النص المفهرس
صفحات 321-340
عليكم، وأنتم مأمورون بالصبر على ما يصيبكم، والأب عاص لله فيما فعله من الظلم والتبذير ، ملوم على ذلك لا يرتفع عنه ذم الله وعقابه بالقدر السابق ؛ فان كان الأب قد تاب توبة نصوحا وتاب الله عليه وغفر له لم يجز ذمه ولا لومه بحال، لا من جهة حق الله؛ فإن الله قد غفر له، ولا من جهة المصيبة التى حصلت لغيره بفعله إذ لم يكن هو ظالماً لأولئك ، فإن تلك كانت مقدرة عليهم . وهذا مثال ( قصة آدم)): فإن آدم لم يظلم أولاده ، بل إنما ولدوا بعد هبوطه من الجنة ، وإنما هبط آدم وحواء، ولم يكن معهما ولد حتى يقال: إن ذنبها تعدى إلى ولدهما ، ثم بعد هبوطها إلى الأرض جاءت الأولاد ، فلم يكن آدم قد ظلم أولاده ظلما يستحقون به ملامه ، وكونهم صاروا فى الدنيا دون الجنة أمى كان مقدراً عليهم لا يستحقون به لوم آدم ، وذنب آدم كان قد تاب منه. قال الله تعالى: ( وَعَصَّءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىُ * ثُمَ اجْتَبَهُ رَبُّهُ فَنَابَ ) فلم يبق عَلَيْهِ وَهَدَى )، وقال: ( فَلَقَّءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ مستحقاً للم ولا عقاب. وموسى كان أعلم من أن يلومه لحق اللّه على ذنب قد علم أنه تاب منه، فموسى أيضاً قد تاب من ذنب عمله، وقد قال موسى: ( أَنتَ وَلِتْنَافَاغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْ الْغَفِرِينَ ) . وآدم أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه، فكيف وقد علم أن إبليس لعنه الله بسبب ٣٢١ ذنبه ؛ وهو أيضاً كان مقدراً عليه، وآدم قد تاب من الذنب واستغفر، فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعاً له عند ربه لاحتج ولم يتب ويستغفر . وقد روى في الإسرائيليات أنه احتج به ، وهذا مما لا يصدق به لوكان محتملا، فكيف إذا خالف أصول الإسلام ، بل أصول الشرع والعقل . نعم إن كان ذكر القدر مع النوبة فهذا ممكن ؛ لكن ليس فيما أخبر الله به عن آدم شيء من هذا، ولا يجوز الاحتجاج في الدين بالإسرائيليات إلا ما ثبت نقله بكتاب الله أو سنة رسوله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوم، ولا تكذبوم)). و (أيضاً ) فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعاً له فلماذا أخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض؟ !. فإن قيل : وهو قد تاب فلماذا بعد التوبة أهبط إلى الأرض ؟ . قيل : التوبة قد يكون من تمامها عمل صالح يعمله فيبتلى بعد التوبة لينظر دوام طاعته، قال الله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَبُوْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فى التائب من الردة ، وقال فى كاتم العلم: ( ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وقال: ( أَنَّهُ،مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وقال فى القذف: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّالَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ٣٢٢ وقال: ( إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأَوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَإِنَّهُ يُوبُ إِلَى اللّهِ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَّحِيمًا مَتَابًا ) وقال: (وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَ أَهْتَدَى ) . ولما تاب كعب بن مالك وصاحباه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرم - حتى نسائهم - ثمانين ليلة. وقال النى صلى الله عليه وسلم فى الغامدية لما رجمها؟ ((لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفرله، وهل وجدت أفضل من أن حادت بنفسها لله)). وقد أخبر الله عن توبته على بني إسرائيل حيث قال لهم موسى: ( يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِ تَّخَذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِبِكُمْ فَاقْتُلُواْأَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ عِندَ بَارِبِكُمْ) . وإذا كان الله تعالى قد يبتلى العبد من الحسنات والسيئات ، والسراء والضراء بما يحصل معه شكره وصبره، أم كفره وجزعه وطاعته أم معصيته فالتائب أحق بالابتلاء ، فاهم أهبط إلى الأرض ابتلاءله ، ووفقه الله فى هبوطه لطاعته ، فكان حاله بعد الهبوط خيراً من حاله قبل الهبوط ، وهذا بخلاف ما لو كان الاحتجاج بالقدر نافعاً له ، فإنه لا يكون عليه ملام البتة ؛ ولا هناك توبة تقتضي أن يبتلى صاحبها ببلاء. و ((أيضاً)) فإن الله قد أخبر فى كتابه بعقوبات الكفار : مثل قوم ٣٢٣ نوح وهود وصالح وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون وقومه ما يعرف بكل واحدة من هذه الوقائع أن لاحجة لأحد فى القدر؛ وأيضاً فقد شرع الله من عقوبة المحاربين من الكفار وأهل القبلة وقتل المرتد وعقوبة الزانى والسارق والشارب ما يبين ذلك . فصل فقد تبين أن آدم حج موسى لما قصد موسى أن يلوم من كان سباً فى مصيتهم، وبهذا جاء الكتاب والسنة قال الله تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وسواء في ذلك المصائب السمائية ، والمصائب التى يحصل بأفعال الآدميين، قال تعالى: ( وَأَصْبِرْ عَلَى مَايَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًاجَمِيلًا ). ( وَلَقَدَّكُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبِرُواْ عَلَى مَاكُذِّبُواْ وَأُوذُواْحَتَّىَ أَنَّهُمْ نَصْرُنَا ) وقال فى سورة الطور أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ ٠ بعد قوله: ( فَذَكِّرْ فَمَا أَنَتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مُجْنُونٍ تَّتَرَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ - إلى قولهـ ـ .. أَمْتَسْئَلُهُمْ أَجْرًّافَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ - إلى قوله - أَ يَقُولُونَ نَقَوَّهُ, بَلِ لَّا يُؤْمِنُونَ ( وَأَصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَّ مُْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْنُبُونَ ) ٣٢٤ وَسَبِّعْ بِحَمْدِرَبِّكَ حِينَ نَقُومُ ) وقال تعالى فى سورة (ن): ( أَمْ تَسْتَلُهُمْ أَجْرَافَهُم مِّن مَّغْرَمِ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * فَاصْبِرْ لِحِكْمِرَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَمَكْظُومٌ ) . وقد قيل فى معناه : اصبر لما يحكم به عليك، وقيل اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت، والأول أصح. وحكم اللّه نوعان: خلق، وأمر. (فالأول ) : ما يقدره من المصائب . و (الثاني) ما يأمر به وينهى عنه، والعبد مأمور بالصبر على هذا وعلى هذا، فعليه أن يصبر لما أمر به، ولما نهى عنه، فيفعل المأمور ، ويترك المحظور ، وعليه أن يصبر لما قدره الله عليه . وبعض المفسرين يقول : هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهذا يتوجه إن كان فى الآية النهي عن القتال، فيكون هذا النهي منسوخاً ، ليس جميع أنواع الصبر منسوخة، كيف والآية لم تتعرض لذلك هنا لا بنفي ولا إثبات ؟ ! بل الصبر واجب لحكم الله ما زال واجباً، وإذا أمر بالجهاد فعليه ((أيضاً)): أن يصبر لحكم الله فإنه يبتلى من قتالهم بما هو أعظم من كلامهم. كما ابتلى به يوم أحد والخندق ، وعليه حينئذ أن يصبر ويفعل ما أمر به من الجهاد. ٣٢٥ و ((المقصود هنا)) قوله: (وَأَصْبِرْ لِحُكْوِرَبِّكَ ): فإن ما فعلوه من الأذى هو مما حكم به عليك قدراً ، فاصبر لحكمه وإن كانوا ظالمين فى ذلك ، وهذا الصبر أعظم من الصبر على ما جرى وفعل بالأنبياء، وقوله : ) وقال: (وَذَا فَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِرَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ اْحُوتِ إِذْنَادَى وَهُوَمَكْظُومٌ ) اُلْتُونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ القُلُمَتِ ) وسواء كان مغاضباً لقومه أو لربه، فكانت مغاضبته من أمر قدر عليه، وبصبره صبر لحكم ربه الذي قدره وقضاه ، وإن كان إنما تأذی من تکذیب الناس له . وقالت الرسل لقومهم: (وَمَالَنَآ أَلَّانَتَوَ كَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَ نَنَا سُبُلَنًا وَلَنَصَِّرََ عَلَى مَآءَ اذَّيْتُمُونًا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَلِ اَلْمُتَوَُّونَ ) وقال موسى لقومه لما قال فرعون: (سَنُقَئِّلُ أَبنَّاءَ هُمْ وَنَسْتَحِى، نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَأْإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِيُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَاُلْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَتْبِكَ). وقال تعالى: ( وَاُلَّذِينَ هَاجَرُ واْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبُّوْثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * فهؤلاء ظلموا فصبروا على ظلم الظالم لهم ، وسبب نزولها المهاجرون إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. وهي عامة فى كل من الصفيهذه الصفة. ٣٢٦ وأصل ((المهاجر)) من هجر ما نهى الله عنه كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم . فكل من هجر السوء فظلمه الناس على ترك الكفر والفسوق والعصيان حتى أخرجوه - لا هجر بعض أمور فى الدنيا - فصبر على ظلمهم ، فإن الله يبوئه فى الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر. كيوسف الصديق فإنه هجر الفاحشة حتى ألجأه ذلك هجر منزله. واللبث فى السجن بعد ما ظلم، فمكنه الله حتى تبوأ من الأرض حيث يشاء . وقال الذين لقوا الكفار : (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَاصَبْرًا) وقال: (إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنٍّ وَإِن يَكُنْ مِنكُمْ مِّْتَةٌ يَغْلِيُوَأَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لََّيَفْقَهُونَ * الْعَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَثَ فِيكُمْ ضَعْفَاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأْتَنَيْنٍ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ) وقال: (كَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ ) فهذا كله صبر على ما قدر من أفعال الخلق، والله سبحانه مدح فى كتابه الصبار الشكور. قال تعالى: (إِنَّفِى ذَلِكَ لَا يَتِ لِكُلِ صَبَّارِشَكُورٍ ) في غير موضع . فالصبر والشكر على ما يقدره الرب على عبده من السراء والضراء : من النعم والمصائب : من الحسنات التى يبلوه بها ، والسيئات، فعليه أن يتلقى المصائب بالصبر ، والنعم بالشكر ، ومن النعم ما ييسره له من أفعال الخير ، ومنها ما هي خارجة عن أفعاله ، فيشهد القدر عند فعله للطاعات وعند إنعام الله عليه فيشكره ٣٢٧ ويشهده عند المصائب فيصبر، وأما عند ذنوبه فيكون مستغفراً نائباً كما قال: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ). وأما من عكس هذا فشهد القدر عند ذنوبه ، وشهد فعله عند الحسنات فهو من أعظم المجرمين ، ومن شهد فعله فيها فهو قدري ، ومن شهد القدر فيهما ولم يعترف بالذنب ويستغفره فهو من جنس المشركين . وأما المؤمن فيقول: أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي فاغفر لي. كما فى الحديث الصحيح الإلهي: (( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)). وكان نبينا صلى الله عليه وسلم متبعاً ما أمر به من الصبر على أذى الخلق. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ((ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادماً له، ولا دابة، ولا شيئاً قط ؛ إلا أن يجاهد فى سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه، إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله)). وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لا فعلته؟ وكان بعض أهله إذا عتني على شيء يقول : دعوه ، دعوه ، فلو قضى شىء لكان. وفى السنن عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ذكر للنبى ٣٢٨ صلى الله عليه وسلم قول بعض من آذاه: ((فقال: دعنا منك ، فقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر)). فكان يصبر على أذى الناس له من الكفار والمنافقين وأذى بعض المؤمنين، كما قال تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِّفَيَسْتَخِىء مِنْكُمْ ). وكان يذكر: أن هذا مقدر . والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور، ولذلك قال : ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) فالتقوى فعل المأمور وترك المحظور، والصبر على أذاهم، ثم إنه حيث أباح المعاقبة قال: (وَإِنْ عَاقَّبْتُمْ فَعَاقِبُواْبِمِثْلِ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّ بِاللَّهِ مَا عُوقِبْتُعِبِهِ، وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِضَّبِينَ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِ ضَيْقِ مِمَّا يَمْكُرُونَ ). فأخبر أن صبره بالله ، فالله هو الذي يعينه عليه ، فإن الصبر على المكاره بترك الانتقام من الظالم ثقيل على الأنفس، لكن صبره بالله كما أمره أن يكون لله فى قوله: (وَلِرَبِكَ فَاصْبِرْ). لكن هناك ذكره فى الجملة الطلبية الأمرية؛ لأنه مأمور أن يصبر لله لا لغيره، وهنا ذكره فى الخبرية فقال: (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) فإن الصبر وسائر الحوادث لا تقع إلا بالله، ثم قد يكون ذلك وقدلا يكون فما لا يكون بالله لا يكون، وما لا يكون الله لا ينفع ولا يدوم. ولا يقال: واصبر بالله فإن الصبر لا يكون إلا بالله، لكن يقال: استعينوا بالله واصبروا فنستعين باللّه على الصبر. ٣٢٩ وكما أن الإنسان مأمور بشهود القدر وتوحيد الربوبية عند المصائب ، فهو مأمور بذلك عند ما ينعم الله عليه من فعل الطاعات ، فيشهد قبل فعلها حاجته وفقره إلى إعانة الله له، وتحقق قوله: (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). ويدعو بالأدعية التى فيها طلب إعانة الله له على فعل الطاعات، كقوله : ((أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) وقوله: «يا مقلب القلوب ثبت قلى على دينك ويا مصرف القلوب، اصرف قلى إلى طاعتك وطاعة رسولك)) وقوله: ( رَبََّلاَ تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) وقوله: (رَبَّنَاَءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) ومثل قوله : ((اللهم ألهمني رشدي، واكفني شر نفسي)). ورأس هذه الأدعية وأفضلها قوله: (أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ). فهذا الدعاء أفضل الأدعية وأوجبها على الخلق، فإنه يجمع صلاح العبد فى الدين والدنيا والآخرة، وكذلك الدعاء ((بالتوبة)) فإنه يتضمن الدعاء بأن يلهم العبد التوبة، وكذلك دعاء ((الاستخارة)) فإنه طلب تعليم العبد ما لم يعلمه وتيسيره له وكذلك الدعاء الذي كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو به إذا قام من الليل. وهو فى الصحيح: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه ٣٣٠ من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). وكذلك الدعاء الذي فيه: « اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ماتهون به علينا مصائب الدنيا)) وكذلك الدعاء باليقين والعافية كما في حديث أبي بكر، وكذلك قوله: ء اللهم؛ أصلح لي قلى ونيتى، ومثل قول الخليل وإسماعيل: (وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ ) . وهذه أدعية كثيرة تتضمن افتقار العبد إلى الله فى أن يعطيه الإيمان والعمل الصالح، فهذا افتقار واستعانة بالله قبل حصول المطلوب فإذا حصل بدعاء أو بغير دعاء ، شهد إنعام اللّه فيه وكان في مقام الشكر والعبودية لله ، وأن هذا حصل بفضله وإحسانه لا يحول العبد وقوته . فشهود القدر في الطاعات من أنفع الأمور للعبد، وغيبته عن ذلك من أضر الأمور به، فإنه يكون قدرياً منكراً لنعمة اللّه عليه بالإيمان والعمل الصالح وإن لم يكن قدري الاعتقاد كان قدري الحال وذلك يورث العجب والكبر، ودعوى القوة والمنة بعمله واعتقاد استحقاق الجزاء على الله به، فيكون من يشهد العبودية مع الذنوب والاعتراف بها - لا مع الاحتجاج بالقدر - عليها خيراً من هذا الذي يشهد الطاعة منه لا من إحسان اللّه إليه ، ويكون أولئك المذنبون بما معهم من الإيمان أفضل من طاعة بدون هذا الإيمان . ٣٣١ وأما من أذنب وشهد أن لا ذنب له أصلاً لكون الله هو الفاعل ، وعند الطاعة يشهد أنه الفاعل فهذا شر الخلق ، وأما الذي يشهد نفسه فاعلاً للأمرين والذي يشهد ربه فاعلاً للأمرين ولا يرى له ذنباً فهذا أسوأ عاقبة من القدري، والقدري أسوأ بداية منه كما هو مبسوط فى موضع آخر . والناس فى هذا المقام ((أربعة أقسام)) من يغضب لربه لا لنفسه. وعكسه، ومن بغضب لهما، ومن لا يغضب لها كما أنهم فى شهود القدر ((أربعة أقسام)): من يشهد الحسنة من فعل الله والسيئة من فعل نفسه. وعكسه، ومن يشهد الثنتين من فعل ربه ، ومن يشهد الثنتين من فعل نفسه. فهذه الأقسام الأربعة فى شهود الربوبية، نظير تلك الأقسام الأربعة فى شهود الإلهية ، فهذا تقسيم العباد فيما لله ولهم ، وذاك تقسيمهم فيما هو بالله وبهم، والقسم المحض أن يعمل لله بالله ، فلا يعمل لنفسه ولا بنفسه . والمقصود هنا: تقسيمهم فيما لله. فأعلام حال النبى صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه: أن يصبرواعلى أذى الناس لهم باليد واللسان، ويجاهدون في سبيل الله، فيعاقبون ويغضبون وينتقمون لله لا لنفوسهم يعاقبون؛ لأن الله يأمر بعقوبة ذلك الشخص، ويحب الانتقام منه، كما فى جهاد الكفار وإقامة الحدود ، وأدناه عكس هؤلاء يغضبون وينتقمون ويعاقبون لنفوسهم، لا لربهم فإذا أوذي أحدم أو خولف هواه غضب وانتقم وعاقب ، ولو انتهكت محارم الله أو ضيعت حقوقه لم يهمه ذلك، وهذا حال الكفار والمنافقين . ٣٣٢ وبين هذين وهذين قسمان ((قسم)) يغضبون لربهم ولنفوسهم. و(«قسم)) يميلون إلى العفو فى حق الله وحقوقهم، فموسى فى غضبه على قومه لما عبدوا العجل كان غضبه لله، وقد مثل النبى صلى الله عليه وسلم فى حقوق الله أبا بكر وعمر بإبراهيم وعيسى ونوح وموسى، فقال: ((إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ، ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجر ومثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم وعيسى، ومثلك يا عمر كمثل نوح وموسى)). وأما عفو الإنسان عن حقوقه ، فهذا أفضل ، وإن كان الاقتصاص جازاً وكذلك غضبه لنفسه تركه أفضل، وإن كان الاقتصاص جازاً، وأما ما كان من باب المصائب الحاصلة بقدر الله ولم يبق فيها مذنب يعاقب فليس فيها إلا الصبر والتسليم للقدر. وقصة آدم وموسى كانت من هذا الباب ؛ فإن موسى لامه لأجل ما أصابه والذرية، وآدم كان قد تاب من الذنب وغفر له ، والمصيبة كانت مقدرة، فحج آهم موسى. وهكذا قد يصيب الناس مصائب بفعل أقوام مذنبين تابوا، مثل كافر يقتل مسلماً ثم يسلم ويتوب الله عليه، أو يكون متأولاً لبدعة ثم يتوب من البدعة، أو يكون مجتهداً، أو مقلداً مخطئاً، فهؤلاء إذا أصاب العبد أذى بفعلهم فهو من جنس المصائب السماوية التى لا يطلب فيها قصاص من آدمي . ٣٣٣ ومن هذا الباب القتال فى ((الفتنة)). قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون - فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، وكذلك ((قتال البغاة المتأولين)) حيث أمر الله بقتالهم إذا قاتلهم أهل العدل فأصابوا من أهل العدل نفوساً وأموالاً لم تكن مضمونة عند جماهير العلماء: كأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه ، وهذا ظاهر مذهب أحمد . وكذلك ((المرتدون)) إذا صار لهم شوكة فقتلوا المسلمين، وأصابوا من دمائهم وأموالهم، كما اتفق الصحابة فى قتال أهل الردة أنهم لا يضمنون بعد إسلامهم ما أتلفوه من النفوس والأموال فإنهم كانوا متأولين، وإن كان تأويلهم باطلاً، كما أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه مضت بأن الكفار إذا قتلوا بعض المسلمين وأتلفوا أموالهم ثم أسلموا لم يضمنوا ما أصابوه من النفوس والأموال ، وأصحاب تلك النفوس والأموال كانوا يجاهدون ، قد اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فعوض ما أخذ منهم على الله لا على أولئك الظالمين الذين قاتلهم المؤمنون. وإذا كان هذا فى الدماء والأموال فهو فى الأعراض أولى، فمن كان مجاهداً فى سبيل اللّه باللسان: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وبيان الدين وتبليغ ما فى الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخير ، وبيان الأقوال المخالفة لذلك، والرد على من خالف الكتاب والسنة ، أو باليد كقتال الكفار ، فإذا ٣٣٤ أوذي على جهاده بيد غيره أو لسانه فأجره فى ذلك على الله لا يطلب من هذا الظالم عوض مظلمته ، بل هذا الظالم إن تاب وقبل الحق الذي جوهد عليه فالتوبة تجب ما قبلها (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْإِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْلَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ). وإن لم يتب بل أصر على مخالفة الكتاب والسنة فهو مخالف لله ورسوله، والحق فى ذنوبه لله ولرسوله، وإن كان ((أيضاً)) للمؤمنين حق تبعاً لحق الله، وهذا إذا عوقب عوقب لحق الله ولتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله لا لأجل القصاص فقط . والكفار إذا اعتدوا على المسلمين مثل أن يمثلوا بهم فللمسلمين أن يمثلوا بهم كما مثلوا ، والصبر أفضل وإذا مثلوا كان ذلك من تمام الجهاد ، والدعاء على جنس الظالمين الكفار مشروع مأمور به، وشرع القنوت والدعاء للمؤمنين، والدعاء على الكافرين . وأما الدعاء على معينين كما كان النبى صلى الله عليه وسلم: يلعن فلاناً وفلاناً فهذا قد روي أنه منسوخ بقوله: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ). كما قد بسط الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع. فيما كتبته فى قلعة مصر ؛ وذلك لأن المعين لا يعلم أن رضى الله عنه أن يهلك؛ بل قد يكون ممن يتوب الله عليه؛ بخلاف الجنس فإنه إذا دعى عليهم بما فيه عز الدين وذل عدوه وقمعهم كان هذا دعاء بما يحبه الله ويرضاه ؛ فإن الله يحب الإيمان وأهل الإيمان وعلى أهل الإيمان وذل الكفار ، فهذا دعاء بما يحب الله، وأما الدعاء على المعين بما لا يعلم أن اللّه ٣٣٥ يرضاه فغير مأمور به ، وقد كان يفعل ثم نهى عنه؛ لأن اللّه قد يتوب عليه أو يعذبه . ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ومع هذا فقد ثبت فى حديث الشفاعة فى الصحيح أنه يقول : إنى دعوت على أهل الأرض دعوة لم أومر بها . فإنه وإن لم ينه عنها فلم يؤمر بها، فكان الأولى أن لا يدعو إلا بدعاء مأمور به واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأموراً به لكان شرعاً لنوح، ثم ننظر فى شرعنا هل نسخه أم لا؟ . وكذلك دعاء موسى بقوله: (رَبَّنَا أَطْمِسْ عَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَيُؤْ مِنُوْ حَتَّى يَرَوْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) إذا كان دعاء مأموراً به، بقي النظر فى موافقة شرعنا له، والقاعدة الكلية فى شرعنا أن الدعاء إن كان واجباً أو مستحباً فهو حسن يثاب عليه الداعي، وإن كان محرماً كالعدوان فى الدماء فهو ذنب ومعصية، وإن كان مكروهاً فهو ينقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحاً مستوي الطرفين فلا له ولا عليه، فهذا هذا . والله سبحانه أعلى . ٣٣٦ فصل وكلا الطائفتين: الذين يسلكون إلى الله محض الإرادة والمحبة والدنو والقرب منه من غير اعتبار بالأمر والنهي المنزلين من عند الله، الذين ينتهون إلى الفناء فى توحيد الربوبية ، يقولون بالجمع والاصطلام في توحيد الربوبية ولا يصلون إلى الفرق الثاني. ويقولون ؛ إن صاحب الفناء لا يستحسن حسنة ، ولا يستقبح سيئة ، ويجعلون هذا غاية السلوك . والذين يفرقون بين ما يستحسنونه ويستقبحونه ، ويحبونه ويكرهونه، ويأمرون به وينهون عنه، لكن بإرادتهم ومحبتهم، وهو اهم: لا بالكتاب المنزل من عند الله، كلا الطائفتين متبع لهواه بغير هدى من الله، وكلا الطائفتين لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضى ألا يحب إلا لله ولا يبغض إلا الله، ولا يوالى إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما يحبه الله، ويبغض ما أبغضه، ويأمر بما أمر الله به وينهى عمانهى الله عنه، وأنك لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تسأل إلا الله، وهذا ملة إبراهيم ، وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين. ٣٣٧ والفناء في هذا هو ((الفناء)) المأمور به، الذي جاءت به الرسل، وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواء، وبالتوكل عليه عن التوكل على ماسواه، وبرجائه وخوفه عن رجاء ماسواه وخوفه، فيكون مع الحق بلا خلق، كما قال الشيخ عبد القادر: كن مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس. وتحقيق الشهادة بأن محمداً رسول اللّه، يوجب أن تكون طاعته طاعة الله وإرضاؤه إرضاء الله. ودين اللّه ما أمر به، فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه ، والدين ماشرعه، ولهذا طالب الله المدعين لمحبته بمتابعته، فقال: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) وضمن لمن اتبعه أن الله يحبه بقوله: ( يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) . وصاحب هذه المتابعة لا يبقى مريداً إلا ما أحبه الله ورسوله، ولا كارهاً الالماكرهه الله ورسوله، وهذا هو الذي يحبه الحق كما قال: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها ، فى يسمع وبى لبصر وبى يبطش وبى يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدله منه)). ٣٣٨ فهذا محبوب الحق، ومن اتبع الرسول فهو محبوب الحق وهو المتقرب إلى الله بما دعا إليه الرسول من فرض ونفل ، ومعلوم أن من كان هكذا فهو يحب طاعة الله ورسوله، ويبغض معصية الله ورسوله ، فإن الفرائض والنوافل كلها من العبادات التى يحبها الله ورسوله، ليس فيها كفر ولا فسوق ، والرب تعالى أحبه لما قام بمحبوب الحق، فإن الجزاء من جنس العمل، فلما لم يزل متقربا إلى الحق بما يحبه من النوافل بعد الفرائض أحبه الحق فإنه استفرغ وسعه في محبوب الحق. فصار الحق يحبه المحبة التامة التى لايصل إليها من هو دونه فى التقرب إلى الحق بمحبوباته ، حتى صار يعلم بالحق ويعمل بالحق ، فصار به يسمح وبه لبصر وبه ليطش وبه يمشي . وأما الذي لايستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة ، فهذا لم تبق عنده الأمور ((نوعان)): محبوب للحق، ومكروه ؛ بل كل مخلوق فهو عنده محبوب للحق، كما أنه مراد ؛ فإن هؤلاء أصل قولهم: هو قول جهم بن صفوان من القدرية، فهم من غلاة الجهمية الجبرية فى القدر، وإن كانوا فى الصفات يكفرون الجهمية نفاة الصفات ، كمال أبى إسماعيل الأنصاري صاحب ((منازل السائرين)) و(ذم الكلام)) و((الفاروق)) و((تكفير الجهمية)) وغير ذلك ، فإنه فى باب إثبات الصفات فى غاية المقابلة للجهمية والنفاة ، وفى باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ومن اتبعه من غلاة الجبرية ، وهو قول الأشعري وأتباعه، وكثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة ومن أهل الحديث والصوفية . ٣٣٩ فإن هؤلاء أقروا بالقدر موافقة للسلف وجمهور الأئمة، وم مصيبون فى ذلك، وخالفوا ((القدرية)) من المعتزلة وغيرهم فى نفي القدر، ولكن سلكوا فى ذلك مسلك الجهم بن صفوان وأتباعه فزعموا : أن الأمور كلها لم تصدر إلا عن إرادة تخصيص أحد المتماثلين بلا سبب. وقالوا : الإرادة والمحبة والرضا سواء ؛ فوافقوا في ذلك القدرية ؛ فإن الجهمية والمعتزلة كلاهما يقول: إن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح ؛ وكلاهما يقول : لافرق بين الإرادة والمحبة والرضا . ثم قالت ((القدرية)) وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ؛ ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر؛ ويكره الكفر والفسوق والعصيان . قالوا : فيلزم من ذلك أن يكون كل ما فى الوجود من المعاصي واقعاً بدون مشيئته وإرادته كما هو واقع على خلاف أمره ، وخلاف محبته ورضاء وقالوا : إن محبته ورضاه لأعمال عباده هو بمعنى أمره بها؛ فكذلك إرادته لها بمعنى أمره بها، فلا يكون قط عنده مريداً لغير ما أمر به؛ وأخذ هؤلاء يتأولون مافي القرآن من إرادته لكل ما يحدث ومن خلقه لأفعال العباد بتأويلات محرفة . وقالت الجهمية ومن اتبعها من الأشعرية وأمثالهم : قد على بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه؛ ولا يكون خالقاً إلا بقدرته ومشيئته ؛ فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن وكل ما في الوجود فهو ٣٤٠