النص المفهرس
صفحات 201-220
وسئل قرس اللّـروهم عن الأقضية: هل هي مقتضية للحكمة أم لا؟ وإذا كانت مقتضية للحكمة: فهل أراد من الناس مام فاعلوه أم لا؟ وإذا كانت الإرادة قد تقدمت : فما معنى وجود العذر والحالة هذه ؟؟؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. نعم ! لله حكمة بالغة فى أقضيته وأقداره، وإن لم يعلمه العباد، فإن الله علم علماً وعلمه لعباده، أو لمن يشاء منهم، وعلم علما لم يعلمه لعباده ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا ). وهو سبحانه أراد من العباد مام فاعلوه إرادة تكوين، كما اتفق المسلمون على أنه ما شاء الله كان، ومالم يشأ لم يكن، وكما قال: (فَمَن يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ. يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا). وكما قال: (وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلََّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَفَهُمْ) وكما قال: (وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ ) وكما قال: ( يُثَبِّتُ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ ٢٠١ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ). ولكن لم يرد المعاصي من أصحابها إرادة أمر وشرع ومحبة ورضاً ودين ، بل ذلك كما قال تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِحِكُمُ الْعُسْرَ ) وكما قال تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) (وَاللَّهُيُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اَللَّهُأَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا) وقال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) وكما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ). وبالتقسيم والتفصيل فى المقال، زول الاشتباه، ويندفع الضلال، وقد بسطت الكلام فى ذلك بما يليق به فى غير موضع من القواعد ، إذ ليس هذا موضع بسط ذلك . وأما قول السائل : مامعنى وجود العذر؟ فالمعذور الذي يعرف أنه معذور هو من كان عاجزاً عن الفعل مع إرادته له: كالمريض العاجز عن القيام، والصيام، والجهاد، والفقير العاجز عن الإنفاق، ونحو ذلك، وهؤلاء ليسوا مكلفين ، ولا معاقبين على ماتركوه ، وكذلك العاجز عن السماع والفهم: كالصى والمجنون ؛ ومن لم تبلغه الدعوة . ٢٠٢ وأما من جعل محبا مختاراً راضيا بفعل السيئات حتى فعلها فليس مجبوراً على خلاف مراده، ولا مكرها على مايرضاه، فكيف يسمى هذا معذوراً، بل ينبغى أن يسمى مغروراً، ولكن بسط ذلك يحتاج إلى الحكمة فى الخلق والأمر، •٠ فهذا مذكور فى موضعه. وهذا المكان لا يسعه، والله أعلم وصلى الله على محمد . ٢٠٣ قال شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى فى الفروق : التى يتبين بها كون الحسنة من الله والسيئة من النفس وقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِالْعُلَمَؤُأ) وقوله: ( قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ ) فإنه ينفي التحريم مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) إلى قوله ( وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَاَ نَعْلَمُونَ عن غيرها ، ويثبته لها، لكن هل أثبتها للجنس أو لكل واحد من العلماء ، كما يقال إنما يحج المسلمون. وذلك أن المستثنى هل هو مقتضى ، أو شرط؟. ففي الآية وأمثالها هو مقتضى فهو عام؛ فإن العلم بما أنذرت به الرسل يوجب الخوف، فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات وترك السيئات ، وكل عاص فهو جاهل ليس بتام العلم تبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم. وإذا كان كذلك فعدم العلم ليس شيئاً موجوداً ؛ بل هو مثل عدم القدرة وعدم السمع وعدم البصر ، والعدم ليس شيئاً ، وإنما الشيء الموجود - والله خالق كل شيء فلا يضاف العدم المحض إلى الله تعالى، لكن قد ٢٠٤ يقترن به موجود - فإذا لم يكن عالماً، والنفس بطبعها تحركه فإنها حية، والحركة الإرادية من لوازم الحياة، ولهذا أصدق الأسماء الحارث والهمام ، وفى الحديث: ((مثل القلب مثل ريشة ملقاة)) إلخ. وفيه (( القلب أشد تقلباً من القِدْر إذا استجمعت غلياناً )) فإذا كان كذلك فإن هداها الله عليها ما ينفعها وما يضرها ، فأرادت ماينفعها وتركت مايضرها ، والله سبحانه تفضل على بني آدم بأمرين ؛ هما أصل السعادة: ( أحدهما ) : أن كل مولود يولد على الفطرة، كما فى الصحيحين. ولمسلم عن عياض بن حمار مرفوعا ((إنى خلقت عبادي حنفاء)) الحديث. فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت محبة لله تعبده لا تشرك به شيئاً ، ولكن يفسدها من يزين لها من شياطين الإنس والجن . قال تعالى: ( وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِم ذُرِّيََّهُمْ ) الآية . وتفسير هذه الآية مبسوط فى غير هذا الموضع . ( الثانى ) : أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة ، بما جعل فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل ، قال تعالى: (أَقْرَأْ بِأَسْعِرَبِكَ الَّذِى خَقَ - إلى قوله - مَالَوْيَعْلَمَ) وقال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ اُلْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ أُلْبَيَانَ) وقال تعالى: (سَيِّحِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَى * وَاُلَّذِى قَدَّرَفَهَدَى ) وقال: (وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ) ففى كل واحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الآخرة ، وجعل فى فطرته محبة لذلك . ٢٠٥ لكن قد يعرض الإنسان عن طلب على ما ينفعه وذلك الإعراض أمر عدمي. لكن النفس من لوازمها الإرادة والحركة فإنها حية حياة طبيعية، لكن سعادتها أن تحيا الحياة النافعة فتعبد الله، ومتى لم يحىَ هذه الحياة كانت ميتة، وكان مالها من الحياة الطبيعية موجباً لعذابها، فلاهي حية متنعمة بالحياة، ولا ميتة مستريحة من العذاب، قال تعالى: ( ثُمَّا يَمُوتُ فِيَهَ وَلَ يَحْتِى ) فالجزاء من جنس العمل لما كان فى الدنيا ليس بحى الحياة النافعة ولا ميتاً عديم الإحساس ، كان في الآخرة كذلك، والنفس إن علمت الحق وأرادته فذلك من تمام إنعام الله عليها، وإلا فهى بطبعها لابد لها من مراد معبود غير الله؛ ومرادات سيئة؛ فهذا تركب من كونها لم تعرف الله ولم تعبده وهذا عدم. والقدرية يعترفون بهذا، وبأن الله خلق الإنسان مريداً، لكن يجعلونه مريداً بالقوة والقبول ، أي قابلا لأن يريد هذا وهذا، وأماكونه مريداً لهذا المعين وهذا المعين ، فهذا عندم ليس مخلوقاً لله، وغلطوا بل الله خالق هذا كله، وهو الذي ألهم النفس فجورها وتقواها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم آت نفسي تقواها إلخ)) والله سبحانه جعل إبراهيم وأهل بيته أئمة يدعون بأمره، وجعل آل فرعون أمّة يدعون إلى النار، ولكن هذا (١) إلى الله لوجهين من جهة علته الغائية ، ومن جهة سببه : (١) بياض فى الأصل . ٢٠٦ أما العلة الغائية: فإنه إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير ، وإن كان شراً إضافيا ، فإذا أضيف مفرداً توم المتوم مذهب جهم بن صفوان أن الله خلق الشر المحض الذي لاخير فيه لأحد، لالحكمة ولالرحمة، والكتاب والسنة والاعتبار يبطل هذا، كما إذا قيل: محمد وأمته يسفكون الدماء ويفسدون فى الأرض كان هذا ذمالهم، وكان باطلا ، وإذا قيل يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا ويقتلون من منعهم من ذلك كان هذا مدحا لهم وكان حقاً . فإذا قيل : إن الرب تعالى حكيم رحيم أحسن كل شيء خلقه وهو أرحم الراحمين ، والخير بيديه والشر ليس إليه ، لا يفعل إلا خيراً، وما خلقه من ألم لبعض الحيوان ، ومن أعماله المذمومة ، فله فيه حكمة عظيمة ونعمة جسيمة، كان هذا حقاً وهو مدح للرب . وأما إذا قيل يخلق الشر الذي لاخير فيه، ولا منفعة لأحد، ولا له فيه حكمة ولا رحمة ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن مدحاً له بل العكس. وقد بينا بعض ما فى خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة ومالم تعلم أعظم، والله سبحانه وتعالى يستحق الحمد والحب والرضا لذاته والإحسانه هذا حمد شكر ، وذاك حمد مطلقاً . وقد ذكرنا فى غير هذا أن ماخلقه فهو نعمة يستحق عليها الشكر ، وهو من آلائه ولهذا قال فى آخر سورة النجم: ( فَأَيّءَالَآءِرَبِّكَ نَتَمَارَى) ٢٠٧ وفى سورة الرحمن يذكر: ( كُ مَنْ عَلَيْهَافَانٍ ) ونحو ذلك. ويقول عقبه : (فَبِأَتِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ) قال طائفة - واللفظ للبغوي - ثم ذكر قوله: ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَيْمٍءَانٍ ) قال كلما ذكر الله عز وجل من قوله (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ) فإنه مواعظ وهو نعمة ؛ لأنه يزجر عن المعاصي ، وقال آخرون منهم : الزجاج ، وابن الجوزي، في الآيات أي: (فَأَتِّءَ الَءِرَبِّكُمَا تُّكَذِبَنِ ) بهذه الأشياء؛ لأنها كلها نعم فى دلالتها إياكم على توحيده ورزقه إياكم ما به قوامكم، هذا قالوه فى سورة الرحمن، وقالوا فى قوله: (فَبِأَتِيِّءَالَآءِرَبِّكَ نَتَمَارَى ) فبأي نعم ربك التى تدل على وحدانيته تشكك ، وقيل : تشك وتجادل ، وقال ابن عباس : تكذب . قلت ضمن تتمارى معنى تكذب ، ولهذا عداه بالتاء فإنه تفاعل من المراء ، يقال : تمارينا فى الهلال، ومراء في القرآن كفر، وهو يكون لتكذيب وتشكيك. ويقال: لما كان الخطاب لهم. قال: تتمارى، أي يتمارون، ولم يقل: تمتري ؛ لأن التفاعل يكون بين اثنين. قالوا: (وَأَنْ لَّيْسَ لِلإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى) قيل: الوليد بن المغيرة. فإنه قال: (أَمْلَمْ يُنَبَّأْبِمَا فِ صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَّ * أَّانَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَأُخْرَى ) ثم التفت إليه فقال: (وَأَنْ لَّيْسَ لِلإِنسَنِ إِلَّا مَاسَعَى ). كما قال: ( خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَارِ * وَخَلَقَ اُلْجَانَّ مِن مَّارِجِ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَاتُكَّذِّبَانِ ) . ففي كل ماخلقه إحسان إلى عباده يشكر عليه ، وله فيه حكمة تعود إليه ٢٠٨ يستحق أن يحمد عليها لذاته، فجميع المخلوقات فيها إنعام إلى عباده كالثقلين المخاطبين بقوله: (فَأَتِءَالَآءِرَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) من جهة أنها آيات يحصل بها هدايتهم، وتدل على وحدانيته. وصدق أنبيائه، ولهذا قال عقيبه: (هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى). قيل: محمد، وقيل: القرآن، وهما متلازمان، يقول : هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل ، والكتب الأولى. وقوله: من النذر الأولى ، أي من جنسها ، فأفضل النعم نعمة الإيمان وكل مخلوق فهو من الآيات التى يحصل بها ما يحصل من هذه النعمة، قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ اُلْأَلْبَبِ ) وقال: (تَبِّصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ). وما يصيب الإنسان إن كان يَسُرُّه فهو نعمة بينة، وإن كان يسوؤه فهو نعمة ؛ لأنه يكفر خطاياه ويثاب عليه بالصبر ، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، ( وَعَسَىّ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَشَرِّلَّكُمْ ) الآية، وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر. أما الضراء فظاهر،وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها ، كما قال بعض السلف : ابتلينا بالضراء فصبرنا ، وابتلينا بالسراء فلم نصبر ، فلهذا كان أكثرمن يدخل الجنة المساكين، لكن لما كان فى السراء اللذة، وفى الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر فى السراء والصبر في الضراء، قال تعالى: (وَلَبِنْ أَذَقْنَا ◌ُلْإِنسَنَ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ وا وَ عَمِلُواْ مِنَّارَحْمَةٌ ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ - إلى قوله - الصَّلِحَتِ ) الآية . ٢٠٩ وأيضاً صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر ، فإن صبر هذا وشكر هذا واجب ، وأما صبر السراء فقد يكون مستحباً ، وصاحب الضراء قد يكون الشكر فى حقه مستحباً، واجتماع الشكر والصبر يكون مع تألم النفس وتلذذها، وهذا حال يعسر على كثير وبسطه له موضع آخر . والمقصود : أن الله تعالى منعم بهذا كله ؛ وإن كان لايظهر فى الابتداء لأكثر الناس ، فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وأما ذنوب الإنسان فهي من نفسه ، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة ، وهي نعمة على غيره لما يحصل له بها من الاعتبار، ومن هذا قوله: ((اللهم لا تجعلنى عبرة لغيري، ولا يجعل غيري أسعد بما علمتنى منى))، وفى دعاء القرآن: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وكما فيه: (وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا) واجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا، والآلاء فى اللغة هي النعم ، وهي تتضمن القدرة . والله تعالى فى القرآن يذكر آياته الدالة على قدرته وربوبيته، ويذكرآياته التى فيها نعمه إلى عباده ويذكر آياته المبينة لحكمته، وهي متلازمة؛ لكن نعمة الانتفاع بالمآ كل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل أحد؛ فلهذا استدل بها في ((سورة النحل))، وتسمى ((سورة النعم))، كما قاله قتادة وغيره، وعلى هذا فكثير من الناس يقول الحمد أعم من الشكر من جهة أسبابه ؛ فإنه يكون على نعمة وغيرها ، والشكر أعم من جهة أنواعه فإنه يكون ٢١٠ بالقلب واللسان واليد ، فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة لم يكن الحمد إلا على نعمة ، والحمد لله على كل حال . لكن هذا فهم من عرف ما فى المخلوقات من النعم؛ والجهمية والجبرية بمعزل عن هذا، وكذلك القدرية الذين يقولون: لا تعود الحكمة إليه ؛ بل ما ثم إلا نفع الخلق فما عندهم إلا شكر، كما ليس عند الجهمية إلا قدرة، والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة لايظهر فيها وصف حمد، وحقيقة مذهبهم أنه لا يستحق الحمد ؛ فله ملك بلا حمد ، كما أن عند المعتزلة له نوع من الحمد بلا ملك ، وعند السلف له الملك والحمد تامين . قال تعالى: ( شَهِدَ اللهُأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ) فله الوحدانية فى إلهيته، وله العدل وله العزة والحكمة، وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم، فمن قصر عن معرفة السنة نقص الرب بعض حقه . والجهمي الجبري : لا يثبت عدلاً ولا حكمة، ولا توحيد إلهيته ، بل توحيد ربوبيته ، والمعتزلي لايثبت توحيد إلهيته، ولا عدلاً ولا عزة ولا حكمة، وإن قال : إنه يثبت حكمة ما ، معناها يعود إلى غيره ، فتلك لا تكون حكمة، فمن فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره، فهذا عند العقلاء قاطبة ليس بحكيم، وإذا كان احمد لا يقع إلا على نعمة ، فقد ثبت أنه رأس الشكر، فهو أول الشكر والحمد، ٢١١ وإن كان على نعمة وعلى حكمة ، فالشكر بالأعمال هو على نعمته ، وهو عبادة له لإلهيته التى تتضمن حكمته، فقد صار مجموع الأمور داخلاً فى الشكر . ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجرداً إذ كان نوعاً من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر مقولا أمام كل خطاب مع التوحيد ، ففي الفاتحة الشكر مع التوحيد ، والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان: فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير، وقد قال تعالى: (فَأَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ( الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وهل الحمد على الأمور الاختيارية، كما قيل فى العزم ، أم عام؟ فيه نظر ليس هذا موضعه . وفى الصحيح ((أنه صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) هذا لفظ الحديث. و «أحق)) أفعل التفضيل، وقد غلط فيه طائفة فقالوا: ((حق ما قال العبد))، وهذا ليس بسديد ، فإن العبد يقول الحق والباطل؛ بل حق ما يقوله الرب، كما قال: (قَالَ فَالْحَقُ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ) ولكن أحق خبر مبتدأ محذوف أي الحمد أحق ما قال العبد ففيه أن الحمد أحق ما قاله العبد ، ولهذا وجب فى كل صلاة . ٢١٢ وإذا قيل: يخلق ما هو شر محض ، لم يكن هذا موجباً لمحبة العباد له، وحمدم : بل العكس ؛ ولهذا كثير من هؤلاء ينطقون بالذم والشتم نظماً ونثراً. وكثير من شيوخهم وعلمائهم يذكر ذلك ، وإن لم يقله بلسانه ، فقلبه ممتلىء به لكن يرى أن ليس في ذكره منفعة، أو يخاف من المسلمين ، وفى شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا؛ ويقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله؛ وهو خلاف ما وصف به نفسه فى قوله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ) فقوله: ((أحق ما قال العبد )) يقتضى أن حمده أحق ما قاله العبد؛ لأنه سبحانه لا يفعل إلا الخير وهو سبحانه(١). ونفسه متحركة بالطبع حركة لا بد فيها من الشر حكمة بالغة ونعمة سابغة . فإذا قيل : فلم لا خلقها على غير هذا الوجه ؟ . قيل كان يكون ذلك خلقاً غير الإنسان ، وكانت الحكمة بخلقه لا تحصل ، وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا: ( أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ - إلى قوله - إِّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فعلم من الحكمة فى خلق هذا ما لم تعلمه الملائكة، فكيف يعلمه آحاد الناس ، ونفس الإنسان خلقت كما قال تعالى: (١) بياض في الأصل ٢١٣ ( إِنَّاُ لْإِنْسَنَ خُلِقَ هَلُوْعًا * إِذَامَسَهُ الشَّرُجَزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) وقال: (خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ ) فقد خلق خلقة تستلزم وجود ما خلق منها، لحكمة عظيمة ورحمة عميمة. فهذا من جهة الغاية مع أن الشر لا يضاف إليه سبحانه . وأما ( الوجه الثانى) : من جهة السبب - فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم والإرادة التى تصلح النفس، فإنها خلقت بفطرتها تقتضى معرفة الله ومحبته، وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك ، وهذا كله من فضل الله وإحسانه؛ لكن النفس المدنية لما حصل لها من زين لها السيئات من شياطين الإنس والجن مالت إلى ذلك، وكان ذلك مركبا من عدم ما ينفع وهذا الأصل ووجود هذا العدم لا يضاف إلى الله تعالى، وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها خلقهم لحكمة، فلما كان عدم ما تصلح به هو أحد السببين، والشر المحض هو العدم المحض ، وهو ليس شيئاً ، والله خالق كل شيء، فكانت السيئات منها باعتبار أنها مستلزمة للحركة الإرادية . والعبد إذا اعترف أن الله خالق أفعاله، فإن اعترف إقراراً يخلق الله لكل شيء، وبكلماته التامات ، واعترافاً بفقره إليه، وأنه إن لم يهده فهو ضال، فحضع لعزته وحكمته فهذا حال المؤمنين ، وإن اعترف احتجاجا بالقدر فهذا الذنب أعظم من الأول ، وهذا من اتباع الشيطان . وهنا سؤال سأله طائفة: وهو أنه لا يقضى للمؤمن من قضاء إلا كان خيراً ٢١٤ له وقد قضى عليه السيئات وعنه جوابان : (أحدهما ) : أن أعمال العباد لم تدخل فى الحديث؛ ولكن مايصيبه من النعم والمصائب؛ ولهذا قال: ((إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له)) إلخ . وهذا ظاهر اللفظ فلا إشكال . و (الثاني): إن قدر دخولها؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم ((من سرته حسنته وساءته سيئته فهو المؤمن)) فإذا قضى له بأن يحسن فهو مما يسره ؛ فإذا قضى له بسيئة فهو إنما يستحق العقوبة إذا لم يتب : فإن تاب أبدلت حسنة فيشكر عليها ، وإن لم يتب ابتلى بمصائب تكفرها فيصبر عليها فيكون ذلك خيراً له وهو قال: لا يقضى الله للمؤمن؛ والمؤمن المطلق هو الذي لايضره الذنب ؛ بل يتوب منه فيكون حينئذ كما جاء فى عدة آثار ((إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة، يعمله فلا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة » والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه واستغفاره وشهوده لفقره ، وفاقته إليه سبحانه . وفى قوله: (من نفسك) من الفوائد : إن العبد لايطمئن إلى نفسه ؛ فإن الشر لا يجيء إلا منها؛ ولا يشتغل بكلام الناس وذمهم، ولكن يرجع إلى الذنوب فيتوب منها ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته ؛ فبذلك يحصل له الخير ويدفع عنه الشر ؛ ولهذا كان أنفع ٢١٥ الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ( أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنَعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ). فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لافى الدنيا ولا فى الآخرة : والذنوب من لوازم النفس ؛ وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب؛ ويدخل فى ذلك من أنواع الحاجات مالا يمكن إحصاؤه ؛ ولهذا أمر به فى كل صلاة لفرط الحاجة إليه، وإنما يعرف بعض قدره من اعتبر أحوال نفسه؛ ونفوس الإنس والجن المأمورين بهذا الدعاء ، ورأى مافيها من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها في الدنيا والآخرة؛ فيعلم أن الله تعالى بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر . ومما يبين ذلك أن الله تعالى لم يقص علينا فى القرآن قصة أحد إلا لنعتبرها وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول، وكانا مشتركين فى المقتضى والحكم فلولا أن فى نفوس الناس من جنس ما كان فى نفوس المكذبين للرسل - فرعون ومن قبله ــ لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط ؛ لكن ) وقال : الأمر كما قال تعالى: ( مَّايُقَالُ لَكَ إِلَّمَا قَدْقِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ( كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَلِ أَوْ مَحْنُنُ وقال ( تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ) وقال: ( يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ) ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ٢١٦ ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يارسول الله! اليهود والنصارى، قال: فمن؟!)) وقال : ((لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبراً بشبر وذراعا بذراع، قالوا : يارسول اللّه؛ فارس والروم، قال: فمن؟!)) وكلا الحديثين في الصحيحين. ولما كان فى ((غزوة حنين)) كان للمشركين سدرة يعلقون عليها أسلحتهم فقال بعض الناس: يارسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر !! قلتم ــ والذي نفسي بيده - كما قال أصحاب موسى: ( أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْءَالِهَةُ ) إنها سنن لتركبن سنن من كان قبلكم)). وقد بين القرآن أن السيئات من النفس وإن كانت بقدر الله فأعظمها جحود الخالق والشرك به ، وطلب النفس أن تكون شريكة له سبحانه، أو إلها من دونه، وكل هذين وقع ، فإن فرعون وإبليس كل واحد منهما يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله ، وهذا الذي فى فرعون وإبليس غاية الظلم والجهل، وفى نفوس سائر الإنس والجن شعبة من هذا، وهذا إن لم يعن الله العبد ويهده وإلا وقع فى بعض ما وقع فيه فرعون وإبليس بحسب الإمكان ، قال بعض العارفين : ما من نفس إلا وفيها ما فى نفس فرعون ، إلا أنه قدر فأظهر ، وغيره عجز فأضمر . ٢١٧ وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس رأى الواحد يريد نفسه أن قطاع وتعلو بحسب الإمكان، والنفوس مشحونة بحب العلو والرئاسة بحسب إمكانها ، فتجده يوالي من يوافقه على هواه ، ويعادي من يخالفه في هواه ، وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى: ( أَرَبَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَئُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) والناس عنده كما م عند ملوك الكفار من الترك وغيرهم ، «يال، ياغي )) أي صديقي وعدوي ، فمن وافق هوام كان وليا وإن كان كافراً ، وإن لم يوافقه كان عدواً وإن كان من المتقين ، وهذه حال فرعون . والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه، لكنه لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الإلهية وجحود الصانع، وهؤلاء وإن أقروا بالصانع فإذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادة الله المتضمنة ترك طاعتهم عادوه، كما عادى فرعون موسى عليه السلام، وكثير من الناس عنده عقل وإيمان لا يطلب هذا الحد، بل تطلب نفسه ما هو عنده، فإذا كان مطاعاً مسلماً طلب أن يطاع فى أغراضه ، وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله، ويكون من أطاعه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه ، وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل . وإن كان عالما أو شيخا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، وربما أبغض نظيره حسداً وبغياً كما فعلت اليهود لما بعث الله تعالى من يدعو إلى مثل ما دعى إليه ٢١٨ موسى قال تعالى: (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ) الآية. وقال: ( وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ فْهُمُ اَلْبِيِّنَةُ وقال: (وَمَا نَفَرَّقُواْإِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَابَيْنَهُمْ ) ولهذا أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون وسلط عليهم من انتقم به منهم ، فقال تعالى عن فرعون : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ) الآية. ولهذا قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ ج اُلْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَ يُرِيدُ ونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ ) والله سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ليذكروه ويشكروه ويعبدوه وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبدوه وحده ، ويكون الدين كله لله، وتكون كمة الله هي العليا، قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ. لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ ) وقال: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَ يُعْبَدُونَ ) وقد أمر الرسل كلهم بهذا، وأن لايتفرقوا فيه فقال: (إِنَّ هَذِهِة أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْرَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) وقال : (يَأَيُهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً ) الآية . قال قتادة : أي دينكم واحد ، وربكم واحد ، والشريعة مختلفة. وكذلك قال الضحاك، وعن ابن عباس أي : دينكم دين واحد ، قال ابن أبي حاتم، وروي عن سعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن نحو ذلك ، قال الحسن بين لهم ما يتقون ، وما يأتون، ثم قال: إن هذه سنتكم سنة واحدة، وهكذا قال ٢١٩ جمهور المفسرين، والأمة الملة والطريقة، كما قال: ( إِنَّا وَجَدْنَاءَ ابَآءَ نَا عَلَىَّ أُمَّةٍ ) كما تسمى الطريق إماماً؛ لأن السالك فيها يؤتم به، فكذلك السالك يؤمه ويقصده، والأمة أيضاً معلم الخير الذي يأتم به الناس ، وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماماً ، وأخبر أنه كان أمة . وأمر الله تعالى الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحداً، لا يتفرقون فيه كما في الصحيحين: ((إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)) وقال تعالى: ) الآية. ولهذا كان يصدق بعضهم شَرَعَ لَكُمْ مِنَالدِّينِ مَاوَصَّىبِهِ،نُوحًا ) بعضاً لا يختلفون مع تنوع شرائعهم ؛ فمن كان من المطاعين من الأمراء والعلماء والمشايخ متبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم أحر بما أمر به ودعا إليه وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه ، فإن الله يحب ذلك، فيحب ما يحبه الله ؛ لأن قصده عبادة الله وحده ؛ وأن يكون الدين لله ، ومن كره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك ؛ فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود ؛ وله نصيب من حال فرعون وأشباهه ؛ فمن طلب أن يطاع دون اللّه فهذا حال فرعون ؛ ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله؛ والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه ولا يكون الدين إلا له؛ وتكون الموالاة فيه والمعاداة فيه؛ ولا يتوكل إلا عليه؛ ولا يستعان إلا به . فالمتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ؛ ليكون الدين لله لا له ٢٢٠