النص المفهرس

صفحات 241-260

( الثانى ) : أن أمتنا أهل الإسلام مازالوا يزنون بالموازين العقلية . ولم
يسمع سلفاً بذكر هذا المنطق اليونانى. وإنما ظهر في الإسلام لما عربت
الكتب الرومية فى عهد دولة المأمون أو قريباً منها .
( الثالث ) أنه ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه ، يعيبونه
ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله فى موازينهم العقلية والشرعية. ولا
يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية ، وإلا فالمعانى
العقلية مشتركة بين الأمم ، فإنه ليس الأمر كذلك ؛ بل فيه معانٍ
كثيرة فاسدة .
ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التى هي الأقيسة العقلية . وزعموا
أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره. وليس الأمر كذلك
فإنه لو احتاج الميزان إلى ميزان، لزم التسلسل .
و ( أيضاً ) فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي ، وإن
كانت بليدة أو فاسدة لم يزدها المنطق إلا بلادة وفساداً. ولهذا يوجد عامة
من يزن به علومه، لا بد أن يتخبط ولا يأتى بالأدلة العقلية على الوجه المحمود
ومتى أتى بها على الوجه المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز
والتطويل، وتبعيد الطريق، وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط.
فإنهم إذا عدلوا عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية وضعوا
٢٤١

ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا، حصل بها من الضلال ما هو ضد
المقصود من الموازين . وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة. وكانوا فيها
( الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْعَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوهُمْ
من المطففين :
يُخِرُونَ ) وأين البخس فى الأموال من البخس في العقول والأديان؟!، مع أن
أكثرهم لا يقصدون البخس ،بل هم بمنزلة من ورث موازين من أبيه يزن بها
تارة له ، وتارة عليه . ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة .
والميزان التى أنزلها الله مع الكتاب ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء
مثله ، وخلافه . فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين ، بما جعله الله فى
فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف .
فإذا قيل : إن كان هذا مما يعرف بالعقل . فكيف جعله الله مما أرسل
به الرسل .
قيل : لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التى يعرفون بها
التماثل والاختلاف. فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى مابه يعرفون
العدل ، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التى يستدل بها على المطالب
الدينية . فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر ، بل الرسل صلوات الله
عليهم بينت العلوم العقلية التى بها يتم دين الله علماً وعملاً. وضربت الأمثال
فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها، لما كانت الفطرة معرضة عنه ،
٢٤٢

أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة
فأزالت ذلك الفساد. والقرآن والحديث مملوءان من هذا ، يبين الله الحقائق
بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة . ويبين طريق التسوية بين المتماثلين ،
والفرق بين المختلفين. وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: ( أَمْ حَسِبَ
الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ)
الآية
وقوله :
(أَفَتَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَأْمُجْرِمِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَحْكُمُونَ )
أي هذا
حكم حائر لا عادل ، فإن فيه تسوية بين المختلفين. ومن التسوية بين المتماثلين
قوله: (أَكُفَارُ كُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَّكُمْ) وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا
يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُم ) الآية .
و (المقصود) التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر الله فى كتابه.
وليس هو مختصا بمنطق اليونان ، بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية
بين المتماثلين والفرق بين المختلفين ، سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول
أو بصيغة قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الأصل وهي الحمل والميزان هو القدر المشترك
وهو الجامع.
( الوجه الثامن ): أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه
فى المادة التى ذكروها من القضايا: الحسيات، والأوليات، والمتواترات،
والمجربات. والحدسيات . ومعلوم أنه لا دليل على نفي ماسوى هذه القضايا
ثم مع ذلك إنما اعتبروا فى الحسيات والعقليات وغيرها ماجرت العادة باشتراك
٢٤٣

بنى آدم فيه وتناقضوا في ذلك؛ فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم فى بعض
المرئيات وبعض المسموعات، فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب
ويرون جنس السحاب والبرق ، وإن لم يكن ما يراه هؤلاء عين ما يراه
هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد، وأما ما يسمعه بعضهم من
كلام بعض وصوته، فهذا لايشترك بنو آدم فى عينه، بل كل قوم يسمعون
مالم يسمع غيرم ، وكذا أكثر المرئيات .
وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس فى شيء
معين فيه ، بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ، ليس هو الذي
بشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء . لكن قد يتفقان فى الجنس لا فى العين .
وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فإنه قد يتواتر عند هؤلاء
ويجرب هؤلاء مالم يتواتر عند غيرهم ويجربوه. ولكن قد يتفقان فى الجنس
كما يجرب قوم بعض الأدوية ، ويجرب آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق فى
معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب .
ثم ثم مع هذا يقولون فى المنطق : إن المتواترات والمجربات والحدسيات
تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره .
فيقال لهم؛ وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات، بل اشتراك
٢٤٤

الناس فى المتواترات أكثر، فإن الخبر المتواتر ينقله عدد كثير ، فيكثر
السامعون له، ويشتركون فى سماعه من العدد الكثير ، بخلاف ما يدرك
بالحواس ، فإنه يختص بمن أحسه ، فإذا قال : رأيت أو سمعت أو ذقت أو
لمست أو شممت، فكيف يمكنه أن يقيم من هذا برهاناً على غيره . ولو قدر
أنه شاركه فى تلك الحسيات عدد، فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرم أحسها
ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر .
وعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم بعادة
ذلك الموجود، وهو ما يسمونه ((الحدسيات)) وعامة ما عندهم من العلوم
العقلية الطبيعية، والعلوم الفلكية ، كعلم الهيئة ، فهو من قسم المجربات وهذه
لايقوم فيها برهان، فإن كون هذه الأجسام الطبيعية جربت ، وكون
الحركات جربت، لايعرفه أكثر الناس إلا بالنقل . والتواتر في
هذا قليل .
وغاية الأمر أن تنقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل
الحساب . وغاية مايوجد . أن يقول بطليموس: هذا مما رصده فلان ،
وأن يقول جالينوس : هذا مما جربته ، أو ذكر لي فلان أنه جربه ، وليس فى
هذا شيء من المتواتر. وإن قدر أن غيره جربه أيضا ، فذاك خبر واحد
وأكثر الناس لم يجربوا جميع ماجربوه، ولا علموا بالأرصاد ما ادعوا أنهم
٢٤٥

علموه. وإن ذكروا جماعة رصدوا، فغايته أنه من المتواتر الخاص الذي
تنقله طائفة.
فمن زعم أنه لايقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء ، كيف يمكنه أن
يقيم على غيره برهاناً بمثل هذا التواتر؟! ويعظم على الهيئة والفلسفة ، ويدعي
أنه علم عقلي معلوم بالبرهان. وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم
هذا حاله، فما الظن بالإلهيات التى إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو
وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب
العالمين، وأن كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بهذه الأمور .
( الوجه التاسع) : أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام
ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه، بل الفراسة أيضاً وأمثالها . فإن
أدخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات، لم يمكنهم تفي مالم يذكروه
ولم يبق لهم ضابط وقد ذكر ابن سينا وأتباعه : أن القضايا الواجب قبولها
التى هي مادة البرهان : الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات
وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها ، ولم يذكروا دليلاً على هذا الحصر
ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة
دليل عليه. وإذا كان كذلك ، لم يلزم أن كل مالم يدخل فى قياسهم لا يكون
معلوما . وحينئذ فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ ، فإنه
٢٤٦

إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذا الطريق ، لم يمكن وزنها
بهذه الأدلة .
وعامة هؤلاء المنطقيين يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم، وهذا فى
غاية الجهل. لاسيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء .
فإذا كان أشرف العلوم لاسبيل إلى معرفته بطريقهم لزم أمران :
(أحدهما): أن لاحجة لهم على ما يكذبون به مما ليس فى قياسهم
دليل عليه .
و ( الثاني ): أن ماعلموه خسيس بالنسبة إلى ماجهلوه ، فكيف إذا
علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة ؟!
( الوجه العاشر ) : أنهم يجعلون ماهو علم يجب تصديقه ليس علما ،
وما هو باطل وليس بعلم، يجعلونه علما . فزعموا أن ما جاءت به الأنبياء فى
معرفة الله وصفاته والمعاد لاحقيقة له فى الواقع، وأنهم إنما أخبروا الجمهور بما
يتخيلونه فى ذلك، لينتفعوا به فى إقامة مصلحة دنياه ، لاليعرفوا بذلك الحق
وأنه من جنس الكذب لمصلحة الناس ، ويقولون إن النبى حاذق بالشرائع
العملية دون العلمية . ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبى . وعلى نبينا
عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يوجبون اتباع نبى بعينه لا محمد ولا
٢٤٧

غيره. ولهذا لما ظهرت التتار ، وأراد بعضهم الدخول فى الإسلام قيل: إن
((هولا كو)) أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لايفعل، قال : ذاك
لسانه عربي ولا يحتاجون إلى شريعته .
ومن تبع النبي منهم فى الشرائح العملية لا يتبعه فى أصول الدين والاعتقاد؛
بل النبي عندم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة عند المتكلمين، فإن أمة الكلام إذا
قلدوا مذهباً من المذاهب الأربعة اقتصروا في تقليده على القضايا الفقهية ، ولا
يلتزمون موافقته فى الأصول ومسائل التوحيد. بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين
أفضل منهم فى ذلك .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بأسمائه وصفاته المعينة. وعن
الملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار ، وليس فى ذلك شيء يمكن معرفته
بقياسهم. وكذا أخبر عن أمور معينة مما كان وسيكون ، وليس شيء من ذلك
يمكن معرفته بقياسهم : لا البرهاني ولا غيره، فإن أقيستهم لا تفيد إلا أموراً
كلية، وهذه أمور خاصة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بما يكون من الحوادث
المعينة حتى أخبر عن التتر الذين جاءوا بعد ستمائة سنة من إخباره، وكذلك
عن النار التى خرجت قبل مجيء التترسنة خمس وخمسين وستمائة هـ. فهل يتصور أن
قياسهم وبرهانهم يدل على آدمي معين أو أمة معينة ، فضلاً عن موصوف
بالصفات التى ذكرها؟.
٢٤٨

ثم من بلايام وكفرياتهم أنهم قالوا: إن الباري - تعالى -
لا يعلم الجزئيات ، ولا يعرف عين موسى وعيسى ولا غيرها، ولا
شيئاً من تفاصيل الحوادث . والكلام والرد عليهم فى ذلك مبسوط
فى موضعه .
والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم يقولون من الجهل والكفر ماهو فى غاية
الضلال. فراراً من لازم ليس لهم قط دليل على نفيه.
( الوجه الحادي عشر) : أنهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة
كالجوع والألم واللذة . ونفوا وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض
الناس كالملائكة والجن ، وما تراه النفس عند الموت . والكتاب والسنة
ناطقان بإثبات ذلك . ولبسط هذه الأمور موضع آخر . وإنما المقصود أن
ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفي ما لم يعلم نفيه ،
أوجب لهم من الجهل والكفر ما صار حاجباً ، وأنهم به أسوأ حالاً من
كفار اليهود والنصارى.
( الوجه الثاني عشر): أن يقال: كون القضية ((برهانية)) معناه عنده أنها
معلومة للمستدل بها، وكونها ((جدلية)) معناه كونها مسلمة، وكونها
((خطابية)) معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة. وجميع هذه الفروق
هي نسب وإضافات عارضة للقضية ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها ، فضلاً
٢٤٩

عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم . بل ليس فيها ما هو صفة لها فى نفسها ،
بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها . ومعلوم أن القضية قد
تكون حقاً ، والإنسان لا يشعر بها ؛ فضلاً عن أن يظنها أو يعلمها .
وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهي حق فى نفسها ، بل تكون برهانية
أيضاً كما قد سلموا ذلك . وإذا كان كذلك، فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا
بالقضايا التى هي حق فى نفسها ، لا تكون كذباً باطلاً قط . وبينوا من الطرق
العلمية التى يعرف بها صدق القضايا ما هو مشترك. فينتفع به جنس بني آدم،
وهذا هو العلم النافع للناس.
وأما هؤلاء المتفلسفة فإ يسلكوا هذا المسلك. بل سلكوا في القضايا
الأمر النسبى فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل، وغير ذلك لم يجعلوه
برهانياً ، وإن عامه مستدل آخر . وعلى هذا فيكون من البرهانيات عند إنسان
وطائفة ، ما ليس من البرهانيات عند آخرين . فلا يمكن أن تحد القضايا العالمية
بحد جامع، بل تختلف باختلاف أحوال من علمها ومن لم يعلمها حتى أن أهل
الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التى يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم ، وحينئذ
فيمتنع أن تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب
باعتبار ما هو الأمر عليه فى نفسه عند أهل كل صناعة من الحق والباطل ،ومن
الصدق والكذب . ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين ؛ بخلاف
طريقة الأنبياء ، فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التى تفرق بين الحق والباطل
٢٥٠

والصدق والكذب ، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب ، وكل ما ناقض
الحق فهو باطل ، فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكماً بين الناس فيما
اختلفوا فيه . وأنزل أيضاً الميزان وما يوزن به ، ويعرف به الحق من الباطل.
ولكل حق ميزان يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون ، فإنه لا يمكن
أن يكون هادياً للحق ، ولا مفرقاً بين الحق والباطل ، ولاهو ميزان يعرف به
الحق من الباطل .
وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقاً لما جاءت به الأنبياء، فهو منه .
وما خالفه فهو من البدع الباطلة شرعاً وعقلاً .
فإن قيل : نحن تجعل البرهانيات إضافية. فكل ما علمه الإنسان بمقدماته
فهو برهاني عنده، وإن لم يكن برهانياً عند غيره.
قيل : لم يفعلوا ذلك، فإن من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان فى
أشياء معينة، مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخرى بغير تلك
المواد المعينة التى عينوها . وإذا قالوا : نحن لا نعين المواد ، فقد بطل أحد أجزاء
المنطق وهو المطلوب .
(الوجه الثالث عشر): أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم
الحاصل لبني آدم .. مع أن الأمر ليس كذلك وقد علم الناس إما بالحس وإما
٢٥١

بالعقل وإما بالأخبار الصادقة معلومات كثيرة، لا تعلم بطرقهم التى ذكرها.
ومن ذلك ما علمه الأنبياء صلوات الله عليهم من العلوم - أرادوا إجراء ذلك
على قانونهم الفاسد .
فقالوا : النبى له قوة أقوى من قوة غيره. وهو أن يكون بحيث ينال الحد
الأوسط من غير تعليم معلم ، فإذا تصور ، أدرك بتلك القوة الحد الذي قد يتعسر
أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم؛ لأن قوى الأنفس فى الإدراك غير
محدودة . فجعلوا ما يخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة
القياس المنطقي ، وهذا فى غاية الفساد . فإن القياس المنطقي إنما تعرف
به أمور كلية كما تقدم، وهم يسلمون ذلك ، والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية
جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة ، فعلم بذلك أن ما علمته الرسل لم يكن بواسطة
القياس المنطقي. بل جعل ابن سينا علم الرب بمفعولاته فى هذا الباب، تعالى الله
عن قوله علواً كبيراً .
وقد تبين بما تقرر ، فساد ما ذكروه فى المنطق من حصر طريق العلم:
مادة وصورة، وتبين أنهم أخرجوا من العلوم الصادقة أجل وأعظم وأكثر مما
أثبتوه، وأن ما ذكروه من الطريق إنما يفيد علوماً قليلة خسيسة لا كثيرة ولا
شريفة . وهذه مرتبة القوم؛ فإنهم من أخس الناس علماً وعملا . وكفار
اليهود والنصارى أشرف علماً وعملاً منهم من وجوه كثيرة . والفلسفة
كلها لا يصير صاحبها فى درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل ،
٢٥٢

فضلاً عن درجتهم قبل ذلك . وقد أنشد ابن القشيري فى الرد على
(الشفاء)) لابن سينا : .
بهم مرض من كتاب الشفا
قطعنا الأخوة من معشر
شفا جرف من كتاب الشفا
وكم قلت : ياقوم ! أنتم على
رجعنا إلى الله حتى كفى
فلما استهانوا بتنبيهنا
فماتوا على دين رسطالس
وعشنا على ملة المصطفى
فإن قيل : ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم ، يوجد
نحو منه فى كلام متكلمي المسلمين . بل منهم من يذكره بعينه إما بعباراتهم،
وإما بتغيير العبارة.
فالجواب : أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقاً . بل كل ما جاءت
به الرسل فهو حق . وما قاله المتكلمون وغيرم مما يوافق ذلك فهو
حق . وما قالوه مما يخالفه فهو باطل. وقد عرف ذم السلف والأئمة
لأهل الكلام المحدث.
قال : والعجب من قوم أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة
وأقيستهم الفاسدة . فكان ما فعلوه ، مما جرا الملحدين أعداء الدين
٢٥٣

عليه ، فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا . ثم من العجائب
أنهم يتركون اتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق.
ويعرضون عن تقليدهم ويقلدون ويساكنون مخالف ما جاءوا به من
يعلمون أنه ليس بمعصوم، وأنه يخطىء تارة ويصيب أخرى، والله
الموفق للصواب .
قال (( السيوطي)):
هذا آخر ما لخصته من كتاب ابن تيمية. وقد أوردت عبارته بلفظه من
غير تصرف فى الغالب. وحذفت من كتابه الكثير، فإنه فى عشرين كراساً . ولم
أحذف من المهم شيئاً ولله الحمد والمنة .
٢٥٤

قال شيخ الإسلام
قدس الله روحه
فى ضبط كليات ((المنطق)) والخلل فيه .
بنوه على أن مدارك العلم منحصرة فى (الحد)) وجنسه من الرسم ونحوه وفى القياس
ونحوه من الاستقراء والتمثيل؛ لأن العلم: إما ((تصور)، وهو معرفة المفردات، وإما
(تصديق)) وهو العلم بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، وكل من العلمين :
إما ((بديهي) لا يحتاج إلى طريق، وإما ((نظري)) مفتقر إلى الطريق، وطريق
التصور هو ((الحد)) وطريق التصديق هو ((القياس))، الذي يسمونه البرهان-
إن كانت مقدماته بقينية .
ثم قالوا: ((الحد)) هو القول الدال على ماهية الشيء، وإن كان يراد
به نفس المحدود ، كما أن الاسم هو القول الدال على المسمى ويراد به المسمى،
٢٥٥

إذ المفهوم من الحد والاسم هو المحدود والمسمى، كما أن ((الماهية)) هي المقولة فى
جواب ما هو، ويعبر عنها بأنها جواب ما يقال في السؤال بصيغة ما هو، فتكون
المساهية هي الحد وهي ذات الشيء أيضاً. وهذه المصادر المشتقة من الجمل
الاستفهامية مولدة مثل الماهية والمائية والكيفية والحيثية والأينية واللمية
بمنزلة المصادر من الجمل الخبرية كالحولقة والقلحدة والبسملة والحمدلة
ونحو ذلك .
ثم قالوا: ((الماهية)) مركبة من الصفات الذاتية، وتكلموا على الفرق بين
٨
الصفات الذاتية والعرضية بأن ((الذاتية)) هي التى يمتنع تصور الموصوف الا بتصورها
فالذات متوقفة عليها في الوجود والذهن كالتجسيم للحيوان ، وما ليس كذلك
فهو ((العرضي)).
ثم هو ينقسم : إلى لازم وعارض مفارق ، واللازم : إما لازم للماهية
كالزوجية للأربعة ، والفردية للثلاثة وإما لازم لوجودهادون ماهيتها كالسواد
للقار ، والحدوث للحيوان .
والعارض المفارق إما بطيء الزوال كالشباب والمشيب ، وإما سريع
الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، والمشكل هو الفرق بين الذاتي
واللازم للماهية؛ فان كلاهما لا يفارق الذات ، لا فى الوجود العينى ولا الذهني،
٢٥٦

ففرقوا بينهما بأن الذاتى يسبق تصوره تصور الماهية ، بحيث لاتفهم الذات بدونه
بخلاف لازم الماهية .
ثم كل من الذاتي والعرضي: إما أن يشترك فيه الجنس، وهو الجنس العام
والعرض العام ، وإما ينفرد به نوع وهو الفصل والخاصة ، وإما أن يجمع
بين المشترك والمميز وهو النوع، فهذه ((الكليات الخمس)) الجنس والفصل
والنوع والخاصة والعرض العام . فالكلام فى هذه الصفات وأقسامها غالب
منفعته فى الحدود والحقائق ، وأما القياس فإنه قول مؤلف من أقوال إذا سلمت
لزم عنها لذاتها قول آخر، ولا بدفيه من مقدمتين و((المقدمة)) هي القضية
وهي الجملة الخبرية ولا بد فيها من مفردين ، فكان الكلام فيه فى ثلاث
مراتب :
( الأولى) الكلام فى المفردات ألفاظها ومعانيها لدلالة المطابقة والتضمن
والالتزام ، والأسماء المترادفة والمتباينة والمشتركة والمتواطئة والمفردة والمركبة
والكلي والجزئى.
و ((المرتبة الثانية)) الكلام فى القضايا وأقسامها : من الخاص والعام
والمطلق ، والإيجاب والسلب وجهات القضايا ، وفى أحكام القضايا : مثل
كذب النقيض وصدق العكس وعكس النقيض .
٢٥٧

و ((المرتبة الثالثة)): الكلام فى القياس وضرو به وشروط نتاجه من أنه
لا بد فيه من قضية عامة إيجابية وأن النتاج لا يحصل عن سالبتين ولا خاصيتين
جزئيتين ولا سالبة صغرى وجزئية كبرى ، بل أما موجبتان فيها كلية، واما
صغرى سالبة وكبرى جزئية وغير ذلك من أحكام صور القياس وأنواعه التى
تتبين ببرهان الخلف المردود إلى حكم نقيض القضية، أو بالرد إلى عكس
القضية أو عكس نقيضها .
ثم بينوا بعد ذلك مواد القياس فقسموه: إلى ((برهاني)) وهو ما كانت
مواده يقينية ، وحصروا اليقينيات فيماذكروه من الحسيات الباطنة والظاهرة
والبديهيات والمتواترات والمجربات ، وزاد بعضهم الحدسيات.
وإلى ((خطابى)): وهو ما كانت مواده مشهورة بقينية ، أو غير يقينية .
وإلى ((جدلي)): وهو ما كانت مواده مسلمة من المنازع، يقينية أو
مشهورة أو غير ذلك .
وإلى ((شعري)»: وهو ما كانت مواده مشعوراً بها غير معتقدة كالمفرحة
والمخزنة والمضحكة .
وإلى «مغلطي سوفسطاتي)) وهو ما كانت مواده مموهة بشبه الحق.
٢٥٨

فصل
الناس فى مسمى القياس على ثلاثة أقوال :
(أحدها ) أنه حقيقة فى التمثيل مجاز فى الشمول ، وهو قول الغزالى
وأبى محمد .
و (الثاني ) : العكس وهو قول ابن حزم .
و ((الثالث)): أنه حقيقة فيها ، وهو الأصح الذي عليه الجمهور ، فإن
القياس عند أصحابنا والجمهور ينقسم إلى : عقلي وهو ما يكتفى فيه بالعقل ،
وإلى شرعي وهو ما لابد فيه من أصل معلوم بالشرع .
وكل من العقلي والشرعي وكل ما يسمى قياساً ينقسم: إلى قياس تمثيل
وقياس شمول . فالأول إلحاق الشيء بنظيره ، والثاني إدخال الشيء تحت
حكم المعنى العام الذي يشمله، ثم كل منها متصل بالآخر ؛ لأنه لا بد بين
المثلين من معنى مشترك يكون شاملا لهما ، ولا بد فى المعنى الشامل لاثنين
فصاعداً من تسوية أحد الاثنين بالآ خر فى ذلك المعنى ، فالقياس ثابت فيها
وهو التقدير والاعتبار والحسبان .
٢٥٩

فصل
الفساد في المنطق : فى البرهان وفى الحد .
أما (( البرهان)) فصورته صورة صحيحة وإذا كانت مواده صحيحة فلاريب
أنه يفيد علماً صحيحاً لكن الخطأ من وجهين :
(أحدهما ) : أن حصر مواده فيما ذكروه من الأجناس المذكورة لا
دليل عليه ألبتة، فأصابوا فيما أثبتوه دون ما نفوه فمن أين يحكم بأنه لايقين إلا من
هذه الجهات المعينة ، فإن رجع فيه الإنسان إلى ما يجده من نفسه فمن أين له
أن سائر النوع حتى الأنبياء والأولياء لا يحصل لهم يقين بغير ذلك ، ثم الواقع
خلاف ذلك .
(الثاني) أن هذا البرهان يفيد العلم ، لكن من أين علم أنه لا يحصل
لقلب بشر على إلا بهذا البرهان الموصوف بل قد رأينا علوما كثيرة هي لقوم
ضرورية أو حسية ، ولآخرين نظرية قياسية، فلهذا كذبوا بما لم يحيطوا
بعلمه ، وهو ما حصل من العلوم بغير هذه المواد المحصورة ، أو بغير قياس
أصلا بل زعم أفضل المتأخرين منهم أن علوم الأنبياء والأولياء لا تحصل إلا
٢٦٠