النص المفهرس

صفحات 61-80

كذلك؟. وذلك أن الحس والحركة الإرادية إما أن توجد للجسم أو النفس .
فإن الجسم يحس ويتحرك بالإرادة ، والنفس بحس وتتحرك بالإرادة ، وإن
كان بين الوصفين من الفرق ما بين الحقيقتين . وكذلك النطق هو للنفس
بالتمييز والمعرفة ، والكلام النفسانى ، وهو للجسم أيضاً بتمييز القلب ومعرفته
والكلام اللساني. فكل من جسمه ونفسه يوصف بهذين الوصفين . وليست
حركة نفسه وإرادتها ومعرفتها ونطقها مثل ما للفرس ، وإن كان بينهما قدر
مشترك . وكذلك ما يقوم بجسمه من الحس والحركة الإرادية ليس مثل ما
للفرس ، وإن كان بينهما قدر مشترك. فان الذي بلاتم جسمه من مطعم ومشرب
وملبس ومنكح ومشموم ومرئي ومسموع. بحيث يحسه ويتحرك إليه حركة
إرادية ليس هو مثل ما للفرس .
فالحس والحركة الإرادية هي بالمعنى العام لجميع الحيوان ، وبالمعنى الخاص
ليس إلا للإنسان . وكذلك التمييز سواء. ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم:
(«أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن. وأصدق الأسماء: حارث وهمام
وأقبحها: حرب ومرة )) رواه مسلم .
فالحارث هو العامل الكاسب المتحرك . والهام هو الدائم الهم الذى
هو مقدم الإرادة . فكل إنسان حارث فاعل بإرادته ، وكذلك مسبوق
بإحساسه .
٦١

فحيوانية الإنسان ونطقه ، كل منهما فيه ما يشترك مع الحيوان فيه ، وفيه
ما يختص به عن سائر الحيوان ، وكذلك بناء بنيته . فإن نموه واغتذاءه وإن
كان بينه وبين النبات فيه قدر مشترك ، فليس مثله هو . إذ هذا يغتذى
بما يلذ به ويسر نفسه . وينمو بنمو حسه وحركته وهمه وحرثه . وليس
النبات كذلك .
وكذلك أصناف النوع وأفراده . فنطق العرب بتمييز قلوبهم وبيان
ألسنتهم أكمل من نطق غيرم ، حتى ليكون فى بني آدم من هو دون البهائم
فى النطق والتمييز . ومنهم من لا تدرك نهايته .
وهذا كله يبين أن اشتراك أفراد الصنف، وأصناف النوع، وأنواع الجنس
والأجناس السافلة فى مسمى الجنس الأعلى : لا يقتضى أن يكون المعنى المشترك
فيها بالسواء كما أنه ليس بين الحقائق الخارجة شىء مشترك، ولكن الذهن فهم معنى
يوجد فى هذا ويوجد نظيره فى هذا. وقد تبين أنه ليس نظيراً له على وجه
الماثلة، لكن على وجه المشابهة، وأن ذلك المعنى المشتركهو فى أحدهما على حقيقة
تخالف حقيقة ما فى الآخر .
ومن هنا يغلط القياسيون الذين يلحظون المعنى المشترك الجامع دون
الفارق المميز .
والعرب من أصناف الناس ، والمسلمون من أهل الأديان : أعظم الناس
٦٢

إدراكا للفروق ، وتميزاً للمشتركات . وذلك يوجد فى عقولهم ولغاتهم
وعلومهم وأحكامهم ولهذا لما ناظر متكلمو الإسلام العرب هؤلاء المتكلمة
الصابئة معجم الروم ، وذكروا فضل منطقهم وكلامهم على منطق أولئك وكلامهم:
ظهر رجحان كلام الإسلاميين كما فعله القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب
الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة كثيراً من مذاهبهم الفاسدة فى الأفلاك
والنجوم ، والعقول والنفوس : وواجب الوجود وغير ذلك . وتكلم على
منطقهم وتقسيمهم الموجودات ، كتقسيمهم الموجود إلى الجوهر والعرض ، ثم
تقسيم الأعراض إلى المقولات التسعة ، وذكر تقسيم متكلمة المسلمين الذي فيه
من التمييز والجمع والفرق ما ليس فى كلام أولئك .
وذلك أن اللّه على الإنسان البيان، كما قال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
*
خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) وقال تعالى: (وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وقال:
(عَلََّ الْإِنسَنَ مَالَمْيَعَمَ ) والبيان: بيان القلب واللسان، كما أن العمى والبكم
يكون فى القلب واللسان، كما قال تعالى: (صٌُ بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ )
وقال: ( صُّ بُكُمُ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم:
((هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال)) وفى الأثر: ((العي عي
القلب لاعي اللسان)) أو قال: ((شر العي عي القلب)) وكان ابن مسعود
يقول: ((إنكم فى زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه . وسيأتى عليكم زمان
قلیل فقهاؤه کثیر خطباؤه ».
٦٣

وتبين الأشياء للقلب ضد اشتباهها عليه ، كما قال صلى الله عليه وسلم:
((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات - الحديث)). وقد قرى.
قوله تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) بالرفع والنصب ، أي ولتقبين
أنت سبيلهم .
فالإنسان يستبين الأشياء. وم يقولون: قد بان الشيء ، وبينته ، وتبین
الشيء وتبينته، واستبان الشيء واستبنته ، كل هذا يستعمل لازماً ومتعدياً .
ومنه قوله تعالى: (إِن جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِبٍَ فَتَبَيَنُواْ) [و]١ هو هنا متعد. ومنه قوله:
(بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي متدينة. فهنا هو لازم. والبيان كالكلام، يكون مصدر
بان الشيء بيانا، ويكون اسم مصدر لبين، كالكلام والسلام لسلم وبين فيكون
البيان بمعنى تبين الشيء. ويكون بمعنى بينت الشيء : أي أوضحته . وهذا
هو الغالب عليه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من البيان لسحراً)).
والمقصود ببيان الكلام حصول البيان لقلب المستمع ، حتى يتبين له الشيء
ويستبين؛ كما قال تعالى: (هَذَابَيَانٌ لِلنَّاسِ) الآية. ومع هذا فالذى لايستبين
له كما قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ
ءَاذَانِهِمْ وَقَرٌوَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى) وقال ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال: ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِنَ
لَهُمْ ) وقال: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ) وقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ) وقال: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٦٤

تَضِلُّواْ ) وقال: (قُلْ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِى) الآية. وقال: ( أَفَمَنْكَانَ عَلَى
بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ) وقال: (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُرُ ءَايَاتٍ مُّبِيِّنَاتٍ) وقال: (يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ).
فأما الأشياء المعلومة التى ليس فى زيادة وصفها إلا كثرة كلام وتفيهق
ولشدق وتكبر، والإفصاح بذكر الأشياء التى يستقبح ذكرها: فهذا مما
ينهى عنه، كما جاء فى الحديث: ((إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي
يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها)) وفى الحديث: ((الحياء والعي شعبتان
من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)) ولهذا قال صلى الله عليه
وسلم: (( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مثنة من فقهه )). وفى حديث
سعد لما سمع ابنه أو لما وجد ابنه يدعو وهو يقول: ((اللهم إني أسألك الجنة
ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا ، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا
وكذا ، قال : يابني ! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول :
(سيكون قوم يعتدون في الدعاء؛ فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة
أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعدت من النار أعذت منها وما فيها
من الشر )).
وعامة الحدود المنطقية هي من هذا الباب : حشو لكلام کثیر، یبینون به
الأشياء؛ وهي قبل بيانهم أبين منها بعد بيانهم. فهي مع كثرة مافيها من تضيع
الزمان وإتعاب الفكر واللسان لا توجب إلا العمى والضلال، وتفتح باب
٦٥

المراء والجدال إذ كل منهم يورد على حد الآخر من الأسئلة ما يفسد به، ويزعم
سلامة حده منه، وعند التحقيق: تجدم متكافئين أو متقاربين، ليس لأحدم
على الآخر رجحان مبين، فإما أن يقبل الجميع أو يرد الجميع ، أو يقبل من
وجه [ ورد من وجه] .
هذا فى الحدود التى تشترك فى تمييز المحدود وفصله عما سواه ، وأما متى
أدخل أحدهما فى الحد ما أخرجه الآخر، أو بالعكس : فالكلام فى هذا علم
يستفاد به حد الاسم ومعرفة عمومه وخصوصه ، مثل الكلام فى حد الخمر :
هل هي عصير العنب المشتد ، أم هي كل مسكر؟ وحد الغيبة ونحو ذلك .
وهذا هو الذي يتكلم فيه العلماء، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما
الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره - الحديث)) وكذلك قوله: (( كل مسكر
خمر)) وقول عمر على المنبر: ((المر ما خاصر العقل)) وكذلك قوله صلى الله
عليه وسلم لما قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر،
فقال له رجل : يارسول الله: الرجل يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً،
أهمن الكبر ذلك؟ فقال: لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق
وغمط الناس )) ومنه تفسير الكلام وشرحه وبيانه .
فكل من شرح كلام غيره وفسره وبين تأويله، فلا بد له من معرفة
حدود الأسماء التى فيه .
٦٦

فكل ما كان من حد بالقول فإنما هو حد للاسم ، بمنزلة الترجمة والبيان.
فتارة يكون لفظاً محضاً إن كان المخاطب يعرف المحدود، وتارة يحتاج إلى
ترجمة المعنى وبيانه ، إذا كان المخاطب لم يعرف المسمى . وذلك يكون بضرب
المثل ، أو تركيب صفات، وذلك لا يفيد تصوير الحقيقة لمن لم يتصورها بغير
الكلام فليعلم ذلك.
وأما ما يذكرونه من حد الشيء، أو الحد بحسب الحقيقة، أو حد
الحقائق فليس فيه من التمييز إلا ذكر بعض الصفات التى للمحدود كما تقدم ،
وفيه من التخليط ماقد نبهنا على بعضه .
وأما ((مسألة القياس)) فالكلام عليه فى مقامين :
( أحدهما ) : فى القياس المطلق الذي جعلوه ميزان العلوم ، وحرروه
في المنطق .
و (الثاني ) : فى جنس الأقيسة التى يستعملونها فى العلوم .
أما ( الأول ): فنقول : لانزاع أن المقدمتين إذا كانتا معلومتين وألفتا
على الوجه المعتدل: أنه يفيد العلم بالنتيجة. وقد جاء في صحيح مسلم مرفوعا:
((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام))؛ لكن هذا لم يذكره النبي صلى الله
عليه وسلم ليستدل به على منازع ينازعه ، بل التركيب فى هذا كما قال أيضاً
٦٧

فى الصحيح: ((كل مسكر خمر وكل خمر حرام)) أراد أن يبين لهم أن جميع
المسكرات داخلة فى مسمى الخمر الذي حرمه الله . فهو بيان لمعنى الحمر ، وهم قد
علموا أن الله حرم الخمر وكانوا يسألونه عن أشربة من عصير العنب، كما
فى الصحيحين عن أبى موسى أنه صلى الله عليه وسلم: ((سئل عن شراب
يصنع من الذرة يسمى المزر ، وشراب يصنع من العسل يسمى البتع .
وكان قد أوتى جوامع الكلم ، فقال: كل مسكر حرام » . فأراد أن يبين
لهم بالكلمة الجامعة - وهي القضية الكلية - أن كل مسكر خمر . ثم
جاء بما كانوا يعلمونه من أن ((كل خمر حرام)) حتى يثبت تحريم المسكر فى
قلوبهم، كما صرح به فى قوله: ((كل مسكر حرام)) ولو اقتصر على
قوله: ((كل مسكر حرام » لتأوله متأول على أنه أراد القدح الأخير كما
تأوله بعضهم .
ولهذا قال أحمد: قوله ((كل مسكر خمر)) أبلغ . فإنهم لا يسمون
القدح الأخير خمراً. ولو قال: ((كل مسكر خمر ) فقط لتأوله بعضهم
على أنه يشبه الخمر فى التحريم فما زاد ((وكل خمر حرام )) علم أنه أراد
دخوله فى اسم الخمر التى حرمها الله .
والغرض هنا: أن صورة القياس المذكورة فطرية لاتحتاج إلى تعلم .
بل هي عند الناس بمنزلة الحساب ، ولكن هؤلاء يطولون
العبارات ويغربونها .
٦٨

وكذلك انقسام المقدمة التى تسمى ((القضية)) - وهي الجملة الخبرية -
إلى خاص وعام ، ومنفي ومثبت ونحو ذلك، وأن القضية الصادقة يصدق
عكسها وعكس نقيضها، ويكذب نقيضها . وأن جملتها تختلف
ونحو ذلك .
وكذلك تقسيم القياس إلى الحملى الإفرادي ؛ والاستثنائى التلازمي
والتعاندي وغير ذلك: غالبه - وإن كان صحيحاً - ففيه ماهو باطل. والحق
الذي هو فيه : فيه من تطويل الكلام وتكثيره بلا فائدة ؛ ومن سوء التعبير
والعي فى البيان ؛ ومن العدول عن الصراط المستقيم القريب إلى الطريق
المستدير البعيد ، ما ليس هذا موضع بيانه .
فقه النافع فطري لا يحتاج إليه ؛ وما يحتاج إليه ليس فيه منفعة إلا
معرفة اصطلاحهم وطريقهم أو خطئهم .
وهذا شأن كل ذي مقالة من المقالات الباطلة . فإنه لا بد منه فى معرفة
لغته وضلاله. فاحتيج إليه لبيان ضلاله الذي يعرف به الموقنون حاله .
ويستبين لهم ما بين اللّه من حكمه جزاء وأمراً؛ وأن هؤلاء داخلون
فيما يذم به من تكلف القول الذي لايفيد ؛ وكثرة الكلام الذي
لا ينفع .
والمقصود هنا: ذكر وجوه :
٦٩

الوجه الأول
أن القياس المذكور لا يفيد علماً إلا بواسطة قضية كلية موجبة . فلا بد
من كلية جامعة ثابتة فى كل قياس . وهذا متفق عليه معلوم أيضاً . ولهذا قالوا :
لا قياس عن سالبتين، ولا عن جزئيتين. وإذا كان كذلك وجب أن تكون
العلوم الكلية الكلمات الجامعة هي أصول الأقيسة والأدلة، وقواعدها التى
تبنى عليها وتحتاج إليها .
ثم قالوا : إن مبادىء القياس البرهانى هي العلوم اليقينية التى هي الحسيات
الباطنة والظاهرة ، والعقليات والبديهيات والمتواترات والمجربات ، وزاد
بعضهم : الحدسيات . وليس فى شيء من الحسيات الباطنة والظاهرة قضايا
كلية ؛ إذ الحس الباطن والظاهر لا يدرك إلا أموراً معينة لا تكون إلا
إذا كان المخبر أدرك ما أخبر به بالحس ، فهي تبع للحسيات . وكذلك
التجربة إنما تقع على أمور معينة محسوسة . وإنما يحكم العقل على النظائر
بالتشبيه ، وهو قياس التمثيل ، والحدسيات - عند من يثبتها منهم - من
جنس التجريبيات .
لكن الفرق : أن التجربة تتعلق بفعل المجرب كالأطعمة والأشربة والأدوية،
٧٠

والحدس يتعلق بغير فعل ، كاختلاف أشكال القمر عند اختلاف مقابلته للشمس.
وهو فى الحقيقة تجربة علمية بلا عمل فالمستفاد به أيضاً أمور معينة جزئية، لا تصير
عامة إلا بواسطة قياس التمثيل .
وأما البديهيات - وهي العلوم الأولية التى يجعلها الله فى النفوس
ابتداء بلا واسطة ، مثل الحساب ، وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين.
فإنها لا تفيد العلم بشيء معين موجود في الخارج ، مثل الحكم على العدد
المطلق والمقدار المطلق وكالعلم بأن الأشياء المساوية لشيء واحد هي متساوية في
أنفسها . فإنك إذا حكمت على موجود فى الخارج لم يكن إلا بواسطة الحس ،
مثل العقل . فإن العقل إنما هو عقل ما علمته بالإحساس الباطن أو الظاهر بعقل
المعانى العامة أو الخاصة .
فأما أن العقل الذي هو عقل الأمور العامة التى أفرادها موجودة فى الخارج
حصل بغير حس فهذا لا يتصور . وإذا رجع الإنسان إلى نفسه وجد
أنه لا يعقل ذلك مستغنياً عن الحس الباطن والظاهر لكليات مقدرة فى
نفسه ، مثل الواحد والاثنين والمستقيم والمنحنى ، والمثلث والمربع
والواجب والممكن والممتنع ، ونحو ذلك مما يفرضه هو ويقدره . فأما
العلم بمطابقة ذلك المقدر للموجود فى الخارج والعلم بالحقائق الخارجية
فلابد فيه من الحس الباطن أو الظاهر. فإذا اجتمع الحس والعقل - كاجتماع
البصر والعقل - أمكن أن يدرك الحقائق الموجودة المعينة ويعقل حكمها العام
،
٧١

الذي يندرج فيه أمثالها [ لا] أضدادها، ويعلم الجمع والفرق . وهذا
هو اعتبار العقل وقياسه .
وإذا انفرد الإحساس الباطن أو الظاهر أدرك وجود الموجود المعين . وإذا
انفرد المعقول المجرد على الكليات المقدرة فيه التى قد يكون لها وجود فى
الخارج وقد لا يكون ، ولا يعلم وجود أعيانها وعدم وجود أعيانها إلا
بإحساس باطن أو ظاهر .
فإنك إذا قلت : موجود[أن] المائة عشر الألف لم تحكم على شىء فى الخارج؛
بل لو لم يكن فى العالم ما يعد بالمائة والألف لكنت علماً بأن المائة المقدرة
فى عقلك عشر الألف، ولكن إذا أحسست بالرجال والدواب والذهب والفضة،
وأحسست بحسك أو بخبر من أحس أن هناك مائة رجل أو درهم ،
وهناك ألف ونحو ذلك: حكمت على أحد المعدودين بأنه عشر الآخر .
فأما المعدودات فلا تدرك إلا بالحس . والعدد المجرد يعقل بالقلب، وبعقل
القلب والحس يعلم العدد والمعدود جميعاً، وكذلك المقادير الهندسية هي
من هذا الباب .
فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا فى المقدرات الذهنية
كالعدد والمقدار ، لا فى الأمور الخارجية الموجودة .
٧٢

فإذا كانت مواد القياس البرهانى لا يدرك بعامتها إلا أمور معينة ليست
كلية ، وهي الحس الباطن والظاهر ، والتواتر والتجربة والحدس ،والذي
يدرك الكليات البديهية الأولية إنما يدرك أموراً مقدرة ذهنية ، لم يكن
فى مبادىء البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية كلية عامة
للأمور الموجودة فى الخارج والقياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية .
فامتنع حينئذ أن يكون فيماذكروه من صورة القياس ومادته حصول
علم يقيني .
وهذا بين لمن تأمله. وبتحريره وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف.
وسنبين إن شاء الله من أي وجه وقع عليهم اللبس.
فتدبر هذا فإنه من أسرار عظائم العلوم التى يظهر لك به ما يجل عن
الوصف من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية، وبين
الطريقة القياسية المنطقية الكلامية .
وقد تبين لك بإجماعهم وبالعقل أن القياس المنطقي لايفيد إلا بواسطةقضية،
وتبين لك أن القضايا التى (هي ] عنده مواد البرهان وأصوله ليس فيها قضية
كلية للأمور الموجودة، وليس فيها ما تعلم به القضية الكلية إلا العقل المجرد الذي
يعقل المقدرات الذهنية ، وإذا لم يكن فى أصول برهانهم على بقضية عامة للأمور
الموجودة لم يكن فى ذلك علم.
٧٢

وليس فيماذكرناه ما يمكن النزاع فيه إلا القضايا البديهية فإن فيها عموماً،
وقد يظن أن به تعلى الأمور الخارجة، فيفرض أنها تفيد العلوم الكلية. لكن
بقية المبادئ ليس فيها علم كلي.
فكان الواجب أن لا يجعل مقدمة البرهان إلا القضايا العقلية البديهية
المحضة. إذ هي الكلية . وأما بقية القضايا فهي جزئية، فكيف يصلح أن تجعل
من مقدمات البرهان ؟ إلا أن يقال : تعلم بها أمور جزئية وبالعقل
أمور كلية ، فبمجموعها يتم البرهان ، كما يعلم بالحس أن مع هذا ألف
درهم ومع هذا ألفان ، ويعلم بالعقل أن الاثنين أكثر من الواحد فيعلم أن
مال هذا أكثر.
فيقال : هذا صحيح ؛ لكن هذا إنما يفيد قضية جزئية معينة. وهو كون
مال هذا أكثر من مال هذا . والأمور الجزئية المعينة لا يحتاج فى
معرفتها إلى قياس . بل قد تعلم بلا قياس ، وتعلم بقياس التمثيل ،
وتعلم بالقياس عن جزئيتين. فإنك تعلم بالحس أن هذا مثل هذا ، وتعلم أن
هذا من نعته كيت وكيت ، فتعلم أن الآخر مثله ، وتعلم أن حكم الشيء
حكم مثله. وكذلك قد يعلم أن زيداً أكبر من عمرو وعمراً أكبر
من خالد ، وأمثال هذه الأمور المعينة التى تعلم بدون قياس الشمول الذي
اشترطوا فيه ما اشترطوا .
٧٤

فقد تبين أن هذا القياس العقلي المنطقي الذي وضعوه وحددوه لا يعلم
بمجرده شيء من العلوم الكلية الثابتة فى الخارج. فبطل قولهم: ((إنه ميزان
العلوم الكلية البرهانية )) ولكن يعلم به أمور معينة شخصية جزئية، وتلك تعلم
بغيره أجود مما تعلم به . وهذا هو :
الوجه الثاني
فنقول : أما الأمور الموجودة المحققة فتعلم بالحس الباطن والظاهر ، وتعلم
بالقياس التمثيلي ، وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم
بل تكون الحدود الثلاثة فيه - الأصغر والأوسط والأكبر - أعياناً
جزئية ، والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية . وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق
أصبح وأوضح وأ كمل. فإن من رأى بعينه زيداً فى مكان وعمراً فى مكان
آخر: استغنى عن أن يستدل على ذلك بكون الجسم الواحد لا يكون فى مكانين
وكذلك من وزن دراج كل منها ألف درهم استغنى عن أن يستدل على ألف
درهم منها بأنها مساوية للصنجة، وهي شيء واحد ، والأشياء المساوية لشيء
واحد متساوية. وأمثال ذلك كثير . ولهذا يسمى هؤلاء ((أهل كلام))، أي
لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً. وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد .
وهو ما ضربوه من القياس لإيضاح ما علم بالحس . وإن كان هذا
٧٥

القياس وأمثاله ينتفع به فى موضع آخر ، ومع من ينكر الحس ، كما
سنذكره إن شاء الله .
وكذلك إذا علم الإنسان أن هذا الدينار مثل هذا ، وهذا
الدرم مثل هذا، وأن هذه الحنطة والشعير مثل هذا ، ثم علم
شيئاً من صفات أحدهما وأحكامه الطبيعية ؛ مثل الاغتذاء والانتفاع ،
أو العادية مثل القيمة والسعر ، أو الشرعية: مثل الحل والحرمة - على
أن حكم الآخر مثله .
فأقيسة التمثيل تفيد اليقين بلا ريب ، أعظم من أقيسة الشمول
ولا يحتاج مع العلم بالتماثل إلى أن يضرب لهما قياس شمول ، بل يكون
من زيادة الفضول .
وبهذا الطريق عرفت القضايا الجزئية بقياس التمثيل .
ومن قال: إن ذلك بواسطة قياس شمول ينعقد في النفس، وهو أن هذا
لو كان اتفاقياً لما كان أكثرياً . فقد قال الباطل . فإن الناس العالمين بما جربوه
لا يخطر بقلوبهم هذا ، ولكن بمجرد علمهم بالتماثل يبادرون إلى التسوية
فى الحكم . لأن نفس العلم بالتماثل يوجب ذلك بالبديهة العقلية ، فكما
علم بالبديهة العقلية : أن الواحد نصف الاتين علم بها أن حكم الشيء
٧٦

حكم مثله ، وأن الواحد مثل الواحد ، كما علم أن الأشياء المساوية لشيء
واحد متساوية .
فالتماثل والاختلاف فى الصفة أو القدر قد يعلم بالإحساس الباطن
والظاهر ، والعلم بأن المثلين سواء وأن الأكثر والأكبر أعظم وأرجح
يعلم بيديهة العقل .
وكذلك القياس المؤلف من قضايا معينة ، مثل العلم بأن زيداً أخو عمرو،
وعمرو أخو بكر، فزيد أخر بكر. ومثل العلم بأن أبا بكر أفضل من
عمر ، وعمر أفضل من عثمان وعلي. فأبو بكر أفضل من عثمان وعلي. وأن
المدينة أفضل من بيت المقدس والمدينة لا يجب أن يحج إليها، فبيت المقدس
لا يحتج إليه. وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل القبور ولا يشرع
استلامه ولا تقبيله، فقبر فلان وفلان وفلان لا يشرع استلامه ولا تقبيله.
وأمثال هذه الأفيسة ملء العالم. وهذا أبلغ فى إفادة حكم المعين من ذكر العام.
فدلالة الاسم الخاص على المعين أبلغ من الدلالة عليه بالاسم العام ، وإن كان
فى العام أمور أخرى ليست فى الخاص .
فتبين أن المعلوم من الأمور المعينة يعلم بالحس وبقياس التمثيل والأقيسة
المعينة أعظم مما يعلم أعيانها بقياس الشمول. فإذا كان قياس الشمول - الذي
حرروه - لا يفيد الأمور الكلية، كما تقدم، ولا يحتاج إليه الأمور المعينة
٧٧

- كما تبين - لم يبق فيه فائدة أصلاً؛ ولم يحتج إليه فى علم كلي، ولا علم
معين، بل صار كلامهم فى القياس الذي حرروه كالكلام فى الحدود . وهذا
هذا . فتدبره فإنه عظيم القدر .
الوجه الثالث
أن يقال: إذا كان لا بد فى القياس من قضية كلية والحس لا يدرك
الكليات وإنما تدرك بالعقل ، ولا يجوز أن تكون معلومة بقياس آخر ، لما
يلزم من الدور أو التسلسل. فلا بد من قضايا كلية تعقل بلا قياس .
كالبديهيات التى جعلوها .
فنقول : إذ وجب الاعتراف بأن من العلوم الكلية العقلية ما يبتدى.
في النفوس ويبدهها بلا قياس ، وجب الجزم بأن العلوم الكلية العقلية قد
تستغنى عن القياس. وهذا ما اعترفوا به م وجميع بنى آدم: أن من التصور
والتصديق ما هو بديهي لا يحتاج إلى كسب بالحد والقياس ، وإلا لزم
الدور أو التسلسل .
وإذا كان كذلك فنقول: إذا جاز هذا فى على كلى جاز في آخر، إذ
ليس بين ما يمكن أن يعلم ابتداء من العلوم البديهية وما لا يجوز أن يعلم
٧٨

فصل يطرد ؛ بل هذا يختلف باختلاف قوة العقل وصفائه، وكثرة إدراك
الجزئيات التى تعلم بواسطتها الأمور الكلية . فما من علم من الكليات إلا
وعلمه يمكن بدون القياس المنطقي. فلا يجوز الحكم بتوقف شيء من العلوم
الكلية عليه. وهذا یتبین :
بالوجه الرابع
وهو أن نقول : هب أن صورة القياس المنطقي ومادته تفيد علوماً كلية
لكن من أين يعلم أن العلم الكلي لا ينال حتى يقول هؤلاء المتكلفون
القافون ما ليس لهم به علم م ومن قلدم من أهل الملل وعلمائهم: إن ما ليس
بيديهي من التصورات والتصديقات لا يعلم إلا بالحد والقياس ، وعدم العلم
ليس علما بالعدم. فالقائل لذلك لم يمتحن أحوال نفسه. ولو امتحن أحوال نفسه
لوجد له علوما كلية بدون القياس المنطقي ، وتصورات كثيرة بدون الحد . وإن
علم ذلك من نفسه أو بني جنسه فمن أين له أن جميع بني آدم - مع تفاوت
فطرم وعلومهم ومواهب الحق لهم - هم بمنزلته، وأن الله لا يمنح أحداً علماً
إلا بقياس منطقي ينعقد فى نفسه، حتى يزعم هؤلاء : أن الأنبياء كانوا كذلك ،
بل صعدوا إلى رب العالمين ، وزعموا أن علمه بأمور خلقه إنما هو بواسطة
القياس المنطقي . وليس معهم بهذا النفي الذي لم يحيطوا بعلمه من حجة إلا عدم
٧٩

العلم ، فيدعون العلم ، وقد تكلموا بهذه القضية الكلية السالبة التى نعم
ما لا يحصى عدده إلا الله بلا علم لهم بها أصلا: ونزيد هذا بيانا :
بالوجه الخامس
وهو أن المبادىء المذكورة التى جعلوها مفيدة لليقين - وهي الحسيات
الباطنة والظاهرة ، والبديهيات والتجريبيات والحدسيات - لا ريب أنها تفيد
اليقين الحسي. فمن أين لهم أن اليقين لا يحصل بغيرها؟ لابد من دليل على
النفى، حتى يصح قولهم : لا يحصل اليقين بدونها .
فهذا صحيح لكنه ليس هو قول رؤوسهم .
ولا ريب أن من له عقل وإيمان يجب أن يخالفهم فى تكذيهم بالحق
الخارج عن هذا الطريق .
ومن هذا الموضع صار منافقاً وتزندق من نافق منهم . وصار عند عقلاء
الناس من أهل الملل وغيرم : أن المنطق مظنة التكذيب بالحق والعناد والزندقة
والنفاق حتى حكى لنا بعض الناس : أن شخصاً من الأعاجم جاء ليقرأ على
بعض شيوخهم منطقاً ، فقرأ منه قطعة ، ثم قال : حواجا أي باب ترك الصلاة
فضحكوا منه .
٨٠