النص المفهرس

صفحات 401-420

وَأَنَّا لَا نَدْرِىَّأَشَرُّ
خَلَقَ )، وقوله : ( وَإِذَامَرِضْتُ فَهُوَنَشْفِینِ). (
أُرِيدَ بِمَنْ فِ اْأَرْضِ أَمْ أَرَادَبِهِمْ رَتُهُمْرَشَدًا ) ؟ وما شاكل ذلك من أن الشر إما أن
محذف فاعله. أو يضاف إلى الأسباب ، أو يندرج فى العموم وأما إفراده
بالذكر مضافا إلى خالق كل شيء فلا يقتضيه كلام حكيم لما توجبه الحقيقة
المقتضية للأدب المؤسس لا لمحض (١) متميز.
وهنا يعرف سبب دخول خلق كثير الجنة بلا عمل. وإنشاء خلق لها
وأما النار فلا تدخل إلا بعمل ، ولن يدخلها إلا أهل الدنيا ويعرف
حقيقة: ( وَمَ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ) (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) مع أن السيئة من القدر ، وقول الصديق وغيره من
الصحابة: إن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، إلى غير
ذلك مما فيه ما قد لحظ كل ناظر منه شعبة من الحق، وتعلق بسبب من
الصواب وما يتبع وجوه الحق، ويؤمن بالكتاب كله إلا أولوا الألباب وقليل
مام ، فهذه إشارة بسيرة إلى كلي التقدير .
وأما كون قدرة العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب. فإن الله
عز وجل خص الإنسان بأن علمه يورثه فى الدنيا أخلاقاً وأحوالاً وآثاراً .وفى
الآخرة أيضاً أمورا أخر لم يحصل هذا لغيره من مخلوقاته، والوجوه التى خص
(١) سقط بالأصل بسبب خروم في المنقول منه
٤٠١

بها الإنسان فى ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصاً ونوعا أكثر من أن تحصى،
وما من عاقل إلا وعنده منها طرف ، ولهذا حسن توجيه الأمر
والنهي إليه. وصح إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا، مع أنه خلق الله
تعالى ، فإن الله تعالى خلق العبد وعمله وجعل هذا العمل له عملاً قام
به وصدر عنه وحدث بقدرته الحادثة .
وأدفى أحوال ((الفعل)) أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة فى
العبد ، إذا جعلت مفضية إلى أمور أخر، فهل يصح تجريد العبد عنها؟ كلا ولم؟.
وأما ((الأمر)) فإنه في حق المطيعين من الأسباب التى بها يكون الفعل
منهم؛ فإنه يبعث داعيتهم ، ثم إنه يوجب لهم الطاعة ومحضر الانقياد والاستسلام
فهو من حملة القدر السابق لهم إلى السعادة وفى حق العاصين هو السبب الذي
يستحقون به العصيان، إذ لولا هو لما تميز مطيع من عاص .
و ((أيضاً)) فى حقهم من القدر السابق لهم إلى المعصية ؛ ليضل به كثيراً
ويهدي به كثيراً ، عن إدخال الأمر والنهي فى جملة المقادير، (١) يحل عقدة
كثيرة هذا (١) سبحانه وتعالى لعلمه بالعواقب . وأما أمر العباد فظاهر
العدم (١) من المعاصي فى علمهم وأن قصدم نفس صدور الفعل من الجميع
فهو (١) فى ظاهر الأمر الشرعي على لسان المرسلين بالكتب المنزلة والله
(١) هكذا بالأصل لأجل خروق في المنسوخ منه .
٤٠٢

(١) كله مظهر أمر وحكم يمضيه، فالإرادة والأمر كل منها منقسم (١) عام
الوقوع جامع للقسمين وإلى شرع وبما بعد وربما وقف (١) القدر له والخير
كل الخير في نفوذه وهو خاص الوقوع بفرق إلى القسمين ، واضع الأشياء
فی مراتها.
وإذا صح نسبة الطاعة والمعصية إلى من خلقت فيه ولو أنه بخلق الصفات .
أفيحسن بالإنسان أن يقول : أسود وأحمر وطويل وقصير وذ كي وبليد وعربي
ومجمي فيضيف إليه جميع الصفات التى ليس للإنسان فيها إرادة أصلاً ألبتة
لقيامها به. وتأثيرها فيه، تارة بما يلائمه وتارة بما ينافره، ثم يستبعد أن يضاف
إليه ما خلق فيه من الفعل بواسطة قصده وإرادته المخلوقين أيضاً ؟ ثم يقول :
ليس للعبد في السيء شيء فهل الجميع إلا له؟ بل ليست لأحد غيره؛ لكن
الله سبحانه وتعالى خلقها له وإضافة الفعل إلى خالقه ومبدعه لا تنافي
إضافته إلى صاحبه ، ومحله الذي هو فاعله وكاسبه ، وقد بينا
الجبر المذموم ما هو.
ويختم الكلام بكلام وجيز فى سبب الفرق بين الخلق
والكسب . فنقول :
الخلق يجمع معنيين ( أحدهما ) الإبداع والبره ، و ( الثاني ) :
التقدير والتصوير ..
(١) هكذا بالأصل لأجل خروق في المنسوخ منه .
٤٠٣

فإذا قيل : خلق ، فلا بد أن يكون أبدع إبداعاً مقدراً ، ولما كان سبحانه
وتعالى أبدع جميع الأشياء من العدم وجعل لكل شيء قدراً، صح إضافة
الخلق إليه بالقول المطلق . والتقدير فى المخلوق لازم ، إذ هو عبارة عن محديده
والإحاطة به وهذا لازم لجميع الكائنات، لا كما زعم من حسب أن الخلق فى (١)
ذوات المساحة وهي الأجسام مفرقاً بين الخلق والأمر بذلك ، فإنه قول باطل
مبتدع والأمر هو كلامه كما فسره الأولون، والخلق مفسر (١) يجعل الخلق
بإزاء إبداع الصور الذهنية وتقديرها ومنه تسمية(١) اختلافاً إذهو صور
ذهنية ليس لها حقيقة خارجة عن الذهن و(١) جعل الخلق بمعنى التقدير فقط
مقطوعا عنه النظر إلى الإبداع بما قال : (١) سدى ما خلقت ، وكما قال علي فى
تمثال صنعه: أنا خلقته والفرق (١) الأولى من حيث إن تلك الصورة مبتدعة،
لكان قولا (١) يكون إلا اللّه سبحانه وتعالى صح وصفه سبحانه بأنه
خالق كل شيء .
وأما الكسب فقد ذكرنا أنه إنما ينظر فيه إلى تأثيره فى محله ولو لم يكن له
عليه قدرة حتى يقال : الثوب قداكتسب من ريح المسك ، والمسجد قد
اكتسب الحرمة من أفعال العابدين ، والجلد قد اكتسب الحرمة المجاورة
المصحف والثمرة قد اكتسبت لوناً وريحاً وطعماً، فكل محل تأثر عن شيء
مؤثراً وملائماً ومنافراً صح وصفه بالاكتساب بناء على تأثره وتغيره وتحوله
(١) بياضات بالأصل
٤٠٤

من حال إلى حال ، والإنسان يتأثر عن الأفعال الاختيارية ، ولا يتأثر عن
الأفعال الاضطرارية، فتورثه أخلاقاً وأحوالاً على أي حال كان حتى على رأي
من يطلق اسم الجبر على مجموع أفعاله ، فإنه يستيقن تأثير الأفعال الاختيارية فى
نفسه ، بخلاف الاضطرارية ، اللهم إلا من حيث قد توجب الأفعال الاضطرارية
أمراً فى نفسه فيكون ذلك اختياراً .
ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون فى بدنه دون قلبه، إما بفعل الله تعالى
كالأمراض والأسقام وإما بفعل العباد كالقيد والحبس، وأما أفعال روحه
المنفوخة فيه ؛ إذا حركت يديه فهي كلها اختيارية ، ومن وجه قد بيناه كلها
اضطرارية، فاضطرارها هو عين (١) واختيارها إنما هو بالاضطرار، وحقيقة
الاضطرار هو أن اضطرار (١) وربما أحبت من وجه وكرهت من وجه آخر، وهذا
كله لا يمنع ورود التكليف، واقتضاء الثواب والعقاب.
هذا الذي تيسر كتابته فى الحال: (وَاللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَّ وَهُوَبَهْدِى السَّبِيلَ)
والحمد لله وحده
(١) بياض في الأصل
٤٠٥

سئل شيخ الإسلام
تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه
الله: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضى الله عنهم أجمعين - فى ((أفعال
ء
العباد)): هل هي قديمة، أم مخلوقة حين خلق الإنسان؟ وما الحجة على من
يقول: إن سائر أفعال العباد من الحركات وغيرها من القدر الذي قدر قبل
خلق السموات والأرض ؟ وفيمن لم يستثن في الأفعال الماضية كقول القائل :
هذه نخلة أو شجرة زيتون قطعاً ، لم يقل شيء إلا ويسترجع فيه المشيئة ، ويسأل
البسط فى ذلك.
فأجاب رضى الله عنه: الحمد لله رب العالمين. ((أفعال العباد)) مخلوقة باتفاق
سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام: الإمام أحمد ومن قبله
وبعده ، حتى قال بعضهم : من قال : إن أفعال العباد غير مخلوقة. فهو بمنزلة من
قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة، وقال يحيى بن سعيد العطار: ما زلت
أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة.
وكان السلف قد أظهروا ذلك لما أظهرت القدرية أن أفعال العباد غير
٤٠٦

مخلوقة لله، وزعموا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله، فبين السلف والائمة
أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها .
ثم لما أظهر طائفة من المنتسبين إلى السنة أن ألفاظ العباد [بالقرآن]
غير مخلوقة ، وأنكر الإمام أحمد ذلك وبدع من قاله ، ثم لما مات قام بعده
صاحبه أبو بكر المروذي فصنف فى ذلك مصنفاً، ذكره أبو بكر الخلال فى
((كتاب السنة))، وذكر مسألة أبي طالب لما أذكر عليه أحمد القول بأن لفظى
بالقرآن غير مخلوق، والجهمية أول من قال اللفظ بالقرآن مخلوق ، ورواه
عنه ابناه صالح وعبد الله وحنبل بن عمه ، والمروذي وقوران وغيرهم من
أجلاء أصحابه.
وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من علماء السنة من قال : إن
أصوات العباد وأفعالهم غير مخلوقة ، وصنف البخاري فى ذلك مصنفا ، كما
أنهم بدعوا وجهموا من قال : إن الله لايتكلم بصوت ، أوإن حروف القرآن
مخلوقة . أو قالوا: إن اللفظ بالقرآن مخلوق ، فرد الأمة هذه البدعة كما
ذكرنا ذلك مبسوطا فى غير هذا الموضع. ولم يقل قط أحد لا من أصحاب
أحمد المعروفين ولا من غيرهم من العلماء المعروفين : إن أفعال العباد قديمة .
وإنما رأيت هذا [ قولا] لبعض المتأخرين بأرض العجم وأرض مصر،
من المنتسبين إلى مذهب الشافعي أو أحمد ، فرأيت بعض المصريين يقولون :
٤٠٧

إن أفعال العباد من خير وشر قديمة، ويقولون : ليس مرادنا بالأفعال نفس
الحركات ، ولكن مرادنا الثواب الذي يكون عليها ، كما جاء فى الحديث :
((إن المؤمن يرى عمله فى صورة رجل حسن الوجه طيب الريح))
واحتجوا على ذلك بأن الأفعال من القدر ، والقدر سر الله وصفة من
صفاته ، وصفاته قديمة .
واحتجوا بأن الشرائع غير مخلوقة . لأنها أمر الله وكلامه، والأفعال
هي الشرائع ، فتكون قديمة. وهذا قول فى غاية الفساد، وهو مخالف
لنصوص أئمة الإسلام كلهم : وأحدم الإمام أحمد، فإنه نص هو وغيره من
الأئمة على أن الثواب الذي يعطيه الله على قراءة القرآن مخلوق. فكيف بالثواب
الذي يعطيه على سائر أعمال العباد .
ولما احتج الجهمية على الإمام أحمد وغيره من أهل السنة على أن القرآن
مخلوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تأتي البقرة وآل عمران كأنها
غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طيرصواف ويأتي القرآن فى صورة الرجل
الشاحب)) ونحو ذلك قالوا: ومن يأتى ويذهب لا يكون إلا مخلوقا، أجابهم
الإمام أحمد بأن اللّه تعالى قد وصف نفسه بالمجيء والإنيان بقوله :
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْيَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْيَأْتِىَ بَعْضُءَايَتِ رَبِّكَ ) وقال:
(وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًا) ومع هذا فلم يكن هذا دليلا على أنه مخلوق
٤٠٨

بالاتفاق، بل قد يقول القائل : جاء أمره ، وهكذا تقوله المعتزلة الذين
يقولون : القرآن مخلوق ، يتأولون هذه الآية على أن المراد بمجيئه مجيء أمره
فلم لا يجوز أن يتأول مجيء القرآن على مجيء ثوابه؟ ويكون المراد بقوله مجيء
البقرة وآل عمران بمجيء توابها، وثوابها مخلوق.
وقد ذكر هذا المعنى غير واحد، وبينوا أن المراد بقوله: ((مجىء البقرة
وآل عمران)) أي توابها، ليجيبوا الجهمية الذين احتجوا بمجيء القرآن
وإتيانه على أنه مخلوق ، فلو كان الثواب أيضاً الذي يجيء في صورة غمامة أو
صورة شاب غير مخلوق ، لم يكن فرق بين القرآن والثواب، ولا كان حاجة
إلى أن يقولوا : يجيء ثوابه؟ ولا كان جوابهم للجهمية صحيح ، بل كانت
الجهمية تقول : أنتم تقولون إنه غير مخلوق ؛ وأن توابه غير مخلوق ، فلا
ينفعكم هذا الجواب.
فعلم أن أئمة السنة مع الجهمية كانوا متفقين على أن ثواب قراءة القرآن
مخلوق ، فكيف يكون ثواب سائر الأعمال ؛ وهذا بين ، فإن الثواب
والعقاب هو ما وعد الله به عباده ، وأوعدهم به ؛ فالثواب هو الجنة بما فيها ؛
والعقاب هو النار بما فيها ؛ والجنة بما فيها مخلوق والنار بما فيها مخلوق وقد
ذكر الإمام أحمد هذه الحجة فيما كتبه فى الرد على الزنادقة والجهمية
فقال :
(باب) : ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التى رويت
٤٠٩

(( إن القرآن يجىء فى صورة الشاب الشاحب ؛ فيأني صاحبه فيقول: هل
تعرفني؟ فيقول له : من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أظمأت نهارك ؛
وأسهرت ليلك؛ قال: فيأتي به الله؛ فيقول: يارب! )) فادعوا. أن القرآن
مخلوق؛ فقلنا لهم: إن القرآن لا يجيء بمعنى أنه قد جاء: ((من قرأ: (قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ) فله كذا وكذا)) ألا ترون من قرأ: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) لا يجيئه ؛
بل يجيء ثوابه ؛ لأنا نقرأ القرآن فنقول لا يجيء ؛ ولا يتغير من حال
إلی حال .
فبين أحمد أن الثواب هو الذي يجيء ؛ وهو المخلوق من العمل ؛ فكيف
بعقوبة الأعمال الذي تتغير من حال إلى حال فإذا كان هذا ثواب (قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ ) وهو ثواب القرآن فكيف ثواب غيره!
وأما احتجاج المحتج بأن الأفعال قدر الله فيقال له: لفظ ((القدر)) براد
به التقدير ؛ ويراد به المقدر. فإن أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي
هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته؛ فهذا غلط وباطل . فإن أفعال
العباد ليست شيئاً من صفات اللّه تعالى؛ وإن أردت أنها مقدرة قدرها الله
تعالى ؛ فهذا حق . فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة ؛ وقد ثبت
في الصحيح أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض
خمسين ألف سنة ؛ وكل تلك المقدورات مخلوقة.
٤١٠

وثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: ((حدثنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ؛ إن خلق أحدكم يجمع فى بطن
أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث
إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال : اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو
سعيد ثم ينفخ فيه الروح )) . فالرزق والأجل قدره كما قدر عمله؛ ومعلوم
أن الرزق الذي يأ كله مخلوق مع أنه مقدر . فكذلك عمله ؛ وكذلك
سعادته وشقاؤه وسعادته وشقاؤههي ثواب العمل وعقابه ؛ وكل ذلك مقدر ؛ كما
أن الرزق مقدر والمقدر مخلوق .
وأما قولهم: إن الأعمال هي الشرائح، والشرائع غير مخلوقة، فيقال
لهم أيضاً لفظ الشرع يراد به كلام الله الذي شرع به الدين ، ويراد به
الأعمال المشروعة ، فإن هذه الألفاظ يراد بها المصدر ويراد بها المفعول ،
كلفظ ((الخلق)) ونحوه.
فإن قلتم : إن أعمال العباد هي الشرع الذي هو كلام الله، فهذا باطل
ظاهر البطلان.
وإن أردتم: أن الأعمال هي المشروعة بأمر الله بها فهذا حق؛ لكن
أمر الله غير مخلوق، وأما المأمور به المكون بأمر الله أو الممتثل بأمر الله
فإنه مخلوق، كما أن العبد المأمور مخلوق.
٤١١

ولفظ ((الأمر)) يراد به المصدر، والمفعول، فالمفعول مخلوق، كما قال :
) . فهنا المراد به المأمور
(أَفَأَمْرُ اللَّهِ )، وقال: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِقَدَرَامَّقْدُورًا
به ليس المراد به أمره الذي هو كلامه، وهذه الآية التى احتج بها هؤلاء
تضمنت الشرع وهو الأمر والقدر ، وقد ضل في هذا الموضع فريقان :
((الجهمية)) الذين يقولون: كلام اللّه مخلوق، ويحتجون بقوله: (وَكَانَ
أَمْرُاللَّهِ قَدَرَّامَّقْدُورًا ). ويقولون: ما كان مقدوراً فهو مخلوق. وهؤلاء
((الحلولية)) الضالون الذين يجعلون فعل العباد قديماً بأنه أمر الله وقدره،
وأمره وقدره غير مخلوق .
ومثار الشبهة أن اسم ((القدر)) و ((الأمر)) و((الشرع)) يراد به المصدر
) المراد به المأمور
ويراد به المفعول، ففي قوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِقَدَرَّامَّقْدُورًا
به المقدور، وهذا مخلوق، وأما فى قوله: (ذَلِكَ أَمْرُاَللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ) فأمره
كلامه إذ لم ينزل إلينا الأفعال التى أمرنا بها وإنما أنزل القرآن، وهذا كقوله :
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ) فهذا الأمر هو كلامه.
فإذا احتج الجهمي الذي يؤول أمره إلى أن يجعله حالاً فى المخلوقات
بقوله: (وَكَانَ أَمْرُ لَهِقَدَرَامَّقْدُورًا ) قيل له المراد به المأمور به، كما فى قوله:
( أَفَ أَمْرُاللَّهِفَلَا تَسْتَعِْلُوهُ ) وكما يقال عن الحوادث التى يحدثها الله هذا
أمر عظيم، وإذا احتج الحلولي الذي يجعل صفات الرب تقارن ذاته ، وتحل في
٤١٢

المخلوقات بقوله: ( وَكَانَ أَمْرُاللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) وقال: الأفعال قدره وأمره،
وأمره غير مخلوق ، وقدره غير مخلوق. قيل له : أمره وقدره الذي هو صفته
كمشيئته وكلامه غير مخلوق، فأما أمره الذي هو قدر مقدور فمخلوق ، فالمقدور
مخلوق، والمأمور به مخلوق، وإن سميا أمراً وقدراً.
ثم يقال لهؤلاء الضالين : هب أن المأمور به يسمى أمراً وشرعا فالمنهي
عنه ليس هو مأموراً به ولا مشروعا، وإنما هو مخالفة للأمر والشرع ، وهو
منهي عنه فكيف سميتم الكفر والفسوق والعصيان شرائح، وليست من الشرائع؟!
ولكن هي مما نهت عنه الشريعة، ولما قال سبحانه: ( ثُمَّجَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ
اُلْأَمْرٍ فَاتَّعْهَا) هل دخل فى هذه الشريعة الكفر والفسوق والعصيان؟! وهل
أمر الرسول باتباع ذلك وباجتنابه واتقائه؟ ! .
وأما قول السائل: ما الحجة على من يقول: إن أفعال العباد من الحركات
وغيرها من القدر الذي قدر قبل خلق السموات والأرض؟ فيقال له: من
قال هذا القول فقد أحسن وأصاب وليس عليه حجة ، بل هذا الكلام حجة
على نقيض مطلوبه ، فإن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم
في صحيحه عن عبد الله بن عمرو عنه صلى اللّه عليه وسلم قال: ((إن
الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ))
فقدر أعمالهم وأرزاقهم وصورهم وألوانهم وكل ذلك مخلوق ، فدل ذلك على أن
الأعمال من المقدورات المخلوقة، وهل يقول عاقل: إن عمل العبد كان موجوداً
٤١٣

قبل وجوده، وعمل العبد حركته التى نشأت عنه فكيف يكون ذلك
موجوداً قبله .
ومن فسر كلامه وقال: إنا لم ترد الحركة ، ولكن أردنا ثوابها ، فيقال له
كل ما سوى الله فهو مخلوق وكلامه وصفاته ليست خارجة عن مسماه؛ بل
كلامه داخل فى مسمى اسمه . ولو قال قائل: ما سوى الله وصفاته فهو مخلوق
ليزيل هذه الشبهة كان قد قصد معنى صحيحاً وكذلك إذا قال كما قال من قال
من السلف : الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله منزل
غير مخلوق . منه بدأ وإليه يعود، فهؤلاء استثنوا القرآن لئلا يتوهم المستمع
أن القرآن المنزل مخلوق .
فإن الجهمية كانوا يقولون للناس: القرآن هو اللّه أو غير الله؟ فيجيبهم
من لا يفهم مقصودم بأنه غير الله ، فيقولون كل ما سوى اللّه مخلوق ،
فقال من قال من السلف هذه العبارة لئلا يظن من لم يعرف مقاصد
الجهمية أن القرآن مخلوق، لظنه أن ذلك يدخل في عموم قوله : وما سوى
الله مخلوق فقالوا : إن ذلك لا يدخل فى عموم قوله: وما سوى الله مخلوق ،
فقالوا : إلا القرآن فإنه ليس بمخلوق ، وإن أدخله من أدخله فى قول القائل
وما سوى اللّه مخلوق، فلما كان لفظ الغير والسوى فيها اشتراك ، فصفة
الشيء تدخل تارة فى لفظ الغير والسوى، وتارة لا تدخل، والمخاطب ممن
يفهم دخول القرآن في لفظ السوى استثناه السلف .
٤١٤

فأما أفعال العباد فلم يستثها أحد من عموم المخلوقات ، إلا القدرية
الذين يقولون: إن الله لم يخلقها - من المعتزلة ونحوم ...
لكن هؤلاء يقولون : إنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن ، إلا هؤلاء
الحلولية ، وما علمت أحداً من المتقدمين قال: إن أفعال العباد من الخير أو
الشر قديمة ، لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة إلا عن بعض متأخري
المصريين وبلغني نحو ذلك عن بعض متأخري الأعاجم ورأيت بعض شيوخ
هؤلاء من الشاميين توقفوا عنها ، فقالوا : نقول هي مقضية مقدرة ولا نقول
مخلوقة ولا غير مخلوقة ، وبعض الناس فرق بأن أفعال الخير من الإيمان ،
وكلام السلف فى ((الإيمان)) مذكور في غير هذا الموضع .
وهذه ((الأقوال الثلاثة)) بقدمها أو قدم أفعال الخير ، والتوقف فى
ذلك أقوال فاسدة باطلة لم يقلها أحد من الأئمة المشهورين ولا يقولها من يتصور
ما يقول وإنما أوقع هؤلاء فيها ما ظنوه فى ((مسألة اللفظ بالقرآن)) و((مسألة
التلاوة والمتلو)) و((مسألة الإيمان)). وقد أوضحنا مذاهب الناس فى
(«مسألة القرآن))، وبينا القول الحق والوسط الذي كان عليه السلف والأئمة
الموافق للمنقول والمعقول وبينا انحراف المنحرفين من المثبتة والنفاة فى غير
هذا الموضع .
٤١٥

وقد آل الأمر بطائفة ممن يجعلون بعض صفات العبد قديما ، إلى أن
جعلوا الروح التى فيه قديمة ، وقالوا : بقدم النور القائم بالشمس والقمر
ونحو ذلك من المقالات ، التى بينا فسادها ومخالفتها للسلف والأئمة فى غير
هذا الموضع .
وهؤلاء يشتركون فى القول بحلول بعض صفات الخالق في المخلوق . وأما
الجهمية الذين م شر من هؤلاء فيؤول الأمر بهم إلى أن يجعلوا الخالق نفسه
يحل فى المخلوقات كلها أو يجعلوه عين وجود المخلوقات ، وكان قد اجتمع
شيخ هؤلاء الحلولية الجهمية بشيوخ أولئك الحلولية الصفاتية .
وبسبب هذه البدع وأمثالها وغيرها من مخالفة الشريعة جرى ما جرى
من المصائب على الأئمة .
والإمام ((أحمد)) وغيره من الأئمة أنكروا القول بالحلول وشبهوا هؤلاء
بالنصارى، وقال - فيما كتبه من ((الرد على الزنادقة والجهمية)) قال:
- فكان ممابلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل
الترمذ ، وكان له خصومات وكلام وكان أكثر كلامه فى اللّه ، فلقي أناساً من
المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم ، فقالوا له : نكلمك فإن ظهرت
حجتنا عليك دخلت فى ديننا ، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا فى دينك ،
فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا : ألست تزعم أن لك إلها ؟ قال الجهم
٤١٦

نعم ، فقالوا له : فهل رأيت إلهك ؟ قال : لا ، قالوا : فهل سمعت كلامه
قال : لا . قالوا : فشممت له رائحة . قال : لا . قالوا : فوجدت له
حساً . قال : لا. قالوا : فوجدت له مجساً . قال : لا . قالوا : فما
يدريك أنه إله ؟ قال : فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً ؛ ثم
إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى ؛ وذلك أن زنادقة النصارى
يزعمون أن الروح الذي فى عيسى بن مريم هو روح الله من ذات الله؛ فإذا
أراد أن يحدث أمراً دخل فى بعض خلقه ، فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما
شاء؛ وينهى عما يشاء وهو روح غائب عن الأبصار .
فاستدرك الجهم حجة ، فقال للسمنى : ألست تزعم أن فيك روحاً ؟
قال : نعم ، قال : فهل رأيت روحك . قال : لا . قال : فهل سمعت
كلامه . قال : لا . قال : فوجدت له حساً أو مجساً. قال : لا . قال :
فكذلك الله لاترى له وجهاً ولا تسمح له صوتاً ، ولا تشم له رائحة ، وهو
غائب عن الأبصار ، ولا يكون فى مكان دون مكان ، وتكلم فى الرد
عليهم إلى أن قال :
ثم إن الجهم ادعى أمراً آخر فقال : إنا وجدنا آية من كتاب الله تدل
على القرآن أنه مخلوق فقلنا : أي آية ؟ فقال : قول الله: (إِنَّمَا اُلْمَسِيحُ
عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) وعيسى مخلوق . فقلنا: إن الله منعك
الفهم فى القرآن ، عيسى تجري عليه ألفاظ، لا تجرى على القرآن؛ لأنه
٤١٧

بسميه مولوداً وطفلا وصباً وغلاماً يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر
والنهي يجرى عليه الوعد والوعيد ، ثم هو من ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم
ولا يحل لنا أن نقول في القرآن مانقول فى عيسى ، هل سمعتم الله يقول فى
القرآن ما قال فی عیسى ؟!
ولكن المعنى فى قول الله جل ثناؤه: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَهَا إِلَى مَرْيَمَ ) فالكلمة التى ألقاها إلى مريم حين قال له : كن
فكان عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن كان بكن ، فالكن من الله قول،
وليس الكن من اللّه مخلوقا .
وكذب النصارى والجهمية على الله فى أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا:
عيسى روح اللّه وكلمته، إلا أن الكلمة مخلوقة وقالت النصارى: عيسى روح
اللّه من ذات الله، وكلمة الله من ذات الله. كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا
الثوب. وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان . وليس عيسى هو الكلمة وأما
قول الله وروح منه. يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: (وَسَخَزَلَكُمُ
مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًامِّنْهُ )
يقول : من أمره ، وتفسير
روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله
وسماء الله.
وبين أحمد أن كلام الآدميين مخلوق ، فضلاً عن أعمالهم فقال:
٤١٨

بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى، فقلنا لم أنكريم
ذلك؟ قالوا : إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق
صوتاً فأسمع ، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين .
فقلنا: فهل يجوز لمكون غير الله، أن يقول: يا موسى أنا ربك أو يقول:
(إِنِّى أَ اللّه لَآإِلَهَإِلَّا أَنَاْ فَاعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ ) فمن زعم أن ذلك غير
الله فقدادعى الربوبية، ولو كان كمازعم الجهمي أن الله كون شيئاً كان يقول ذلك
المكون: يا موسى إن الله رب العالمين لا يجوزله ان يقول: إني أنا
اللّه رب العالمين وقد قال الله تعالى: (وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقال:
(وَلَمَّاجَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) وقال: (إِنِّ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِىِ
وَبِكَلَمِى ) فهذا منصوص القرآن.
فأما ما قالوا: إن الله لا يتكلم. ولا يكلم فكيف يصنعون بحديث
الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((مامنكم من أحد إلا سيكلم ربه ليس بينه وبينه ترجمان)).
وبسط الكلام عليهم إلى أن قال :
قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام
التى تعبد من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان
إلى مكان، فلما ظهرت عليه الحجة قال : إن الله قد يتكلم ، ولكن كلامه
مخلوق ، قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين
٤١٩

زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكرقد كان فى وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق
التكلم،فقد جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة. بل نقول: إن الله لميزل
متكلماً إذا شاء . ولا نقول : إنه كان ولا يتكلم حتى خلق ، وذكر
تمام كلامه .
فقد بين أن كلام الآدميين مخلوق خلقه الله ، وذلك أبلغ من
نصه على أن أفعال العباد مخلوقة ، مع نصه على الأمرين .
وقال إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ،
ولا يكون فى مكان دون مكان. فقل : أليس الله كان ولا شيء ؟! فيقول:
نعم ، فقل له : حين خلق خلقه ، خلقه فى نفسه أو خارجاً عن نفسه ، فإنهبصير
إلى ثلاثة أقاويل: واحدة منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين
زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه . وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه
ثم دخل فيهم كان هذا أيضاً كفراً حين زعم أنه دخل في مكان وحش قدر
رديء. وإن قال: خلقهم خارجاً من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع
وهو قول أهل السنة .
فقد بين أحمد أن كلام الآدميين مخلوق ونص فى غير موضع على أن
أفعالهم مخلوقة والنص على كلامهم أبلغ، فإن الشبه فيه أظهر . فمن قال: إن
٤٢٠