النص المفهرس

صفحات 41-60

وقد قال سبحانه عن اتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ *
للرسل (
رَبَّنَآءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِن
*
وَقَالُواْرَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَاسَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
وَإِذْ يَتَحَلْقُونَ فِ النَّارِ
اَلْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ) وقال تعالى: (
. (
- إلى قوله - إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
ومثل هذا فى القرآن كثير ، يذكر فيه من أقوال أعداء الرسل
وأفعالهم وما أوتوه من قوى الإدرا كات والحركات التى لم تنفعهم لما
خالفوا الرسل .
وقد ذكر الله سبحانه ما فى المنتسبين إلى اتباع الرسل ، من العلماء
يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ
والعباد والملوك من النفاق والضلال فى مثل قوله : (
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَأَ يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ
فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابِ أَلِيِ ).
( وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) يستعمل لازما ، يقال ؛ صد صدوداً،
أي أعرض كما قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ
رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ) ويقال : صد غيره يصده،
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا
والوصفان يجتمعان فيهم ، ومثل قوله : (
٤١

مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْسَبِيلًا )
وفى الصحيحين عن أبي موسى عن النى صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل
المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة : طعمها طيب وريحها طيب ، ومثل
المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة : طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل
المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة : ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل
المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الخنظلة: طعمها مر، ولا ريح لها )) فبين
أن فى الذين يقرءون القرآن: مؤمنين ومنافقين .
فصل
وهذا المقام لا أذكر فيه موارد النزاع، فيقال: هو الاستدلال على
المختلف بالمختلف ؛ لكن أنا أصف جنس كلامهم، فأقول :
لاريب أن كلامهم كله منحصر فى الحدود التى تفيد التصورات ، سواء
كانت الحدود حقيقية، أو رسمية أو لفظية، وفى الأقيسة التى تفيد التصديقات،
سواء كانت أقيسة عموم وشمول، أو شبه وتمثيل، أو استقراء وتتبع .
وكلامهم غالبه لا يخلو من تكلف : إما فى العلم وإما فى القول ، فإما
٤٢

أن يتكلفوا على مالا يعلمونه : فيتكلمون بغير علم، أو يكون الشيء معلوما لهم
فيتكلفون من بيانه ماهو زيادة وحشو وعناء وتطويل طريق ، وهذا من المنكر
قُلْ مَآأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنَأْمِنَ
المذموم فى الشرع والعقل، قال تعالى : (
الْتُكَلِّفِينَ ) وفى الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: ((أيها الناس،
من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل : لا أعلم، فإن من العلم أن يقول
الرجل لما لا يعلم: لا أعلم )).
وقد ذم الله القول بغير على فى كتابه ، كقوله تعالى: ( وَلَنَقُفُ مَالَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمُ ) لاسيما القول على الله، كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ
اُلْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِالْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَا لَمْ يَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا
وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَعْلَمُونَ ) وكذلك ذم الكلام الكثير الذي لافائدة فيه،
وأمر بأن نقول القول السديد والقول البليغ .
وهؤلاء كلامهم في الحدود غالبه من الكلام الكثير الذي لافائدة فيه ،
بل قد يكثر كلامهم فى الأفيسة والحجج، كثير منه كذلك، وکثیر منه باطل ،
وهو قول بغير علم، وقول بخلاف الحق .
أما ( الأول): فإنهم يزعمون أن الحدود التى يذكرونها يفيدون بها
تصور الحقائق، وأن ذلك إنما يتم بذكر الصفات الذاتية المشتركة والمميزة حتى
يركب الحد من الجنس المشترك، والفصل المميز. وقد يقولون: إن التصورات
٤٣

لا تحصل إلا بالحدود، ويقولون: الحدود المركبة لا تكون إلا للأنواع المركبة
من الجنس والفصل دون الأنواع البسيطة .
وقد ذكرت فى غير هذا الموضع ملخص المنطق ومضمونه، وأشرت إلى
بعض مادخل به على كثير من الناس من الخطأ والضلال. وليس هذا موضع
بسط ذلك، لكن نذكر [هنا ] وجوها :
الوجه الأول
قولهم: ((إن التصور الذي ليس بيديهي لاينال إلا بالحد)) باطل ؛ لأن
الحد هو قول الحاد. فإن الحد هنا هو القول الدال على ماهية المحدود.
فالمعرفة بالحد لاتكون إلا بعد الحد؛ فإن الحاد الذي ذكر الحد إن كان عرف
المحدود بغير حد بطل قولهم: ((لايعرف إلا بالحد )) وإن كان عرفه محد آخر
فالقول فيه كالقول فى الأول، فإن كان هذا الحاد عرفه بعد الحد الأول لزم
الدور ، وإن كان تأخر لزم التسلسل .
٤٤

الوجه الثاني
أنهم إلى الآن لم يسلم لهم حد لشيء من الأشياء إلا مايدعيه بعضهم
وينازعه فيه آخرون . فإن كانت الأصول لاتتصور إلا بالحدود لزم ألا يكون
إلى الآن أحد عرف شيئاً من الأمور، ولم يبق أحد ينتظر صحته؛ لأن الذي
يذكره يحتاج إلى معرفة بغير حد وهي متعددة ، فلا يكون لبني آدم شيء من
المعرفة ، وهذه سفسطة ومغالطة .
الثالث
الوجـ
أن المتكلمين بالحدود طائفة قليلة فى بنى آدم، لاسيما الصناعة المنطقية .
فإن واضعها هو أرسطو، وسلك خلفه فيها طائفة من بني آدم .
ومن المعلوم أن علوم بني آدم - عامتهم وخاصتهم - حاصلة بدون
ذلك. فبطل قولهم ((إن المعرفة متوقفة عليها)) أما الأنبياء فلا ريب في
استغنائهم عنها، وكذلك أتباع الأنبياء من العلماء والعامة . فإن القرون الثلاثة
من هذه الأمة - الذين كانوا أعلم بني آدم علوماً ومعارف - لم يكن تكلف
٤٥

هذه الحدود من عادتهم، فإنهم لم يبتدعوها، ولم تكن الكتب الأعجمية
الرومية عربت لهم. وإنما حدثت بعدهم من مبتدعة المتكلمين والفلاسفة
ومن حين حدثت صار بينهم من الاختلاف والجهل مالا يعلمه إلا الله.
وكذلك علم ((الطب)) و((الحساب)) وغير ذلك لا تجد امة هذه العلوم
يتكلفون هذه الحدود المركبة من الجنس والفصل إلا من خلط ذلك بصناعتهم
من أهل المنطق .
وكذلك ((النحاة )) مثل سيبويه الذي ليس فى العالم مثل كتابه ، وفيه حكمة
لسان العرب: لم يتكلف فيه حد الاسم والفاعل ونحو ذلك ، كما فعل غيره.
ولما تكلف النحاة حد الاسم ذكروا حدوداً كثيرة كلها مطعون فيها عندهم.
وكذلك ما تكلف متأخروم من حد الفاعل والمبتدأ والخبر ونحو ذلك لم يدخل
فيها عندهم من هو إمام في الصناعة ولا حاذق فيها .
وكذلك الحدود التى يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة ، وغير ذلك
من معانى الأسماء المتداولة بينهم، وكذلك الحدود التى يتكلفها الناظرون فى
أصول الفقه لمثل الخبر والقياس والعلم وغير ذلك، لم يدخل فيها إلا من
ليس بإمام فى الفن . وإلى الساعة لم يسلم لهم حد . وكذلك حدود
أهل الكلام .
٤٦

فإذا كان حذاق بني آدم فى كل فن من العلم الحكموه بدون هذه الحدود
المتكلفة : بطل دعوى توقف المعرفة عليها .
وأما علوم بنى آدم الذين لايصنفون الكتب : فهي ممالا يحصيه إلا الله
ولهم من البصلّر والمكاشفات والتحقيق والمعارف ماليس لأهل هذه الحدود
المتكلفة. فكيف يجوز أن تكون معرفة الأشياء متوقفة عليها ؟ .
الوجه الرابع
أن الله جعل لابن آدم من الحس الظاهر والباطن ما يحس به الأشياء
ويعرفها؛ فيعرف بسمعه وبصره وشمه وذوقه ولمسه الظاهر ما يعرف ، ويعرف
أيضا بما يشهده ويحسه بنفسه وقلبه ماهو أعظم من ذلك. فهذه هي الطرق
التى تعرف بها الأشياء. فأما الكلام فلا يتصور أن يعرف بمجرده مفردات
الأشياء إلا بقياس تمثيل أو تركيب ألفاظ، وليس شيء من ذلك يفيد
تصور الحقيقة .
فالمقصود أن الحقيقة: إن تصورها بباطنه أو ظاهره استغنى عن الحد
القولي ، وإن لم يتصورها بذلك امتنع أن يتصور حقيقتها بالحد القولي. وهذا
أمر محسوس يجده الإنسان من نفسه . فإن من عرف المحسوسات المذوقة
٤٧

- مثلاً - كالعسل: لم يفده الحد تصورها. ومن لم يذق ذلك، كمن أخبر عن
السكر - وهو لم يذقه - لم يمكن أن يتصور حقيقته بالكلام والحد، بل يمثل
له ويقرب إليه، ويقال له : طعمه يشبه كذا ، أو بشبه كذا وكذا ، وهذا
التشبيه والتمثيل ليس هو الحد الذي يدعونه .
وكذلك المحسوسات الباطنة ، مثل الغضب والفرح والحزن والغم والعلم
ونحو ذلك، من وجدها فقد تصورها. ومن لم يجدها لم يمكن أن يتصورها
بالحد ، ولهذا لا يتصور الأكمه الألوان بالحد ، ولا العنين الوقاع بالحد.
فإذاً القائل: بأن الحدود هي التى تفيد تصور الحقائق قائل للباطل المعلوم
بالحس الباطن والظاهر .
الخامس
الوجـ
أن الحدود إنما هي أقوال كلية، كقولنا: ((حيوان ناطق))، و((لفظ
يدل على معنى)) ونحو ذلك؛ فتصور معناها لا يمنع من وقوع الشركة فيها ،
وإن كانت الشركة ممتنعة لسبب آخر ، فهي إذن لاتدل على حقيقة معينة
بخصوصها، وإنما تدل على معنى كلي. والمعاني الكلية وجودها فى الذهن لا فى
الخارج. فما فى الخارج لا يتعين، ولا يعرف بمجرد الحد، وما فى الذهن
ليس هو حقائق الأشياء . فالحمد لا يفيد تصور حقيقة أصلا .
٤٨
'%

الوج السادس
أن الحد من باب الألفاظ ؛ واللفظ لا يدل المستمع على معناه إن لم يكن قد
تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ ؛ لأن اللفظ المفرد لا يدل المستمع على معناه إن
لم يعلم أن اللفظ موضوع للمعنى، ولا يعرف ذلك حتى يعرف المعنى. فتصور
المعاني المفردة يجب أن يكون سابقاً على فهم المراد بالألفاظ ، فلو استفيدتصورها
من الألفاظ لزم الدور . وهذا أمر محسوس ؛ فإن المتكلم باللفظ المفرد إن لم
يبين للمستمع معناه حتى يدركه بحسه أو بنظره، وإلا لم يتصور إدراكه له بقول
مؤلف من جنس وفصل .
الوجه السابع
أن الحد هو الفصل والتمييز بين المحدود وغيره ، يفيد ما تفيده الأسماء
من التمييز والفصل بين المسمى وبين غيره ، فهذا لا ريب فى أنه يفيد
التمييز . فأما تصور حقيقة فلا ، لكنها قد تفصل ما دل عليه الاسم
بالإجمال ، وليس ذلك من إدراك الحقيقة فى شىء . والشرط فى ذلك :
أن تكون الصفات ذاتية، بل هو بمنزلة التقسيم والتحديد للكل ، كالتقسيم
لجزئياته ويظهر ذلك .
٤٩

بالوجه الثاس
وهو أن الحس الباطن والظاهر يفيد تصور الحقيقة تصوراً مطلقاً. أما
عمومها وخصوصها: فهو من حكم العقل . فإن القلب يعقل معنى من هذا المعين
ومعنى يمائله من هذا المعين، فيصير فى القلب معنى عاماً مشتركاً ، وذلك هو عقله:
أي عقله للمعاني الكلية . فإذا عقل معنى الحيوانية الذي يكون فى هذا الحيوان
وهذا الحيوان ، ومعنى الناطق الذي يكون فى هذا الإنسان وهذا الإنسان، وهو
مختص به ، عقل أن فى نوع الإنسان معنى يكون نظيره فى الحيوان، ومعنى ليس
له نظير فى الحيوان.
فالأول هو الذي يقال له: الجنس . والثانى : الذي يقال له : الفصل وهما
موجودان فى النوع .
فهذا حق ولكن لم يستفد من هذا اللفظ ما لم يكن يعرفه بعقله من أن
هذا المعنى عام للإنسان ولغيره من الحيوان، بمعنى أن ما فى هذا نظير ما فى
هذا، إذ ليس فى الأعيان الخارجة عموم، وهذا المعنى يختص بالإنسان . فلا
فرق بين قولك : الإنسان حيوان ناطق، وقولك : الإنسان هو الحيوان
الناطق ، إلا من جهة الإحاطة والحصر فى الثانى ، لا من جهة تصوير
٥٠

حقيقته باللفظ والإحاطة . والحصر هو التمييز الحاصل بمجرد الاسم، وهو قولك:
إنسان وبشر . فإن هذا الاسم إذا فهم مسماه أفاد من التمييز ما أفاده الحيوان
الناطق في سلامته عن المطاعن .
وأما تصور أن فيه معنى عاماً ومعنى خاصاً فليس هذا من خصائص الحد
كما تقدم . والذي يختص بالحد ليس إلا مجرد التمييز الحاصل بالأسماء.
وهذا بين لمن تأمله .
وأما إدراك صفات فيه ، بعضها مشترك وبعضها مختص ، فلا ريب أن هذا
قد لا يتفطن له بمجرد الاسم، لكن هذا يتفطن له بالحد وبغير الحد . فليس فى
الحد إلا ما يوجد فى الأسماء ، أو فى الصفات التى تذكر للمسمى . وهذان
نوعان معروفان :
( الأول ) : معنى الأسماء المفردة .
و ( الثانى ): معرفة الجمل المركبة الاسمية والفعلية التى يخبر بها عن
الأشياء، وتوصف بها الأشياء. وكلا هذين النوعين لايفتقر إلى الحد المتكلف
فثبت أن الحد ليس فيه فائدة إلا وهي موجودة في الأسماء والكلام بلاتكلف.
فسقطت فائدة خصوصية الحد .
٥١

الوجه القامع
أن العلم بوجود صفات مشتركة ومختصة حق؛ لكن التمييز بين تلك
الصفات بجعل بعضها ذاتياً تتقوم منه حقيقة المحدود ، وبعضها لازماً
لحقيقة المحدود : تفريق باطل ، بل جميع الصفات الملازمة للمحدود
- طرداً وعكساً - هي جنس واحد. فلا فرق بين الفصل والخاصة ، ولا
بين الجنس والعرض العام.
وذلك أن الحقيقة المركبة من تلك الصفات : إما أن يعني بها
الخارجة أو الذهنية أو شيء ثالث. فإن عنى بها الخارجة :
فالنطق والضحك فى الإنسان حقيقتان لازمتان يختصان به .
وان عنى الحقيقة التى فى الذهن : فالذهن يعقل اختصاص هاتين
الصفتين به دون غيره .
وإن قيل: بل إحدى الصفتين يتوقف عقل الحقيقة عليها، فلا يعقل
الإنسان فى الذهن حتى يفهم النطق ؛ وأما الضحك فهو تابع لفهم الإنسان .
وهذا معنى قولهم ((الذاتى ما لا يتصور فهم الحقيقة بدون فهمه، أو ما تقف
الحقيقة فى الذهن والخارج عليه)».
٥٢

قيل: إدراك الذهن أمر نسى إضافى . فإن كون الذهن لا يفهم هذا إلا
بعد هذا: أمر يتعلق بنفس إدراك الذهن، ليس هو شيئاً ثابتاً للموصوف فى
نفسه . فلا بد أن يكون الفرق بين الذاتی والعرضی بوصف ثابت فى نفس
الأمر ، سواء حصل الإدراك له أو لم يحصل، إن كان أحدهما جزءاً للحقيقةدون
الآخر وإلا فلا .
الوجه العاشر
أن يقال: كون الذهن لا يعقل هذا إلا بعد هذا: إن كان إشارة إلى
أذهان معينة، وهي التى تصورت هذا: لم [ يكن ] هذا حجة ، لأنهم ثم وضعوها
هكذا. فيكون التقدير: أن ما قدمناه في أذهاننا على الحقيقة فهو الذاتى ،
وما أخرناه فهو العرضي. ويعود الأمر إلى أنا تحكمنا يجعل بعض الصفات ذاتياً
وبعضها عرضياً لازماً وغير لازم ، وإن كان الأمر كذلك كان هذا
الفرقان مجرد تحكم بلا سلطان . ولا يستنكر من هؤلاء أن يجمعوا بين
المفترقين ويفرقوا بين المتماثلين . فما أكثر هذا فى مقاييسهم التى ضلوا
بها وأضلوا . وم أول من أفسد دين المسلمين ، وابتدع ما غير به الصابئة
مذاهب أهل الإيمان المهتدين.
وإن قالوا : بل جميع أذهان بني آدم والأذهان الصحيحة لا تدرك الإنسان
٥٣

إلا بعد خطور نطقه ببالها دون ضحكه .
قيل لهم: ليس هذا بصحيح. ولا يكاد يوجد هذا الترتيب إلا فيمن يقلد
عنكم هذه الحدود من المقلدين لكم فى الأمور التى جعلتموها ميزان المعقولات،
وإلا فبنو آدم قد لا يخطر لأحدم أحد الوصفين، وقد يخطر له هذا دون هذا
وبالعكس . ولو خطر له الوصفان وعرف أن الإنسان حيوان ناطق ضاحك : لم
يكن بمجرد معرفته هذه الصفات مدركاً لحقيقة الإنسان أصلاً . وكل هذا أمر
محسوس معقول .
فلا يغالط العاقل نفسه فى ذلك لهيبة التقليد لهؤلاء الذين م من أكثر
الخلق ضلالاً مع دعوى التحقيق ؛ فهم فى الأوائل كمتكلمة الإسلام فى الأواخر.
ولما كان المسلمون خيراً من أهل الكتابين والصابئين. كانوا خيراً منهم وأعلم
وأحكم فتدبر هذا فإنه نافع جداً .
ومن هنا يقولون: الحدود الذاتية عسرة ، وإدراك الصفات الذاتية صعب
وغالب ما بأيدي الناس : حدود رسمية . وذلك كله لأنهم وضعوا تفريقا بين
شيئين بمجرد التحكم الذي ثم أدخلوه .
ومن المعلوم : أن ما لا حقيقة له في الخارج ولا فى المعقول ، وإنما هو
ابتداع مبتدع وضعه وفرق به بين المتماثلين فيما مائلا فيه - لا تعقله القلوب
٥٤

الصحيحة - إذ ذاك من باب معرفة المذاهب الفاسدة التى لا ضابط لها .
وأكثر ما تجد هؤلاء الأجناس يعظمونه من معارفهم ويدعون اختصاص
فضلاتهم به هو : من الباطل الذي لا حقيقة له ، كما نبهنا على هذا فيما تقدم.
الوجه الحادي عشر
قولهم : الحقيقة مركبة من الجنس والفصل ، والجنس هو الجزء المشترك
والفصل هو الجزء المميز .
يقال لهم : هذا التركيب : إما أن يكون فى الخارج أو في الذهن . فإن
كان فى الخارج فليس في الخارج نوع كلي يكون محدوداً بهذا الحد إلا الأعيان
المحسوسة ، والأعيان فى كل عين صفة يكون نظيرها لسائر الحيوانات كالحس
والحركة الإرادية ، وصفة ليس مثلها لسائر الحيوان وهي النطق. وفي كل عين
يجتمع هذان الوصفان، كما يجتمع سائر الصفات والجواهر القائمة لأمور مركبة
من الصفات المجعولة فيها .
وإن أردتم بالحيوانية والناطقية جوهراً فليس في الإنسان جوهران ،
أحدهما حى ، والآخر ناطق . بل هو جوهر واحد له صفتان . فإن كان
٥٥

الجوهر مركباً من عرضين لم يصح . وإن كان من جوهر عام وخاص فليس فيه
ذلك . فبطل كون الحقيقة الخارجة مركبة.
وإن جعلوها نارة جوهراً وتارة صفة : كان ذلك بمنزلة قول النصارى فى
الأقانيم ، وهو من أعظم الأقوال تناقضاً باتفاق العلماء .
وإن قالوا : المركب الحقيقية الذهنية المعقولة.
قيل - أولاً - تلك ليست هي المقصودة بالحدود، إلا أن تكون مطابقة
للخارج . فإن لم يكن هناك تركيب لم يصح أن يكون فى هذه ترکیب . وليس
في الذهن إلا تصور الحي الناطق. وهو جوهر واحد له صفتان ، كما قدمنا .
فلا تركيب فيه بحال ،
واعلم أنه لا نزاع أن صفات الأنواع والأجناس منها ما هو مشترك بيها
وبين غيرها . كالجنس والعرض العام ، ومنها ما هو لازم للحقيقة ، ومنها
ما هو عارض لها ، وهو ماثبت لها فى وقت دون وقت كالبطىء الزوال
وسريعه ، وإنما الشأن فى التفريق بين الذاتي والعرضي اللازم . فهذا هو
الذي مداره على تحكم ذهن الحاد .
.
ولا تنازع فى أن بعض الصفات قد يكون أظهر وأشرف . فإن النطق
أشرف من الضحك. ولهذا ضرب الله به المثل فى قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ
ولكن الشأن فى جعل هذا ذاتياً تتصور به الحقيقة دون الآخر.
نَنطِقُونَ ) .
٥٦

الوجه الثاني عشر
أن هذه الصفات الذاتية قد تعلم ولا يتصور بها كنه المحدود ، كما فى هذا
المثال وغيره. فعلم أن ذلك ليس بموجب لفهم الحقيقة .
الوجه الثالث عشر
أن الحد إذا كان له جزءان فلا بد لجزءيه من تصور : كالحيوان والناطق:
فإن احتاج كل جزء إلى حد لزم التسلسل أو الدور .
فإن كانت الأجزاء متصورة بنفسها بلا حد - وهو تصور الحيوان ، أو
الحساس ، أو المتحرك، بالإرادة ، أو النامي ، أو الجسم - فمن المعلوم: أن
هذه أعم . وإذا كانت أعم تكون إدراك الحس لأفرادها أكثر . فإن كان
إدراك الحس لأفرادها كافياً فى التصور فالحس قد أدرك أفراد النوع . وإن
لم يكن كافياً فى ذلك لم تكن الأجزاء معروفة فيحتاج المعرف إلى معرف وأجزاء
الحد إلى حد .
٥٧

الوجه الرابع عشر
أن الحدود لا بد فيها من التمييز ، وكلما قلت الأفراد كان التمييز أيسر،
وكلما كثرت كان أصعب . فضبط العقل الكلي نقل أفراده مع ضبط كونه
كلياً أيسر عليه مما كثرت أفراده ، وإن كان إدراك الكلي الكثير الأفراد
أيسر عليه ، فذاك إذا أدركه مطلقاً ؛ لأن المطلق يحصل بحصول كل واحد
من الأفراد .
وإذا كان ذلك كذلك فأقل ما فى أجزاء المحدود : أن تكون متميزة
تمييزاً كلياً ليعلم كونها صفة للمحدود أو محمولة عليه أم لا . فإذا كان ضبطها
كلية أصعب وأتعب من ضبط أفراد المحدود كان ذلك تعريفاً للأسهل معرفة
بالأصعب مفردة ، وهذا عكس الواجب .
الوجه الخامس عشر
أن الله سبحانه على آدم الأسماء كلها . وقد ميز كل مسمى باسم يدل على
ما يفصله من الجنس المشترك ، ويخصه دون ما سواه، ويبين به ما يرسم معناه
٥٨

فى النفس . ومعرفة حدود الأسماء واجبة ؛ لأنه بها تقوم مصلحة بني آدم في
النطق الذي جعله الله رحمة لهم لا سيما حدود ما أنزل الله فى كتبه من الأسماء
كاتمر والربا .
فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل فى المسمى ويتناوله ذلك
الاسم وما دل عليه من الصفات ، وبين ما ليس كذلك ؛ ولهذا ذم الله من
سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان . فإنه أثبت للشيء صفة باطلة
كالهية الأوثان .
فالأسماء النطقية سمعية . وأما نفس تصور المعاني ففطري يحصل بالحس
الباطن والظاهر، وبإدراك الحس وشهوده ببصر الإنسان بباطنه وبظاهره
وبسمعه يعلم أسماءها ، وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة والمختصة .
والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، وجعل لنا السمع والأبصار
والأفئدة .
فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا فى العقل ، ولا فى الحس ، ولا
فى السمع إلا ما هو كالأسماء مع التطويل ، أو ماهو كالتمييز كسائر الصفات.
ولهذا لما رأوا ذلك جعلوا الحد نوعين : نوعا بحسب الاسم ؛ وهو بيان
ما يدخل فيه . ونوعا بحسب الصفة أو الحقيقة أو المسمى ، وزعموا كشف
٥٩

الحقيقة وتصويرها ، والحقيقة المذكورة إن ذكرت بلفظ دخلت فى القسم
الأول ، وإن لم تذكر بلفظ فلا تدرك بلفظ ولا بحد بمقال إلا كما تقدم .
وهذه نكت تنبه على جمل المقصود . وليس هذا موضع بسط ذلك.
الوج السادس عشر
أن في الصفات الذاتية المشتركة والمختصة - كالحيوانية والناطقية - إن
أرادوا بالاشتراك : أن نفس الصفة الموجودة في الخارج مشتركة فهذا باطل ؛
إذ لا اشتراك فى المعينات التى يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها .
وإن أرادوا بالاشتراك : أن مثل تلك الصفة حاصلة للنوع الآخر .
قيل لهم : لا ريب أن بين حيوانية الإنسان وحيوانية الفرس قدراً مشتركا
وكذلك بين صوتيها وتمييزهما قدراً مشتركا . فإن الإنسان له تمييز وللفرس
تمييز، ولهذا صوت هو النطق ، ولذاك صوت هو الصهيل ، فقد خص كل
صوت باسم يخصه . فإذا كان حقيقة أحد هذين يخالف الآخر ويختص بنوعه
فمن أين جعلتم حيوانية أحدهما مماثلة لحيوانية الآخر في الحد والحقيقة؟
وهلا قيل : إن بين حيوانيتها قدراً مشتركا ومميزاً، كما أن بين صوتيها
٦٠