ المحبة ؛ ولهذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان، كما ذكر فى المحبة وجود حلاوة الإيمان. وهذان الحديثان الصحيحان هما أصل فيما يذكر من الوجد والذوق الإيماني الشرعي؛ دون الضلالي البدعي. ففي صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا)) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواه) ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار)). وهذا مما يبين من الكلام على المحبة فنقول . فصل محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله وأجل قواعده؛ بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن ٤٨ التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان ، والدين ؛ فإن كل حركة فى الوجود إنما تصدر عن محبة: إما عن محبة محمودة ، أو عن محبة مذمومة ، كما قد بسطنا ذلك فى ((قاعدة المحبة)) من القواعد الكبار . فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة. وأصل المحبة المحمودة هى محبة الله سبحانه وتعالى، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملا صالحاً، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله ؛ فإن الله تعالى لايقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ، كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه بري. وهو كله للذي أشرك)) وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين م أول من تسعر بهم النار: ((القارئ المرائى، والمجاهد المرائى والمتصدق المرائى)). بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لايقبل اللّه سواه ، وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل ، وأنزل به جميع الكتب، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان ، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية، وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه . قال تعالى: ( تَنزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ الَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الَّذِينَ * أَ لِلَّهِالدِّينُ الْخَالِصُ) والسورة كلها عامتها فى هذا المعنى. كقوله: (قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَّهُ اَلِينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) إلى قوله : ٤٩ ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ) إلى قوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهٌ وَ يُخَوِفُونَكَ ◌ِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ) إلى قوله: (قُلْ أَفَّهَ يْتُمِ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَفِيَ اللَّهُ بِضُرِهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ) الآية. إلى قوله: (أَمِ أُمَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ حَمِيعًا لَّهُ. مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُّجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) إلى قوله: ( قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَنَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ) إلى قوله (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ ). وقال تعالى فيما قصه من قصة آدم وإبليس أنه قال: (فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) وقال: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُسُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَ كَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ) فبين أن سلطان الشيطان وإغواءه إنما هو لغير المخلصين ؛ ولهذا قال فى قصة يوسف: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وأتباع الشيطان هم أصحاب النار، كما قال تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ). وقد قال سبحانه: ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) وهذه الآية فى حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك، وقيد ما ٥٠ سواه بالمشيئة، فأخبر أنه لا يغفر الشرك لمن لم يتب منه ومادونه يغفره لمن يشاء. وأما قوله: ( قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَّ أَنفُسِهِمْ لَ نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) فتلك فى حق التائبين؛ ولهذا عم وأطلق، وسياق الآية يبين ذلك مع سبب نزولها . وقد أخبر سبحانه أن الأولين والآخرين إنما أمروا بذلك فى غير موضع كالسورة التى قرأها النبى صلى الله عليه وسلم على أبي لما أمره الله تعالى أن يقرأ عليه قراءة إبلاغ وإسماع بخصوصه فقال: (وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ إِلَّمِنُ بَعْدِ مَاجَآءَ فَهُمُ الْبِنَةُ * وَمَا أُمِرُ وَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ وا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَفَاءَ ) الآية . وهذا حقيقة قول لا إله إلا الله. وبذلك بعث جميع الرسل قال الله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَ إِلَيْهِأَنَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَأَعْبُدُونِ ) وقال: (وَسْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِندُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُواْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّغُوتَ). وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الأصل كما قال نوح عليه السلام: ( أُعْبُدُ واْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) وكذلك هود وصالح وشعيب عليهم السلام وغيرم كل يقول: (أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) لاسيما أفضل ٥١ الرسل الذين انخذ الله كلاهما خليلا إبراهيم ومحمداً عليهما السلام، فإن هذا الأصل بينه الله بها وأيدهما فيه ونشره بهما، فإبراهيم هو الإمام الذي قال الله فيه : ( إِنِىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) وفى ذريته جعل النبوة والكتاب والرسل، فأهل هذه النبوة والرسالة م من آله الذين بارك الله عليهم قال سبحانه: ( وَإِذْقَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُسَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِ عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) . فهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص لله وهي البراءة من كل معبود إلامن الخالق الذي فطرنا كما قال صاحب يس: ( وَمَالِىَ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *َأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ- ◌َالِهَةَ إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَّا تُغْنِ عَنِى ( شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِّ إِذَا لَّفِىِ ضَلَلِ مُبِينٍ وقال تعالى فى قصته بعد أن ذكر ما يبين ضلال من اتخذ بعض الكوا كب ريا يعبده من دون الله، قال: (فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِى بَرِىّ ! ! مِّمَا تُشْرِكُونَ * إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) إلى قوله (وَلَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْبِهِ. عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) وقال إبراهيم الخليل عليه السلام ( أَفَهَ يْتُمْقَاكُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِىِ خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ * وَاُلَّذِى هُوَيُطْعِمُنِ وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ بَشْفِينِ * وَالَّذِى يُمِتُنِ ثُمَّ يُحْبِينٍ) وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىِ إِنَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْقَالُواْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَ ؤُأ ٥٢ مِنكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَابِكُمْ ) الآية . ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أقام الله به الدين الخالص لله دين التوحيد، وقمع به المشركين من كان مشركا فى الأصل، ومن الذين كفروا من أهل الكتب ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وغيره «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم))، وقد تقدم بعض ما أنزل الله عليه من الآيات المتضمنة للتوحيد . وقال تعالى أيضاً: ( وَالصَّفَّتِ صَفًّا) إلى قوله: ( إِنَّ إِلَهَكُمْلَوَاحِدٌ) إلى قوله : ( إِنَّهُمْ كَانُّوْاْإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآَ إِلَهَ إِلََّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ * وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْاْ إلى قوله: ءَالِهَتِنَا لِشَاعِتَحْنُونٍ * بَلَّ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) ) إلى ما ذكره من قصص أُوْلَئِكَ لَهُمْرِزْقٌ مَعْلُوْمُ * فَوَكَةٌ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ) الأنبياء في التوحيد وإخلاص الدين لله، إلى قوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّاعِبَادَ الَّهِالْمُخْلَصِينَ) وقال تعالى: (إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِلّهِ وَأَخْلَصُوْدِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًّاً عَظِيمًا ). وفى الجملة فهذا الأصل فى سورة الأنعام والأعراف والنور وآل طسم ٥٣ وآل حم وآل المر وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع من السور المدنية كثير ظاهر، فهو أصل الأصول وقاعدة الدين حتى فى سورفى الإخلاص: (قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدَّ). وهاتان السورتان. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة التطوع كركعتي الطواف، وسنة الفجر، وهما متضمنتان للتوحيد . فأما ( قل يا أيها الكافرون ) فهي متضمنة للتوحيد العملي الإرادي ، وهو إخلاص الدين لله بالقصد والإرادة، وهو الذي يتكلم به مشايخ التصوف غالباً. وأما سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) فمتضمنة للتوحيد القولي العملي كما ثبت فى الصحيحين عن عائشة ((أن رجلا كان يقرأُ: قل هو الله أحد فى صلاته فقال النبى صلى الله عليه وسلم: سلوه لم يفعل ذلك؟ فقال : لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها فقال أخبروه أن الله يحبه)). ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانه وتعالى الذي ينفي قول أهل التعطيل، وقول أهل التمثيل، ما صارت به هي الأصل المعتمد في مسائل الذات كما قد بسطنا ذلك فى غير هذا الموضع. وذكرنا اعتماد الأئمة عليها مع ما تضمنته من تفسير الأحد الصمد كما جاء تفسيره عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وما دل على ذلك من الدلائل. لكن المقصود هنا هو («التوحيد العملي)) وهو إخلاص الدين لله وإن ٥٤ كان أحد النوعين مرتبطاً بالآخر. فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي، إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه ، أو بينه وبين المعدومات كما يسوى المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التى لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال، أو يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات فى صفات النقص، وكما يسوون إذا أثبتوام ومن ضاهام من الممثلة بينه وبين المخلوقات فى حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم، ويجعلون له أنداداً، ويسوون المخلوقات برب العالمين . واليهود كثيراً ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التى يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه، والنصارى كثيراً ما يعدلون المخلوق بالخالق حتى يجعلوا فى المخلوقات من نعوت الربوبية، وصفات الإلهية، ويجوزون له مالا يصلح إلا الخالق سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . والله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم (( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون)) وفى هذه الأمة من فيه شبه من هؤلاء وهؤلاء كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو ٥٥ دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : يارسول الله: اليهود والنصارى، قال فمن )) والحديث فى الصحيحين . فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله ، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمل المحبة ، لكن أكثر ما جاء المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وقوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُالَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) وأمثال هذا ، والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته ، وكمال الذل ونهايته ؛ فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبوداً ، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبوداً؛ ولهذا قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِأَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَّذُ حُبَّالِلَّهِ ) فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أنداداً ، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حباً لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأن المؤمنين أعلى بالله، والحب يتبع العلم ، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم الله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد فى الحب ، ومعلوم أن ذلك أكمل. قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلَا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا ( سَلَمَالِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلَا الْحَمْدُ لِِّبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين ، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله ٥٦ لا يستحقها غيره ؛ ولهذا جاءت محبة الله سبحانه وتعالى مذ كورة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له ؛ ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى. ثم إنه كما بين أن محبته أصل الدين ، فقد بين أن كمال الدين بكالها ونقصه بنقصها، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله)). فأخبر أن الجهاد ذروة سنام العمل وهو أعلاه وأشرفه. وقد قال تعالى: (أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ ) إلى قوله: (أَجْرُ عَظِيمٌ) ، والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة. وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد والجهاد دليل المحبة الكاملة . قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَءَابَآؤُكُمْ وَابْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَئُكُمْ وَاَزْوَاجُكُوعَشِيرَتگ. الآية. وقال تعالى فى صفة المحبين المحبوبين: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآيٍ ) فوصف المحبوبين المحبين بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وأنهم يجاهدون فى سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم . ٥٧ فإن المحبة مستلزمة للجهاد ، لأن المحب يحب ما يحب محبوبه ، ويبغض ما يبغض محبوبه ، ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ؛ ويرضى لرضاه وبغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به وينهي عما ينهى عنه، فهو موافق له فى ذلك. وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضام ويغضب لغضبهم، إذ هم إنما يرضون لرضاء ويغضبون لما يغضب له ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فى طائفة فيهم صهيب وبلال: ((لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك . فقال لهم: يا إخوتي! هل أغضبتكم قالوا لا؛ يغفر الله لك يا أبابكر!» وكان قد مر بهم أبو سفيان بن حرب فقالوا : ما أخذت السيوف من عدو الله مأخذها ، فقال لهم أبو بكر: أنقولون هذا لسيد قريش؟ وذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما تقدم ؛ لأن أولئك إنما قالوا ذلك غضباً لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله، والمعاداة لأعداء الله ورسوله . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح فيما يروى عن ربه : (( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به؛ ويده التى يبطش بها؛ ورجله التي يمشي بها؛ في يسمع ، وبي يبصر، وبى يبطش ، وبى يمشي ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن: يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه)). فبين سبحانه أنه يتردد لأن التردد، تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحب عبده ٥٨ ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه ، كما قال وأنا أكره مساءته ؛ وهو سبحانه قد قضى بلوت فهو يريد أن يموت ، فسمى ذلك تردداً، ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك . وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضي المأمور به والمبغض المكروه المنهي عنه . وقد يقال له اتحاد نوعي وصفي، وليس ذلك اتحاد الذاتين ؛ فإن ذلك محال ممتنع ، والقائل به كافر ، وهو قول النصارى، والغالية من الرافضة والنماك كالخلاجية ونحوهم، وهو ((الاتحاد المقيد)» فى شىء بعينه. وأما (( الاتحاد المطلق)) الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق ، فهذا تعطيل للصانع وجحود له ، وهو جامع لكل شرك ؛ فكما أن الاتحاد نوعان ، فكذلك الحلول نوعان : قوم يقولون: بالحلول المقيد فى بعض الأشخاص ، وقوم يقولون : بحلوله فى كل شيء ، وهم الجهمية الذين يقولون: إن ذات الله فى كل مكان . وقد يقع لبعض المصطلمين من أهل الفناء فى المحبة أن يغيب بمحبوبه عن نفسه وحبه ؛ ويغيب بمذ كوره عن ذكره؛ وبمعروفه عن معرفته، وبموجوده عن وجوده ؛ حتى لا يشهد إلا محبوبه، فيظن فى زوال تميزه ونقص عقله وسكره أنه هو محبوبه. كما قيل: إن محبوباً وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه، فقال ٥٩ أنا وقعت فأنت ما الذي أوقعك؟ فقال ، غبت بك عني ، فظننت أنك أنى، فلا ريب أن هذا خطأ وضلال . لكن إن كان هذا لقوة المحبة والذكر من غير أن يحصل عن سبب محظور زال به عقله كان معذوراً فى زوال عقله ؛ فلا يكون مؤاخذاً بما يصدر منه من الكلام فى هذه الحال التى زال فيها عقله بغير سبب محظور ؛ كما قيل فى عقلاء المجانين: إنهم قوم آتاه الله عقولاً وأحوالا فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم . وأسقط ما فرض بما سلب. وأما إذا كان السبب الذي به زوال العقل محظوراً لم يكن السكران معذوراً ؛ وإن كان لا يحكم بكفره فى أصح القولين ، كما لا يقع طلاقه فى أصح القولين، وإن كان النزاع فى الحكم مشهوراً. وقد بسطنا الكلام فى هذا؛ وفيمن يسلم له حاله ومن لا يسلم في ((قاعدة) ذلك. وبكل حال ؛ فالفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل هذا حال ناقص ؛ وإن كان صاحبه غير مكلف ، ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الذين م أفضل هذه الأمة ولا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الرسل ، وإن كان لهؤلاء فى صعق موسى نوع تعلق ، وإنما حدث زوال العقل عند الواردات الإلهية على بعض التابعين ومن بعده ، وإن كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب فى محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته ، فمن المعلوم أن من ٦٠