النص المفهرس

صفحات 21-40

وأيضاً التوكل من الأمور الدينية التى لاتتم الواجبات والمستحبات إلا بها
والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه.
و ((الزهد المشروع)) هو ترك الرغبة فيما لا ينفع فى الدار الآخرة ،
وهو فضول المباح التى لا يستعان بها على طاعة الله، كما أن ((الورع المشروع)
هو ترك ما قد يضر فى الدار الآخرة ، وهو ترك المحرمات والشبهات التى
لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها ، كالواجبات فأما ما ينفع في الدار
الآخرة بنفسه أو يعين على ما ينفع فى الدار الآخرة ، فالزهد فيه ليس من
الدين بل صاحبه داخل فى قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَآ
أَحَلَّ اَللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
كما أن الاشتغال
بفضول المباحات، هو ضد الزهد المشروع ، فإن اشتغل بها عن فعل واجب
أو [تَركِ] (١) محرم كان عاصياً، وإلا كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة
المقتصدين .
و (أيضاً) فإن التوكل هو محبوب للّه مرضي له مأمور به دائماً، وما
كان محبوبا لله مرضياً له مأموراً به دائماً لا يكون من فعل المقتصدين دون
المقربين ، فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم: المتوكل يطلب حظوظه .
وأما قولهم إن الأمور قد فرغ منها ، فهذا نظير ماقاله بعضهم فى الدعاء
أنه لا حاجة إليه ، لأن المطلوب إن كان مقدراً فلا حاجة إليه ، وإن لم يكن
(١) في المطبوع (فعل ) وعدلت حسب مفهوم السياق .
٢١

مقدراً لم ينفع الدعاء ، وهذا القول من أفسد الأقوال شرعاً وعقلاً .
وكذلك قول من قال : التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به
مضرة ، وإنما هو عبادة محضة . وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض
المحض ، وهذا وإن كان قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضاً ، وكذلك
قول من قال : إن الدعاء إنما هو عبادة محضة .
فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد : وهو أن هؤلاء ظنوا
أن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة - أيضاً -
تكون من العبد ؛ ولم يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب
التى جعلها معلقة بها من أفعال العباد ، وغير أفعالهم ، ولهذا كان طرد قولهم
يوجب تعطيل الأعمال بالكلية .
وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأصل مرات فأجاب
عنه كما أخرجا فى الصحيحين عن عمران بن حصين قال: ((قيل لرسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم:يارسول اللّه ؛ أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.
قالوا : ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لما خلق له )) وفى الصحيحين عن علي بن أبي
طالب قال: «كنا في جنازة فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلس ومعه
مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة فى الأرض ثم رفع رأسه وقال: ((ما من نفس منفوسة
إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة، إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة)» قال:
٢٢

فقال رجل من القوم يا نى الله ! أفلا تمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فمن كان
من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى
الشقاوة قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما أهل السعادة فييسرون للسعادة
وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة))، ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِرُهُوِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأُسْتَغْنَى ﴾
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنْيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى) أخرجه الجماعة في الصحاح والسنن
والمسانيد .
وروى الترمذي ( أن النبي صلى الله عليه وآ له وسلم سئل فقيل: يارسول
الله ! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها ونقى نتقيهاهل ترد من قدر
الله شيئاً؟ فقال: هي من قدر الله)).
وقد جاء هذا المعنى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى
عدة أحاديث .
فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي
لا ينافى أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة ، وشقاوة هذا بالأعمال السيئة؛
فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه، وكذلك يكتبها ؛ فهو يعلم أن السعيد
يسعد بالأعمال الصالحة ، والشقي يشقى بالأعمال السيئة ، فمن كان سعيداً
ييسر للأعمال الصالحة التى تقتضى السعادة؛ ومن كان شقياً ييسر للأعمال السيئة
٢٣

التى تقتضى الشقاوة ؛ وكلاهما ميسر لما خلق له، وهو ما يصير إليه من مشيئة
الله العامة الكونية التى ذكرها الله سبحانه فى كتابه فى قوله تعالى: (وَلَايَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ * إِلَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) .
وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التى
أمروا بموجبها فذلك مذكور فى قوله: (وَمَا خَلَفْتُ الْحِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
ردوج
لِيَعْبُدُونِ ) .
والله سبحانه قد بين في كتابه فى كل واحدة: من ((الكلمات))
و((الأمر)) و((الإرادة)) و((الإذن)) و((الكتاب)) و((الحكم)) و («القضاء»
و ((التحريم)) ونحو ذلك ما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي، وما
هو كوني موافق لمشيئته الكونية .
مثال ذلك أنه قال فى ((الأمر الديني)): (إِنَّ اللَّهَيَأْمُرُ بِالْعَدُلِ وَاَلْإِحْسَنِ
وَ إِيَتَآٍ ذِى الْقُرْبَ) وقال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْأَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا )
ونحو ذلك. وقال فى ((الكونى)): (إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ) وكذلك قوله: (وَإِذَا أَرَوْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْفِيهَا فَحَقَّ
عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) على إحدى الأقوال فى هذه الآية .
وقال فى ((الإرادة الدينية)): (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)
٢٤

( يُرِيِدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاَللَّهُ
عَلِيُحَكِيمٌ ) (مَايُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) وقال
فى «الإرادة الكونية)): (وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدٌ )
وقال: (فَمَن يُرِدِاللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ هُلِسْلَهِ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ
صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجً كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَاءِ) وقال نوح عليه السلام: (وَلَا يَنفَعُّكُو
نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَّكُمْ) وقال تعالى: (إِنَّمَآ أَمْرُهُ,
إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) .
وقال تعالى فى ((الإذن الديني)): (مَا قَطَّعْتُمْ مِنِ لِّبِنَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً
عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ) وقال تعالى في ((الكونى)): (وَمَاهُم
بِضَارِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ).
وقال تعالى فى «القضاء الديني)): ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّتَعْبُدُ وَأَإِلَّا إِيَّهُ ) أي
أمر. وقال تعالى فى «الكونى)): (فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ ).
وقال تعالى فى ((الحكم الديني)): (أُحِلَّتْ لَكُمَْهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّ مَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحلّى الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُ إِنَّاللَّهَ يَحْكُمُ مَايُرِيدُ) وقال تعالى: ( ذَلِكُمْ حُكْمُ
اللَّهِ يَحْكُمُ بْنَكُمْ )
وقال تعالى في ((الكونى)) عن ابن يعقوب: ( فَلَنْ
أَبْرَجَ آلْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِ أَبِىَ أَوْ يَحْكُمُ الَّهُلِىِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ )
٢٥

وقال تعالى: (قَالَ رَتِّ احْكُ بِالْحِيُّ وَرَبَِّا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).
وقال تعالى فى «التحريم الدينى)): (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَلَّمُ وَخُمُ الْخِزِيرِ )
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) الآية. وقال تعالى فى ((التحريم
الكونى)»: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةً يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ) .
وقال
وقال تعالى (وَلَّذِينَ فِي أَقْوَهِمْحَقٌ مَّعْلُومٌ * لِلِسَّآَيِلِ وَالْمَحْرُومِ )
تعالى في ((الكلمات الدينية)) (وَإِذِابْتَلَىَإِرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) وقال تعالى
فى «الكونية)): (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ ) ومنه
قوله صلى الله عليه وسلم المستفيض عنه من وجوه فى الصحاح والسنن والمسانيد
إنه كان يقول فى استعاذته «أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا
فاجر )) ومن المعلوم أن هذا هو الكونى الذي لا يخرج منه شيء،
عن مشيئته وتكوينه . وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته.
والمقصودهنا : أنه صلى الله عليه وسلم بين أن العواقب التى خلق لها
الناس من سعادة وشقاوة بيسرون لها بالأعمال التى يصيرون بها إلى ذلك ،
كما أن سائر المخلوقات كذلك ؛ فهو سبحانه يخلق الولد وسائر الحيوان في
الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على النكاح ، واجتماع المائين فى
الرحم ، فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتى فإن كان قد
٢٦

قضي لي بولد وجد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء، كان أحمق بخلاف
ما إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء اللّه، إذ قد
يسبق الماء بغير اختياره.
ومن هذا ما ثبت فى الصحيحين عن أبى سعيد الخدري. قال: ((خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة بني المصطلق فأصبنا سبباً من العرب
فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عليكم ألا تفعلوا، فإن الله قد
كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة)) وفى صحيح مسلم عن جابر: ((أن رجلاً
أتى النى صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في
النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه
سيأتيها ما قدر لها)).
وهذا مع أن الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير
أبوين كما خلق آدم ، ومن خلقه من أب فقط كماخلق حواء من ضلع آدم القصير
ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم عليه السلام ، لكن خلق ذلك
بأسباب أخرى غير معتادة.
وهذا الموضع وإن كان إنما يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد
وقع فى كثير من دقة كثير من المشايخ المعظمين يسترسل أحدم مع القدر
٢٧

غير محقق لما أمر به ونهى عنه، ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل ،
والجري مع الحقيقة القدرية ، ويحسب أن قول القائل ينبغي للعبد أن
يكون مع الله كالميت بين يدي الغاسل يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي حتى
يترك ما أمربه، ويفعل مانهى عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان
الذي يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه ورضيه، وبين ما نهى عنه وأبغضه
وسخطه فيسوى بين ما فرق الله بينه كما قال تعالى (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ
السَِّّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَّحْيَاهُمْ وَمَمَانُهُمْ سَآءَ
مَا يَحْكُمُونَ) وقال تعالى: (أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كْرِمِينَ * مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)
وقال تعالى: (أَمْنَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وقال تعالى :
اُلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ )
(وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ *
وقال تعالى :
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )
وَلَ الْقُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ * وَلَ الِظِلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَةُ وَلَا الْأَمْوَثُ إِنَّاللَّهَ
يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعِ مَن ◌ِ الْقُبُورِ )
وأمثال ذلك .
حتى يفضي الأمر بغلامهم إلى عدم التمييز بين الأمر بالمأمور النبوي
الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب والسنة، وبين ما يكون فى
الوجود من الأحوال التى تجري على أيدي الكفار والفجار ، فيشهدون
وجه الجمع من جهة كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته العامة،
٢٨

وأنه داخل فى ملكه ، ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين
أوليائه وأعدائه ، والأبرار والفجار ، والمؤمنين والكافرين ، وأهل الطاعة
الذين أطاعوا أمره الديني، وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر
ويستشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض الأشياخ، أو ببعض
غلطات بعضهم .
وهذا ((أصل عظيم)) من أعظم ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله
السالكين سبيل الإرادة: إرادة الذين يريدون وجهه ؛ فإنه قد دخل بسبب
إهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يعلمه إلا الله،
حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان للمسلطين فى الأرض من أهل الظلم
والعلو ، كالذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من أهل العلو فى
الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم أحوال أثروابها فى ذلك كانوا بذلك
من أولياء الله - فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما للأبدان؛ لكن إن
كانت صالحة كان تأثيرها صالحاً، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسداً،
فالأحوال يكون تأثيرها محبوباً لله تارة، ومكروها لله أخرى، وقد تكلم الفقهاء
على وجوب القود على من يقتل غيره فى الباطن حيث يجب القود
فى ذلك - ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ، ويعدون مجرد
خرق العادة لأخدم بكشف يكشف له أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من
الله له، ولا يعلمون أنه فى الحقيقة إهانة، وأن الكرامة لزوم الاستقامة، وأن
٢٩

الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته
وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء م أولياء الله الذين قال
الله فيهم: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَّهُمْ يَحْزَنُونَ ).
فإن كانوا موافقين له فيما أوجبه عليهم فهم من المقتصدين ، وإن كانوا
موافقين فيما أوجبه وأحبه فهم من المقربين ، مع أن كل واجب محبوب وليس
كل محبوب واجباً، وأما ما يبتلي الله به عبده من السراء بخرق العادة أو
بغيرها ، أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه، ولا هوانه عليه
بل قد يسعد بها قوم إذا أطاعوه فى ذلك ، وقد يشقى بها قوم إذا
عصوه فى ذلك .
قال الله تعالى: (فَمَا آلْإِنسَانُ إِذَا مَاَبْنَنْهُ رَبُّهُ،فَأَكْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِّتَ أَكْرَمَنِ
وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْتَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِئْ أَهَنَنِ * كَلَّا)
ولهذا كان الناس فى هذه الأمور على ((ثلاثة أقسام)):
(قسم) ترتفع درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها فى طاعة الله.
وقوم يتعرضون بها لعذاب الله إذا استعملوها فى معصية الله
كبلعام وغيره .
وقوم تكون فى حقهم بمنزلة المباحات.
٣٠

والقسم الأول م المؤمنون حقاً، المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي إنما
كانت خوارقه لحجة يقيم بهادين الله، أو الحاجة يستعين بها على طاعة الله.
ولكثرة الغلط فى هذا الأصل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الاسترسال مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد،
فروى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفى كل
خير . أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل
لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل:قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح
عمل الشيطان)) .
وفي سنن أبى داود: (( أن رجلين اختصا إلى النبى صلى الله عليه وسلم
فقضى على أحدهما فقال المقضى عليه: حسبي الله ونعم الوكيل . فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس فإذا غليك
أمر فقل حسبى الله ونعم الوكيل)) فأحر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يحرص
على ما ينفعه، وأن يستعين بالله، وهذا مطابق لقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِينُ
وقوله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) فإن الحرص على ما ينفع العبدهو طاعة اللهوعبادته إذ
النافع له هو طاعة الله ولا شيء أنفع له من ذلك، وكل ما يستعان به على
الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح .
قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح لسعد: ((إنك لن
٣١

تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها فى
في امرأتك)) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يلوم على العجز الذي هو
ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله ، فإن ذلك بنافى القدرة المقارنة
للفعل ، وإن كان لاينافى القدرة المتقدمة التى هي مناط الأمر والنهي .
فإن الاستطاعة التى توجب الفعل تكون مقارنة له ولا تصلح إلا لمقدورها
كما ذكرها الله تعالى في قوله (مَاكَانُوْيَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ) وفى قوله:
(وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ). وأما الاستطاعة التى يتعلق بها الأمر والهي
فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن. كما فى قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنْ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم العمران
ابن حصين «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)).
فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه إلى «أربعة أقسام)):
قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين الإلهية
الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه ، ولا ينظرون إلى جانب القضاء
والقدر والتوكل والاستعانة ، وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة ؛ فهم
مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعاره يغلب عليهم الضعف والعجز
والخذلان؛ لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التى نقوي
العبد ، وتيسر عليه الأمور .
٣٢

ولهذا قال بعض السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على
الله. وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ((أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم صفته في التوراة إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين ،
أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق
ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن أقبضه
حتى أقيم به الملة العوجاء فأفتح به أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غلفاً بأن يقولوا
لا إله إلا الله))
ولهذا روى أن حملة العرش إنما أطاقوا حمل العرش بقولهم لاحول ولا
قوة إلا بالله. وقد ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنها
كنز من كنوز الجنة )) قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) وقال
تعالى : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
وَقَالُواْحَسْبُنَا ◌َللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) إلى قوله (فَلَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنَّكُمْ
وفى صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله :
مُؤْمِنِينَ )
( وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها إبراهيم الخليل حين ألقى فى النار،
وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم
و (قسم ثان ): يشهدون ربوبية الحق، وافتقارم إليه، ويستعينون به
لكن على أهوائهم وأذواقهم ، غير ناظرين إلى حقيقة أمره ونهيه ورضاه
وغضبه ومحبته ، وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة ، ولهذا كثيراً
٣٣

ما يعملون على الأحوال التى يتصرفون بها فى الوجود ، ولا يقصدون مايرضى
الرب ويحبه، وكثيراً ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته فيعودون
إلى تعطيل الأمر والنهي ويسمون هذا حقيقة ، ويظنون أن هذه الحقيقة
القدرية يجب الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة الأمرية الدينية التى هي
تحوي مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهراً وباطناً .
وهؤلاء كثيراً ما يسلبون أحوالهم ، وقد يعودون إلى نوع من المعاصي
والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام ، لأن العاقبة للتقوى ، ومن لم
يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين ، فهم يقعون فى بعض ماوقع
المشركون فيه تارة فى بدعة يظنونها شرعة، وتارة فى الاحتجاج بالقدر على الأمر:
والله تعالى لما ذكر ماذم به المشركين فى سورة الأنعام والأعراف ذكر
ما ابتدعوه من الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ
وَجَدْ نَا عَلَيْهَاءَ ابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأَ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ
(
وقد
ذمهم على أن حرموا مالم يحرمه الله، وأن شرعوا مالم يشرعه الله، وذكر
احتجاجهم بالقدر فى قوله تعالى ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْشَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكْنَا
وَلَآءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ ) ونظيرها فى النحل ويس والزخرف وهؤلاء
يكون فيهم شبه من هذا وهذا .
وأما ( القسم الثالث ) : وهو من أعرض عن عبادة الله واستعانته به
فهؤلاء شر الأقسام .
٣٤

و (القسم الرابع): هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا (إِيَّكَ
نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ) وقوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَّوَكَّلْ عَلَيْهِ) فاستعانوا به على طاعته ،
وشهدوا أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبدوا إلا إياه بطاعته وطاعة رسوله، وأنه
ربهم الذي ( لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعُ) وأنه ( مَّا يَفْتَجِ الَّهُلِلنَّاسِ مِن
(وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ
رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
) (قُلْ أَفَهَ يْتُم مَّاتَدْعُونَ
فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّهُوَوَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍفَلَاَرَاذَلِفَضْلِهِ
مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِِّةٍ أَوْأَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ
(
مُمْسِكَتُرَحْمَتِهِ
ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد ،
ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص فى العقل ، والإعراض عن الأسباب
بالكلية قدح في الشرع ، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد
والعقل والشرع
فقد تبين أن من ظن التوكل من مقامات عامة أهل الطريق فقد غلط
غلطاً شديداً، وإن كان من أعيان المشايخ - كصاحب ((علل المقامات)) وهو
من أجل المشايخ، وأخذ ذلك عنه صاحب ((محاسن المجالس)) - وظهر ضعف
حجة من قال ذلك لظنه أن المطلوب به حظ العامة فقط ، وظنه أنه لافائدة له
فى تحصيل المقصود ، وهذه حال من جعل الدعاء كذلك ، وذلك بمنزلة من
جعل الأعمال المأمور بها كذلك ، كمن اشتغل بالتوكل عن ما يجب عليه من
٣٥

الأسباب التى هي عبادة وطاعة مأمور بها ؛ فإن غلط هذا في ترك الأسباب
المأمور بها التى هي داخلة فى قوله تعالى: (فَأُعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) كغلط
الأول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل فى قوله تعالى (فَاعْبُدُهُ
وَتَوَكَّلْعَلَيْهِ )
لکن یقال: من کان توکله علىالله ودعاؤه له هو فی حصول مباعات فهو من
العامة ، وإن كان فى حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة، كما أن من
دعاه وتوكل عليه فى حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ، ومن أعرض عن
التوكل فهو عاص الله ورسوله ، بل خارج عن حقيقة الإيمان، فكيف يكون
هذا المقام للخاصة ، قال اللّه تعالى: ( وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كَثُمْ ءَامَنُثُم بِاللّهِ
فَعَلَّهِ تَوَُّوَاْ إِن كُ مُسْلِمِينَ ) وقال تعالى: (إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ
لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لَكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهُِ) وقال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وقال تعالى: ( قُلْ أَفَرَءَيْتُمْ مَّاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ
أَرَدَ نِ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِِّ) إلى قوله (قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيَّهِ
يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ )
وقد ذكر الله هذه الكلمة (حَسْىَ اللَّهُ) فى جلب المنفعة تارة ، وفى دفع
المضرة أخرى. (فالأولى) فى قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ،وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ) الآية .
و (الثانية) فى قوله: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
٣٦

وفى قوله تعالى :
فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
( وَ إِن يُرِيدُوْ أَن يَخْدَعُوَكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اَللَّهُ هُوَ الَّذِىِّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ ) وقوله :
( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،
وَرَسُولُهُ ) يتضمن الأمر بالرضا والتوكل .
والرضا والتوكل يكتنفان المقدور ، فالتوكل قبل وقوعه . والرضا
بعد وقوعه ؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى الصلاة ((اللهم
بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت
الوفاة خيراً لي، اللهم إنى أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في
الغضب والرضا، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك
قرة عين لا تنقطع ، اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ، وأسألك برد
العيش بعد الموت ؛ وأسألك لذة النظر إلى وجهك؛ وأسألك الشوق إلى
لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا
هداة مهتدين)) رواه أحمد والنسائى من حديث عمار بن ياسر .
وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة الرضا ؛ ولهذا
كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء ؛ فإذا
وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ذلك فى الصبر وغيره كما قال تعالى: (وَلَقَدْ
وقال
كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَ يْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ )
تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتَّا عِندَ اللَّهِأَنْ
تَقُولُواْمَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيٌَ
٣٧

مَّرْصُوصٌ ) نزلت هذه الآية لما قالوا لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه
فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الجهاد فكرهه من كرهه .
ولهذا كره للمرء أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه
الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك ، أو يطلب ولاية ، أو يقدم على بلد
فيه طاعون . كما ثبت فى الصحيحين من غير وجه عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه نهى عن النذر؛ وقال: ((إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل)»
وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة
فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت
عليها ؛ وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير
وكفر عن يمينك)) وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال فى الطاعون: ((إذا سمعتم به
بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه))
وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية
ولكن إذا لقيتموم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) وأمثال
ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغى له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء ويحرم
عليه أشياء فيبخل بالوفاء : كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهوداً على أمور
وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود .
ويقتضى أن الإنسان إذا ابتلى فعليه أن يصبر ويثبت ولا ينكل حتى
يكون من الرجال الموقنين القائمين بالواجبات ، ولا بد فى جميع ذلك من
٣٨

الصبر ؛ ولهذا كان الصبر واجباً باتفاق المسلمين على أداء الواجبات ، وترك
المحظورات . ويدخل فى ذلك الصبر على المصائب عن أن يجزع فيها ، والصبر
عن اتباع أهواء النفوس فيما نهى الله عنه .
وقد ذكر الله الصبر في كتابه فى أكثر من تسعين موضعاً ، وقرنه
بالصلاة فى قوله تعالى: (وَأَسْتَعِينُوْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ، وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّ عَلَى
أُسْتَعِينُواْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ إِنَّ اللََّ مَعَ الصَّبِينَ ) وقوله:
الْخَاشِعِينَ ) (
(وَأَقِمِ الصَّلَوْهَ طَرَفِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ) إلى قوله (وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَايُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ( فَأَصْبِرْ عَلَى مَايَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طْلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِها)
(فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) الآية
وجعل ((الإمامة فى الدين)) موروثة عن الصبر واليقين بقوله: (وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَسِعَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمِنَالَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُوْيَايَتِنَا يُوقِنُونَ) . فإن الدين كله على
بالحق وعمل به، والعمل به لا بد فيه من الصبر، بل وطلب علمه يحتاج إلى
الصبر، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة،
ومعرفته خشية ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة؛ ومذاكرته
تسبيح. به يعرف الله ويعبد، وبه يمجد الله ويوحد، يرفع الله بالعلم أقواما
يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم ، وينتهون إلى رأيهم .
جعل البحث عن العلم من الجهاد ، ولا بد فى الجهاد من الصبر ؛ ولهذا
٣٩

قال تعالى: ( وَاَلْعَصْرِ * إِنَّالْإِنسَانَ لَفِىِ خُسْرٍ * إِلََّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْبِالصَّبْرِ) وقال تعالى: (وَأَذْكُرْ عِبَدَنَا
إِبْرَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ )
فالعلم النافع هو أصل الهدى ، والعمل بالحق هو الرشاد ، وضد الأول
الضلال ، وضد الثاني الغي ، فالضلال العمل بغير علم ، والغي اتباع الهوى.
قال تعالى: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى ) فلا ينال الهدى
إلا بالعلم، ولا ينال الرشاد إلا بالصبر؛ ولهذا قال علي : ألا إن الصبر من
الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد - فإذا انقطع الرأس بان الجسد - ثم رفع
صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له .
وأما (( الرضا)) فقد تنازع العلماء والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم
فى الرضا بالقضاء: هل هو واجب أو مستحب ؟ على قولين: فعلى الأول
يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثانى يكون من أعمال المقربين . قال
عمر بن عبد العزيز(١) الرضا عزيز ولكن الصبر معول المؤمن. وقد روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس: ((إن استطعت أن
تعمل للّه بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم نستطع فإن فى الصبر على
ما تكره خيراً كثيراً )) .
(١) نسخة الحسن البصرى
٤٠