النص المفهرس

صفحات 161-180

سئل الشيخ الإمام العلامة
أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه:
عن قول علي رضي الله عنه: لا يرجونَّ عبد إلا ربه: ولا يخافنّ إلا
ذنبه ، ما معنى ذلك؟
فأجاب: الحمد لله .. هذا الكلام يؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب-
رضي الله عنه - وهو من أحسن الكلام وأبلغه وأتمه؛ فإن الرجاء يكون للخير،
والخوف يكون من الشر، والعبد إنما يصيبه الشر بذنوبه ، كما قال تعالى: ( وَمَاّ
أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ) وقال تعالى:
( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوَّكْتُمْفِ بُرُوجِ تُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ
عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ لَ قُلْ كُلٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ خَالِ هَؤُلَاءِالْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ
يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَاأَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَيْنِ نَّفْسِكَ ) .
فإن كثيراً من الناس يظن أن المراد بالحسنات والسيئات فى هذه الآية
الطاعات والمعاصي .
١٦١

ثم ((المثبتة للقدر)) يحتجون بقوله: (كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ) فيعارضهم قوله:
( مَّاأَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ).
و «نفاة
القدر)) يحتجون بهذه الثانية مع غلطهم فى ذلك ؛ فإن مذهبهم : إن العبد يخلق
جميع أعماله، ويعارضهم قوله: (كُلُّمِّنْ عِندِ الَّهِ).
وإنما غلط كلا الفريقين ؛ لما تقدم من ظهم أن الحسنات والسيئات هي
الطاعات والمعاصى، وإنما الحسنات والسيئات فى هذه الآية النعم والمصائب، كما
في قوله تعالى: (وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقوله تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْلَنَاهَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيُِّ واْبِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ)
وقوله تعالى: ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ نَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ) وقوله
تعالى : (وَقِهِمُ السَّيْئَاتِ) ونحو ذلك. وهذا كثير .
وهذه الآية ذم اللّه بها المنافقين الذين ينكلون عما أمر الله به من الجهاد
وغيره، فإذا نالهم رزق ونصر وعافية قالوا: هذا من عند الله وإن نالهم
فقر وذل وعرض قالوا: هذا من عندك - يا محمد - بسبب الدين الذي
أمرتنا به، كما قال قوم فرعون لموسى: وذكر الله ذلك عنهم بقوله تعالى: (فَإِذَا
جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَاهَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَِّّرُ واْبِمُوسَى وَ مَن ◌َعَهُ) وكما قال
الكفار لرسل عيسى : (إِنَّا تَطَّيَّرْنَابِكُمْ).
فالكفار والمنافقون إذا أصابتهم المصائب بذنوبهم تطيروا بالمؤمنين، فبين
١٦٢

الله سبحانه أن الحسنة من الله ينعم بها عليهم، وأن السيئة إنما تصيبهم بذنوبهم
ولهذا قال تعالى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فأخبر أنه لا يعذب مستغفراً؛ لأن الاستغفار يمحو الذنب الذي
هو سبب العذاب، فيندفع العذاب، كما فى سنن أبى داود وابن ماجه عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم
فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه من حيث لا يحتسب)) وقد قال تعالى:
(أَلَّاتَعْبُدُ وَأِلَّا اللَّه ◌ِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَ نُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَكُمْ مَّنَعًا
حَسَنَا إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى وَيُؤْتِ كُلَّذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ ) .
فبين أن من وحده واستغفره متعه متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، ومن عمل
بعد ذلك خيراً زاده من فضله، وفى الحديث: ((يقول الشيطان : أهلكت
الناس بالذنوب ، وأهلكونى بلا إله إلا الله، والاستغفار . فلما رأيت
ذلك بنت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون ؛ لأنهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعاً)).
ولهذا قال تعالى: ( فَأَخَذْتَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرّاءِلَعَلَّهُمْبَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذَّ
جَآءَ هُمْ بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ ) أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، محقهم عند مجيء
وَلَقَدْ أَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا أَسْتَكَانُوْلِرَيْهِمْ وَمَا
البأس التضرع ، وقال تعالى: (
يَضَرَّعُونَ) قال عمر بن عبد العزيز: ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع إلا
بتوبة، ولهذا قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ
١٦٣

فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍمِّنَ الَهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسُْمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ
أَوْلِيَآءَ هُ، فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنَ كُمْ مُؤْمِنَ) .
فهى المؤمنين عن خوف أولياء الشيطان ، وأمرم بخوفه، وخوفه يوجب
فعل ما أمر به، وترك مانهى عنه ، والاستغفار من الذنوب، وحينئذ يندفع
البلاء وينتصر على الأعداء، فلهذا قال علي رضي الله عنه: لا يخافن عبد إلا
ذنبه . وإن سلط عليه مخلوق فما سلط عليه إلا بذنوبه ، فليخف الله وليتب من
ذنوبه التى ناله بها ما ناله، كما فى الأثر «يقول الله: أنا الله مالك الملوك،
قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ، ومن عصانى
جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ، وأطيعوبي أعطف
قلوبهم عليكم)».
وأما قوله: لا يرجُوَنَّ عبد إلا ربه. فإن الراجيَ بطلب حصول الخير
ودفع الشر، ولا يأتى بالحسنات إلا الله، ولا يُذهِب السيئات إلا الله (وَإِن
يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَرَآَ لِفَضْلِهِ )
( مَّايَفْتَحِاللَّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَ هُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ )
والرجاء مقرون بالتوكل، فإن المتوكل يطلب ما رجاه من حصول المنفعة ودفع
المضرة، والتوكل لا يجوز إلا على الله، كما قال تعالى: ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَلُواْ إِن
كُنْتُممُّؤْمِنِينَ ) وقال: (وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَّكِّلُونَ) وقال تعالى: (إِن
١٦٤

يَنْصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَ عَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْ
حَسْبُنَا ◌ْللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) وقال تعالى:
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ).
فهؤلاء قالوا: حسبنا الله، أي كافينا الله فى دفع البلاء، وأولئك أمروا
أن يقولوا: حسبنا فى جلب النعماء، فهو سبحانه كاف عبده فى إزالة الشر وفى
إنالة الخير ، أليس الله بكاف عبده، ومن توكل على غير الله ورجاء خذل من
جهته وحرم، (مَثَلُ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
أَتَّخَذَتْ بَيْتٌَّ وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِ). ( وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
* كَلَّأَ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) (وَمَن
ءَالِهَةً لِيَكُونُواْلَهُمْعِزَّا
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّمِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوِىبِهِالْرِحُ فِمَكَانٍ سَحِقٍ
(
(لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرَ فَتَقَّعُدَ مَذْهُومًا تَّخْذُولًا). وقال الخليل: (فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ
اُلُّفَ وَاعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُ واْلَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ).
فمن عمل لغير الله رجاء أن ينتفع بما عمل له، كانت صفقته خاسرة، قال الله
تعالى: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوْأَعْمَلُهُمْ كَسَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْشَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَاجَاءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ
شَيْئًا وَوَجَدَ اللّهِ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابٍ)
وقال تعالى :
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍأُشْتَدَّتْ بِهِ الْرِيُحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّ يَقْدِرُونَ
١٦٥

مِمَا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ) وقال تعالى: (وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنُورًا ) وقال تعالى: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ ) كما قيل فى تفسيرها
كل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه ، فمن عمل لغير الله ورجاه بطل سعيه ،
والراجي يكون راجياً تارة بعمل يعمله لمن يرجوه، وتارة باعتماد قلبه عليه
والتجائه إليه وسؤاله ، فذاك نوع من العبادة له، وهذا نوع من الاستعانة به ،
وقد قال تعالى: (إِيَاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ )
وقال : (قُلْ هُوَرَبِ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ ).
ومما يوضح ذلك أن كل خير ونعمة تنال العبد فإنما هي من الله ، وكل شر
ومصيبة تندفع عنه أو تكشف عنه، فإنما يمنعها الله؛ وإنما يكشفها الله، وإذا
جرى ما جرى من أسبابها على يد خلقه، فالله سبحانه هو خالق الأسباب كلها
سواء كانت الأسباب حركة حي باختياره وقصده، كما يحدثه تعالى بحركة الملائكة
والجن والإنس والبهائم، أو حركة جماد بما جعل الله فيه من الطبع ، أو
بقاسر يقسره حركة الرياح والمياه ونحو ذلك، فالله خالق ذلك كله ، فإنه لاحول
ولا قوة إلا به ، وما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، فالرجاء يجب أن يكون كله
للرب والتوكل عليه والدعاء له، فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر، ولو لم يشأ
الناس، وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن؛ وإن شاءه الناس.
وهذا واجب لو كان شىء من الأسباب مستقلا بالمطلوب، فإنه لو قدر
مستقلا بالمطلوب - وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره - لكان الواجب أن
١٦٦

لا يرجى إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو، ولا يستعان إلا به ،
ولا يستغاث إلا هو، فله الحمد وإليه المشتكى، وهو المستعان، وهو المستغاث،
ولا حول ولاقوة إلا به، فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلا بمطلوب،
بل لابد من انضمام أسباب أخر إليه، ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات
عنه ، حتى يحصل المقصود .
فكل سبب فله شريك وله ضد ، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده
لم يحصل سببه ، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء
والتراب وغير ذلك ، ثم الزرع لايتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له ،
والطعام والشراب لا يغذى إلا بما جعل فى البدن من الأعضاء والقوى ، ومجموع
ذلك لا يفيد إن لم تصرف المفسدات ، والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك فهو
- مع أن الله يخلق فيه الإرادة والقوة والفعل - فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب
كثيرة خارجة عن قدرته تعاونه على مطلوبه، ولو كان ملكا مطاعا، ولا بد أن
يصرف عن الأسباب المعاونة ما يعارضها ويمانعها ، فلا يتم المطلوب إلا بوجود
المقتضى وعدم المانع ، وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضى،
فليس فى الوجود شيء واحد هو مقتضيا ، وإن سمي مقتضياً وسمي سائر مايعينه
شروطا ، فهذا نزاع لفظي . وحينئذ فيقال: لابد من وجود المقتضى والشروط،
وانتفاء الموانع، وإما أن يكون في المخلوقات علمة تامة تستلزم معلولها،
فهذا باطل .
١٦٧

ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلى أنه لا
يستحق لأن يدعى غيره فضلا عن أن يعبد غيره، ولا يتوكل على غيره ولا
يرجى غيره، وهذا مبرهن بالشرع والعقل ، ولا فرق في ذلك بين الأسباب
العلوية والسفلية ، وأفعال الملائكة والأنبياء والمؤمنين وشفاعتهم وغير ذلك
من الأسباب، فإن من توكل في الشفاعة أو الدعاء على ملك أو نى أو رجل
صالح أو نحو ذلك قيل له : هذا أيضا سبب من الأسباب فهذا الشافع والداعي
لا يفعل ذلك إلا بمشيئة الله وقدرته، بل شفاعة أهل طاعته لا تكون إلا لمن
يرضاه. كما قال تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمِنْ أَرْتَضَى).
فليس أحد يشفع عنده إلا بإذنه الإذن القدري الكونى ، فإن شفاعته من
جهة أفعال العباد لا تكون إلا بمشيئته وقدرته ، فليس كالمخلوق الذي يشفع
إليه شافع تكون شفاعته بغير حول المشفوع إليه وقوته ، بل هو سبحانه خالق
شفاعة الشافع كسائر التحولات، ولا حول ولا قوة إلا به، و((الحول))
يتضمن التحول من حال إلى حال بحركة أو إرادة أو غير ذلك، فالشافع لاحول
له فى الشفاعة ولا غيرها إلا به ، ثم أهل طاعته الذين تقبل شفاعتهم لا يشفعون
إلا لمن ارتضى فلا يطلبون منه ما لا يحب أن يطلب منه، بل الملائكة الذين هم
ملائكته كما قال فيهم: (وَقَالُواْاتَّخَذَّ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أْسُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ
* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ
وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمِنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ ).
١٦٨

والصادر عنهم إما قول وإما عمل ، فالقول لا يسبقونه به بل لا يقولون
حتى يقول، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وعلينا أن نكون معه ومع رسله هكذا،
فلا نقول فى الدين حتى يقول ، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله ولا نعبده إلا
بما أمر، وأعلى من هذا أن لا نعمل إلا بما أمر، فلا تكون أعمالنا إلا واجبة
أو مستحبة ، وإذا كان هكذا في مثل هذه الأسباب فكيف بمن تو كل أو رجا
أسبابا غير هذه من الكواكب أو غيرها، أو من أفعال الآدميين من الملوك
والرؤساء والأصحاب والأصدقاء والماليك والأتباع وغير ذلك؟!
وما ينبغي أن يعلى: ماقاله طائفة من العلماء. قالوا : الالتفات إلى الأسباب
شرك فى التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض
عن الأسباب بالكلية قدح فى الشرع، وإما التوكل والرجاء معنى يتألف من
موجب التوحيد والعقل والشرع.
وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه
والاستناد إليه، وليس فى المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلا، ولا
بد له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم
يسخر، وهذا مما يبين أن الله رب كل شيء ومليكه، وأن السموات والأرض
وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدير غيرها ، وذلك أن كل ما يصدر
عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك فإنك تجده ليس مستقلا بإحداث شيء
١٦٩

من الحوادث ، بل لابد من مشارك ومعاون وهو مع ذلك له
معارضات وممانعات.
ومن أعظم ذلك (( الفلك الأطلس التاسع )» الذي يظن كثير من المتفلسفة
الإلهيين والمنجمين وغيرهم أن حركته هي السبب فى حدوث الحوادث كلها،
وإليها انتهى علمهم بأسباب الحوادث. ثم م إما أن يجعلوه معلولا لواجب الوجود
بتوسط عقل أو نفس أو بغير توسط ذلك، وإما أن ينكروا أن يكون معلولا
ويجعلونه واجب الوجود بنفسه ، فقولهم هذا من أعظم الأقوال فساداً ،
وإن كانوا مع ذكائهم لا يهتدون لذلك، ولا يهتدي كثير من الناس للرد عليهم
في ذلك .
وكل من نظر إلى السماء على أن حركته ليست هي السبب فى جميع الحركات
العلوية ، فإن كثيراً ما يقال: إنه بحركته المشرقية يتحرك كل مافيه من الأفلاك من
المشرق إلى المغرب ؛ لكن مع هذا لكل فلك حركة أخرى تخصه - تخالف
هذه الحركة - فلك الثوابت وفلك الشمس والقمر وغيرهما من الخنس
الجوارى الكنس ، وهذه الحركات المختلفة ليست عن تلك الحركة - تخالفها -
ولا أفلاكها معلولة عن ذلك الفلك التاسع .
فلو قدر أن الحوادث تكون بحركة الكواكب ، وما يحدث من الأشكال
المختلفة بالتثليث والتربيع والتسديس والقرآن ؛ وغير ذلك، فمن المعلوم أن تلك
١٧٠

الأشكال المختلفة ليست معلولة عن حركة التاسع ، بل حركة التاسع جزء
السبب كما أن حركة كل فلك جزء السبب، والشكل الفلكي حادث عن مجموع
الحركتين ، أو الحركات المختلفة ؛ فإذا قدر أن التسعة اقترنت فلها سبع
حركات بل أكثر من ذلك - عندهم - بحسب الأفلاك الأخر الزوائد
المستدل عليها بالحركات المختلفة ، كالأ فلاك البدرية ، وغيرها مما تكون به
استقامة الكواكب ورجوعها ، وغير ذلك من حركاته ، وإذا كان كذلك
فمن جعل حركة التاسع هي السبب فى جميع الحوادث كان قوله مخالفاً لما هو
٨
معلوم عند هؤلاء الفلاسفة والمنجمين ، وعند كل عاقل ، ثم إذا قدر [أنها
سبب] حركة جميع الأفلاك فليست مستقلة بإحداث شيء من السحب
والرعود والبروق والأمطار والنبات وأحوال الحيوان والمعدن ؛ لأن حركات
هذه الأجسام ليست كلها عن حركات الأفلاك ، بل فيها قوى وأسباب
توجب لها حركات أخر ، كما فى كل فلك مبتدأ حركة ليست عن
الفلك الآخر .
والحركات كلها: إما (طبيعية)) وإما ((إرادية)) وإما ((قسرية))، فالقسرية
تابعة للقاسر ، والطبيعية هي التى لا إحساس للمتحرك بها كمركة التراب إلى
أسفل ، والإرادية هي التى للمتحرك بها حس حركة الحيوان ، فما كان من
هذه متحركا بطبع فيه أو إرادة، فمبدأ حركته منه، وما كان مقسوراً فقاسره
من المخلوقات إنما يقسره لما فيه من الاستعداد لقبول قسره ، وذلك معنى ليس
١٧١

من القاسر، فحركات الأفلاك إذا اجتمعت ليست مستقلة بتحريك هذه
الأجسام، وإن جاز أن تكون جزءاً للسبب، كما نشهد أن الشمس جزء سبب
فى نمو بعض الأجسام ورطوبتها ويبسها ونحو ذلك، ثم بتقدير أن تكون
أسبابا فلها موانع ومعارضات؛ إذ ما من سبب يقدر إلا وله مانع إرادي أو
طبيعي ، أو غير ذلك كالدعاء والصدقة والأعمال الصالحة ، فإنها من أعظم
الأسباب فى دفع البلاء النازل من السماء، ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف
وغيره من الآيات السماوية التى تكون سبباً للعذاب. كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنها آيتان
من آيات الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة))،
وأمر صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالصلاة والذكر والاستغفار
والصدقة والعتاقة .
وإذا عرف أن كل واحد من الموجودات المشهودة، إذا نظرت إليها
- واحداً واحداً - من الفلك التاسع وغيره وجدته غير مستقل بإحداث
شيء أصلا؛ بل لابد للحوادث من أسباب أخر ، وإن كان هو جزء سبب، ولها
معارضات أخر على بذلك أنه ليس فى هذه الأمور ما يجوز أن يقال هو المحدث
للحوادث المشهودة، فضلا عن أن يقال هو المبدع الأجسام المتحركة حركة
تخالف حركته، وتدفع موجبها ؛ فإن الشيء لا يوجب مايضاده ويخالفه ، وإذا
كان فى الأجسام المتحركة ما يخالف مقتضاه موجب الفلك - التاسع ومقتضاه -
١٧٢

ويضاده امتنع أن يكون أحدهما علة الآخر، لأن المعلول لايضاد علته ، كما
لا يجوز أن يكون فاعلالها ، كما أن الشىء لا يكون ضداً لنفسه ولا فاعلا
لنفسه ، فإن مضادته لنفسه توجب أن يكون وجوده تابعاً لوجوده، فيكون
موجوداً معدوما، وفعله لنفسه مع كون العلة متقدمة على المعلول يوجب أن
تكون نفسه موجودة معدومة .
ومن المعلوم أن ((الفلك التاسع)) إذا لم تكن الحوادث والحركات التى عن
قوى الأجسام منه ، وإنما منه حركة عرضية لها، فألا تكون نفس الأجسام
وقواها منه أولى وأحرى، ويعلم بذلك أن المحرك للأفلاك وغيرها من الأجسام
المشهودة والمبدع لهذه الأجسام بسببٍ آخر ربُّ غيرها ، هو الذي أبدعها على
صورها المختلفة وحركها بالحركات المختلفة، وهو المطلوب .
ثم هذه الكواكب إذا كانت جزء السبب من بعض الحوادث فإنما تكون
جزء السبب فى حال دون حال ، فإنها فى حال ظهورها على وجه الأرض يظهر
نورها وأثرها، فإذا أفلت انقطع نورها وأثرها. فلا تبقى حينئذ سبباً ولاجزءاً
من السبب، ولهذا قال الخليل صلى الله عليه وسلم: (لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ)
فإنها في حال أفولها قد انقطع أثرها عنا بالكلية ، فلم تبق شبهة يستند إليها
المتعلق بها، والرب الذي يدعى ويسأل ويرجى ويتوكل عليه لا بد أن يكون
قيوماً يقيم العبد في جميع الأوقات والأحوال كما قال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى
لَا يَمُوتُ) وقال: ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) فهذا وغيره من أنواع
١٧٣

النظر، والاعتبار يوجب أن العبد لا يرجو إلا الله ولا يتوكل إلا عليه.
وأما كونه لا يخاف إلا ذنبه فلما على من أنه لا تصيبه مصيبة إلا بذنوبه ،
وهذا يعلم بآيات الآفاق والأنفس ، وبما أخبر فى كتابه كما هو مبسوط فى غير
هذا الموضع، وبينا سر ذلك بما لا يحتمله هذا الموضع .
وهذا تحقيق ما ثبت فى الحديث الصحيح الإلهي حديث أبى ذر عن
النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: ((ياعبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها
لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غيرذلك فلا يلومن
إلا نفسه)) فبين أن كل ما يجده العبد من الخير فليحمد الله عليه، فإن الله هو
الذي أنعم به وأن ما يجده من الشر فلا يلومن فيه إلا نفسه.
وفى الصحيح أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيد
الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك،
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ماصنعت، أبوء لك
بنعمتك علي، وأبوء بذنبى فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) فقوله :
((أبوء لك بنعمتك علي)) اعتراف وإقرار بالنعمة، وقوله: ((وأبوء بذنبى))
إقرار بالذنب ، ولهذا قال: من قال من السلف: إني أصبح بين نعمة وذنب ،
فأريد أن أحدث للنعمة شكراً، وللذنب استغفاراً، لكن الشكر يكون بعد
النعمة، والتوكل والرجاء يكون قبل النعمة، كما قال الخليل: (فَأَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ
١٧٤

اُلْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ وَاشْكُرُ واْلَهُ) وفي خطبة النبى صلى الله عليه وسلم: ((الحمد لله
نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا)» فجمع بين
حمده والاستعانة به والاستغفار له، فقد تبين أن الالتفات إلى الأسباب شرك فى
التوحيد، وهو ظلم وجهل ، وهذه حال من دعا غير الله وتوكل عليه.
وأما قولهم: محو الأسباب أن تكون أسبابا: نقص فى العقل، فهو كذلك
وهو طعن في الشرع أيضاً ، فإن كثيراً من أهل الكلام أنكروا الأسباب بالكلية
وجعلوا وجودها كعدمها ، كما أن أولئك الطبعيين جعلوها عللاً مقتضية، وكما أن
المعتزلة فرقوا بين أفعال الحيوان وغيرها ، والأقوال الثلاثة باطلة ؛ فإن الله يقول
﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا
وقال تعالى :
سُقْنَهُ لِبَلَدٍ غَيْتٍ فَأَلْنَا بِهِ الْمَآءَفَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ )
(وَمَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَخْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا) وقال تعالى: ( يَهْدِى
◌ِهِ اللَّهُ مَنْ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ( سُبُلَ السَّلَمِ) وقال تعالى: (يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى
بِهِ،كَثِيرًا) وأمثال ذلك، فمن قال يفعل عندها لابها فقد خالف لفظ القرآن مع أن الحس
والعقل يشهد أنها أسباب، ويعلم الفرق بين الجيهة وبين العين فى اختصاص
أحدهما بقوة ليست فى الآخر، وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به
الغذاء دون الآخر .
وأما قولهم الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ، بل هو أيضاً
قدح فى العقل ، فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لمانيط بها ، فمن جعل
١٧٥

الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أو يجعل المتقين كالفجار،
فهو من أعظم الناس جهلا وأشدم كفراً، بل ما أمر الله به من العبادات والدعوات
والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب، فيما نيط بها من العبادات ، وكذلك
ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علق
بها من الشقاوات .
ومع هذا فقد قال خير الخلق: ((إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله
قالوا: ولا أنت يارسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه
وفضل)) ولما قال لهم: (( ما منكم من أحد إلا وقد على مقعده من الجنة ومقعده
من النار - قالوا: يارسول الله! أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل، قال:
لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل
أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسيسر لعمل أهل الشقاوة)).
وكذلك الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب لما جعله الله سبباً له فمن قال:
ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع ، وتوكلت أو لم أتوكل، فهو بمنزلة
من يقول : ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن،
وأطعت أم عصيت ، ومعلوم أن هذا ضلال وكفر ؛ وإن كان الأول ليس مثل
هذا فى الضلال ، إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل كتعليق سعادة الآخرة
بالإيمان، لكن لا ريب أن ما جعل الله الدعاء سبباً له فهو بمنزلة ما جعل العمل
١٧٦

الصالح سبباً له، وهو قادر على أن يفعله سبحانه بدون هذا السبب، وقد يفعله
بسبب آخر .
وكذلك من ترك الأسباب المشروعة المأمور بها أمر إيجاب أو أمر استحباب
من جلب المنافع أو دفع المضار قادح فى الشرع خارج عن العقل، ومن هنا
غلطوا فى ترك الأسباب المأمور بها، وظنوا أن هذا من تمام التوكل، والتوكل
مقرون بالعبادة فى قوله : ( فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) والعبادة فعل المأمور، فمن
ترك العبادة المأمور بها، وتوكل لم يكن أحسن حالاً ممن عبده ولم يتوكل عليه
بل كلاهما عاص لله تارك لبعض ما أمر به.
والتوكل يتناول التوكل عليه ليعينه على فعل ما أمر ، والتوكل عليه ليعطيه
ما لا يقدر العبد عليه ، فالاستعانة تكون على الأعمال، وأما التوكل فأعم من
ذلك ويكون التوكل عليه لجلب المنفعة ودفع المضرة، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ
مَآءَاتَتُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى
اللَّهِ رَغِبُونَ) وقال تعالى: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَنَا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ).
فمن لم يفعل ما أمر به لم يكن مستعيناً بالله على ذلك، فيكون قد ترك
العبادة والاستعانة عليها بترك التوكل فى هذا الموضع أيضاً ، وآخر يتوكل بلا
فعل مأمور وهذا هو العجز المذموم. كما فى سنن أبي داود أن رجلين اختصما
١٧٧

إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم على أحدهما فقال المقضي عليه: حسبى الله
ونعم الوكيل - فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يلوم على العجز،
ولكن عليك بالكيس، فإن غلبك أمر فقل حسبى الله ونعم الوكيل)» وفى صحيح
مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله
من المؤمن الضعيف وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن
وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كذا لكان كذا ، ولكن قل قدر الله
وما شاء فعل، فإن ((لو)) تفتح عمل الشيطان)).
فإن الإنسان ليس مأموراً أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال
ولكن عندما يجري عليه من المصائب التى لا حيلة له فى دفعها ، فما أصابك بفعل
الآدميين أو بغير فعلهم، اصبر عليه وارض وسلم، قال تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن
قال بعض السلف- إما
مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)
ابن مسعود وإما علقمة -: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله
فيرضى ويسلم.
ولهذا قال آدم لموسى: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق
بأربعين سنة فج آدم موسى ؛ لأن موسى قال له : لماذا أخرجتنا ونفسك من
الجنة ، فلامه على المصيبة التى حصلت بسبب فعله ، لا لأجل كونها ذنباً ، ولهذا
احتج عليه آدم بالقدر ، وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه طوائف من الناس
فليس مراداً بالحديث ؛ لأن آدم عليه السلام كان قد تاب من الذنب .
١٧٨

والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ولا يجوز لوم التائب
باتفاق الناس .
و((أيضاً)) فإن آدم احتج بالقدر ، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب
باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء ؛ فإن هذا لو كان مقبولاً
لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر
أنواع الفساد فى الأرض ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدى عليه
واحتج المعتدى بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول بدل على
فساده ؛ فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد فى بداية العقول .
ومن ظن أن الإيمان بالقدر أن الله خالق أفعال العباد كما يظنه المباحية
المشركية، الذين يقرون بالقدر دون الأمر، والقدرية المجوسية الذين يقرون
بالأمر دون القدر ، أو ظن أن التكليف مع ذلك غير معقول، ولكن الشارع
أطيع فيه لمحض المشيئة الإلهية ، وأن الله يفعل ، وجعل ذلك حجة له فى الأفعال
لم يتضمن أسباباً مناسبة للأمر والنهى ، بل أنكر ما اشتملت عليه الشريعة من
المصالح والمحاسن والمقاصد التى للعباد فى المعاش والمعاد، وجعل ذلك الشرع
مجرد إضافة من غير أن يكون من العلة والمعلول مناسبة وملائمة ، وأنكر أن
تكون الأفعال على وجوه لأجلها كانت حسنة مأموراً بها، وكانت سيئة منهياً
عنها احتجاجاً على ذلك بالقدر ، وأنه مع كون الرب هو الخالق يمتنع هذا كله
١٧٩

فهو مخطيء ضال يعلم فساد قوله بالضرورة ، وبما اتفق عليه العقلاء مع دلالة
الكتاب والسنة والإجماع على فساد قوله.
فإن عامة بني آدم يؤمنون بالقدر، ويقولون : إنه لا بد من عقوبة المعتدين
حتى المجانين والبهائم، يؤدبون لكف عدوانهم، وإن كانت أفعالهم مقدرة
ويعفو كمل الآدميين عن عدوانهم، وإن كانت أفعالهم مقدرة فالعبد عليه أن
يصبر ، وينبغي له أن يرضى بما قدر من المصائب ويستغفر من الذنوب والمعائب،
ولا يحتج لها بالقدر ويشكر ما قدر الله له من النعم والمواهب، فيجمع بين
الشكر والصبر والاستغفار والإيمان بالقدر والشرع. والله أعلم.
١٨٠