النص المفهرس
صفحات 281-300
الكلام والكتاب كالقول في العلم : فإنه سبحانه وتعالى إذا خلق الشىء خلقه بعلمه وقدرته ومشيئته ، ولذلك كان الخلق مستلزما للعلم ودليلا عليه كما ) . وأما إذا أخبر أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيْرُ قال تعالى : ( بما سيكون قبل أن يكون فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر فى وجوده لعلمه وخبره به بعد وجوده لثلاثة أوجه : ( أحدها ) : أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر عن الماضي . ( الثانى ) : أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة للخلق ليس هو ما يستلزم الخبر ، وقد بينا الفرق بين العلم العملي والعلم الخبري. ( الثالث ) أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير فى وجود المعلوم المخبربه فلا ريب أنه لابد مع ذلك من القدرة والمشيئة ، فلا يكون مجرد العلم موجباً له بدون القدرة والإرادة. فتبين أن العلم والخبر والكتاب لا يوجب الاكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد، مما يدل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى يعلم ويخبر بما سيكون من مفعولات الرب ، كما يعلم أنه سيقيم القيامة ويخبر بذلك، ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع المعلوم المخبر به بدون الأسباب التى جعلها الله أسباباً له . إذا تبين ذلك فقول السائل : السعيد لا يشقى ، والشقي لا يسعد ، ٢٨١ كلام صحيح: أي مَن قَدَّرَ اللهُ أن يكون سعيداً يكون سعيداً، لكن بالأعمال التى جعله يسعد بها، والشقي لا يكون شقياً إلا بالأعمال التى جعله يشقى بها التى من جملتها الاتكال على القدر ، وترك الأعمال الواجبة . وأما قوله : والأعمال لاتراد لذاتها بل لجلب السعادة ودفع الشقاوة وقد سبقنا وجود الأعمال، فيقال له : السابق نفس السعادة والشقاوة ، أو تقدير السعادة والشقاوة علما وقضاء وكتاباً، هذا موضع يشتبه ويغلط فيه كثير من الناس حيث لا يميزون بين ثبوت الشيء فى العلم والتقدير، وبين ثبوته فى الوجود والتحقيق . فإن الأول هو العلم به والخبر عنه ، وكتابته، وليس شيء من ذلك داخلا فى ذاته ولا فى صفاته القائمة به . ولهذا يغلط كثير من الناس فى قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح الذى رواه ميسرة قال: (( قلت: يارسول الله ! متى كنت نبياً؟ وفى رواية - متى كتبت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد)). فيظنون أن ذاته ونبوته وجدت حينئذ، وهذا جهل فإن الله إنما نبأه على رأس أربعين من عمره، وقد قال له: (بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ) وقال: (وَوَجَدَلَكَ ضَالًا فَهَدَى) وفي الصحيحين ((أن الملك قال له : - حين جاءه - اقرأ فقال: لست بقارئ - ثلاث مرات -)). ٢٨٢ ومن قال : إن النبى صلى الله عليه وسلم كان نبياً قبل أن يوحى إليه فهو كافر باتفاق المسلمين ، وإنما المعنى أن الله كتب نبوته فأظهرها وأعلنها بعد خلق جسد آدم ، وقبل نفخ الروح فيه، كما أخبر أنه يكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته بعد خلق جسده ، وقبل نفخ الروح فيه كما فى حديث العرباض بن سارية الذي رواه أحمد وغيره عن النى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إني عبد الله وخاتم النبيين)) وفى رواية إني عبد الله لمكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمجندل فى طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت حين ولدتني أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام)). وكثير من الجهال المصفين وغيرهم يرويه « كنت نبياً وآدم بين الماء والطين))، ((وآدم لا ماء ولا طين)» ويجعلون ذلك وجوده بعينه، وآدم لم يكن بين الماء والطين، بل الماء بعض الطين لا مقابله. وإذا كان كذلك فإن قال : السابق نفس السعادة والشقاوة فقد كذب ؛ فإن السعادة إنما تكون بعد وجود الشخص الذي هو السعيد، وكذلك الشقاوة لاتكون إلا بعد وجود الشقى، كما أن العمل والرزق لا يكون إلا بعد وجود العامل ولا بصير رزقا إلا بعد وجود المرتزق، وإنما السابق هو العلم بذلك وتقديره لانفسه وعينه ، وإذا كان كذلك فالعمل - أيضا - سابق كسبق السعادة والشقاوة، وكلاهما معلوم مقدر ، وما ٢٨٣ متأخران فى الوجود، والله سبحانه على وقدر أن هذا يعمل كذا فيسعد به وهذا يعمل كذا فيشقى به، وهو يعلم أن هذا العمل الصالح يجلب السعادة كما يعلم سائر الأسباب والمسببات ، كما يعلم أن هذا يأكل السم فيموت ، وأن هذا يأكل الطعام فيشبع ، ويشرب الشراب فيروى ، وظهر فساد قول السائل: فلا وجه لإتعاب النفس فى عمل، ولا لكفها عن ملذوذات، والمكتوب فى القدم واقع لا محالة . وذلك أن المكتوب فى القدم هو سعادة السعيد لما يسر له من العمل الصالح ، وشقاوة الشقي لما يسر له من العمل السيء، ليس المكتوب أحدهما دون الآخر. فما أمر به العبد من عمل فيه تعب أو امتناع عن شهوة هو من الأسباب التى تنال بها السعادة. والمقدر المكتوب هو السعادة والعمل الذي به ينال السعادة، وإذا ترك العبد ما أمر به متكلا على الكتاب كان ذلك من المكتوب المقدور الذي يصير به شقياً ، وكان قوله ذلك بمنزلة من يقول: أنا لا آ كل ولا اشرب، فإن كان الله قضى بالشبع والري حصل، وإلا لم يحصل أو يقول لا أجامع امرأتى فإن كان الله قضى لي بولد فإنه يكون. وكذلك من غلط فترك الدعاء أو ترك الاستعانة والتوكل ظاناً أن ذلك من مقامات الخاصة ناظراً إلى القدر، فكل هؤلاء جاهلون ضالون؛ ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفى كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن ٢٨٤ بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان». فأمره بالحرص على ما ينفعه، والاستعانة بالله ونهاه عن العجز الذي هو الاتكال على القدر ، ثم أمره إذا أصابه شيء أن لا ييأس على ما فاته ، بل ينظر إلى القدر ويسلم الأمر لله، فإنه هنا لا يقدر على غير ذلك كما قال بعض العقلاء: الأمور ((أمران)) أمر فيه حيلة، وأمر لا حيلة فيه، فمافيه حيلة لا يعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه . وفى سنن أبى داود أن رجلين اختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه: حسبنا الله ونعم الوكيل ، فقال: النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل)). وفى الحديث الآخر ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى) رواه ابن ماجه والترمذی وقال حديث حسن . وعن شداد بن أوس قال قال رسول صلى الله عليه وسلم ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبح نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل)) . ومن الناس من يصحفه فيقول الفاجر وإنما هو العاجز ٢٨٥ فى مقابلة الكيس ، كما فى الحديث الآخر (( كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)». وهنا سؤال يعرض لكثير من الناس وهو : أنه إذا كان المكتوب واقعاً لا محالة فلو لم يأت العبد بالعمل هل كان المكتوب يتغير ؟ وهذا السؤال يقال فى مسألة المقتول - يقال لو لم يقتل هل كان يموت؟ ونحو ذلك. فيقال هذا لو لم يعمل عملاً صالحاً لما كان سعيداً، ولو لم يعمل عملا سيئاً لما كان شقياً، وهذا كما يقال: إن الله يعلم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، فإن هذا من باب العلم والخبر بما لا يكون لو كان كيف يكون، كقوله: ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَإِهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا) وقوله: (وَلَوْرُوْلَعَادُواْ لِمَا ◌ُواْ عَنْهُ ) وقوله: (لَوْخَرَ جُواْفِيكُمْ مَازَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وقوله (وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيِهِمْ خَيْرَا لَّأَسْمَعَهُمْ ) وأمثال ذلك كما روى أنه يقال للعبد فى قبره حين يفتح له باب إلى الجنة وإلى النار . ويقال : هذا منزلك ، ولو عملت كذا وكذا أبدلك الله به منزلا آخر . وكذلك يقال هذا لو لم يقتله هذا لم يمت بل كان يعيش إلا أن يقدر له سبب آخر يموت به، واللازم فى هذه الجملة خلاف الواقع المعلوم والمقدور، والتقدير للممتنع قديلزمه حكم ممتنع ، ولا محذور فى ذلك. ٢٨٦ ومما يشبه هذه المسألة أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر فأخبر أصحابه بمصارع المشركين فقال: ((هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، ثم إنه دخل العريش، وجعل يجتهد فى الدعاء ، ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني)). وذلك لأن علمه بالنصر ، لا يمنع أن يفعل السبب الذي به ينصر ، وهو الاستغاثة بالله . وقد غلط بعض الناس هنا وظن أن الدعاء الذي علم وقوع مضمونه كالدعاء الذي فى آخر سورة البقرة لا يشرع إلا عبادة محضة، وهذا كقول بعضهم : إن الدعاء ليس هو إلا عبادة محضة ؛ لأن المقدور كائن دعا أو لم بدع. فيقال له : إذا كان الله قد جعل الدعاء سبباً لنيل المطلوب المقدر فكيف يقع بدون الدعاء ؟ وهو نظير قولهم : أفلا ندع العمل ـم ونتكل على الكتاب ؟ ومما يوضح [ ذلك] أن الله قد علم وكتب أنه يخلق الخلق ويرزقهم ويميتهم ويحييهم، فهل يجوز أن يظن أن تقدم العلم والكتاب مغن لهذه الكائنات عن خلقه وقدرته ومشيئته، فكذلك على الله بما يكون من أفعال العباد، وأنهم يسعدون بها، ويشقون كما يعلم ــ مثلاً - أن الرجل يمرض أو يموت بأكله السم أو جرحه نفسه ونحو ذلك. ٢٨٧ وهذا الذي ذكرناه مذهب سلف الأمة وأئمتها ، وجمهور ((الطوائف)) من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم ، وإنما نازع فى ذلك غلاة القدرية، وظنوا أن تقدم العلم يمنع الأمر والنهي ، وصاروا فريقين : (فريق) أقروا بالأمر والنهي والثواب والعقاب، وأنكروا أن يتقدم بذلك قضاء وقدر وكتاب، وهؤلاء نبغوا فى أواخر عصر الصحابة فلما سمع الصحابة بدعهم تبرؤوا منهم كما تبرؤوامنهم ، ورد عليهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد اللّه، وواثلة بن الأسقع وغيرهم، وقد نص ((الأئمة)) كالك والشافعي وأحمد على كفر هؤلاء الذين ينكرون علم الله القديم. و (الفريق الثانى): من يقر بتقدم علم الله وكتابه، لكن يزعم أن ذلك يغني عن الأمر والنهي والعمل، وأنه لا يحتاج إلى العمل ، بل من قضى له بالسعادة دخل الجنة ، بلا عمل أصلا، ومن قضى عليه بالشقاوة شقى بلا عمل فهؤلاء ليسوا طائفة معدودة من طوائف أهل المقالات ، وإنما يقوله كثير من جهال الناس. وهؤلاء أكفر من أولئك وأضل سبيلا، ومضمون قول هؤلاء تعطيل الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بكثير ، وهؤلاء هم الذين سأل السائل عن مقالتهم . وأما ((جمهور القدرية)) فهم يقرون بالعلم والكتاب المتقدم، لكن ينكرون ٢٨٨ أن الله خلق أفعال العباد، وإرادة الكائنات، وتعارضهم القدرية المجبرة الذين يقولون ليس للعبد قدرة ولا إرادة حقيقية ولا هو فاعل حقيقة، وكل هؤلاء مبتدعة ضلال. وشر من هؤلاء من يجعل خلق الأفعال، وإرادة الله الكائنات مانعة من الأمر والنهي كالمشركين الذين قالوا: ( لَوْشَآءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ) فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ، ومضمون قولهم : تعطيل جميع ما جاءت به الرسل كلهم من الأمر والنهي . ثم قولهم متناقض ، معلوم الفساد بالضرورة لا يمكن أن يحيى معه بنو آدم لاستلزامه فساد العباد ، فإنه إذا لم يكن على العباد أحر ونهي كان لكل أحد أن يفعل ما يهواه كما قال تعالى: (وَلَوَ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ) فإذا قيل : إنه يمكن كل أحد مما يهواه من قتل النفوس وفعل الفواحش وأخذ الأموال وغير ذلك ، كان ذلك غاية الفساد ولهذا لا تعيش أمة من بنى آدم إلا بنوع من الشريعة التى فيها أمر ونهي، ولو كانت بوضع بعض الملوك مع ما فيها من فساد من وجوه أخرى. فإن قيل: هذا الذي ذكر تموه بين أن تقدم علم الله وكتابه بالسعادة والشقاوة وغير ذلك من الأمور لا يمنع توقف ذلك على الأعمال والأسباب التى ٢٨٩ جعل الله بها تلك الأمور، وذلك يبين أن ذلك لا يمنع أن يكون العبد عاملا للعمل الصالح الذي به يسعده اللّه، وأن يكون قادراً على ذلك مريداً له، وإن كان ذلك كله بتيسير الله للعبد - وإن تنازع الناس فى تسمية ذلك جبراً - لكن هل يكون العبد قادراً على غير الفعل الذي فعله الذي سبق به العلم والكتاب، فهذا مما تنازع فيه الناس ، كما تنازعوا في أن الاستطاعة هل يجب أن تكون مع الفعل أو يجب أن تقدمه، فمن قال من أهل الإثبات: إن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل ، يقول العبد لا يستطيع غير ما يفعله، وهو ما تقدم به العلم والكتاب . ومن قال: إن الاستطاعة قد تتقدم الفعل ، وقد توجد دون الفعل فإنه يقول : إنه يكون مستطيعاً لما لم يفعله، ولما علم وكتب أنه لا يفعله. وفصل الخطاب، أن ((الاستطاعة)) جاءت فى كتاب الله على نوعين: الاستطاعة المشترطة للفعل، وهي مناط الأمر والنهي كقوله تعالى: ( وَلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وقوله: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ ) وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ ) الآية (فَمَنْلَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وقوله (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً. فإن لم تستطع فعلى جنب)). فإن الاستطاعة فى هذه النصوص لو كانت لا توجد إلا مع الفعل لوجب ألا يجب الحج إلا على من حج ، ولا يجب صيام شهرين إلا على من ٢٩٠ صام ولا القيام في الصلاة إلا على من قام وكان المعنى: على الذين يصومون الشهر طعام مسكين ، والآية إنما أنزلت لما كانوا مخيرين بين الصيام والإطعام فى شهر رمضان . والاستطاعة التى يكون معها الفعل ، قد يقال هي المقترنة بالفعل الموجبة له - وهي النوع الثاني - وقد ذكروا فيها قوله تعالى: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) وقوله تعالى: ( يُضَعَفُ لَهُمُ ونحو ذلك قوله : اُلْعَذَابُ مَاكَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىَ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلَّا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ سَدًا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ ). فإن الاستطاعة المنفية هنا - سواء كان نفيها خبراً او ابتداء - ليست هي الاستطاعة المشروطة فى الأمر والنهي فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد والحمد والنم والثواب والعقاب، ومعلوم أن هؤلاء فى هذه الحال مأمورون منهيون موعودون متوعدون؛ فعلم أن المنفية هنا ليست المشروطة فى الأمر والنهي المذكورة في قوله: (فَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). لكن قد يقال : الاستطاعة هنا كالاستطاعة المنفية فى قول الخضر لموسى (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ) فإن هذه الاستطاعة المنفية، لو كان المراد بها مجرد المقارنة فى الفاعل والتارك لم يكن فرق بين هؤلاء المذمومين وبين المؤمنين ، ٢٩١ ولا بين الخضر وموسى ؛ فإن كل أحد فعل أو لم يفعل لا تكون المقارنة موجودة قبل فعله ، والقرآن يدل على أن هذه الاستطاعة إنما نفيت عن التارك لا عن الفاعل ، فعلم أنها مضادة لما يقوم بالعبد من الموانع التى تصد قلبه عن إرادة الفعل وعمله، وبكل حال فهذه الاستطاعة منتفية فى حق من كتب عليه أنه لا يفعل ، بل وقضى عليه بذلك . وإذا عرف هذا التقسيم - أن إطلاق القول بأن العبد لا يستطيع غير ما فعل ، ولا يستطيع خلاف المعلوم المقدر ، وإطلاق القول بأن استطاعة الفاعل والتارك سواء ، وأن الفاعل لا يختص عن التارك باستطاعة خاصة ، [عرف أن ] كلا الإطلاقين خطأ وبدعة. ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور طوائف أهل الكلام على أن الله قادر على ما علم وأخبر أنه لا يكون ، وعلى ما يمتنع صدوره عنه لعدم إرادته ، لا لعدم قدرته عليه ؛ وإنما خالف فى ذلك طوائف من أهل الضلال من الجهمية والقدرية والمتفلسفة الصابئة الذين يزعمون انحصار المقدور في الموجود، ويحصرون قدرته فيما شاءه وعلم وجوده ؛ دون ما أخبر أنه لا يكون كما رجحه النظام والأسواري، وكما يقوله من يزعم: أنه ليس من المقدور غير هذا العالم، ولا فى المقدور ما يمكن أن يهدى به الضال ، وقد قال الله تعالى: مع أنه ( أَيَخْسَبُ آلْإِنسَنُّ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ, * بَلَى قَدِرِينَ عَلَى أَن نُسَوِّىَ بَنَانَهُ) سبحانه لا يسوي بنانه ، وقال تعالى : (قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا ٢٩٢ مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ). وقد ثبت فى الصحيح عن جابر: ((أنه لما نزلت هذه الآية (قُلْ هُوَالْقَادِرُ قال النبى صلى الله عليه وسلم: أعوذ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ ) بوجهك، - ( أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) - قال: أعوذ بوجهك، ( أَوْيَلْبِسَكُمْ قال: هاتان أهون)). وقال الله تعالى شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ). (وَلَوْشِتْنَا لَ نَيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا). ومن حكى من أهل الكلام عن أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن العبد ليس قادراً على غير ما فعل. الذي هو خلاف المعلوم، فإنه مخطئ فيما نقله عنهم من نفى القدرة مطلقاً، وهو مصيب فيما نقله عنهم من نفي القدرة التى اختص بها الفاعل دون التارك ، وهذا من أصول نزاعهم فى جواز تكليف ما لا يطاق . فإن من يقول الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل ، فالتارك لا استطاعة له بحال ، يقول: إن كل من عصى الله فقد كلفه الله ما لا يطيقه ، كما قد يقولون: إن جميع العباد كلفوا ما لا يطيقون . ومن يقول : إن استطاعة الفعل هي استطاعة الترك، يقول: إن العباد لم يكلفوا إلا بماهم مستوون في طاقته وقدرته واستطاعته ؛ لا يختص الفاعل دون التارك باستطاعة خاصة ، فإطلاق القول بأن العبد كلف بما لا يطيقه كإطلاق القول بأنه مجبور على أفعاله ٢٩٣ - إذ سلب القدرة فى المأمور نظير إثبات الجبر في المحظور - وإطلاق القول بأن العبد قادر مستطيع على خلاف معلوم الله ومقدوره. وسلف الأمة وأئمتها ينكرون هذه الإطلاقات كلها لا سيما كل واحد من طرفي النفي والإثبات على باطل ، وإن كان فيه حق أيضاً ؛ بل الواجب إطلاق العبارات الحسنة وهي المأثورة التى جاءت بها النصوص، والتفصيل فى العبارات المجملة المشتبهة ، وكذلك الواجب نظير ذلك فى سائر أبواب أصول الدين أن يجعل ما يثبت بكلام الله عز وجل ورسوله وإجماع سلف الأمة هي النص المحكم. وتجعل العبارات المحدثة المتقابلة بالنفي والإثبات المشتملة فى كل من الطرفين فى حق وباطل من باب المجمل المشتبه المحتاج إلى تفصيل الممنوع من إطلاق طرفيه . وقد كتبنا فى غير هذا الموضع ما قاله الأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل ؛ وغيرهم من الأمة من كراهة إطلاق الجبر ومن منع إطلاق نفيه أيضاً . وكذلك أيضا: القول بتكليف ما لا يطاق لم تطلق الأئمة فيه واحداً من الطرفين. قال أبو بكر عبد العزيز: صاحب الخلال فى ((كتاب القدر)) الذي فى مقدمة ((كتاب المقنع)) له لم يبلغنا عن أبي عبد الله فى هذه المسألة قول فنتبعه ؛ والناس فيه قد اختلفوا فقال قائلون : بتكليف ما لا يطاق ونفاه ٢٩٤ آخرون ومنعوا منه. قال : والذي عندنا فيه أن القرآن شهد بصحة ما إليه قصدناه. وهو أن الله عز وجل : يتعبد خلقه بما يطيقون وما لا يطيقون . ثم قال فى آخر الفصل : ولعل قائلا أن يعارض قولنا فيقول: لو جاز أن يكلف الله العبد ما لا يطيق جاز أن يكلف الأعمى صنعة الألوان والمقعد المشي؛ ومن لا يدله البطش وما أشبه ذلك فيقال له: قد قال ابن عباس : فى قوله تعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) هو مشيهم على وجوههم وسقط السؤال فى كل ما سألوا عنه على جواب ابن عباس فى المشي على الوجوه . ثم قال : وقد أبان أبو الحسن - يعني الأشعري - فيما قدمنا ذكره عنه فى هذه المعاني بما فيه كفاية ، قال القاضي أبو يعلى: لما حكى كلام أبي الحسن - يعني أبا الحسن الأشعري - قد فصل بين مايقدر على فعله لا لاستحالته فيجوز تكليفه، وما يستحيل لا يجوز ، قال : وظاهر كلام أبي الحسن الأشعري الاحتمال فيما يستحيل وجوده هل يصح تكليفه أم لا؟ قال؛ والصحيح ماذكرناه من التفصيل، وهو أن ما لا يقدر على فعله لاستحالته كالأمر بالمحال ، وكالجمع بين الضدين وجعل المحدث قديما، والقديم محدثا، أو كان مما لا يقدر عليه للعجز عنه كالمقعد الذي لا يقدر على القيام والأخرس الذي لايقدر على الكلام ، فهذا الوجه لا يجوز تكليفه . و (الوجه الثاني ): مالا يقدر على فعله لا لاستحالته ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، كالكافر كلفه الإيمان في حال كفره ، لأنه غير ٢٩٥ عاجز عنه ولا مستحيل منه ، فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة . فهذا الذي ذكره القاضي أبو يعلى هو قول جمهور الناس من الفقهاء والمتكلمين وهو قول جمهور أصحاب الإمام أحمد، وذكر القاضي المنصوص عن الأشعري - فيما ذكره القاضى عنه - وقد ذكر أن أبا بكر عبد العزيز، ذكر كلام أبى الحسن فى ذلك كما يذكر المصنف كلام أبي الحسن فى ذلك، وكما يذكر المصنف كلام موافقيه وأصحابه ، لأنه كان من حملة المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد وسائر أئمة السنة كما ذكر ذلك فى كتبه . وأما أتباع أبى الحسن فمنهم من وافق نفس الذي ذكره القاضي كأبي علي ابن شاذان وأتباعه ، ومنهم من خالفه كأبي محمد اللبان والرازي وطوائف، قالوا : إنه يجوز تكليف الممتنع كالجمع بين الضدين والمعجوز عنه . و (القول الثالث ): الذي ذكره أبو بكر عبد العزيز وهو أنه يجوز تكليف كل ما يمكن وإن كان ممتنعا في العادة كالمشي على الوجوه ، ونقط الأعمى المصحف . وذكر أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبي يعلى فى أصوله قولي التفريق والإطلاق عن أصحاب أحمد فقال : ٢٩٦ فصل لأنه ماوجد فى الأمر ولو وجد بالفكر وهذا مثل مالم ترد الشريعة به كأمر الأطفال ومن لا عقل له والأعمى البصر ، والفقير النفقة ، والزمن أن يسير إلى مكة فكل ذلك ما جاءت به الشريعة ، ولو جاءت به لزم الإيمان به والتصديق فلا يقيد الكلام فيه. قال: وذهبت طائفة من أصحابنا إلى إطلاق الاسم من جواز تكليف مالا يطاق من زمن وأعمى وغيرم، وهو مذهب جهم وبرغوث . و ( الوجه الثاني ) سلامة الآلة، لكن عدم الطاقة لعدم التوفيق والقبول وذلك يجوز وجها واحداً فى معنى هذا أنه يجوز التكليف لمن قدر على الله فيه أنه لايفعله ، وأبى ذلك المعتزلة والدليل عليه قوله تعالى لإبليس (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ) وقوله: (أَلَّا تَسْجُدَ إِذْأَمَرْتُكَ) الآيات. فأمر وقد سبق من علمه أنه لايقع منه فعله. فكان الأمر متوجها إلى ماقد سبق من على الله أنه لايطيقه . ( القول الثاني ) : منقول عن أبي الحسن أيضا وزعم أبو المعالي الجويني أنه الذي مال إليه أكثر أجوبة أبي الحسن وأنه الذي ارتضاه كثير من أصحابه ، ٢٩٧ وقد توقف أبو الحسن عن الجواب فى هذه المسألة في الموجز ، وكان أبو المعالي يختاره أولا، ثم رجع عنه وقطع أن تكليف مالا يطاق محال، وهذا القول الأول قول ابن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي ، وأبى عبد الله الرازي وغيره، وهذا ( الثاني) هو مذهب أبي إسحق الإسفرائيني وأبى بكر بن فورك، وأبي القاسم الأشعري، والغزالي ، وادعى أبو إسحق الإسفرائيني أنه مذهب شيخه أبي الحسن ، وأنه مذهب أهل الحق، فأما القاضي أبو بكر فقد قال بجوازه فى بعض كتبه، وأكثر كلامه على التفريق بين تكليف العاجز ، وبين تكليف القادر على الترك ، كما هو قول الجمهور . وفى المسألة (قول ثالث ): وهو الذي ذكره أبو بكر عبد العزيز أنه يجوز تكليف كل ما يمكن وإن كان ممتنعاً فى العادة كالمشى على الوجه، ونقط الأعمى المصحف دون الممتنع كالجمع بين الضدين . وفصل الخطاب فى ((هذه المسألة)) أن النزاع فيها فى أصلين : أحدهما : التكليف الواقع الذي اتفق المسلمون على وقوعه فى الشريعة وهو أمر العباد كلهم بما أمرم الله به ورسوله من الإيمان به وتقواه هل يسمى هذا أو شيء منه تكليف مالا يطاق ؟ فمن قال: بأن القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول : إن العاصي كلف مالا يطيقه ، ويقول : إن كل أحد كلف حين كان غير مطيق؛ وكذلك من زعم أن تقدم العلم والكتاب بالشيء يمنع ٢٩٨ أن يقدر على خلافه ، قال: إن كلف خلاف المعلوم فقد كلف مالا يطيقه ، وكذلك من يقول: إن العرض لا يبقى زمانين، يقول: إن الاستطاعة المتقدمة لا تبقى إلى حين الفعل . وهذا فى الحقيقة ليس نزاعا فى الأفعال التى أمر الله بها ونهى عنها، هل يتناولها التكليف ؟ وإنما هو نزاع فى كونها غير مقدورة للعبد التارك لها وغير مقدورة قبل فعلها ، وقد قدمنا أن القدرة نوعان ، وأن من أطلق القول بأن الاستطاعة لاتكون إلا مع الفعل فإطلاقه مخالف لما ورد فى الكتاب والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها - كإطلاق القول بالجبر - وإن كان قد أطلق ذلك طوائف من المنتسبين إلى السنة في ردم على القدرية من المنتسبين إلى الإمام أحمد وغيره من أىّة السنة كأبى الحسن ، وأبى بكر عبد العزيز ، وأبي عبد الله بن حامد ؛ والقاضي أبى بكر ، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي وأبي الحسن بن الزاغوني، وغيرهم، فقد منع من هذا الإطلاق جمهور أهل العلم كأبى العباس بن سريج ، وأبى العباس القلانسي، وغيرهما، ونقل ذلك عن أبى حنيفة نفسه، وهو مقتضى قول جميع الأمة . ولهذا امتنع أبو إسحق بن شافلا من إطلاق ذلك. وحكى فيه القولين: فقال - فيما ذكره عنه القاضي أبو يعلى - الاستطاعة مع الفعل أو قبله؟ حجة من قال : إن الصلاة والحج والجهاد لا يجوز أن يأمر به غير مستطيع ٢٩٩ وحجة من قال إن الفعل خلق من خلق الله عز وجل، فإذا خلق فيه فعلا فعله . وهذا كما إن من قال : إنه ليس للعبد إلا قدرة واحدة يقدر بها على الفعل والترك ، وأنه مستغن فى حال الفعل عن معونة من الله تعالى يفعل بها ، وسوى بين نعمته على المؤمن والكافر والبر والفاجر، فهو مبطل وم من القدرية الذين حاد منهم فى الأيام المشهورة حيث كان قولهم إن العبد لا يفتقر إلى الله تعالى حال الفعل بالبر عما وجد قبل الفعل (١) وأنه ليس لله تعالى نعمة أنعم بها على من آمن به وأطاعه أكبر من نعمته على من كفر به وعصاه ، فهذا القول خطأ قطعاً ، ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على تضليل صاحب هذا القول . ثم النزاع بينهم بعد ذلك فى هذه الأمور كثير منه لفظي ، ومنه ماهو اعتباري ، كتنازعهم فى أن العرض هل يبقى أم لا يبقى، وبنوا على ذلك بقاء الاستطاعة، ولكن أحسن الألفاظ والاعتبارات ما يطابق الكتاب والسنة ، واتفاق سلف الأمة وأئمتها والواجب أن يجعل نصوص الكتاب والسنة هي الأصل المعتمد الذي يجب اتباعه ويسوغ إطلاقه، ويجعل الألفاظ التى تنازع فيها الناس نفياً أو إثباتاً موقوفة على الاستفسار والتفصيل ، ويمنع من (١) كذا بالأصل . ٣٠٠