النص المفهرس

صفحات 341-360

بمشيئته وقدرته ، وهو خالقه ؛ سواء فى ذلك أفعال العباد وغيرها ؛ ثم قالوا :
وإذا كان مريداً لكل حادث والإرادة هي المحبة والرضا؛ فهو محب راض
لكل حادث ؛ وقالوا: كل ما فى الوجود من كفر وفسوق وعصيان فإن الله
راض به محب له ؛ كما هو مرید له .
فقيل لهم: فقد قال تعالى: (لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
اَلْكُفْرَ ). فقالوا : هذا بمنزلة أن يقال: لا يريد الفساد ؛ ولا يريد لعباده
الكفر ؛ وهذا يصح على وجهين :
إما أن يكون خاصا بمن لم يقع منه الكفر والفساد، ولاريب أن الله لا يريد
ولا يحب مالم يقع عنده؛ فقالوا: معناه لا يحب الفساد لعباده المؤمنين؛ ولا يرضاه لهم.
وحقيقة قولهم: إن الله أيضاً لا يحب الإيمان ولا يرضاه من الكفار .
فالمحبة والرضا عندم كالإرادة عندم متعلقة بما وقع دون مالم يقع؛ سواء كان
مأموراً به أو منهيا عنه ؛ وسواء كان من أسباب سعادة العباد أو شقاوتهم؛
وعندهم أن الله يحب ما وجد من الكفر والفسوق والعصيان؛ ولا يحب ما
لم يوجد من الإيمان والطاعة ؛ كما أراد هذا دون هذا .
و ( الوجه الثانى ): قالوا: لا يحب الفساد دينا؛ ولا يرضاه دينا ؛
وحقيقة هذا القول أنه لا يريده دينا ؛ فإنه إذا أراد وقوع الشيء على صفة
لم يكن مريداً له على خلاف تلك الصفة ؛ وهو إذا أراد وقوع شيء مع شيء
٣٤١

لم يرد وقوعه وحده فإنه إذا أراد أن يخلق زيداً من عمرو لم يرد أن يخلقه من
غيره ؛ وإذا أراد أن ينزل مطراً فتنبت الأرض به؛ فإنه أراد إزاله على تلك
الصفة؛ وإذا أراد أن يركب البحر قوم فيغرق بعضهم ؛ ويسلم بعضهم:
ويربح بعضهم ؛ فإنما أراده على تلك الصفة؛ فكذلك الإيمان والكفر ؛
قرن بالإيمان نعيم أصحابه ؛ وبالكفر عذاب أصحابه، وإن لم يكن عندهم جعل
شيء لشيء سبباً، ولا خلق شيء لحكمة ؛ لكن جعل هذا مع هذا .
وعندهم جعل السعادة مع الإِيمان، لابه، كما يقولون : إنه خلق الشبع عند
الأكل، لا به ؛ فالدين الذي أمر به هو ما قرن به سعادة صاحبه فى الآخرة،
والكفر والفسوق والعصيان عندم أحبه ورضيه كما أراده: لكن لم يحبه مع
سعادة صاحبه؛ فلم يحبه دينا، كما أنه لم يرده مع سعادة صاحبه دينا .
وهذا المشهد الذي شهده أهل الفناء فى توحيد الربوبية، فإنهم رأوا
الرب تعالى خلق كل شيء بإرادته وعلم أن سيكون ما أراد . ولا سبب
عندهم لشيء ولا حكمة؛ بل كل الحوادث تحدث بالإرادة .
ثم الجهم بن صفوان ونفاة الصفات من المعتزلة ومحوم لا يثبتون إرادة
قائمة بذاته، بل إما أن ينفوها ؛ وإما أن يجعلوها بمعنى الخلق والأمر؛ وإما أن
يقولوا: أحدث إرادة لا فى محل .
وأما مثبتة الصفات : كابن كلاب والأشعري وغيرها - ممن يثبت
٣٤٢

الصفات ؛ ولا يثبت إلا واحداً معيناً - فلا يثبت إلا إرادة واحدة تتعلق
بكل حادث ؛ وسمعا واحداً معيناً متعلقاً بكل مسموع وبصراً واحداً معيناً
متعلقاً بكل مرئى؛ وكلاما واحداً بالعين يجمع جميع أنواع الكلام، كما قد
عرف من مذهب هؤلاء. فهؤلاء يقولون: جميع الحادثات صادرة عن تلك
الإرادة الواحدة العين المفردة التى ترجح أحد المتماثلين لا بمرجح، وهي المحبة
والرضا وغير ذلك .
وهؤلاء إذا شهدوا هذا لم يبق عندهم فرق بين جميع الحوادث فى الحسن
والقبح إلا من حيث موافقتها للإنسان، ومخالفة بعضها له، فما وافق مراده
ومحبوبه كان حسناً عنده ، وما خالف ذلك كان قبيحاً عنده ، فلا يكون فى نفس
الأمر حسنة يحبها الله ولا سيئة يكرهها إلا بمعنى أن الحسنة هي ماقرن بها
لذة صاحبها. والسيئة ماقرن بها ألم صاحبها من غير فرق يعود إليه، ولا إلى
الأفعال أصلاً ؛ ولهذا كان هؤلاء لا يثبتون حسناً ولا قبيحاً، لابمعنى الملائم
للطبع والمنافى له، والحسن والقبح الشرعي هو مادل صاحبه على أنه قد
يحصل لمن فعله لذة، أو حصول ألم له .
ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء حتى الكفر والفسوق
والعصيان ، وينهى عن كل شيء حتى عن الإيمان والتوحيد ، ويجوز نسخ كل
ما أمر به بكل مانهى عنه. ولم يبق عندم فى الوجود خير ولا شر، ولا
حسن ولاقبيح، إلا بهذا الاعتبار، فما فى الوجود ضر ولانفع، والنفع والضر
٣٤٣

أمران إضافيان، فربما نفع هذا ما ضر هذا. كما يقال:
مصائب قوم عند قوم فوائد .
فلما كان هذا حقيقة قولهم الذي يعتقدونه ويشهدونه صاروا حزبين :
( حزبا) من أهل الكلام والرأي أقروا بالفرق الطبيعي ، وقالوا: ما ثم
فرق إلا الفرق الطبيعي ، ليس هنا فرق يرجع إلى الله بأنه يحب هذا
ويبغض هذا .
٨
ثم منهم من يضعف عنده الوعد والوعيد، إما لقوله بالإرجاء ، وإما لظنه
أن ذلك لمصالح الناس فى الدنيا إقامة للعدل ، كما يقول : ذلك من يقوله من
المتفلسفة ، فلا يبقى عنده فرق بين فعل وفعل إلا ما يحبه هو ويبغضه ،
فما أحبه هو كان الحسن الذي ينبغي فعله، وما أبغضه كان القبيح الذي
ينبغي تركه. وهذا حال كثير من أهل الكلام والرأي؛ الذين يرون رأي
جهم والأشعري ونحوهما في القدر، تجده لا ينتهون فى المحبة والبغضة والموالاة
والمعاداة إلا إلى محض أهوائهم وإرادتهم، وهو الفرق الطبيعي .
ومن كان منهم مؤمناً بالوعد فإنه قد يفعل الواجبات ، ويترك المحرمات ،
لكن لأجل ما قرن بهما من الأمور الطبيعية فى الآخرة من أكل وشرب
ونكاح، وهؤلاء ينكرون محبة الله، والتلذذ بالنظر إليه، وعنده إذا قيل: إن
٣٤٤

العباد يتلذذون بالنظر إليه فمعناه أنهم عند النظر يخلق لهم من اللذات بالمخلوقات
ما يتلذذون به، لا أن نفس النظر إلى الله يوجب لذة، وقد ذكر هذا غير
واحد منهم أبو المعالي فى ((الرسالة النظامية)). وجعل هذا من أسرار التوحيد
وهو من إشراك التوحيد ، الذي يسميه هؤلاء النفاة توحيداً ، لامن أسرار
التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب؛ فإن المحبة لاتكون إلا
لمعنى فى المحبوب يحبه المحب، وليس عندهم فى الموجودات شيء يحبه الرب إلا
بمعنى يريده، وهو مريد لكل الحوادث ؛ ولا فى الرب عندهم معنى يحبه العبد،
وإنما يحب العبد ما يشتهيه ، وإنما يشتهى الأمور الطبيعية الموافقة لطبعه، ولا
يوافق طبعه عندهم إلا اللذات البدنية كالأكل والشرب والنكاح .
و (الحزب الثانى) من الصوفية : الذي كان هذا المشهد هو منتهى
سلوكهم ، عرفوا الفرق الطبيعي ؛ وم قد سلكوا على ترك هذا الفرق الطبيعي.
وأنهم يزهدون فى حظوظ النفس وأهوائها : لا يريدون شيئاً لأنفسهم؛
وعنده أن من طلب شيئاً للأكل والشرب فى الجنة فإنما طلب هواه وحظه ؛
وهذا كله نقص عندهم بنافى حقيقة الفناء فى توحيد الربوبية ؛ وهو بقاء مع
النفس وحظوظها .
والمقامات كلها عندم ـ التوكل والمحبة؛ وغير ذلك- إنما هي منازل
أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقية ؛ فإذا شهدوا توحيد الربوبية كان
ذلك عندم عللاً فى الحقيقة؛ إما لنقص المعرفة والشهود وإما لأنه ذب عن
٣٤٥

النفس وطلب حظوظها ؛ فإنه من شهد أن كل ما فى الوجود فالرب يحبه
ويرضاه ويريده، لافرق عنده بين شيء وشيء ، إلا أن من الأمور مامعه
حظ لبعض الناس من لذة يصيبها ، ومنها مامعه ألم لبعض الناس ، فمن كان
هذا مشهده فإنه قطعاً يرى أن كل من فرق بين شيء وشيء لم يفرق إلا
لنقص معرفته، وشهوده أن الله رب كل شيء، ومريد لكل شيء ومحب
- على قولهم - لكل شيء، وإنما لفرق يرجع إلى حظه وهواه، فيكون
طالباً لحظه ذاباً عن نفسه ، وهذا علة وعيب عندهم .
فصار عندم كل من فرق : إما ناقص المعرفة والشهادة ، وإما ناقص القصد
والإرادة. وكلاهما علة ؛ بخلاف صاحب الفناء فى مشهد الربوبية، فإنه يشهد
كل ما فى الوجود بإرادته ومحبته ورضاه عندهم، لا فرق بين شيء وشيء ،
فلا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ، كما قاله صاحب منازل السائرين .
ولهذا فى الكلام المنقول عن الذبيلي وأبي يزيد أنه قال: إذا رأيت أهل
الجنة يتنعمون فى الجنة ، وأهل النار يعذبون فى النار ، فوقع فى قلبك فرق .
خرجت عن حقيقة التوكل، أو قال: عن التوحيد الذي هو أصل التوكل ، ومعلوم
أن هذا الفرق لا يعدم من الحيوان دائمًا ، بل لابد له منه يميل إلى مالا بد له
منه من أكل وشرب، لكنه فى حال الفناء قد يكون مستغرقا فى ذلك المشهد،
ولكن لابد أن يميل إلى أمور يحتاج إليها فيريدها ، وأمور تضره فيكرهها
وهذا فرق طبيعي لا يخلو منه بشر .
٣٤٦

لكن قد يقولون بالفرق فى الأمور الضرورية التى لا يقوم الإنسان إلا بها
من طعام ولباس ونحو ذلك ، فيكتفون فى الدنيا والآخرة بمالا بد منه من طعام
ولباس ، ويرون هذا الزهد هو الغاية، فيزهدون فى كل شيء ، بمعنى أنهم
لا يريدونه ولا يكرهونه، ولا يحبونه ولا يبغضونه، ويكون زهدم فى المساجد
كزهدم في الحانات ، ولهذا إذا قدم الشيخ الكبير منهم بلداً يبدأ بالبغايا في
الحانات ويقول: كيف أنتم فى قدر الله، فإنه لافرق عنده فى هذا المشهد بين
المساجد والكنائس والحانات، وبين أهل الصلاة والإحرام وقراءة القرآن
وأهل الكفر وقطاع الطريق والمشركين بالرحمن .
ولا ريب أن فناءهم وغيبتهم عن شهود ((الإلهية والنبوة)) شهادة أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وما تضمنه من الفرق يرجع إلى نقص
العلم والشهود والإيمان والتوحيد، فشهدوا نعتاً من نعوت الرب وغابوا عن
آخر وهذا نقص .
وقد يرون أن شهود الذات مجردة عن الصفات أكمل ، ويقولون : شهود
الأفعال ثم شهود الصفات ثم شهود الذات المجردة، وربما جعلوا الأول للنفس
والثاني للقلب والثالث للروح، ويجعلون هذا النقص من إيمانهم ومعرفتهم
وشهودهم هو الغاية، فيكونون مضامين للجهمية نفاة الصفات ، حيث أثبتوا
ذاتا مجردة عن الصفات . وقالوا : هذا هو الكمال ، لكن أولئك يقولون :
بانتفائها فى الخارج، فيقولون: إنهم يشهدون أنها منتفية وهؤلاء يثبتونها فى
٣٤٧

في الخارج علما واعتقادا ، ولكن يقولون : الكمال فى أن يغيب عن
شهودها ولا يشهدون نفسها ؛ لكن لا يشهدون ثبوتها ، وهذا نقص عظم
وجهل عظيم .
أما (( أولاً)) فلأنهم شهدوا الأمر على خلاف ما هو عليه ، فذات مجردة
عن الصفات لا حقيقة لها فى الخارج .
وأما ((الثانى)) فهو مطلوب الشيطان من التجهم ونفي الصفات فإن عدم
العلم والشهود لثبوتها يوافق فيه الجهمي المعتقد لانتفائها، ومن قال : أعتقد
أن محمداً ليس برسول، وقال الآخر : وإن كنت أعلم رسالته فأنا أفنى عنها فلا
أذكرها ولا أشهدها، فهذا كافر كالأول فالكفر عدم تصديق الرسول، سواء
كان معه اعتقاد تكذيب أم لا ، بل وعدم الإقرار بما جاء به والمحبة له، فمن ألزم
قلبه أن يغيب عن معرفة صفات الله كما يعرف ذاته ، وألزم قلبه أن يشهد ذاتا
مجردة عن الصفات ، فقد ألزم قلبه أن لا يحصل له مقصود الإيمان بالصفات
وهذا من أعظم الضلال .
وأهل الفناء في توحيد الربوبية قد يظن أحدم أنه إذا لم يشهد إلا فعل
الرب فيه فلا إثم عليه ، وهم في ذلك بمنزلة من أكل السموم القاتلة وقال :
أنا أشهد أن الله هو الذي أطعمني فلا يضرني ، وهذا جهل عظيم، فإن الذنوب
والسيئات تضر الإنسان أعظم مما تضره السموم، وشهوده أن الله فاعل ذلك
٣٤٨

لا يدفع ضررها ، ولو كان هذا دافعاً لضررها لكان أنبياء الله وأولياؤه
المتقون أقدر على هذا الشهود الذي يدفعون به عن أنفسهم ضرر الذنوب .
ومن هؤلاء من يظن أن الحق إذا وهبه حالا يتصرف به وكشفا لم يحاسبه
على تصرفه به ، وهذا بمنزلة من يظن أنه إذا أعطاه ملكا لم يحاسبه على تصرفه
فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي
لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) فبين أنه مع أنه المعطي المانع، فلا ينفع
المجدود جده ، إنما ينفعه الإيمان والعمل الصالح .
فهذا أصل عظيم ضل بالخطأ فيه خلق كثير، حتى آل الأمر بكثير من
هؤلاء إلى أن جعلوا أولياء الله المتقين يقاتلون أنبياءه ، ويعاونون أعداءه، وأنهم
مأمورون بذلك، وهو أمر شيطاني قدري ، ولهذا يقول من يقول منهم : إن
الكفار لهم خفراء من أولياء الله، كما للمسلمين خفراء من أولياء الله، ويظن
كثير منهم أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم فى بعض المغازي
فقال: ((يا أصحابي اتخلونى وتذهبون عني))؟! فقالوا: نحن مع الله، من كان مع
الله كنا معه .
ويجوزون قتال الأنبياء وقتلهم، كما قال شيخ مشهور منهم كان بالشام
لو قتلت سبعين نبياً ما كنت مخطئاً ، فإنه ليس فى مشهدم الله محبوب مرضي
مراد إلا ما وقع، فما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه
٣٤٩

والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ،
فهم من غلب كانوا معه؛ لأن من غلب كان القدر معه ، والمقدور عندهم هو
محبوب الحق ، فإذا غلب الكفار كانوا معهم ، وإذا غلب المسلمون كانوا معهم.
وإذا كان الرسول منصوراً كانوا معه، وإذا غلب أصحابه كانوا مع الكفار
الذين غليوم .
وهؤلاء الذين يصلون إلى هذا الحد غالبهم لا يعرف وعيد الآخرة ؛ فإن
من أقر بوعيد الآخرة وأنه للكفار لم يمكنه أن يكون معاوناً للكفار موالياً
لهم على ما يوجب وعيد الآخرة ؛ لكن قد يقولون بسقوطه مطلقاً ، وقد يقولون
بسقوطه عمن شهد توحيد الربوبية، وكان فى هذه الحقيقة القدرية؛ وهذا
بقوله طائفة من شيوخهم كالشيخ المذكور وغيره .
فلهذا يوجد هؤلاء الذين يشهدون القدر المحض ، وليس عنده غيره إلا
ما هو قدر أيضا - من نعيم أهل الطاعة، وعقوبة أهل المعصية - لا يأمرون
بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، ولا يجاهدون فى سبيل الله، بل ولا بدعون
الله بنصر المؤمنين على الكفار ، بل إذا رأى أحدم من يدعو قال الفقير أو
المحقق أو العارف ما له ؟! يفعل الله ما يشاء، وينصر من يريد ؛ فإن عنده أن
الجميع واحد بالنسبة إلى الله، وبالنسبة إليه أيضاً ؛ فإنه ليس له غرض في نصر
إحدى الطائفتين لا من جهة ربه ، فإنه لا فرق على رأيه عند الله تعالى بينهما ،
ولا من جهة نفسه فإن حظوظه لا تنقص باستيلاء الكفار؛ بل كثير منهم تكون
٣٥٠

حظوظه الدنيوية مع استيلاء الكفار والمنافقين والظالمين أعظم ، فيكون
هواه أعظم .
وعامة من معهم من الخفراء م من هذا الضرب، فإن لهم حظوظا ينالونها
باستيلائهم لا يحصل لهم باستيلاء المؤمنين. وشياطينهم بحب تلك الحظوظ
المذمومة، وتغريهم بطلبهم، وتخاطبهم الشياطين بأمر وهي وكشف يظنونه
من جهة اللّه، وأن الله هو أمرم ونهام. وأنه حصل لهم من المكاشفة ما حصل
لأولياء الله المتقين، ويكون ذلك كله من الشياطين، وهم لا يفرقون بين
الأحوال الرحمانية والشيطانية؛ لأن الفرق مبني على شهود الفرق من جهة
الرب تعالى، وعندهم لا فرق بين الأمور الحادثة كلها من جهة الله تعالى، إنما
هو مشيئة محضة تناولت الأشياء تناولاً واحداً فلا يحب شيئاً ولا يبغض شيئاً.
ولهذا يشترك هؤلاء فى جنس السماع الذي يثير ما فى النفوس من الحب
والوجد والذوق؛ فيثير من قلب كل أحد حبه وهواه، وأهواؤم متفرقة؛ فإنهم
لم يجتمعوا على محبة ما يحبه الله ورسوله؛ إذ كان محبوب الحق - على أصل
قولهم - هو ما قدره فوقع ، وإذا اختلفت أهواؤم فى الوجد اختلفت أهواء
شياطينهم ، فقد يقتل بعضهم بعضا بشياطينه؛ لأنها أقوى من شياطين ذاك وقد
يسلبه ما معه من الحال الذي هو التصرف والمكاشفة الحاصلة له بسبب
شياطينهم ؛ فتكون شياطينه هربت من شياطين ذلك فيضعف أمره ؛ ويسلب
حاله ؛ كمن كان ملكا له أعوان فأخذت أعوانه؛ فیبقی ذليلاً لا ملك له .
٣٥١

فكثير من هؤلاء كالملوك الظلمة الذين يعادي بعضهم بعضا: إما مقتول ؛
وإما مأسور ؛ وإما مهزوم. فإن منهم من بأسر غيره فيبقى تحت تصرفه ؛
ومنهم من يسلبه غيره فيبقى لا حال له ؛ كالملك المهزوم؛ فهذا كله من تفريع
أصل الجهمية الغلاة فى الجبر فى القدر .
وإنما يخلص من هذا كله من أثبت لله محبته لبعض الأمور وبغضه لبعضها؛
وغضبا من بعضها ؛ وفرحا ببعضها وسخطا لبعضها، كما أخبرت به الرسل ،
ونطقت به الكتب ، وهذا هو الذي يشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
رسول الله، ويعلم أن التوحيد الذي بعثت به الرسل أن يعبد الله وحده
لا شريك له فیعبد الله دون ما سواه .
وعبادته بجمع كمال محبته وكمال الذل له، كما قال تعالى: (وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُواْلَهُ) فينيب قلبه إلى الله ويسلم له، ويتبع ملة إبراهيم حنيفاً (وَمَنْ أَحْسَنُ
دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ الَهُ إِبْرَاهِيمَ
ويعلم أن ما أمر الله ورسوله به فإن الله يحبه ويرضاه، وما
خَلِيلًا ).
نهى عنه فإنه يبغضه وينهى عنه ويمقت عليه ويسخط على فاعله ، فصار يشهد
الفرق من جهة الحق تعالى .
ويعلم أن اللّه تعالى يحب أن يعبد وحده لاشريك له ، ويبغض من يجعل
له أنداداً يحبونهم كحب اللّه، وإن كانوا مقرين بتوحيد الربوبية كمشركي
٣٥٢

العرب وغيرم وأن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء فى توحيد الربوبية
حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا : ( لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا
وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ) قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
حَتَّى ذَافُواْبَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَاْ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ
إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلِّالْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَاءَ لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ).
فإن هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي،
وأنكروا التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لاشريك له، وم يقرون بتوحيد
الربوبية، وأن الله خالق كل شيء ما بقي عنده من فرق من جهة الله تعالى بين
مأمور ومحظور. فقالوا: ( لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن
شَىْءٍ ) وهذا حق؛ فإن الله لو شاء ألا يكون هذا لم يكن ؛ لكن أي فائدة
لهم فى هذا، هذا غايته أن هذا الشرك والتحريم بقدر ، ولا يلزم إذا كان مقدوراً
أن يكون محبوبا مرضياً لله، ولا على عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه
بل ليسوا فى ذلك إلا على ظن وخرص .
فإن احتجوا بالقدر ، فالقدر عام لا يختص بحالهم.
وإن قالوا : نحن نحب هذا ونسخط هذا فنحن نفرق الفرق الطبيعي
لانتفاء الفرق من جهة الحق ، قال : لاعلم عندكم بانتفاء الفرق من جهة
الله تعالى، والجهمية المثبتة للشرع تقول: بأن الفرق الثابت هو أن التوحيد
٣٥٣

قرن به النعيم، والشرك قرن به العذاب وهو الفرق الذي جاء به الرسول صلى
اللّه عليه وسلم، وهو عندهم يرجع إلى علم الله بما سيكون وإخباره، بل هؤلاء
لا يرجع الفرق عندهم إلى محبة منه لهذا وبغض لهذا .
وهؤلاء يوافقون المشركين فى بعض قولهم لا فى كله، كما أن القدرية من
الأمة - الذين هم مجوس الأمة - يوافقون المجوس المحضة فى بعض قولهم
لا فى كله ، وإلا فالرسول قد دعاهم إلى عبادة الله وحده لاشريك له ، وإلى محبة
الله دون ماسواه، وإلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والمحبة
تبع الحقيقة فإن لم يكن المحبوب فى نفسه مستحقاً أن يحب لم يجز الأمر
بمحبته فضلا عن أن يكون أحب إلينا من كل ما سواه.
وإذا قيل ((محبته)) محبة عبادته وطاعته ، قيل محبة العبادة والطاعة فرع
على محبة المعبود المطاع. وكل من لم يحب فى نفسه لم يحب عبادته وطاعته، ولهذا
كان الناس يبغضون طاعة الشخص الذي يبغضونه ولا يمكنهم مع بغضه محبة
طاعته إلا لغرض آخر محبوب ، مثل عوض يعطيهم على طاعته فيكون المحبوب
فى الحقيقة هو ذلك العوض ، فلا يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما،
إلا بمعنى أن العوض الذي يحصل من المخلوقات أحب إليهم من كل شيء.
ومحبة ذلك العوض مشروط بالشعور به فما لا يشعر به تمتنع محبته. فإذا
قيل : ثم قد وعدوا على محبة الله ورسوله بأن يعطوا أفضل محبوباتهم المخلوقة،
٣٥٤

قيل : لامعنى لمحبة الله ورسوله عندكم إلا محبة ذلك العوض، والعوض غير
مشعور به حتى يحب ، وإذا قيل: بل إذا قال: من قال : لا يحب غيره إلا لذاته
المعنى: أنك إذا أطعتني أعطيتك أعظم ما تحبه صار محباً لذلك الآمر له. قيل:
ليس الأمر كذلك بل يكون قلبه فارغاً من محبة ذلك الآمر، وإنما هو
معلق بما وعده من العوض على عمله كالفعلة الذين يعملون من البناء والخياطة
والنساجة وغير ذلك ما يطلبون به أجورهم، فهم قد لا يعرفون صاحب العمل
أولا يحبونه ولا لهم غرض فيه، إنما غرضهم فى العوض الذي يحبونه.
وهذا أصل قول الجهمية القدرية والمعتزلة الذين ينكرون محبة الله تعالى،
ولهذا قالت المعتزلة ومن اتبعها من الشيعة ؛ إن معرفة الله وجبت لكونها لطفا
فى أداء الواجبات العقلية فجعلوا أعظم المعارف تبعاً لما ظنوه واجباً بالعقل، وهم
ينكرون محبة الله والنظر إليه فضلا عن لذة النظر.
وابن عقيل لما كان فى كثير من كلامه طائفة من كلام المعتزلة سمع رجلا
يقول: اللهم إنى أسألك لذة النظر إلى وجهك . فقال : ياهذا! هب أن له وجها
أفتتلذذ بالنظر إليه ؟! وهذا اللفظ مأثور عن التى صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الذي رواء النسائى وغيره عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال فى الدعاء: ((اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحينى ما كانت
الحياة خيراً لي، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لي ، اللهم إنى اسألك خشيتك
فى الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك القصد
فى الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك
٣٥٥

الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك
الكريم والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم: زينا
بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين».
وقدروي هذا اللفظ من وجه آخر عن النبى صلى الله عليه وسلم
- أظنه من رواية زيد بن ثابت - ومعناه فى الصحيح من حديث صهيب
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد ؛
ياأهل الجنة ! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو ؟ ألم
يبيض وجوهنا ، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة وتجرنا من النار؟ قال :
فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي
الزيادة)) يعنى قوله: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْالْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ).
فقد أخبر أنه ليس فيما أعطوه من النعيم أحب إليهم من النظر ، وإذا كان
النظر إليه أحب الأشياء إليهم علم أنه نفسه أحب الأشياء إليهم ، وإلا لم يكن
النظر أحب أنواع النعيم إليهم؛ فإن محبة الرؤية تتبع محبة المرئى، ومالا
يحب ولا يبغض في نفسه لا تكون رؤيته أحب إلى الإنسان من جميع
أنواع النعيم.
و «فى الجملة )) فإنكار الرؤية والمحبة والكلام - أيضاً - معروف من
كلام الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم. والأشعرية ومن تابعهم يوافقونهم على
٣٥٦

نفي المحبة ، ويخالفونهم فى إثبات الرؤية ولكن الرؤية التى
يثبتونها لا حقيقة لها.
وأول من عرف عنه في الإسلام أنه أنكر أن الله يتكلم ، وأن الله يحب
عباده: ((الجعد بن درهم)). ولهذا أنكر أن يكون اتخذ الله إبراهيم خليلاً،
أو كلم موسى تكليماً، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال : ضحوا
أيها الناس ! تقبل الله ضحايا كم ، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنهزعم
أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقوله الجعد
علواً كبيراً . ثم نزل فذبحه .
وأما ((الصوفية)) فهم يثبتون المحبة بل هذا أظهر عندم من جميع الأمور،
وأصل طريقتهم إنما هي الإرادة والمحبة ، وإثبات محبة الله مشهور فى كلام
أوليهم وآخريهم، كما هو ثابت بالكتاب والسنة واتفاق السلف.
والمحبة جنس تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده : فالمشركون
يحبون آلهتهم كما قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ
أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَدُّ حُبَّ لِلَّهِ)
وفيه قولان.
(أحدهما): يحبونهم كب المؤمنين لله. و (الثاني): يحبونهم كما
٣٥٧

يحبون الله؛ لأنه قد قال: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ ) فلم يمكن أن يقال:
إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله، بل كما يحبون - هم .
الله؛ فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين. كما قال: (ثُمَّالَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ ) وقال: ( تَاللَِّإِن كُنَّالَفِي ضَلَلِ مُّبِينٍ * إِذْ نُوِيِكُمْ
بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ).
وقد قال: بعض من نصر القول الأول في الجواب عن حجة ( القول الثاني)
قال: المفسرون: قوله: ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُ حُبَّ لِلَّهِ ) أي أشد حباً
لله من المشركين لآ لهتهم. فيقال له: ما قاله هؤلاء المفسرون مناقض
لقولك، فإنك تقول: إنهم يحبون الأنداد كب المؤمنين لله، وهذا يناقض
أن يكون المؤمنون أشد حبا لله من المشركين لأربابهم ، فتبين ضعف هذا القول
وثبت أن المؤمنين يحبون الله أكثر من محبة المشركين لله ولآ لهتهم؛ لأن
أولئك أشركوا فى المحبة ، والمؤمنون أخلصوها كلها لله .
و (أيضا) فقوله: (كَحُبٍّ اللَّهِ) أضيف فيه المصدر إلى المحبوب المفعول.
وحذف فاعل الحب، فإما أن يراد كما يحب الله - من غير تعيين فاعل -
فيبقي عاما في حق الطائفتين ، وهذا يناقض قوله: ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ)
وإما أن يراد كبهم اللّه، ولا يجوز أن يراد كما يحب غيرم لله، إذ ليس في
الكلام ما يدل على هذا بخلاف حيهم ، فإنه قد دل عليه قوله : (وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) فأضاف الحب المشبه إليهم
٣٥٨

فكذلك الحب المشبه لهم، إذ كان سياق الكلام يدل عليه . إذا قال : يحب
زيداً كب عمرو ، أو يحب عليا كب أبي بكر، أو يحب الصالحين من غير
أهله كب الصالحين من أهله، أو قيل : يحب الباطل كب الحق، أو يحب
سماع المكاء والتصدية كتب سماع القرآن، وأمثال ذلك لم يكن المفهوم إلا
أنه هو المحب للمشبه والمشبه به ، وأنه يحب هذا كما يحب هذا ، لا يفهم
منه أنه يحب هذا كما يحب غيره هذا ، إذ ليس فى الكلام ما يدل
على محبة غيره أصلا.
والمقصود أن المحبة تكون لما يتخذ إلها من دون الله ، وقد قال تعالى:
( أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمِ ) فمن كان يعبد ما يهواه فقد اتخذ
إلهه هواه ، فما هويه [هوية] إلهه، فهو لا يتأله من يستحق التأله، بل يتأله
ما يهواه، وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآ لهتهم، ومحبة
عباد العجل له . وهذه محبة مع اللّه لا محبة الله، وهذه محبة
أهل الشرك .
والنفوس قد تدعي محبة الله، وتكون في نفس الأمر محبة شرك
تحب ما تهواه، وقد أشركته فى الحب مع الله، وقد يخفى الهوى على النفس
فإن حبك الشيء بعمى ويصم.
وهكذا الأعمال التى يظن الإنسان أنه يعملها لله وفى نفسه شرك قد خفي
٣٥٩

عليه ، وهو يعمله: إما لحب رياسة ، وإما لحب مال ، وإما لحب
صورة ، ولهذا قالوا : يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة وحمية
ورياء فأي ذلك فى سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
فهو فى سبيل الله)).
فلما صار كثير من الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة ، ولم يزنوها
بميزان العلم والكتاب والسنة، دخل فيها نوع من الشرك، واتباع الأهواء
والله تعالى قد جعل محبته موجبة لاتباع رسوله. فقال ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ
اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله،
وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه، وليس شيء يدعو إليه الرسول
إلا والله يحبه، فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين، بل هذا هو
هذا فى ذاته ، وإن تنوعت الصفات .
فكل من ادعى أنه يحب اللّه ولم يتبع الرسول فقد كذب ، ليست محبته
لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى
اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب،
فكانوا يتبعون الرسول ، فلما أحبوا ما أبغض اللّه مع دعواهم حبه كانت محبتهم
من جنس محبة المشركين .
وهكذا أهل البدع فمن قال: إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد
٣٦٠