النص المفهرس

صفحات 181-200

ما تقول السادة العلماء
أتمّة الدين رضى الله عنهم أجمعين فى قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا
فإن كان المخاطب موجوداً، فتحصيل الحاصل
أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ )
محال ، وإن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ وقوله تعالى :
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ ) فإن كانت اللام للصيرورة فى عاقبة
الأمر فما صار ذلك . وإن كانت اللام للغرض لزم أن لا يتخلف أحد من
المخلوقين عن عبادته، وليس كذلك ، فكيف التخلص من هذا المضيق ؟
وفيما ورد من الأخبار والآيات بالرضا بقضاء الله تعالى ، وفي قوله صلى
الله عليه وسلم: ((جف القلم بما هو كأن)) وفي معنى قوله تعالى: (أُدْعُونِيّ
أَسْتَجِبُ لَكُمْ ) فإن كان الدعاء أيضا بما هو كائن ، فما فائدة الأمر به ولا بد
من وقوعه (١)
فأجاب شيخ الإسلام: أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله - الحمد
لله رب العالمين .
(١) تسمى: مراتب الإرادة
١٨١

أما (المسألة الأولى)) فهي مبنية على أصلين:
(أحدهما ): الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا
من المخاطب، بل هو الذي يكون المخاطب به ويخلقه بدون فعل من
المخاطب أو قدرة أو إرادة أو وجود له ، وبين خطاب التكليف الذي
يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله بقدرة وإرادة - وإن كان ذلك
جميعه بحول الله وقوته ، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله - وهذا الخطاب قد تنازع
فيه الناس ، هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن
يخاطب به إلا بعد وجوده؟ ولا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به حكم الخطاب
إلا بعد وجوده .
وكذلك تنازعوا في الأول ، هل هو خطاب حقيقي أم هو عبارة عن
الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة ؟ والأول هو المشهور عند المنتسبين
إلى السنة .
و (الأصل الثاني) : أن المعدوم فى حال عدمه، هل هو شيء أم لا؟ فإنه
قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء فى الخارج، وذات
وعين . وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة، وإن وجودها زائد على
حقيقتها ، وكذلك ذهب إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية
وغيرهم من الملاحدة .
١٨٢

والذى عليه جماهير الناس ، وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين
إلى السنة والجماعة، أنه فى الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا
ولا ذات ولا عين، وأنه ليس في الخارج شيئان: أحدهما حقيقته، والآخروجوده
الزائد على حقيقته ، فإن الله أبدع الذوات التى هي الماهيات فكل ما سواه
سبحانه فهو مخلوق ومجعول ومبدع ومبدوء له سبحانه وتعالى، لكن فىهؤلاء
من يقول المعدوم ليس بشىء أصلا، وإنما سمى شيئاً باعتبار ثبوته فى العلم
فكان مجازاً .
ومنهم من يقول: لا ريب أن له ثبوتاً فى العلم، ووجوداً فيه، فهو باعتبار
هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات. وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود
والثبوت ، كما فرق من قال المعدوم شيء، ولا يفرقون في كون المعدوم ليس
بشيء بين الممكن والممتنع ، كما فرق أولئك، إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس
بشيءٍ ، وإنما النزاع فى الممكن.
ء
وعمدة من جعله شيئاً إنما هو لأنه ثابت فى العلم؛ وباعتبار ذلك صح أن
يخص بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه ، وغير ذلك. قالوا :
وهذه التخصيصات تمتع أن تتعلق بالعدم المحض ، فإن خص الفرق بين الوجود
الذي هو الثبوت العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمي زالت الشبهة
فى هذا الباب .
١٨٣

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُوَكُنْ فَيَكُونُ ). ذلك
الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه ، وبذلك كان
مقدراً مقضياً ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد
الله بن عمرو (( أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض
بخمسين ألف سنة )): وفى صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي
صلى الله عليه سلم أنه قال: (( كان اللّه ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء
وكتب فى الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض)) وفى سنن أبى داود
وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أول ما خلق الله القلم فقال له
اكتب فقال: ما أكتب ؟ قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة)).
إلى أمثال ذلك من النصوص التى تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان
معلوما مخبرا عنه مكتوباً، فهو شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي.
وإن كانت حقيقته التى هي وجوده العيني ليس ثابتاً فى الخارج، بل هو عدم
محض ونفى صرف، وهذه المراتب الأربعة المشهورة للموجودات، وقد ذكرها
الله سبحانه وتعالى فى أول سورة أنزلها على نبيه فى قوله: (اقْرَأْبِاسْوِرَبِكَ الَّذِى خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُمُ * الَّذِى عَلََّبِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَالَمْيَعَمَ)
وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى غير هذا الموضع .
وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة وتعلقت
١٨٤

به القدرة وخلق وكون، كما قال: (إِنَّمَاقَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
فالذى يقال له: كن هو الذي يراد، وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت
وتميز فى العلم والتقدير ، ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره وبهذا
يحصل الجواب عن التقسيم .
فإن قول السائل : إن كان المخاطب موجوداً فتحصيل الحاصل محال .
يقال له هذا إذا كان موجوداً فى الخارج وجوده الذي هو وجوده ،
ولا ريب أن المعدوم ليس موجوداً، ولا هو فى نفسه ثابت ، وأما ما علم وأريد
وكان شيئاً فى العلم والإرادة والتقدير فليس وجوده فى الخارج محالاً ؛ بل جميع
المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة .
وقول السائل: إن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم.
يقال له: أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم فى الخطاب بخطاب يفهمه
ويمثله فهذا محال ؛ إذ من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل ،
والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه ،
بمعنى أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل ، وكذلك أيضا يمتنع أن يخاطب
المعدوم فى الخارج خطاب تكوين، بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت فى الخارج ،
وأنه يخاطب بأن يكون .
١٨٥

وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين
إليه مثل توجيه الإرادة إليه فليس ذلك محالا، بل هو أمر ممكن، بل مثل ذلك
يجده الإنسان فى نفسه فيقدر أمراً فى نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته
وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب الذي قدره فى نفسه، ويكون حصول المراد
المطلوب بحسب قدرته ، فإن كان قادراً على حصوله حصل مع الإرادة
والطلب الجازم ، وإن كان عاجزاً لم يحصل، وقد يقول الإنسان ليكن كذا
ونحو ذلك من صيغ الطلب فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه، والله سبحانه
على كل شيء قدير ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . فإنما أمره إذا أراد
شيئاً أن يقول له كن فيكون .
فصل
وأما ( المسألة الثانية) فقول السائل: قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَاْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) إن كانت هذه اللام للصيرورة فى عاقبة الأمر فما صار
ذلك؟ وإن كانت اللام للغرض لزم أن لا يتخلف أحد من المخلوقين عن
عبادته؟ وليس الأمر كذلك فما التخلص من هذا المضيق ؟!
فيقال : هذه اللام ليست هي اللام التى يسميها النحاة لام العاقبة
والصيرورة ولم يقل ذلك أحد هنا، كما ذكره السائل من أن ذلك لم يصر إلا
١٨٦

على قول من يفسر ( يعبدون ) بمعنى يعرفون يعني المعرفة التى أمر بها المؤمن
والكافر ؛ لكن هذا قول ضعيف، وإنما زعم بعض الناس ذلك فى قوله: (وَلِذَالِكَ
خَلَقَهُمْ ) التى فى آخر سورة هود. فإن بعض القدرية زعم أن تلك اللام لام
العاقبة والصيرورة: أي صارت عاقبتهم إلى الرحمة، وإلى الاختلاف ، وإن لم
يقصد ذلك الخالق، وجعلوا ذلك كقوله: ( فَالْنَقَطَهُءَالَّ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ
عَدُوًّا وَحَزَنًا ) وقول الشاعر :
لدوا للموت وابنوا للخراب
وهذا أيضاً ضعيف هنا لأن لام العاقبة إنما تجيء فى حق من لا يكون عالماً
بعواقب الأمور ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كآل فرعون،
فأما من يكون عالماً بعواقب الأفعال ومصايرها فلا يتصور منه أن يفعل فعلاً له
عاقبة لا يعلم عاقبته ، وإذا على أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون
فإن ذلك تمن وليس بإرادة.
وأما اللام فهي اللام المعروفة، وهي لام كي ولام التعليل، التى إذا حذفت
انتصب المصدر المجرور بها على المفعول له، وتسمى العلة الغائية ، وهي متقدمة
فى العلم والإرادة، متأخرة فى الوجود والحصول، وهذه العلة هي المراد
المطلوب المقصود من الفعل ، لكن ينبغى أن يعرف أن الإرادة فى كتاب الله
على نوعين :
١٨٧

(أحدما ): الإرادة الكونية، وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد ، التى
يقال فيها: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وهذه الإرادة فى مثل قوله:
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُأَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ) وقوله : (وَلَا يَنفَعُّكُمْ نُصْحِىَ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)
وقال
وقال تعالى: (وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدٌ)
وأمثال ذلك.
تعالى: (وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ )
وهذه الإرادة هي مدلول اللام فى قوله: ( وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلََّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ
وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ). قال السلف خلق فريقاً للاختلاف، وفريقاً للرحمة، ولما
كانت الرحمة هنا الإرادة ، وهناك كونية وقع المراد بها ، فقوم اختلفوا،
وقوم رحموا .
وأما ( النوع الثاني ) : فهو الإرادة الدينية الشرعية، وهي محبة المراد
ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزام بالحسنى، كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَ يُرِيِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) وقوله :
( يُرِدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ
أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا)
فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول
من الإرادة ولهذا كانت الأقسام أربعة :
١٨٨

( أحدها ): ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع فى الوجود من الأعمال
الصالحة ، فإن اللّه أراده إرادة دين وشرع؛ فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده
إرادة كون فوقع؛ ولولا ذلك لما كان.
و (الثاني ) : ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط ، وهو ما أمر الله به من
الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار ، فتلك كلها إرادة دين
وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع .
و (الثالث ): ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه
من الحوادث التى لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم
يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ، ولولا مشيئته وقدرته
وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
و (الرابع ): ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه ، فهذا ما لم يكن من
أنواع المباحات والمعاصي ، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام فى قوله: (وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) هذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع
مرادها وقد لا يقع ، والمعنى أن الغاية التى يحب لهم ويرضى لهم والتى أمروا
بفعلها هي العبادة ، فهو العمل الذي خلق العباد له : أي هو الذي يحصل كمالهم
وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم يحصل منه هذه الغاية كان
عادماً لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية التى فيها سعادته ونجاته، وعادماً
١٨٩

لكاله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه، وقول من قال: العبادة هي
العزيمة [أو] الفطرية: فقولان ضعيفان فاسدان يظهر فسادهما من وجوه متعددة.
فصل
و ( أما المسألة الثالثة ): فقوله فيما ورد من الأخبار والآيات فى الرضا
بقضاء الله ، فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله فهو محال وقدح فى التوحيد، وإن
كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها وبغضها كراهة وبغض لقضاء الله تعالى؟
فيقال: ليس فى كتاب اللّه، ولا فى سنة رسول الله آية، ولا حديث يأمر
العباد أن يرضوا بكل مقضى مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها ؛ فهذا أصل
يجب أن يعتنى به ، ولكن على الناس أن يرضوا بما أمر الله به فليس لأحد أن
يسخط ما أمر الله به، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) وقال
تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْرِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ)
وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَ اتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو
الإيتاء الديني الشرعى، لا الكونى القدري، وقال صلى الله عليه وسلم فى
١٩٠

الحديث الصحيح (( ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا، وبالإسلام
ديناً ، وبمحمد نبياً )).
وينبغي للإنسان أن يرضى مما يقدره الله عليه من المصائب التى ليست
ذنوباً مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على
المصائب واجب ، وأما الرضا بها فهو مشروع ، لكن هل هو واجب
أو مستحب؟ على ((قولين)) لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب
ليس بواجب.
ومن المعلوم أن أوثق عرى الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله، وقد
أمرنا الله أن نأمر بالمعروف ونحبه ويرضاه ونحب أهله ونهى عن المنكرونبغضه
ونسخطه ونبغض أهله وتجاهده بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا ، فكيف نتوهم أنه
ليس فى المخلوقات مانبغضه ونكرهه؟! وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكر من
المنهيات: (كُلُ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَرَبِّكَ مَكْرُوهًا ) فإذا كان الله يكرهها وهو
المقدر لها فكيف لا يكرهها من أمر الله أن يكرهها ويبغضها، وهو القائل:
وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُ أُوْلَئِكَ هُمُ الَّشِدُونَ ) وقال تعالى:
)
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ) وقد قال
تعالى: (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أُنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ) وقال تعالى: ( وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ)
وقال تعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ
مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ) فأخبر أن من القول الواقع ما لا يرضاه.
١٩١

وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
اُلْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّهَمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ)
(
وقال: ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَدِينًا) وقال: (وَإِنتَشْكُرُواْیَرَضَهُ لَكُمْ
فبين أنه يرضى الدين الذي أمر به فلو كان يرضى كل شيء لما كان له خصيصة
وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه قال لا أحد أغير من الله
أن يزنى عبده أو تزنى أمته)) وقال: ((إن الله يغار والمؤمن يغار، وغيرة الله أن
يأتى العبد ما حرم عليه)» ولا بد فى الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه
وهذا باب واسع .
فصل
وأما ((المسألة الرابعة)): فقوله إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله
( أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وإن كان الدعاء أيضاً مما هو كائن فما فائدة الأمر به
ولا بد من وقوعه؟؟
فيقال : الدعاء فى اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة فى اقتضائها
الإثابة، وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات ، ومن قال : إن الدعاء علامة
ودلالة محضة على حصول المطلوب المسئول ليس بسبب، أو هو عبادة محضة
لا أثر له في حصول المطلوب وجوداً ولا عدماً؛ بل ما يحصل بالدعاء يحصل
١٩٢

بدونه فهما قولان ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُ) وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه
وسلم «أنه قال ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم
إلا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له
من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يارسول الله! إذا
نكثر قال الله أكثر)»، فعلق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور
به ، وقال عمر بن الخطاب: إنى لا أحمل همَّ الإجابة وإنما أحمل همَّ الدعاء ، فإذا
ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه ، وأمثال ذلك كثير .
وأيضاً فالواقع المشهود يدل على ذلك ویدینه کما يدل على ذلك مثله فى سائر
الأسباب، وقد أخبر سبحانه من ذلك ما أخبر به فى مثل قوله: ( وَلَقَدْنَادَىنَا
نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) وقوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ
عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَاتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَّيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ تُدْجِى الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: ( أَمَّنْ يُجِيبُ
اُلْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِ ) وقوله تعالى عن
زكريا: (رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ.
يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُزَوْجَهُ) وقال تعالى: (فَإِذَارَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُالَِّينَ فَمَّا نَجَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَمِنْءَايَتِهِ الْجَوَارِ
فِ الْبَحْرِكَالْأَعْلَمِ * إِن يَشَأْيُسْكِنِ اَلْرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَِّنَّفِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ
١٩٣

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّءَايَيْنَا مَالَهُم
*
شَكُورٍ * أَوْبُوبِقْهُنَّ بِمَاكَسَبُواْوَيَعْفُعَنكَثِيرٍ
مِن ◌َّحِيصٍ ) .
فأخبر أنه إن شاء أو بقهن ؛ فاجتمع أخذم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها
مع علم المجادلين فى آياته أنه ما لهم من محيص ؛ لأنه فى مثل هذا الحال يعلم المورد
للشبهات في الدلائل الدالة على ربوبية الرب وقدرته ومشيئته ورحمته أنه
لا مخلص له مما وقع فيه. كقوله في الآية الأخرى: ( وَهُمْ يُجَدِ لُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ
شَدِيدُ الْحَالِ ) .
فإن المعارف التى تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ
من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي - الذي ينزاح عن النفوس فى مثل
هذه الحال - هل الرب موجب بذاته، فلا يكون هو المحدث للحوادث
ابتداء ولا يمكنه أن يحدث شيئاً ولا يغير العالم حتى يدعى ويسأل؟ وهل هو
عالم بالتفصيل والإجمال، وقادر على تصريف الأحوال ، حتى يسأل التحويل من
حال إلى حال ؟ أوليس كذلك كما يزعمه من يزعمه من المتفلسفة وغيرهم من الضلال،
فيجتمع مع العقوبة والعفو من ذي الجلال، على أهل المراء والجدال، أنه لا محيص
لهم عما أوقع بمن جادلوا فى آياته وهو شديد المحال . وقد تكلمنا على هذا
وأشباهه وما يتعلق به من المقالات والديانات فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء والسؤال هو سبب لنيل المطلوب المسئول
١٩٤

ليس وجوده كعدمه فى ذلك، ولا هو علامة محضة، كما دل عليه الكتاب والسنة،
وإن كان قد نازع فى ذلك طوائف من أهل القبلة وغيرهم، مع أن ذلك يقربه
جماهير بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين،
لكن طوائف من المشركين والصابئين من المتفلسفة المشائين أتباع أرسطو ومن
تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما - ممن
خلط ذلك بالكلام والتصوف والفقه ، ونحو هؤلاء - يزعمون أن تأثير الدعاء
في نيل المطلوب كما يزعمونه فى تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى
الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية، فيجعلون ما يترتب على الدعاء
هو من تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علماً
مفصلاً أو قدرة على تغيير العالم، أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل
لأمكنه ذلك ، فليس هو عندم قادراً على أن يجمع عظام الإنسان ويسوي
بنانه، وهو سبحانه هو الخالق لها ولقواها فلا حول ولا قوة إلا بالله .
وأما قوله: وإن كان الدعاء مما هو كائن ، فما فائدة الأمر به ولا بد
من وقوعه ؟
فيقال: الدعاء المأمور به لا يجب كوناً، بل إذا أمر الله العباد بالدعاء منهم
من يطيعه فيستجاب له دعاؤه ، وينال طلبته ويدل ذلك على أن المعلوم المقدور
هو الدعاء والإجابة ، ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما علق بالدعاء، فيدل
ذلك على أنه ليس فى المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابة ، فالدعاء الكائن هو
١٩٥

الذي تقدم العلم بأنه كائن [ والدعاء الذي لا يكون هو الذي تقدم العلم
بأنه ] لا يكون .
فإن قيل: فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون من الدعاء! قيل الأمر هو
سبب أيضاً فى امتثال المأمور به، كسائر الأسباب ، فالدعاء سبب يدفع البلاء،
فإذا كان أقوى منه دفعه ، وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه
ويضعفه، ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار
والصدقة والعتق والله أعلم.
-٠٠.
١٩٦

سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى
عن الأقضية ، هل هي مقتضية للحكمة أم لا؟ فإذا كانت مقتضية للحكمة .
فهل أراد من الناس ماه فاعلوه ؟ وإذا كانت الإرادة قد تقدمت فما معنى وجود
العذر والحالة هذه؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، قد أحاطربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علما،
وقدرة وحكما ؛ ووسع كل شيء رحمة وعلما، فما من ذرة فى السموات والأرض،
ولا معنى من المعاني إلاوهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة ، وكمال القدرة
والحكمة، وما خلق الخلق باطلا، ولا فعل شيئاً عبثاً، بل هو الحكيم فى
أفعاله وأقواله - سبحانه وتعالى - ثم من حكمته ما اطلع بعض خلقه عليه،
ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه .
وإرادته ((قسمان)): إرادة أمر وتشريع، وإرادة قضاء وتقدير .
فالقسم الأول : إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي ، سواء وقعت أو لم تقع.
كما في قوله: ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وقوله: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيِّدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ).
١٩٧

وأما القسم الثاني: وهو إرادة التقدير، فهي شاملة جميع الكائنات، محيطة
بجميع الحادثات، وقد أراد من العالم مام فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى الأول ، كما
فى قوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِ يَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ.
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًّاحَرَجًا ) وفى قوله: ( وَلَنَفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ
لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمَّ هُوَرَبُّكُمْ ) وفي قول المسلمين: ما شاء الله
كان ومالم يشأ لم يكن . ونظائره كثيرة.
وهذه الإرادة تتناول ماحدث من الطاعات والمعاصي، دون مالم يحدث ،
كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث ، والسعيد من أراد منه
تقديراً ما أراد به تشريعا ، والعبد الشقى من أراد به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً،
والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين
كان بصيراً، ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور،
مثل قريش الذين قالوا: ( لَوَشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ )
قال اللّه تعالى: ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ
عِندَ كُمْ مِنْ عِلَّمِ فَتُخْرِ جُوُ لَنََّ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ).
فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ماشاء الله وجوده وكونه وهي-الإرادة القدرية-
فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية، ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد
شاء اللّه وجوده قالوا: فيكون قد رضيه وأمر به، قال الله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ
اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) بالشرائع من الأمر والنهي (حَتَّى ذَا قُواْ بَأَسَنَّاً قُلْ هَلْ عِندَكُم
١٩٨

مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِ جُوهُ لَنَّاً) بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتموه. (إِن تَنَّبِعُونَ) في
فى هذا (إِلَّا الظَّنَّ) وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
تَّخْرُصُونَ ): أي تكذبون وتفترون بابطال شريعته، (قُلّ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)
على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته، ومع هذا فلو
شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته ، لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا
منه وإحسانا ، ويحرم من يشاء ، لأن المتفضل له أن يتفضل ، وله أن
لا يتفضل، فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط. وله فى ذلك
حكمة بالغة .
وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرادته الشرعية ، وإن كان ذلك
بإرادته القدرية ، فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضاً بعقابها، كما أنه سبحانه
قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما ، فالمرض بقدره والألم بقدره ، فإذا قال
العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض قد
تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم ، وقد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم
مزاجي ، أو قد تقدمت بالضرب فلا يتألم المضروب، وهذا مع أنه جهل فإنه لا
ينفع صاحبه؛ بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب عليه أيضاً ، وإنما اعتل بالقدر
إبليس حيث قال : (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّلَهُمْ فِى الْأَرْضِ ) ، وأما آدم فقال:
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ).
فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم - عليه السلام أو نحوه .-
١٩٩

ومن أراد شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها. فيكون كالمستجير من الرمضاء
بالنار . ومثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار ؛ فقال له العقلاء: أطفئها لئلا
تحرق المنزل، فأخذ يقول: من أين كانت؟ هذه ريح ألقتها، وأنا لاذنب لي
في هذه النار، فما زال يتعلل بهذه العلل حتى استعرت وانتشرت وأحرقت الدار
وما فيها. هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير ، ولا يردها بالاستغفار
والمعاذير . بل حاله أسوأ من ذلك بالذنب الذي فعله ، بخلاف الشرارة فإنه لا
فعل له فيها. والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه فإنها لا
تنال طاعته إلا بمعونته ، ولا تترك معصيته إلا بعصمته . والله أعلم .
٢٠٠