النص المفهرس

صفحات 141-160

ورضاه بذلك، وبغضه لما نهى عنه، وللكافرين وسخطه لذلك ومقته له، ويقرون
ما استفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم من «أن الله أشد فرحا بتوبة
عبده التائب من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه
فطلبها فلم يجدها، فقال تحت شجرة، فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه
وشرابه ، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته)).
فهو إلههم الذي يعبدونه وربهم الذي يسألونه كما قال تعالى: (الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ) إلى قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) فهو المعبود
المستعان . والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل. فهم يحبونه أعظم مما يجب
كل محب محبوبه كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ
كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَسَدُّ حُبَّاللَّهِ) وكل ما يحبونه سواه فإنما يحبونه لأجله، كما فى
الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ثلاث من كن فيه وجد
حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب
المرء لا يحبه إلا لله: ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه
كما يكره أن يلقى في النار)) وفي الترمذي وغيره «أوثق عرى الإيمان
الحب فى الله والبغض فى الله، ومن أحب الله وأبغض لله وأعطى اللّه ومنع الله
فقد استكمل الإيمان)).
وهو سبحانه يحب عباده المؤمنين، وكمال الحب هو الخلة التى جعلها الله
لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. فإن الله انخذ إبراهيم خليلاً. واستفاض
١٤١

عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الصحيح من غير وجه أنه قال ((إن الله اتخذني
خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)) وقال ((لوكنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً
لا تخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله)) يعني نفسه ولهذا اتفق سلف
الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة وأهل المعرفة أن الله نفسه يحب ويحب.
وأنكرت الجهمية ومن اتبعهم محبته. وأول من أنكر ذلك الجعد بن
درهم، شيخ الجهم بن صفوان ، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط وقال:
أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحايا كم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن
اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد
علوا كبيراً . ثم نزل فذبحه.
وهذا أصل ملة إبراهيم الذي جعله الله إماماً للناس قال تعالى (وَإِذٍأَبْتَلَّ
إِرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَّمَّهُنَّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) وقال ( وَمَنْ أَحْسَنُ
دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
خَلِيلًا ).
ومن قال: إن المراد بمحبة الله محبة التقرب إليه فقوله متناقض ؛ فإن محبة
التقرب إليه تبع لمحبته. فمن أحب الله نفسه أحب التقرب إليه ومن كان لا يحبه
نفسه امتنع أن يحب التقرب إليه. وأما من كان لايطيعه ولا يمتثل أمره إلا
لأجل غرض آخر فهو فى الحقيقة إنما يحب ذلك الغرض الذي عمل لأجله وقد
١٤٢

جعل طاعة الله وسيلة إليه، وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله
موعداً يريد أن ينجزكموه ، فيقولون ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل موازيننا؟
ويدخلنا الجنة؟ ويجرنا من النار ؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاه
شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادة)).
فأخبر أن النظر إليه أحب إليهم من كل ما يتنعمون به، ومحبة النظر اليه
تبع لمحبته، فإنما أحبوا النظر إليه لمحبتهم إياه، وما من مؤمن إلا ويجد فى قلبه محبة
الله، وطمأنينة بذكره وتنعماً بمعرفته، ولذة وسروراً بذكره ومناجاته. وذلك
يقوى ويضعف ويزيد وينقص بحسب إيمان الخلق . فكل من كان إيمانه أكمل
كان تنعمه بهذا أكمل . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي رواه
أحمد وغيره: ((حبب إلي من دنيا كم النساء والطيب - ثم قال - وجعلت قرة
عيني فى الصلاة)) وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول ((أرحنا بالصلاة يا بلال))
وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا أن عباده المؤمنين يحبونه وهو يحبهم سبحانه وتعالى ،وحبهم
له بحسب فعلهم لما يحبه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال ((يقول الله تعالى من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما
تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي
بالتوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر
١٤٣

به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها. في يسمع، وبى يبصر، وبى
يبطش ، وبى يمشي . ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه . وما
ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت
وأكره مساءته ولا بدله منه)).
فقد بين أن العبد إذا تقرب إلى الله بما يحبه من النوافل بعد الفرائض أحبه
الله، فحب الله لعبده بحسب فعل العبد لما يحبه الله. وما يحبه الله من عبادته
وطاعته فهو تبع لحب نفسه ، وحب ذلك هو سبب حب عبادهالمؤمنين. فكان
حبه للمؤمنين تبعاً لحب نفسه.
فالمؤمنون وإن كانوا يحمدون ربهم ويثنون عليه فهم لا يحصون ثناء عليه
بل هو كما أثنى على نفسه كما فى الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان
يقول: ((اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك. وبك منك،
لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك)) وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه
قال (( لا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه)). وقال له
الأسود بن سريع: إنی حمدت ربی بمحامد فقال ((إن ربك يحب الحمد))، فهو
يحب حمد العباد له وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له ويحب ثناءهم عليه وتناؤه
على نفسه أعظم من ثنائهم عليه . وكذلك حبه لنفسه وتعظيمه لنفسه ، فهو
سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد، وهو الموصوف بصفات الكمال التى لا تبلغها
عقول الخلائق ، فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه. وفى الصحيح عن النبي صلى
١٤٤

الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر (وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ). قال ((يقبض الله الأرض
ويطوي السموات بيمينه ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أنا القدوس، أنا
السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئاً، أنا الذي
أعيدها )» وفي رواية « مجد الرب نفسه سبحانه))، فهو محمد نفسه وبثنىعليها،
ويمجد نفسه سبحانه وتعالى، وهو الغنى بنفسه لا يحتاج إلى أحد غيره، بل كل
ما سواه فقير إليه ( يَسْتَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنِ ) وهو
الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
فإذا فرح بتوبة التائب وأحب من تقرب إليه بالنوافل ورضي عن السابقين
الأولين ونحو ذلك لم يجز أن يقال: هو مفتقر فى ذلك إلى غيره ولا مستكمل
بسواه ، فإنه هو الذي خلق هؤلاء وهو الذي هداه وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه
ويرضاه ويفرح به .
فهذه المحبوبات لم تحصل إلا بقدرته ومشيئته وخلقه ، فله الملك لا شريك
له، وله الحمد فى الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
فهذا ونحوه يحتج به الجمهور الذين يثبتون لأفعاله حكمة تتعلق به بحبها
ويرضاها ويفعل لأجلها .
١٤٥

قالوا : وقول القائل: إن هذا يقتضي أنه مستكمل بغيره فيكون ناقصاً قبل
ذلك عنه أجوبة .
(أحدها ) أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات ، فما كان
جواباً فى المفعولات كان جواباً عن هذا ، ونحن لانعقل فى الشاهد فاعلاً إلا
مستكملاً بفعله .
( الثانى) أنهم قالوا: كما له أن يكون لايزال قادراً على الفعل بحكمة ، فلو
قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصاً .
( الثالث ) قول القائل: إنه مستكمل بغيره باطل ؛ فإن ذلك إنما حصل
بقدرته ومشيئته لا شريك له في ذلك فلم يكن فى ذلك محتاجاً إلى غيره،
وإذا قيل كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره كان كما لو قيل كمل بصفاته
أو كمل بذاته .
(الرابع ) قول القائل : كان قبل ذلك ناقصاً إن أراد به عدم ما تجدد فلا
نسلم أن عدمه قبل الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصاً ، وإن
أراد بكونه ناقصاً معنى غير ذلك فهو ممنوع ، بل يقال عدم الشيء فى الوقت
الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال ، كما أن وجوده فى وقت اقتضاء
الحكمة وجودهفيه كمال. فليس عدم كل شيء نقصاً، بل عدم ما يصلح وجوده
١٤٦

هو النقص، كما أن وجود مالا يصلح وجوده نقص، فتبين أن وجود هذه
الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص ، لا أن عدمها هو النقص.
ولهذا كان الرب تعالى موصوفاً بالصفات الثبوتية المتضمنة لكاله وموصوفاً
بالصفات السلبية المستلزمة لكاله أيضاً . فكان عدم ما ينفي عنه هو من الكمال
كما أن وجود ما يستحق ثبوته من الكمال. وإذا عقل مثل هذا فى الصفات
فكذلك فى الأفعال ونحوها ، وليس كل زيادة يقدرها الذهن من الكمال ، بل
كثير من الزيادات تكون نقصاً فى كمال المزيد ، كما يعقل مثل ذلك فى كثير من
الموجودات . والإنسان قد يكون وجود أشياء في حقه فى وقت
نقصاً وعيباً ، وفى وقت آخر كمالا ومدحاً فى حقه ؛ كما يكون فى وقت مضرة له
وفي وقت منفعة له .
(الخامس ) أما إذا قدرنا من يقدر على إحداث الحوادث لحكمة ومن
لا يقدر على ذلك كان معلوماً بيديهة العقل أن القادر على ذلك أكمل، مع أن
الحوادث لا يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون قديمة، وإذا كانت القدرة
على ذلك أكمل وهذا المقدور لا يكون إلا حادثاً كان وجوده هو الكمال ،
وعدمه قبل ذلك من تمام الكمال ، إذ عدم الممتنع الذى هو شرط فى
وجود الكمال من الكال .
ثم ثم هنا ثلاث فرق (فرقة) نقول إرادته وحبه ورضاه ونحو هذاقديم،
ولم يزل راضياً عمن على أنه يموت مؤمناً، ولم يزل ساخطاً على من على أنه يموت
١٤٧

كافراً، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية وأهل الحديث والفقهاء والصوفية
فهؤلاء لا يلزمهم التسلسل لأجل حلول الحوادث؛ لكن يعارضهم الأكثرون
الذين ينازعونهم فى الحكمة المحبوبة، كما ينازعونهم فى الإرادة ؛ فإنهم
قالوا لهم : إذا كانت الإرادة قديمة لم تزل ونسبتها إلى جميع الأزمنة
والحوادث سواء فاختصاص زمان دون زمان بالحدوث ومفعول دون مفعول
تخصيص بلا مخصص.
قال أولئك: الإرادة من شأنها أن تخصص. قال لهم المعارضون : من
شأنها جنس التخصيص . وأما تخصيص هذا المعين على هذا المعين فليس من
لوازم الإرادة بل لابد من سبب يوجب اختصاص أحدهما بالإرادة دون الآخر.
والإنسان يجد من نفسه أنه يخصص بإرادته، ولكنه يعلم أنه لا يريد هذا دون
هذا إلا لسبب اقتضى التخصيص ، وإلا فلو تساوى ما يمكن إرادته من جميع
الوجوه امتنع تخصيص الإرادة لواحد من ذلك دون أمثاله، فإن هذا ترجيح
بلا مرجح. ومتى جوز هذا انسد باب إثبات الصانع ، قالوا : ومن تدبر هذا
وأمعن النظر فيه علمه حقيقة ، وإنما ينازع فيه من يقلد قولاً قاله غيره من غير
اعتبار لحقيقته .
وهكذا يقول لهم الجمهور: إذا كان الله تعالى راضياً فى أزله ومحباً وفرحابما
يحدثه قبل أن يحدثه، فإذا أحدثه هل حصل بإحداثه حكمة يحبها ويرضاها
ويفرح بها أو لم يحصل إلا ما كان فى الأزل؟ فإن قلتم لم يحصل إلا ما كان فى
١٤٨

الأزل . قيل ذاك كان حاصلاً بدون ما أحدثه من المفعولات ، فامتنع أن تكون
المفعولات فعلت لكى يحصل [ذاك]؛ فقولكم كما تضمن أن المفعولات تحدث
بلا سبب يحدثه الله تعالى يتضمن أنه يفعلها بلا حكمة يحبها ويرضاها، قالوا :
فقولكم يتضمن نفي إرادته المقارنة ومحبته وحكمته التى لا يحصل الفعل إلا بها .
(والفرقة الثانية ) قالوا : إن الحكمة المتعلقة به تحصل بمشيئته وقدرته كما
يحصل الفعل بمشيئته وقدرته. قالوا وإن قام ذلك بذاته فهو كقيام سائر ما أخبر
به من صفاته وأفعاله بذاته. والمعتزلة تنفي قيام الصفات والأفعال به وتسمى
الصفات أعراضاً والأفعال حوادث، ويقولون لاتقوم به الأعراض ولا الحوادث.
فيتوم من لم يعرف حقيقة قولهم إنهم ينزهون الله تعالى عن النقائص والعيوب
والآفات . ولا ريب أن الله يجب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة، فإنه
القدوس السلام الصمد السيد الكامل فى كل نعت من نعوت الكمال كمالا
يدرك الخلق حقيقته ، منزه عن كل نقص تنزيهاً لا يدرك الخلق كماله .
وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق
به وأكمل فيه منه ، وكل نقص ينزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه
عنه وأولى ببراءته منه .
روينا من طريق غير وأحد كعثمان بن سعيد الدارمي وأبي جعفر الطبري
وأبي بكر البيهقي وغيرهم فى تفسير علي بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله
تعالى ( الصمد) قال : السيد الذي قد كمل فى سؤدده، والشريف الذي قدكل
١٤٩

فى شرفه ، والعظيم الذي قد كمل فى عظمته، والحكيم الذي قد كمل في حكمته،
والغني الذي قد كمل فى غناه ، والجيار الذي قد كمل فى جبروته ، والعالم الذى
قد كمل فى علمه ، والحليم الذى قد كمل في حلمه ، وهو الذى قد كمل فى أنواع
الشرف والسؤدد، وهو الله عز وجل ، هذه صفة لاتنبغي إلا له ليس له كفؤ
وليس كمثله شيء ، سبحانه الواحد القهار .
وهذا التفسير ثابت عن عبد الله بن أبى صالح عن معاوية بن صالح عن
علي بن أبى طلحة الوالبي، لكن يقال: إنه لم يسمح التفسير من ابن عباس، ولكن
مثل هذا الكلام بابت عن السلف ، وروى عن سعيد بن جبير أنه قال: الصمد
الكامل فى صفاته وأفعاله . وثبت عن أبى وائل شقيق بن سلمة أنه قال: الصمد
السید الذی انتهى سؤدده .
وهذه الأقوال وما أشبهها لا تنافى ماقاله كثير من السلف كسعيد بن
المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدى والضحاك وغيرم من أن
الصمد هو الذى لا جوف له ، وهذا منقول عن ابن مسعود وعن عبد الله بن
بريدة عن أبيه موقوفاً أو مرفوعاً، فإن كلا القولين حق كما بسط الكلام على
ذلك في غير هذا الموضع.
ولفظ ((الأعراض في اللغة)) قد يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض
ونحوها، وكذلك لفظ ((الحوادث، والمحدثات)) قد يفهم ما يحدثه الإنسان من
١٥٠

الأفعال المذمومة والبدع التى ليست مشروعة، أو ما يحدث للإنسان من
الأمراض ونحو ذلك. والله سبحانه وتعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما
فيه نوع نقص فكيف تنزيهه عن هذه الأمور ؟ ولكن لم يكن مقصود المعتزلة
بقولهم هو منزه عن الأعراض والحوادث إلانفي صفاته وأفعاله، فعندهم لا يقوم
به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضا ولا فرح ولا خلق
ولا إحسان ولا عدل ولا إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك
من صفاته وأفعاله .
وجماهير المسلمين يخالفونهم فى ذلك، ومن الطوائف من ينازعهم فى
الصفات دون الأفعال، ومنهم من ينازعهم فى بعض الصفات دون بعض، ومن
الناس من ينازعهم فى الفعل القديم ويقول إن فعله قديم وإن كان المفعول محدثاً؛
كما يقول فى نظير ذلك من يقوله في الإرادة. وبسط هذه الأقوال وذكرقائليها
وأدلتهم مذكور فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا التنبيه على مجامع أجوبة الناس عن السؤال المذكور
وهذا الفريق الثانى إذا قال لهم الناس : إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن
لم تكن لزمكم التسلسل ، قالوا : القول فى حدوث هذه الحكمة كالقول فى
حدوث سائر ما أحدثه من المفعولات ، ونحن تخاطب من يسم لنا أنه أحدث
المحدثات بعد أن لم تكن ، فإذا قلنا إنه أحدثها بحكمة حادثة لم يكن له أن
١٥١

يقول هذا يستلزم التسلسل ، بل نقول له : القول فى حدوث الحكمة
كالقول فى حدوث المفعول المستعقب للحكمة فما كان جوابك عن هذا
كان جوابنا عن هذا .
فلما خصم الفريق الثاني الفريق الأول قال لهم الفريق الثالث - من أئمة
الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام - هذهحجة جدلية إلزامية، ولم تشفوا
الغليل بهذا الجواب ، وليس معكم من الأدلة الشرعية ولا العقلية ما ينفى هذا
التسلسل ، بل التسلسل نوعان، والدور نوعان .
(أحدهما ) التسلسل في العلل والمعلولات فهذا ممتنع وفاقاً.
و (الثانى) التسلسل فى الشروط والآثار فهذا فى جوازه قولان معروفان
للمسلمين وغيرهم . وطوائف من أهل الكلام والحديث والفلسفة يجوزون هذا
ومن هؤلاء السلف والأئمة الذين يقولون لم يزل الله متكلماً إذا شاء، وأنه لميزل
يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها .
وبين هؤلاء أن ما استدل به منازعوم على نفي التسلسل فى الآثار وامتناع
وجود ما لايتناهى فى الماضي أدلة ضعيفة، كدليل المطابقة بين الجملتين مع زيادة
إحداهما، وكدليل الشفع والوتر ونحو ذلك من الأدلة التى بين هؤلاء فسادها
ونقضوها عليهم بالحوادث فى المستقبل ، وبعقود الأعداد، وبمعلومات الله مع
١٥٢

مقدوراته وغير ذلك مما قد بسط فى موضعه .
والدور ((نوعان)): فالدور القبلي السبقي ممتنع: وهو أن لا يوجد هذا إلا
بعد هذا ولا يوجد هذا إلا بعد هذا وهذا دور العلل ، وأما الدور المعي
الاقترانى وهو أنه لا يكون هذا إلا مع هذا ولا يكون هذا إلا مع هذا
فهذا هو الدور فى الشروط وما أشبهها من المتضايفات والمتلازمات،
ومثل هذا جاز .
فهذه مجامع أجوبة الناس عن هذا السؤال. وهي عدة أقوال (الأول)
قول من لا يعلل لا أفعاله ولا أحكامه. و( الثانى) قول من يعلل ذلك بأمور
مباينة له منفصلة عنه من جملة مفعولاته. و( الثالث ) قول من يعلل ذلك بأمور
قائمة به قديمة. و ( الرابع ) قول من يعلل ذلك بأمور قائمة به متعلقة بقدرته
ومشيئته لكن يقول جنسها حادث. و (الخامس ) قول من يعلل ذلك بأمور
متعلقة بمشيئته وقدرته. فإن كان الفعل المقتضى للحكمة حادث النوع كانت الحكمة
كذلك وإن قدر أنه قام به كلام أو فعل متعلق بمشيئته وأنه لم يزل كذلك كانت
الحكمة كذلك، فيكون النوع قديماً وإن كانت آحاده حادثه.
ويمكن الجواب عن السؤال بتقسيم حاصر ، بأن يقال: لا ريب أن الله
عز وجل يحدث مفعولات لم تكن ، فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون
لها ابتداء ويجوز أن تكون غير متناهية فى الابتداء كما هي غير متناهية فى
١٥٣

الانتهاء ، فإن وجب أن يكون لها ابتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها.
فإذا قال القائل: لو فعل لعلة محدثة لكان القول فى حدوث تلك العلة كالقول
فى حدوث معلولها ويلزم التسلسل كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث
يجب أن يكون لها ابتداء، وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته
محدثين، ولا يجب أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن لايكون
للحوادث ابتداء ، فأما إذا جاز أن يكون لها ابتداء بطل هذا السؤال، فكيف
إذا وجب أن يكون لها ابتداء .
وإن قيل: يجوز أن تكون الحوادث غير متناهية فى الابتداء، كما أنها غير
متناهية فى الانتهاء عند المسلمين وسائر أهل الملل وجمهور الخلق ، ولم ينازع فى
ذلك إلا بعض أهل البدع: الذين يقولون بفناء الجنة والنار كما يقوله الجهم بن
صفوان ، أو بفناء حركات أهل الجنة ، كما يقوله أبو الهذيل، فإن هذين أوجبا
أن يكون لجنس الحوادث انتهاء كما يجب أن يكون لها عندهم ابتداء، وأكثر الذين
وافقوم على وجوب الابتداء خالفوم فى الانتهاء وقالوا لها ابتداء وليس لها انتهاء.
و (الطائفة الثالثة) قالت ليس لها ابتداء ولا انتهاء. والأقوال الثلاثة معروفة
فى طوائف المسلمين .
والمقصود هنا: أن الجواب يحصل على التقديرين ؛ فمن جوز أن لا يكون
لها نهاية فى الابتداء جوز تسلسل الحوادث، وقال: هذا تسلسل فى الآثار
والشروط ؛ لا تسلسل فى العلل والمؤثرات، والممتنع إنما هو الثاني دون الأول،
١٥٤

وقال : إنه لا يقوم دليل على امتناع الثاني كما يقول ذلك طوائف من متقدمي أهل
الكلام ومتأخربهم ومتقدمي أهل الحديث ومتأخريهم . ومن أوجب أن
يكون لها ابتداء. قال فى حدوث العلمة ما يقوله فى حدوث المفعول إذ لا فرق
بينها في هذا المعنى .
ومن الأجوبة الخاصرة أن يقال : خلق الله إما أن يجوز تعليله أو لا ، فإن
لم يجز تعليله كان هذا هو التقرير الأول. وعلى هذا التقدير فلا يسمى هذا
عبثاً ، وإذا سماه المسمي عبئاً لم تكن تسميته عبئاً قدحا فيما تحقق ، فإنما تتكلم
على تقدير امتناع التعليل ، وإذا كان التعليل ممتنعاً وجب القول به ، ولو سماه
المسمي بأي شيء سماه، وإن جاز تعليله فلا يخلو إما أن يجوز تعليله بعلمة حادثة
وإما أن لا يجوز؛ فإن قيل لا يجوز ذلك لزم كون العلة قديمة، وامتنع على
هذا التقدير قدم المعلول ؛ فإنا نتكلم على تقدير جواز تعليل المفعول الحادث
بعلة قديمة ، وإن قيل : يجوز تعليله بعلة حادثة أمكن القول بذلك .
ثم إما أن يقال: يجوز تعليل الحوادث بعلة متناهية للفاعل لئلا يلزم أن
يقوم به شيء حادث يجب أن يقوم به لحكمة، وإن كانت مقدورة مرادة له،
فإن قيل بالأول لزم كون العلمة الحادثة منفصلة عنه، ولزم على هذا كون
الفاعل يحدث الحوادث بعد أن لم تكن لعلة حادثة بغيره من غير حدوث سبب
يوجب أول الحوادث، ولا قيام حادث بالمحدث. وإن قيل: بل لا يجوز أن
١٥٥

يحدث الحوادث لغير معنى يعود إليه، بل يجب أن يقوم به ما هو السبب والحكمة
في حدوث الحوادث فإنه يجب القول بذلك .
ثم إما أن يقال : هذا يستلزم التسلسل أو لا يستلزمه، فإن قيل :
لا يستلزمه لم يكن التسلسل لازماً فاندفع المحذور ، وإن قيل إن التسلسل لازم
لم يكن التسلسل على هذا التقدير محذوراً ؛ لأن التقدير أنه يجوز تعليل أفعاله
بعلة حادثة ، وإن ذلك يستلزم التسلسل .
ومن المعلوم أن الأمر الجائز لا يستلزم ممتعاً؛ فإنه لو استلزم ممتنعاً
لكان ممتنعاً بغيره، وإن كان جازاً بنفسه، والتقدير أنه جاز جوازاً مطلقاً
لا امتناع فيه. وما كان جائزاً جوازاً مطلقاً لا امتناع فيه لم يلزمه ما يمتنع ثبوته،
فيكون التسلسل على هذا التقدير غير ممتنع .
فهذا جواب عن السؤال من غير التزام قول بعينه ، بل نبين أنه
ليس فى نفس الأمر محذور ، ولكن السؤال مبني على ست مقدمات
لزوم العبث ، وأنه منتف ، ولزوم قدم المفعول ، وأنه منتف ، ولزوم
التسلسل ، وأنه منتف .
فصاحب القول الأول يقول: لا أسلم أنه يلزم العبث وصاحب القول
الثاني يقول : لا أسلم أنه يلزم قدم المفعول، وصاحب القول الثالث يقول:
١٥٦

لا أسلم أنه يلزم التسلسل، أو يقول لا أسلم أن التسلسل فى الآثار ممتنع. فهذه
أربع ممانعات لا بد منها . ويمتنع أن تكون كلها فاسدة، بل لا بد من صحة واحد
منها وأيها صح اندفع به السؤال وهو المقصود . وذلك لأن القسمة العقلية
بحصر الأقسام فيما ذكر فمن توجه عنده أحد الأقسام قال به، ونحن قد
بسطنا الكلام على أصول هذه المسألة ولوازمها وأقوال الناس فيها
فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا الذب عن مجموع المسلمين ، فإن هذا السؤال مما أورده على
الناس القائلون بقدم العالم ، وقدذكرنا عنه أجوبة متعددة فيما كتبناه فىجواب
شبهة القائلين بقدم العالم .
ومن جملة أجوبتهم أن يقال : هذا السؤال ليس مختصاً بحدوث
العالم، بل هو وارد فى كل ما يحدث فى الوجود من الحوادث ،
والحدوث مشهود محسوس متفق عليه بين العقلاء . فكل ما يورده
المورد على حدوث خلق السموات والأرض يورد عليه نظيره فى
الحوادث المشهودة.
وقد نبهنا على جنس ما يحتج به كل طائفة من الطوائف فى هذا
المقام، لكن استقصاء الكلام فى ذلك لا تسعه هذه الأوراق ، ولا
يحتمله هذا المقام.
١٥٧

ومن فهم ما كتب انفتح له الكلام فى هذا الباب وأمكنه أن يحصل تمام
الكلام فى جنس هذه المسائل ، فإن الكلام فيها بالتدريج مقاماً بعد مقام
هو الذي يحصل به المقصود، وإلا فإذا هجم على القلب الجزم بمقالات لم يحكم
أدلتها وطرقها، والجواب عما يعارضها كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه
إلى التصديق بها . فلهذا يجب أن يكون الخطاب في المسائل المشكلة بطريق
ذكر دليل كل قول ، ومعارضة الآخر له. حتى يتبين الحق بطريقه لمن يريد الله
هدايته، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل، والله سبحانه أعلم وأحكم. والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآ له ومحبه وسلم.
١٥٨

وسئل
هل أراد الله - تعالى - المعصية من خلقه أم لا ؟
فأجاب: لفظ ((الإرادة)) مجمل له معنيان: فيقصد به المشيئة لما خلقه،
ويقصد به المحبة والرضا لما أمر به .
فإن كان مقصود السائل : أنه أحب المعاصي ورضيها وأمر بها فلم يردها
بهذا المعنى، فإن الله لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر
بالفحشاء، بل قال لما نهى عنه: ( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَرَبِّكَ مَكْرُوهًا ). وإن
أراد أنها من جملة ما شاءه وخلقه فالله خالق كل شيء، وما شاء كان وما لم يشأ
لم يكن، ولا يكون في الوجود إلا ما شاء.
وقد ذكر الله فى موضع أنه يريدها ، وفى موضع أنه لايريدها، والمراد
بالأول أنه شاءها خلقاً ، وبالثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها أمراً، كما قال تعالى:
(فَمَن يُرِدِ اللَّهُأَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجً) وقال نوح: (وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
هُوَرَبُّكُمْ) وقال فى الثانى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )
١٥٩

وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَاُللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الشَّهَوَتِ أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا)
وقال: ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعُمَتَهُ، عَلَيْكُمْ) وقال: ( إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُلِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَّكُ تَطْهِيرًا ).
١٦٠