النص المفهرس

صفحات 421-440

كلام الآدميين أو أفعالهم قديمة فهو مبتدع مخالف للكتاب والسنة وإجماع
سلف الأمة وأئمتها .
فصل
وأما الاستثناء فى الماضي المعلوم المتيقن: مثل قوله هذه شجرة إن شاء الله
أو هذا إنسان إن شاء الله، أو السماء فوقنا إن شاء الله. أو لا إله إلا الله إن شاء
الله. أو محمد رسول الله إن شاء الله. أو الامتناع من أن يقول محمد
رسول الله قطعاً. وأن يقول : هذه شجرة قطعاً فهذه بدعة مخالفة
للعقل والدين .
ولم يبلغنا عن أحد من أهل «الإسلام)) إلا عن طائفة من المنتسبين إلى
الشيخ أبى عمرو بن مرزوق ولم يكن الشيخ يقول بذلك ولا عقلاء أصحابه.
ولكن حدثني بعض الخبيرين أنه بعد موته تنازع صاحبان له: حازم وعبد الملك
فابتدع حازم هذه البدعة فى الاستثناء فى الأمور الماضية المقطوع بها . وترك
القطع بذلك. وخالفه عبد الملك فى ذلك موافقة لجماعة المسلمين
وأئمة الدين .
وأما ((الشيخ أبو عمرو)) فكان أعقل من أن يدخل فى مثل هذا
٤٢١

الهذيان، فإنه كان له علم ودين ، وإن كان ما تقدم من مسألة قدم أفعال
العباد من خير وشر يعزى إليه. وقد أرانى بعضهم خطه بذلك . فقد قيل :
إنه رجع عن ذلك ، وكان يسلك طريقة الشيخ أبى الفرج المقدسى
الشيرازي ونقل عنه أنه كان يقف ويقول : هي مقضية مقدرة . وأمسك.
والشيخ أبو الفرج كان أحد أصحاب القاضي أبى يعلى ولكن القاضي
أبو يعلى لا يرضى بمثل هذه المقالات ، بل هو ممن يجزم بأن أفعال العباد
مخلوقة ، ولو سمع أحداً يتوقف فى الكفر والفسوق والعصيان أنه مخلوق
- فضلاً عن أن يقول إن أفعال العبد من خير وشر قديمة - لأنكر
عليه أعظم الإنكار .
وإن كان فى كلام القاضي مواضع اضطرب فيها كلامه وتناقض فيها
وذكر فى موضع كلاماً بنى عليه من وافقه فيه من أبنية فاسدة، فالعالم قد
يتكلم بالكلمة التى يزل فيها فيفرع أتباعه عليها فروعاً كثيرة ، كما جرى
فى مسألة ((اللفظ)) و((كلام الآدميين)) ومسألة ((الإيمان)) و ((أفعال العباد)).
فإن السلف والأئمة - الإمام أحمد وغيره - لم يقل أحد منهم أن كلام
الآدميين غير مخلوق ولا قالوا: إنه قديم ولا أن أفعال العباد غير مخلوقة ، ولا
أنها قديمة . ولا قالوا أيضاً : إن الإيمان قديم ولا أنه غير مخلوق ولا قالوا:
إن لفظ العباد بالقرآن مخلوق ، ولا أنه غير مخلوق ولكن منعوا من إطلاق
٤٢٢

القول بأن الإيمان مخلوق . وأن اللفظ بالقرآن مخلوق ؛ لما يدخل في ذلك من
صفات الله تعالى، ولما يفهمه هذا اللفظ من أن نفس كلام الخالق
مخلوق وأن نفس هذه الكلمة مخلوق ، ومنعوا أن يقال : حروف الهجاء
مخلوقة ؛ لأن القائل هذه المقالات يلزمه أن لا يكون القرآن كلام الله ،
وأنه لم يكلم موسى .
فجاء أقوام أطلقوا نقيض ذلك فقال بعضهم : لفظي بالقرآن
غير مخلوق ، فبدع الإمام أحمد وغيره من الأئمة من قال ذلك .
وكذلك أطلق بعضهم القول بأن الإيمان غير مخلوق. حتى صار يفهم
من ذلك أن ((أفعال العباد)» التى هي إيمان غير مخلوقة، فجاء آخرون فزادوا
على ذلك فقالوا كلام الآدميين مؤلف من الحروف التى هي غير مخلوقة.
فيكون غير مخلوق . وقال آخرون : فأفعال العباد كلها غير مخلوقة ،
والبدعة كلما فرع عليها وذكر لوازمها زادت قبحاً وشناعة ، وأفضت
بصاحبها إلى أن يخالف ما يعلم بالاضطرار من العقل والدين .
وقد بسطنا الكلام فى هذا ، وبينا اضطراب الناس في هذا فى مسألة
القرآن وغيرها .
وهذا كما أن أقواما ابتدعوا : أن حروف القرآن ليست من كلام الله ،
٤٢٣

وأن كلام اللّه إنما هو معنى قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر وهذا الكلام
فاسد بالعقل الصريح والنقل الصحيح ، فإن المعنى الواحد لا يكون هو الأمر
بكل مأمور، والخبر عن كل مخبر ، ولا يكون معنى التوراة والإنجيل والقرآن
واحداً، وهم يقولون: إذا عبر عن ذلك الكلام بالعربية صار قرآناً، وإذا
عبر عنه بالعبرية صار توراة ، وهذا غلط فإن التوراة يعبر عنها بالعربية ومعانيها
ليست هي معاني القرآن ، والقرآن يعبر عنه بالعبرية وليست معانيه هي
معاني التوراة .
وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب ، ولكنه هو ومن اتبعه عليه:
كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك : إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة ،
متلو بالألسن حقيقة ، مكتوب في المصاحف حقيقة .
ومنهم من يمثل ذلك بأنه محفوظ بالقلوب كما أن الله معلوم بالقلوب ،
ومتلو بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن، ومكتوب فى المصاحف كما أن الله
مكتوب فى المصاحف، وهذا غلط فى تحقيق مذهب ان كلاب والأشعري
فإن القرآن عندهم معنى عبارة عنه ، والحقائق لها أربع مراتب : وجود عيني
وعلمي ، ولفظي. ورسمي . فليس العلم بالمعنى له المرتبة الثانية ، وليس ثبوته في
الكتاب كثبوت الأعيان فى الكتاب ، فزاد هؤلاء قول ابن كلاب
والأشعري قبحاً .
٤٢٤

ثم تبع أقوام من أتباعهم أحد أهل المذهب ، وأن القرآن معنى قائم
بذات الله فقط، وأن الحروف ليست من كلام الله، بل خلقها الله فى الهواء
أو صنفها جبريل أو محمد، فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلا مداد
وورق، وأعرضوا عما قاله سلفهم من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه
لما رأوا أن مجرد كونه دليلاً لا يوجب الاحترام، كالدليل على الخالق المتكلم
بالكلام، فإن الموجودات كلها أدلة عليه ولا يجب احترامها فصار هؤلاء يمتهنون
المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم ، ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطاً
لحرمة ما كتب فى المصاحف والورق من أسماء الله وآياته .
وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه فى الحش
أو يركضه برجله إهانة له ، إنه كافر مباح الدم .
فالبدع تكون فى أولها شبراً ثم تكثر فى الاتباع حتى تصير أذرعا
وأميالا وفراسخ .
وهذا الجواب لا يحتمل بسط هذا الباب فإنه مبسوط فى غيره .
وهؤلاء الذين يستثنون فى هذه الأشياء الماضية المقطوع بها مبتدعة ضلال
جهال، وأحدهم يحتج على ذلك. فإذا قيل له: هذه شجرة ، قال : إن شاء
الله أن يقلبها حيواناً فعل .
٤٢٥

فيقال له : هي الآن شجرة قطعاً. وأما إذا قلت: قد انتقلت كما أن
الإنسان يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لما ثم يحيى فبعدنفخ الروح فيه حي
قطعاً وإذا شاء الله أن يميته أماته؛ فالله إذا كان قادراً على تحويل الخلق من حال
إلى حال لم يمنع ذلك أن يكونوا فى كل وقت على الحال التى خلقهم عليها .
فالسماء سماء بمشيئة الله وقدرته وخلقه ؛ والإنسان إنسان بمشيئة الله وقدرته
وخلقه والفرس فرس بمشيئة الله وقدرته وخلقه وإذا شاء الله أن يغير ماشاء
غيره بمشيئته إن شاء وقدرته وخلقه .
ولم يجئء فى الكتاب والسنة استثناء فى الماضي بل فى المستقبل كقوله:
(وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ) وقوله: (لَتَدْخُلُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وإنا إن شاء
الله بكم لاحقون)) وقوله: ((إن سليمان قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة
تأتي كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له صاحبه: قل : إن شاء
الله فلم يقل. فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد قال : فلو قال إن شاء
الله لقاتلوا فى سبيل الله فرساناً أجمعين)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((من
حلف فقال: إن شاء الله؛ فإن شاء فعل وإن شاء ترك)) لأن الحالف يحلف
على مستقبل ليفعلن هو أو غيره كذا أو لا يفعل هو أو غيره كذا فيقول إن
شاء الله لأنه ما شاء الله كان؛ ومالم يشأ لم يكن فإن وقع الفعل كان الله شاءه
فلا حنث عليه وإن لم يقع لم يكن اللّه شاءه فلا حنث عليه؛ لأنه إنما التزمه
إن شاء الله؛ فإذا لم يشأه اللّه لم يكن قد التزمه فلا يحنث.
٤٢٦

و ((الاستثناء فى الايمان)) مأثورعن ابن مسعود وغيره من السلف والأمة
لاشكافيما يجب عليهم الإيمان به فإن الشك فى ذلك كفر. ولكنهم استئنوا فى
الايمان خوفا ألا يكونوا قاموا بواجباته وحقائقه؛ وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((هو الرجل
يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ وَسِلَةٌ )
يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل منه)) .
واستثنوا أيضا لعدم علمهم بالعاقبة والإيمان النافع هو الذي يموت
المرء عليه .
واستثنوا خوفامن تزكية النفس ونحو ذلك من المعانى الصحيحة .
وكذلك من استثنى فى أعمال البر كقوله: صليت إن شاء الله ونحو ذلك
فهذا كله استثناء فى أفعال لم يعلم وقوعها على الوجه المأمور المقبول فهو استثناء
فيما لم تعلم حقيقته؛ أو فى مستقبل علق بمشيئة الله ليبين أن الأمور كلها بمشيئة
الله، فأما الاستثناء فى ماض معلوم فهذه بدعة بخلاف العقل والدين .
٤٢٧

وقال رحمه الله
فصل
وأما (( مسألة تحسين العقل وتقبيحه)): ففيها نزاع مشهور ، بين أهل
السنة والجماعة من الطوائف الأربعة وغيرهم. فالحنفية وكثير من المالكية،
والشافعية والحنبلية ، يقولون بتحسين العقل وتقبيحه ، وهو قول الكرامية
والمعتزلة ، وهو قول أكثر الطوائف من المسلمين، واليهود والنصارى
والمجوس وغيرهم. وكثير من الشافعية والمالكية والحنبلية ينفون ذلك، وهو
قول الأشعرية؛ لكن أهل السنة متفقون على إثبات القدر ، وأن الله على كل
شيء قدير ، خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء كان وما لم
يشأ لم يكن .
والمعتزلة وغيرهم من القدرية: يخالفون فى هذا. فإنكار القدر بدعة
منكرة، وقد ظن بعض الناس ، أن من يقول : بتحسين العقل وتقبيحه ينفي
القدر، ويدخل مع المعتزلة فى مسائل التعديل والتجويز ، وهذا غلط ، بل
جمهور المسلمين لا يوافقون المعتزلة على ذلك. ولا يوافقون الأشعرية على نفي
٤٢٨

الحكم والأسباب؛ بل جمهور طوائف المسلمين يثبتون القدر، ويقولون: إن الله خالق
كل شيء من أفعال العباد وغيرها. ويقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأما الإقرار بتقدم على الله وكتابه لأفعال العباد، فهذا لم ينكره إلا الغلاة
من القدرية وغيرهم ؛ وإلا فجمهور القدرية من المعتزلة وغيرهم يقرون بأن الله
على ما العباد فاعلون قبل أن يفعلوه ، ويصدقون بما أخبر به الصادق المصدوق
من أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم . كما ثبت فى صحيح مسلم
عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله قدر مقادير
الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه
على الماء)) وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين ((عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم قال: ((كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء وكتب
فى الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض، وفي لفظ ((ثم خلق السموات والأرض)).
وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: ((حدثنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - إن أحدكم يجمع
خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل
ذلك ، ثم يبعث إليه الملك ؛ فيؤمر بأربع كلمات ، فيقال: اكتب رزقه ،
وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي نفسي بيده
إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق
عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل
٤٢٩

أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل
بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة)). والآثار مثل هذا كثيرة.
فهذا يُقِرُ به أكثر القدرية، وإنما ينكره غلاتهم كالذين ذكروا لعبد
الله بن عمر فى الحديث الذي رواه مسلم فى أول صحيحه بحيث قيل له: ((قبلنا
أقوام يقرؤون القرآن ، ويتقفرون العلى، يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف ،
قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى برىء منهم ، وأهم مني برءاء)) ولهذا كفر
الأئمّة :- كمالك والشافعي وأحمد - من قال: إن اللّه لم يعلم أفعال العباد حتى
يعملوها . بخلاف غيرهم من القدرية .
والمقصود هنا : أن جماهير المسلمين يخالفون القدرية من المعتزلة
وغيرهم ، وجماهير المسلمين أيضاً يقرون بالأسباب التى جعلها الله أسباباً فى
خلقه وأمره ويقرون بحكمة الله - التى يريدها - فى خلقه وأمره.
ويقولون: كما قال الله فى القرآن حيث قال: ( وَمَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ
وقال: ( فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا
مِن ◌َّاءٍ فَأَعْيَابِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)
بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ ) ومثل هذاكثير فى الكتاب والسنة . وجمهور
المسلمين على ذلك يقولون : إن هذا فعل بهذا ، لا يقولون كما يقول
نفاة الأسباب : فعل عندها لا بها ، وهذه الأمور مبسوطة فى غير
هذا الموضع .
٤٣٠

والمقصود هنا: أن ((مسألة التحسين والتقبيح)) ليست ملازمة
لمسألة القدر. وإذا عرف هذا فالناس فى ((مسألة التحسين والتقبيح))
على ثلاثة أقوال : طرفان ، ووسط .
( الطرف الواحد ) : قول من يقول : بالحسن والقبح ، ويجعل
ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ، ولا يجعل الشرع إلا كاشفاً عن تلك
الصفات ، لا سبباً لشىء من الصفات ، فهذا قول المعتزلة - وهو ضعيف -
وإذا ضم إلى ذلك قياس الرب على خلقه ، فقيل : ما حسن من المخلوق
حسن من الخالق . وما قبح من المخلوق قبيح من الخالق ، ترتب على
ذلك أقوال القدرية الباطلة ، وما ذكروه فى التجويز والتعديل ، وهم
مشبهة الأفعال ، يشبهون الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق فى الأفعال ،
وهذا قول باطل ، كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في
الصفات باطل .
فاليهود وصفوا الله بالنقائص التى يتنزه عنها ، فشبهوه بالمخلوق : كما
وصفوه بالفقر والبخل ، واللغوب . وهذا باطل ؛ فإن الرب تعالى منزه
عن كل نقص ، وموصوف بالكمال الذي لا نقص فيه ، وهو منزه في
صفات الكمال أن يماثل شيء من صفاته شيئاً من صفات المخلوقين ،
فليس له كفؤاً أحد في شيء من صفاته ، لا فى علمه ولا قدرته ولا
إرادته ولا رضاه ولا غضبه ، ولا خلقه ولا استوائه ، ولا إتيانه ولا
٤٣١

نزوله ، ولا غير ذلك مما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله . بل
مذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه . وما وصفهبهرسوله
من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل . فلا ينفون
عنه ما أثبته لنفسه من الصفات ، ولا يمثلون صفاته بصفات المخلوقين ؛
فالنافى معطل، والمعطل يعبد عدماً. والمشبه ممثل، والممثل
يعبد صنماً .
ومذهب السلف إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل . كما قال تعالى:
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) وهذا رد على الممثلة. وقوله: (وَهُوَالسَّمِيعُ
الْبَصِيرُ) رد على المعطلة. وأفعال اللّه لا تمثل بأفعال المخلوقين
فإن المخلوقين عبيده ، يظلمون ويأتون الفواحش ، وهو قادر على منعهم
ولو لم يمنعهم؛ لكان ذلك قبيحاً منه وكان مذموماً على ذلك. والرب تعالى
لا يقبح ذلك منه، لما له فى ذلك من الحكمة البالغة والنعمة السابغة، هذا على
قول السلف والفقهاء والجمهور الذين يثبتون الحكمة فى خلق
الله وأمره .
ومن قال إنه لا يخلق شيئاً بحكمة، ولا يأمر بشىء بحكمة ؛ فإنه لا يثبت
إلا محض الإرادة التى ترجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، كما هو
أصل ابن كلاب ، ومن تابعه، وهو أصل قولي القدرية والجهمية.
وأما الطرف الآخر في « مسألة التحسين والتقبيح)) فهو قول من يقول:
٤٣٢

إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ، ولا على صفات هي علل للأحكام،
بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر ، لمحض الإرادة، لا لحكمة ولا
لرعاية مصلحة فى الخلق والأمر.
ويقولون : إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله، وينهى عن عبادته
وحده ، ويجوز أن يأمر بالظلم والفواحش، وينهى عن البر والتقوى ،
والأحكام التى توصف بها الأحكام مجرد نسبة وإضافة فقط ، وليس المعروف
فى نفسه معروفاً عندم، ولا المنكر فى نفسه منكراً عندم ، بل إذا قال :
( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ )
فحقيقة ذلك عندم أنه بأمرم بما بأمرهم، وينهاهم عما ينهاهم، ويحل لهم ما يحل
لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم ، بل الأمر والنهي والتحليل والتحريم ،
ليس فى نفس الأمر عندهم لا معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث ، إلا
أن يعبر عن ذلك بما يلائم الطباع ، وذلك لا يقتضى عندهم كون الرب يحب
المعروف ويبغض المنكر .
فهذا القول ولوازمه هو أيضاً قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ،
والإجماع السلف والفقهاء ، مع مخالفته أيضاً للمعقول الصريح ؛ فإن الله
نزه نفسه عن الفحشاء. فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَآءِ) كمانزه نفسه
عن التسوية بين الخير والشر فقال تعالى: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ
السَّمِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ
٤٣٣

مَا يَحْكُّمُونَ ) وقال: ( أَفَتَجْعَلُ الْسْلِمِينَ كَُّجْرِمِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ)
وقال: (أَمْنَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اُلْأَرْضِ أَمْنَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ
كَالْفُجَارٍ )
وعلى قول النفاة : لافرق فى التسوية بين هؤلاء وهؤلاء ، وبين
تفضيل بعضهم على بعض ، ليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن
الآخر، وهذا خلاف المنصوص والمعقول. وقد قال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وعندهم تعلق الإرسال بالرسول كتعلق الخطاب بالأفعال
لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ولا بعده ، والفقهاء وجمهور المسلمين
يقولون : الله حرم المحرمات فخرمت ، وأوجب الواجبات فوجبت ، فمعنا
شيئان : إيجاب وتحريم ، وذلك كلام الله وخطابه ، والثاني وجوب وحرمة
وذلك صفة للفعل. والله تعالى عليم حكيم ، على بما تتضمنه الأحكام من
المصالح ، فأمر ونهى لعلمه بما فى الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح
العباد ومفاسدم ، وهو أتبت حكم الفعل ، وأما صفته فقد تكون ثابتة
بدون الخطاب .
وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع ،
(أحدها ) : أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ، ولو لم
يرد الشرع بذلك ، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم ، والظلم يشتمل
٤٣٤

على فسادم، فهذا النوع هو حسن وقبيح ، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح
ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن ؛ لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن
يكون فاعله معاقباً في الآخرة ، إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه
غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح ؛ فإنهم قالوا ؛ إن العباد يعاقبون على أفعالهم
القبيحة ، ولو لم يبعث إليهم رسولاً ، وهذا خلاف النص قال تعالى: ( وَمَا
كُتَّامُعَذِّ بِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) وقال تعالى: (رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
لِتَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ
مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِيَ أُمِّهَا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَىَّ
إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ ) وقال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيَهَا فَوٌْ سَلَهُمْخَُهَا أَلَمْـ
يَأْتِكُمْنَذِيرٌ * قَالُوْبَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِ ضَلَلِكَبِيرٍ
* وَقَالُوْلَوَّكُنَّا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكُنَفِى أَصْحَبِ السَّعِيرِ ).
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أحد
أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين))
والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة، ترد على من
قال من أهل التحسين والتقبيح : إن الخلق يعذبون فى الأرض بدون
رسول أرسل إليهم .
( النوع الثاني ) : أن الشارع إذا أمر بشىء صار حسناً، وإذا نهى
٤٣٥

عن شيء صار قبيحاً ، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
و(النوع الثالث): أن يأمر الشارع بشىء ليمتحن العبد، هل يطيعه
أم يعصيه ! ولا يكون المراد فعل المأمور به ، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه ،
فلما أسلما ونله للجبين حصل المقصود فقداه بالذبح ، وكذلك حديث أبرص
وأفرع وأعمى ، لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى
قال الملك : أمسك عليك مالك ، فإنما ابتليتم ؛ فرضى عنك ، وسخط
على صاحبيك.
فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به ، وهذا
النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة ؛ وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا
لما هو متصف بذلك ، بدون أمر الشارع ، والأشعرية ادعوا : أن جميع
الشريعة من قسم الامتحان ، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا
بالشرع ؛ وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة ، وهو الصواب.
٠
٤٣٦

سئل شيخ الإسلام
تقى الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى
عن العبد: هل يقدر أن يفعل الطاعة إذا أراد أم لا؟ وإذا أراد أن يترك
المعصية يكون قادراً على تركها أم لا؟ وإذا فعل الخير نسبه إلى الله ، وإذا
فعل الشر نسبه إلى نفسه ؟.
فأجاب: الحمد لله: نعم! إذا أراد العبد الطاعة التى أوجبها الله عليه إرادة
جازمة كان قادراً عليها ، وكذلك إذا أراد ترك المعصية التى حرمت عليه إرادة
جازمة كان قادراً على ذلك، وهذا مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل ،
حتى أتمّة الجبرية، بل هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وإنما ينازع فى
ذلك بعض غلاة ((الجبرية)) الذين يقولون: إن الأمر الممتنع لذاته واقع فى
الشريعة ، ويحتجون بأمره أبالهب : بأنه يؤمن بما يستلزم عدم إيمانه . وهذا
القول خلاف ما أجمع عليه أئمة الإسلام: كالأئمة الأربعة وغيرهم ، وأئمة الحديث
والتصوف وغيرم، وخلاف ما أجمع عليه أئمة الكلام من أهل
النفي والإثبات .
فأما إجماع المعتزلة ومحوهم على ذلك فظاهر، وكذلك أئمة المتكلمين المثبتة:
٤٣٧

كأبي محمد بن كلاب، وأبى العباس القلانسي، وأبى الحسن الأشعري، والقاضي
أبى بكر الباقلانى، وأبي بكر بن فورك، وأبي إسحق الإسفرائيني، والأستاذ أبي
المعالى الجويني، وأبى حامد الغزالى، وكذلك أبو عبد الله محمد بن كرام وأصحابه :
كابن الهيصم، وسأر متكلمي أصحاب أبى حنيفة: كأبى منصور الماتريدي. وغيره
وأمثال هؤلاء كلهم متفقون وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك غير واحد:
كأبي الحسن بن الزاغونى ، وإنما نازع فى ذلك بعضهم ، واتبعه أبو عبد
الله الرازي .
واحتجاجهم بقصة أبى لهب حجة باطلة؛ فإن الله أمر أبالهب بالإيمان قبل
أن تنزل السورة ، فلما أصر وعاند استحق الوعيد، كما استحق قوم نوح حين
) وحين استحق
أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْءَامَنَ
قيل له: (
الوعيد أخبر الله بالوعيد الذي يلحقه، ولم يكن حينئذ مأموراً أمراً يطلب
به منه ذلك، والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة
والقدرة ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين :
((صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)).
وقد اتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها :
كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو
غير ذلك، سقط عنه ماعجز عنه. وإنما يجب عليه ما إذا أراد فعله إرادة جازمة
أمكنه فعله ، وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز عن مثل :
٤٣٨

الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ، الذين يعجزون عنه أداء وقضاء ، وإنما
تنازعوا هل على مثل ذلك الفدية بالإطعام ؟ فأوجبها الجمهور : كأبى حنيفة
والشافعي وأحمد ولم يوجبها مالك، وكذلك الحج: فإنهم أجمعوا على أنه
لا يجب على العاجز عنه وقد قال تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ
اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) وقد تنازعوا : هل الاستطاعة مجرد وجود المال ؟
كما هو مذهب الشافعى وأحمد ، أو مجرد القدرة ولو بالبدن كما هو مذهب
مالك ؟ أو لابد منهما كمذهب أبى حنيفة ؟ والأولون يوجبون على المغصوب
أن يستنيب بماله ، بخلاف الآخرين .
بل مما ينبغي أن يعرف أن الاستطاعة الشرعية المشروطة فى الأمر
والنهي لم يكتف الشارع فيها بمجرد المكنة ولو مع الضرر ، بل متى كان
العبد قادراً على الفعل مع ضرر يلحقه جعل كالعاجز فى مواضع كثيرة من
الشريعة : كالتطهر بالماء والصيام فى المرض ، والقيام فى الصلاة ، وغير ذلك
تحقيقاً لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ولقوله تعالى:
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ولقوله تعالى: ( مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم
مِنْ حَرَج ) وفى الصحيح عن أنس ((عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأعرابى
لما بال فى المسجد قال : لا تزرموه - أي لاتقطعوا عليه بوله ــ فإنما بعتتم
ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) وكذلك في الصحيح (( أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : - لمعاذ وأبى موسى حين بعثها إلى اليمن - يسرا ولا
٤٣٩

تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا يختلفا)) وهذا وأمثاله فى الشريعة
أكثر من أن يحصر .
فمن قال إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة
فقد كذب على الله ورسوله ، وهو من المفترين الذين قال الله فيهم: (إِنَّ
الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى
قال أبو قلابة : هذا لكل مفتر من هذه الأمة إلى
اَلْمُفْتَرِينَ )
يوم القيامة.
لكن مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لاحول ولاقوة إلا بالله، وأنه ماشاء
الله كان وما لم يشألم يكن، وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد، وقدر تهم وإرادتهم
وأفعالهم ، فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته، وإذنه
وقضائه وقدره وقدرته، وفعله، وقد جاءت الإرادة فى كتاب الله على نوعين :
( أحدهما ): الإرادة الدينية، كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَّنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ - إلى قوله تعالى ــ وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وقال تعالى:
( مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
و (الثانى): الإرادة الكونية، كما قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ.
٤٤٠