النص المفهرس
صفحات 261-280
بواسطة القياس ، وكلامهم يقتضى أن علم الرب كذلك ولا دليل له على ذلك أصلا سوى محض قياس الأنبياء والأولياء على نفسه ، وقياس الرب والملائكة على البشر . فهذا موضع ينبغي للمؤمن أن يتيقنه ، ويعلم أن هؤلاء القوم وغيرهم إنما ضلوا غالباً من جهة ما نفوه وكذبوا به ، لا من جهة ما أثبتوه وعلموه ، ولهذا كان المنطق مظنة الزندقة لمن لم يقو الإيمان فى قلبه حيث اعتقد أنه لا على إلا بهذه المواد المعينة ، وهذه الصورة ، وذلك مفقود عنده في غالب ما أخبرت به الأنبياء فيشك فى ذلك أو يكذب به أو يعرض عن اعتقاده والتصديق به ، فيكون عدم إيمانه وعلمه من اعتقاده الفاسد أنه لا علم إلا من هذه المواد المعينة ولا دليل عليه ألبتة ، وإن كانت مفيدة للعلم ، فالفرق ظاهر بين كونها تفيده وبين كونها تفيده ولا يحصل بغيرها . ومما يبين ذلك أن القياس لا يدل إلا على علم كلي ، وهم معترفون بذلك؛ لأنه لا بد فيه من مقدمة كلية إيجابية ، والكلي لا يدل إلا على القدر المشترك وهو الكلي . فجميع الحقائق المعينة لا يدل عليها القياس بأعيانها ، وإنما يعلم به - إن علم - صفة مشتركة بينها وبين غيرها فلا يعلم به شيء من خواص الربوبية ألبتة ، ولا شيء من خواص ملك من الملائكة ولا فى من الأنبياء ولا ولى من الأولياء ، بل ولا ملك من الملوك ، ولا أحد من الموجودات العلوية ولا السفلية ؛ فإذاً العلم بهذه الأشياء إما أن يكون منتفياً أو حاصلا ٢٦١ بغير القياس ، وكلا القسمين واقع فإنه منتف عندهم ، إذ لا طريق لهم غير القياس، وحاصل ذلك عند الأنبياء وأتباعهم بل حاصل ذلك فى الجملة عند جميع أولى العلم من الملائكة والنبيين وسائر الآدميين . و ((أيضاً)) فإذا كان لا بد فيه من مقدمة كلية فإن كانت نظرية افتقرت إلى أخرى وإن كانت بديهية فإذا جاز أن يحصل العلم بجميع أفرادها بديهة فما المانع أن يحصل ببعض الأفراد وهو أسهل . وأما ((الحد )) فالكلام عليه فى مواضع : ( أحدها ) دعوام أن التصورات النظرية لا تعلم إلا بالحد الذي ذكروه فالقول فيه كالقول فى أن التصديقات النظرية لا يحصل إلا بالبرهان الذي حصروا مواده ، ولا دليل على ذلك ؛ ويدل على ضعفه أن الحاد إن عرف المحدود بحد غيره فقد لزم الدور أو التسلسل وإن عرفه بغير حد بطل المدعى فإن قيل : بل عرفه بالحد الذي انعقد فى نفسه كما عرف التصديق بالبرهان الذي انعقد فى نفسه قبل أن يتكلم به ، قيل : البرهان مباين للنتيجة ، فان العلم بالمقدمتين ليس هو عين العلم بالنتيجة ، وأما الحد المنعقد فى النفس فهو نفس العلم بالمحدود ، وهو المطلوب فأين الحد المفيد للعلم بالمحدود ، وهذا أحد ما يبين : ٢٦٢ (الموضع الثانى) وهو أنه قد يقال إن الحد لا تعرف به ماهية المحدود بحال ، بخلاف البرهان فإنه دليل على المطلوب أما بالنسبة إلى الحاد : فلأنه عرف الشيء قبل أن يحده ، وإلالم يصح حده ؛ لأن الحد يجب أن يطابقه عموماً وخصوصاً ولولا معرفته به قبل أن يحده لم تصح معرفته بالمطابقة ، وأما بالنسبة إلى المستمع فلأن معرفته بذلك إذا لم تكن بديهية ولم يقم الحاد عليه دليلا امتنع أن يحصل له علم بمجرد دعوى الحاد المتكلم بالحد ؛ ولهذا يجد المستمع يعارض الحد ويناقضه فى طرده وعكسه ولولا تصوره المحدود بدون الحد لامتنعت المعارضة والمناقضة . وإنما فائدة الحد التمييز بين المحدود وغيره لا تصويره ؛ وهو مطابق لاسم الحد فى اللغة فإنه الفاصل بينه وبين غيره ؛ وذلك أنه قد يتصور ماهية الشيء مطلقاً . مثل من يتصور الأمر والخبر والعلم فيتصوره مطلقاً لا عاماً؛ فالحد يميز العام الذي يدخل فيه كل خبر وعلم وأمر. ومن هنا يتبين لك أن الذي يتصور بالبديهة من مسميات هذه الأسماء وهو الحقيقة المطلقة غير المطلوب بالحد ، وهو الحقيقة العامة ؛ ثم التمييز للأسماء تارة وللصفات أخرى فالحد إما بحسب الاسم وهو الحد اللفظي الذي يحتاج إليه فى الاستدلال بالكتاب والسنة وكلام كل عالم ، وإما بحسب الوصف وهو تفهيم الحقيقة التى عرفت صفتها وهذا يحصل بالرسم والخواص وغير ذلك . (الموضع الثالث ) الفرق بين الذاتى والعرضي اللازم للماهية بحيث يدعى ٢٦٣ أن هذا لا تفهم الماهية بدونه بخلاف الآخر ، فإن العاقل إذا رجع إلى ذهنه لم يجد أحدهما سابقاً والآخر لاحقاً، ثم إذا كان المرجع فى معرفة الذاتى إلى تصور الذات، والمرجع فى تصورها إلى معرفة الذاتى كان دوراً؛ لأنا لا نعرف الماهية إلا بالصفات الذاتية ، ولا نعرف الصفات الذاتية حتى تتصور الذات ؛ فإن الصفات الذاتية ما تقف معرفة الذات عليها ، فلا تعرف الذاتية . إلا بأن تعرف أن فهم الذات موقوف عليها ، فلا تريد أن تفهم الذات حتى تعرف الذاتية وبسط هذا كثير . ( الموضع الرابع) : دعوام أن الماهيات مركبة ولا تركيب فى الذهن. ٢٦٤ وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل قد كتبت فيما تقدم ملخص ((المنطق)) المعرب الذي بلغته العرب عن اليونانيين، وعربته لفظاً ومعنى ، فإنها أحسنت ألفاظه وحررت معانيه ، وهو المنسوب إلى أرسطو اليونانى الذي يسميه أتباعه من الصابئين الفلاسفة المبتدعين (المعلم الأول)) لأنه وضع التعاليم التى يتعلمونها من المنطق والطبيعي وما بعد الطبيعة . فإن هذه التعاليم لما اتصلت بالمسلمين وعربت كتبها مع ما عرب من كتب الطب والحساب والهيئة وغير ذلك، وكان انتشار تعريبها في دولة الخليفة أبى العباس الملقب بالمأمون، أخذها المسلمون فرروها لفظاً ومعنى. لكن فيها من الباطل والضلال شيء كثير ، ٢٦٥ فمنهم من أتبعها مع ماينتحله من الإسلام وم صابئة المسلمين المسمون بالفلاسفة ، فصاروا مؤمنين ببعض الكتاب دون بعض ، بمنزلة المبتدعة من اليهود والنصارى قبل النسخ ، لما بدلوا بعض الكتب التى بأيديهم . ومنهم من لم يقصد أتباعها لكن تلقى عنهم أشياء يظن أنها جميعها توافق الإسلام وتنصره، وكثير منها تخالفه وتخذله، وهذه حال كثير من أهل الكلام المعتزلة، ولهذا قيل م مخانيث الفلاسفة . ومنهم من أعرض عنها إعراضاً مجملاً، ولم يتبح من القرآن والإسلام ما يغنى عن كل حقها ويدفع باطلها ولم يجاهدم الجهاد المشروع، وهذه حال كثير من أهل الحديث والفقه وغير ذلك، وقد كتبت فيما تقدم بعض ما يتعلق بذلك في مواضع من القواعد . وذكرت [فى ] تلخيص جمل المنطق ماوقع من الجهل والضلال بسببه وبعض ما وقع فيه من الخلل. وهنا تلخيص ذلك فأقول : مقصود الكلام فى طرق العلم بالتصورات والتصديقات ( فالأول) كالحد والرسم ، و ( الثاني ) كالقياس بأنواعه من البرهان وغيره ، وكالتمثيل والاستقراء . وقد يزعمون أن المطلوب من التصورات لاينال الإيجنس الحد ، ٢٦٦ والمطلوب من التصديقات لاينال إلا بجنس القياس، وقد يسمى جنس القياس [بالنسبة] كما يسمى جنس القول الشارح حداً، وأما البديهي من النوعين فمستغن عن الحد والبرهان، فتضمن هذا الكلام أن الحدود تفيد تصوير الحقائق، وأن ذلك لا يحصل بغيرها ، وأن القياس يفيد التصديق بالحقائق ، وأن ذلك لا يحصل بغيره ، وفى كلا الأمرين وقع الخطأ . أما فى الحد ففى كلا القضيتين السلب والانجاب ، فيما أثبتوه وفيما نفوه . أما ( الأول ) فإن الحد لا يفيد تصور الحقائق وإنما يفيد التمييز بين المحدود وغيره، وتصور الحقائق لا يحصل بمجرد الحد الذي هو كلام الحاد ، بل لابد من إدراكها بالباطن والظاهر ، وإذا لمتدرك ضرب المثل لها فيحصل بالمثال الذي هو قياس التصوير - لا قياس التصديق - نوع من الإدراك كإدراكنا لما وعد الله به فى الآخرة من الثواب والعقاب . والأمثال المضروبة فى القرآن تارة تكون للتصوير ، وتارة تكون للتصديق ، وهذا الوجه مقرر بوجوه متعددة . وإنما الغرض هنا تلخيص المقصود . وأما (الثانى ) وهو النفي، فإن إدراك الحقائق المنصورة المطلقة ليس موقوفاً على الحدلو فرض أنها تعرف بالحد ، بل تحصل بأسباب الإدراك المعروفة ٢٦٧ وقد تحصل من الكلام بالأسماء المفردة كما تحصل بالحد ، وربما كان الاسم فيها أنفع من الحد، وهذا أيضاً مقرر . وأما القياس فلا ريب أنه يفيد التصديق إذا صحت مقدماته وتأليفها؛ لكن الخطأ فيه من النفي من وجهين أيضاً . ( أحدهما ) أن حصول العلم التصديقي فى النفس ليس موقوفا على القياس بل يحصل بغير القياس . ( الثاني ) أن القياس البرهاني ليست مواده منحصرة فيما ذكروه فى الحسيات والوجديات والبديهيات والنظريات والمتواترات والتجريبيات والحدسيات كما بينت هذا فى غير هذا الموضع ؛ والله أعلم. ٢٦٨ وسئل عن ((كتب المنطق)). فأجاب: أما ((كتب المنطق)) فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعاً، وان كان قد أدى اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية، وقال بعض الناس: ان العلوم لا تقوم إلا به ، كما ذكر ذلك أبو حامد فهذا غلط عظيم عقلاً وشرعاً . أما «عقلاً )) فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين فى العلم حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني. وأما ((شرعاً)) فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان. وأما هو فى نفسه فبعضه حق ، وبعضه باطل ، والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا يحتاج إليه ، والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به ، والبليد لا ينتفع به ، والذكي لا يحتاج إليه ، ومضرته على ٢٦٩ من لم يكن خبيراً بعلوم الأنبياء أكثر من نفسه ؛ فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء ، وكانت سبب نفاقهم ، وفساد علومهم . وقول من قال إنه كله حق كلام باطل بل فى كلامهم في الحد ، والصفات الذاتية والعرضية، وأقسام القياس والبرهان ، ومواده من الفساد ما قد بيناه فى غير هذا الموضع وقد بين ذلك علماء المسلمين والله أعلم . - ٢٧٠ الإسلام ـئل شع الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رضي الله عنه عن ((العقل)) الذي للإنسان هل هو عرض؟ وما هي ((الروح)) المديرة لجسده ؟ هل هي النفس ؟ وهل لها كيفية تعلم ؟ وهل هي عرض أو جوهر ؟ وهل يعلم مسكنها من الجسد؟ ومسكن العقل ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. ((العقل)) في كتاب الله وسنة رسوله وكلام الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل سواء سمي عرضاً أو صفة، ليس هو عيناً قائمة بنفسها ، سواء سمي جوهراً أو جسماً أو غير ذلك. وإنما يوجد التعبير باسم ((العقل)) عن الذات العاقلة التى هي جوهر قائم بنفسه في كلام طائفة من المتفلسفة الذين يتكلمون فى العقل والنفس، ويدعون ثبوت عقول عشرة كما يذكر ذلك من يذكره من أتباع أرسطو أو غيره من المتفلسفة المشائين. ومن تلقى ذلك عنهم من المنتسبين إلى الملل . وقد بسط الكلام على هؤلاء فى غير هذا الموضع ، وبين أن ما يذكرونه (١) تسمى : مسألة في العقل والنفس. ٢٧١ من العقول والنفوس والمجردات والمفارقات والجواهر العقلية لا يثبت لهم منه إلا نفس الإنسان ، وما يقوم بها من العلوم وتوابعها؛ فإن أصل تسميتهم لهذه الأمور مفارقات هو مأخوذ من مفارقة النفس البدن بالموت ، وهذا أمر صحيح فإن نفس الميت تفارق بدنه بالموت ، وهذا مبنى على أن النفس قائمة بنفسهاتبقى بعد فراق البدن بالموت منعمة أو معذبة ، وهذا مذهب أهل الملل من المسلمين وغيرهم ، وهو قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسأر أئمة المسلمين ، وإن كان كثير من أهل الكلام يزعمون أن النفس هي الحياة القائمة بالبدن. ويقول بعضهم: هي جزء من أجزاء البدن كالريح المترددة فى البدن أو البخار الخارج من القلب . ففي الجملة النفس المفارقة للبدن بالموت ليست جزءاً من أجزاء البدن ولا صفة من صفات البدن عند سلف الأمة وأكّتها . وإنما يقول هذا وهذا من يقوله من أهل الكلام المبتدع المحدث من أتباع الجهمية والمعتزلة ونحوم . والفلاسفة المشاؤون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن ؛ لكن يصفون النفس بصفات باطلة ، فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلا . والعقل عندم هو المجرد عن المادة وعلائق المادة ، والمادة عندم هي الجسم، وقد يقولون: هو المجرد عن التعلق بالهيولى ، والهيولى فى لغتهم هو بمعنى المحل . ويقولون: المادة والصورة . ٢٧٢ والعقل عندهم جوهر قائم بنفسه لا يوصف بحركة ولا سكون ولا تتجدد له أحوال ألبتة . فحقيقة قولهم أن النفس إذا فارقت البدن لا يتجددلها حال من الأحوال لا علوم ولا تصورات. ولا سمع ولا بصر ولا إرادات. ولا فرح وسرور ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث ، بل تبقى عندم على حال واحدة أزلاً وأبداً كما يزعمونه فى العقل والنفس. ثم منهم من يقول : إن النفوس واحدة بالعين . ومنهم من يقول : هي متعددة . وفى كلامهم من الباطل ماليس هذا موضع بسطه . وإنما المقصود التنبيه على ما يناسب هذا الموضع: فهم يسمون ما اقترن بالمادة التى هي الهيولى وهي الجسم فى هذا الموضع نفساً كنفس الإنسان المديرة لبدنه . ويزعمون أن للفلك نفساً تحركه كما للناس نفوس، لكن كان قدماؤم يقولون : إن نفس الفلك عرض قائم بالفلك كنفوس البهائم ، وكمايقوم بالإنسان الشهوة والغضب ، لكن طائفة منهم كابن سينا وغيره زعموا أن النفس الفلكية جوهر قائم بنفسه كنفس الإنسان ، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سموها نفساً ، فإذا فارقت سموها عقلا ؛ لأن العقل عندم هو المجرد عن المادة وعن علائق المادة . وأما النفس فهى المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصريف . ٢٧٣ وأصل تسميتهم هذه مجردات هو مأخوذ من كون الإنسان يجرد الأمور العقلية الكلية عن الأمور الحسية المعينة، فإنه إذا رأى أفراداً للإنسان كزيد وعمرو عقل قدراً مشتركاً بين الأناسى وبين الإنسانية الكلية المشتركة المعقولة في قلبه. وإذا رأى الخيل والبغال والحمير وبهيمة الأنعام وغير ذلك من أفراد الحيوان عقل من ذلك قدراً كلياً مشتركاً بين الأفراد وهي الحيوانية الكلية المعقولة . وإذا رأى مع ذلك الحيوان والشجر والنبات عقل من ذلك قدراً مشتركاً كلياً وهو الجسم النامي المغتذي، وقد يسمون ذلك النفس النباتية. وإذا رأى مع ذلك سائر الأجسام العلوية الفلكية والسفلية العنصرية عقل من ذلك قدراً مشتركاً كلياً هو الجسم العام المطلق ، وإذا رأى ما سوى ذلك من الموجودات عقل من ذلك قدراً مشتركاً كلياً وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم إلى جوهر وعرض ، وهذا الوجود هو عندم موضوع ((العلم الأعلى)) الناظر في الوجود ولواحقه، وهي ((الفلسفة الأولى)) و((الحكمة العليا)) عندم. وهم يقسمون الوجود: إلى جوهر وعرض والأعراض يجعلونها ((تسعة أنواع )) هذا هو الذي ذكره أرسطو وأتباعه يجعلون هذا من جملة المنطق؛ لأن فيه المفردات التى تنتهى إليها الحدود المؤلفة وكذلك من سلك سبيلهم ممن صنف فى هذا الباب كابن حزم وغيره . وأما ابن سينا وأتباعه فقالوا: ((الكلام فى هذا لا يختص بالمنطق)) ٢٧٤ فأخرجوها منه وكذلك من سلك سبيل ابن سينا كأبى حامد والسهروردي المقتول والرازي والآمدي وغيرم. وهذه هي((المقولات العشر)) التى يعبرون عنها بقولهم: الجوهر ، والكم، والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والوضع، والملك ، وأن يفعل ، وأن ينفعل ، وقد جمعت فى بيتين وهي : في داره بالأمس كان متكي زيد الطويل الأسودان مالك فهذه عشر مقولات سوا فى يده سيف نضاه فانتضا وأكثر الناس من أتباعه وغير أتباعه أنكروا حصر الأعراض فى تسعة أجناس وقالوا : إن هذا لا يقوم عليه دليل. ويثبتون إمكان ردها إلى ثلاثة وإلى غير ذلك من الأعداد. وجعلوا الجواهر ((خمسة أنواع)): الجسم والعقل والنفس ، والمادة ، والصورة . فالجسم جوهر حسي . والباقية جواهر عقلية؛ لكن ما يذكرونه من الدليل على إثبات الجواهر العقلية إنما يدل على ثبوتها في الاذهان لا فى الأعيان . وهذه التى يسمونها ((المجردات العقلية)) ويقولون: الجواهر تنقسم إلى ماديات، ومجردات، فالماديات القائمة بالمادة وهي الهيولى وهي الجسم، والمجردات هي المجردات عن المادة ، وهذه التى يسمونها المجردات أصلها هي هذه الأمور ٢٧٥ الكلية المعقولة فى نفس الإنسان ، كما أن المفارقات أصلها مفارقة النفس البدن، وهذان أمران لا ينكران ؛ لكن ادعوا فى صفات النفس وأحوالها أموراً باطلة وادعوا أيضا ثبوت جواهر عقليه قائمة بأنفسها ويقولون فيها: العاقل ، والمعقول والعقل شيء واحد ، كما يقولون: مثل ذلك فى رب العالمين. فيقولون: هو عاقل ومعقول وعقل ، وعاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ ولذة . ويجعلون الصفة عين الموصوف ، ويجعلون كل صفة هي الأخرى ، فيجعلون نفس العقل الذي هو العلم نفس العاقل العالم ، ونفس العشق الذي هو الحب نفس العاشق المحب، ونفس اللذة هي نفس العلم ونفس الحب ، ويجعلون القدرة والإرادة هي نفس العلم ، فيجعلون العلم هو القدرة وهو الإرادة وهو المحبة وهو اللذة، ويجعلون العالم المريد المحب الملتذ هو نفس العلم الذي هو نفس الإرادة وهو نفس المحبة وهو نفس اللذة فيجعلون الحقائق المتنوعة شيئاً واحداً، ويجعلون نفس الصفات المتنوعة هي نفس الذات الموصوفة، ثم يتناقضون فيثبتون له علما ليس هو نفس ذاته، كما تناقض ابن سينا فى إشاراته. وغيره من محققيهم، وبسط الكلام فى الرد عليهم بموضع آخر . والمقصود أنهم يعبرون بلفظ العقل عن جوهر قائم بنفسه ، ويثبتون جواهر عقلية يسمونها المجردات والمفارقات للمادة ، وإذا حقق الأمر عليهم لم يكن عنده غير نفس الإنسان التى يسمونها الناطقة وغير ما يقوم بها من المعنى الذي يسمى عقلا . ٢٧٦ وكان أرسطو وأتباعه يسمون ((الرب)) عقلا وجوهراً، وهو عندم لا يعلم شيئاً سوى نفسه ولا يريدشيئا ولا يفعل شيئاً، ويسمونه (المبدأ) و ((العلمة الأولى)) لأن الفلك عندهم متحرك للتشبه به أو متحرك للشبه بالعقل، فحاجة الفلك عندج إلى العلة الأولى من جهة أنه متشبه بها كما يتشبه المؤتم بالإمام والتلميذ بالأستاذ. وقد يقول: إنه يحركه كما يحرك المعشوق عاشقه، ليس عندم أنه أبدع شيئاً ولا فعل شيئاً ، ولا كانوا يسمونه واجب الوجود، ولا يقسمون الوجود إلى واجب وممكن ، ويجعلون الممكن هو موجوداً قديماً أزلياً كالفلك عنده . وإنما هذا فعل ابن سينا وأتباعه وم خالفوا في ذلك سلفهم وجميع العقلاء وخالفوا أنفسهم أيضا فتناقضوا؛ فإنهم صرحوا بما صرح به سلفهم وسائر العقلاء من أن الممكن الذي يمكن أن يكون موجوداً وأن يكون معدوماً، لا يكون إلا محدثاً مسبوقا بالعدم. وأما الأزلي الذي لم يزل ولا يزال فيمتنع عندم وعندسائر العقلاء أن يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم، بل كل ماقبل الوجود والعدم لم يكن إلا محدثاً، وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله فهو محدث مسبوق بالعدم كان بعد أن لم يكن ، كما بسط فى موضعه . لكن ابن سينا ومتبعوه تناقضوا فذكروا فى موضع آخر أن الوجود ينقسم إلى : واجب ، وممكن . وأن الممكن قد يكون قديماً أزلياً لم يزل ولا يزال يمتنع ٢٧٧ عدمه، ويقولون: هو واجب بغيره وجعلوا الفلك من هذا النوع؛ فخرجواعن إجماع العقلاء الذين وافقوم عليه فى إثبات شيء ممكن يمكن أن يوجد وألا يوجد وأنه مع هذا يكون قديماً أزلياً أبدياً ممتنع العدم واجب الوجود بغيره فإن هذا ممتع عند جميع العقلاء . وذلك بين فى صريح العقل لمن تصور حقيقة الممكن الذي يقبل الوجود والعدم كما بسط فى موضعه . وهؤلاء المتفلسفة إنما تسلطوا على المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم ؛ لأن هؤلاء لم يعرفوا حقيقة ما بعث الله به رسوله. ولم يحتجوا لما نصروه بحجج صحيحة فى المعقول . فقصر هؤلاء المتكلمون فى معرفة السمع والعقل . حتى قالوا : إن الله لم يزل لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بمشيئته ، ثم ٨ حدث ما حدث من غير يجدد سبب حادث ، وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلماً بمشيئته ثم حدث ما حدث من غير تجدد سبب حادث ، وزعموا دوام امتناع كون الرب متكلما بمشيئته فعالاً لما يشاء ؛ لزعمهم امتناع دوام الحوادث ثم صار أئمتهم كالجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف إلى امتناع دوامها فى المستقبل والماضي ، فقال الجهم : بفناء الجنة والنار ، وقال أبو الهذيل: بفناء حركاتها ، وأنهم يبقون دائماً فى سكون ، ويزعم بعض من سلك هذه السبيل أن هذا هو مقتضى العقل ، وأن كل ماله ابتداء فيجب أن يكون له انتهاء . ولما رأوا الشرع قد جاء بدوام نعيم أهل الجنة كما قال تعالى: (أُكُلُهَا ٢٧٨ دَابِعٌ وَظِلُّهَا ) وقال: ( إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن ◌َّفَادٍ ) ظنوا أنه يجب تصديق الشرع فيما خالف فيه أهل العقل ، ولم يعلموا أن الحجة العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة ، بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة سواء كانت عقلية أو سمعية أو سمعية وعقلية . بل إذا تعارضت حجتان دل على فساد إحداهما أو فسادهما جميعاً . وصار كثير منهم إلى جواز دوام الحوادث فى المستقبل دون الماضي ، وذكروا فروعاً عرف حذاقهم ضعفها كما بسط في غير هذا الموضع ، وهو لزومهم أن يكون الرب كان غير قادر ثم صار قادراً من غير تجدد سبب يوجب كونه قادراً ، وأنه لم يكن يمكنه أن يفعل ولا يتكلم بمشيئته ثم صار الفعل ممكنا له بدون سبب يوجب تجدد الإمكان . وإذا ذكر لهم هذا قالوا: كان فى الأزل قادراً على مالم يزل ، فقيل لهم : القادر لا يكون قادراً مع كون المقدور ممتنعاً ، بل القدرة على الممتنع ممتنعة ، وإنما يكون قادراً على ما يمكنه أن يفعله ، فإذا كان لم يزل قادراً فلم يزل يمكنه أن يفعل . ولما كان أصل هؤلاء هذا صاروا فى كلام الله على ثلاثة أقوال. ( فرقة) قالت : الكلام لا يقوم بذات الرب بل لا يكون كلامه إلا مخلوقا ؛ لأنه إما قديم وإما حادث ، ويمتنع أن يكون قديماً لأنه متكلم بمشيئته وقدرته ، والقديم لا يكون بالقدرة والمشيئة ، وإذا كان الكلام ٢٧٩ بالقدرة والمشيئة كان مخلوقاً لا يقوم بذاته ، إذلو قام بذاته كانت قد قامت به الحوادث ، والحوادث لا تقوم به ، لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث . قالوا: إذ بهذا الأصل أثبتنا حدوث الأجسام، وبه ثبت حدوث العالم.قالوا : ومعلوم أن مالم يسبق الحادث لم يكن قبله إما معه وإما بعده . وما كان مع الحادث أو بعده فهو حادث . وكثير منهم لم يتفطن للفرق بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين، فإن الحادث المعين والحوادث المحصورة يمتنع أن تكون أزلية دائمة ، وما لم يكن قبلها فهو إما معها وإما بعدها ، وما كان كذلك فهو حادث قطعاً. وهذا لا يخفى على أحد . ولكن موضع النظر والنزاع (نوع الحوادث)). وهو أنه هل يمكن أن يكون النوع دائماً. فيكون الرب لا يزال يتكلم أو يفعل بمشيئته وقدرته أم يمتنع ذلك؟ فلما تفطن لهذا الفرق طائفة قالوا : وهذا أيضاً ممتنع لامتناع حوادث لا أول لها ، وذكروا على ذلك حججاً كحجة التطبيق، وحجة امتناع انقضاء مالا نهاية له وأمثال ذلك. وقد ذكر عامة ماذكر فى هذا الباب وما يتعلق به فى مواضع غير هذا الموضع ، ولكل مقام مقال . وأولئك المتفلسفة لما رأوا أن هذا القول مما يعلم بطلانه بصريح العقل ، وأنه يمتنع حدوث الحوادث بدون سبب حادث ، ويمتنع كون الرب بصير فاعلا بعد ٢٨٠