النص المفهرس
صفحات 121-140
قول القائل : هذا فعل هذا، وفعل هذا: لفظ فيه إجمال ؛ فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل، وتارة يراد به مسمى المصدر . فيقول فعلت هذا أفعله فعلاً، وعملت هذا أعمله عملاً، فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك فالعمل هنا هو المعمول، وقد انحد هنا مسمى المصدر والفعل ؛ وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك، فالعمل هنا غير المعمول، قال تعالى (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن ) فجعل هذه المصنوعات تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ معمولة للجن. ومن هذا الباب قوله تعالى ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) فإنه فى أصح القولين (ما ) بمعنى الذي ، والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى ( أَتَعْبُدُونَ مَانَنْحِنُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) أي والله خلقكم وخلق الأصنام التى تنحتونها. ومنه حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله خالق كل صانع وصنعته))؛ لكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه آخر ، فيقال : إذا كان خالقاً لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها، فإنها إنما صارت أو ثاناً بذلك التأليف وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم ، وإذا كان خالقاً للتأليف كان خالقاًلأفعالهم. والمقصود أن لفظ ((الفعل)) و((العمل)) و((الصنع)) أنواع، وذلك كلفظ البناء والخياطة والنجارة تقع على نفس مسمى المصدر، وعلى المفعول، وكذلك لفظ ((التلاوة)) و((القراءة)) و((الكلام)) و ((القول)) يقع على نفس مسمى ١٢١ المصدر ، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام ، فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقروء المتلو؛ كما يراد بها مسمى المصدر. والمقصود هنا أن القائل إذا قال هذه التصرفات فعل اللّه أو فعل العبد؛ فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين وبصريح العقل، ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات [ فهذا حق ] . ثم من هؤلاء من قال إنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ومفعوله وخلقه ومخلوقه . وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا فيقولون هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله، وأما العبدفهي فعله القائم به، وهي أيضاً مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول ؛ فمن لم يفرق في حق الرب تعالى بين الفعل والمفعول إذاً قال إنها فعل الله تعالى وليس لمسمى فعل الله عنده معنيان، وحينئذ فلا تكون فعلاً للعبد ولا مفعولة له بطريق الأولى، وبعض هؤلاء قال هي فعل للرب وللعبد فأثبت مفعولا بين فاعلين. وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى مفعوله، مع أنهم يفرقون فى العبد بين الفعل والمفعول ؛ فلهذا عظم النزاع ١٢٢ وأشكلت المسألة على الطائفتين وحاروا فيها . وأما من قال : خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته قال : ان أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ، ومفعولة للرب كسائر المفعولات، ولميقل: إنها نفس فعل الرب وخلقه، بل قال إنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة ؛ فإنه يقال الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلاً له ، كما يفعلها العبد ، وتقوم به ، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره ، كما أنه سبحانه لا يتصف بما خلقه فى غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك ؛ فإذا كان قدخلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منثنة أو طعماً مراً أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح لم يكن هو متصفاً بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة . ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها ، وسبباً لذمه وعقابه، وجالبة لألمه وعذابه . وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به؛ لاعلى الخالق الذي خلقها فعلاً لغيره . ثم على قول الجمهور الذين يقولون له حكمة فيما خلقه فى العالم مما هو مستقبح وضار ومؤذ يقولون : له فيما خلقه من هذه الأفعال القبيحة الضارة لفاعلها حكمة عظيمة؛ كما له حكمة عظيمة فيما خلقه من الأمراض والغموم. ومن يقول : لاتعلل أفعاله لا يعلل لا هذا ولا هذا. ١٢٣ يوضح ذلك أن الله تعالى إذا خلق في الإنسان عمى ومرضاً وجوعاً وعطشاً ووصباً ونصباً ونحو ذلك كان العبد هو المريض الجائع العطشان المتألم، فضرر هذه المخلوقات وما فيها من الأذى والكراهة عاد إليه ولا يعود إلى الله تعالى شيء من ذلك، فكذلك ما خلق فيه من كذب وظلم وكفر ونحو ذلك هي أمور ضارة مكروهة مؤذية . وهذا معنى كونها سيئات وقبائح ، أي أنها تسوء صاحبها وتضره، وقد تسوء أيضاً غيره وتضره، کما أن مرضه ونتن ريحه ونحو ذلك قد يسوء غيره ويضره . يبين ذلك أن القدرية سلموا أن الله قد يخلق فى العبد كفراً وفسوقاً على سبيل الجزاء كما فى قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَالَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ )، وقوله (فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وقوله ( فَلَمَّا زَاغُوْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) . ثم إنه من المعلوم أن هذه المخلوقات تكون فعلاً للعبد وكسباً له يجزى عليها ويستحق الذم عليها والعقاب وهي مخلوقة لله تعالى ، فالقول عند أهل الإثبات فيما يخلقه من أعمال العباد ابتداء كالقول فيما يخلقه جزاء من هذا الوجه، وإن افترقا من وجه آخر ، وثم لا يمكنهم أن يفرقوا بينهما بفرق يعود إلى كون هذا فعلا لله دون هذا، وهذا فعلا للعبد دون هذا؛ ولكن يقولون إن هذا يحسن من الله تعالى لكونه جزاء للعبد، وذلك لا يحسن منه لكونه ابتداء للعبد ١٢٤ بما يضره وهم يقولون لا يحسن منه أن يضر الحيوان إلا بجرم سابق، أو عوض لاحق . وأما أهل الإثبات للقدر فمن لم يعلل منهم لا يفرق بين مخلوق ومخلوق . وأما القائلون بالحكمة وهم الجمهور فيقولون: لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان حكم عظيمة كماله حكم في غير هذا، ونحن لانحصر حكمته فى الثواب والعوض فان هذا قياس لله تعالى على الواحد من الناس وتمثيل لحكمة الله وعدله بحكمة الواحد من الناس وعدله . و ((المعتزلة) مشبهة في الأفعال معطلة فى الصفات، ومن أصولهم الفاسدة أنهم يصفون اللّه بما يخلقه فى العالم، إذ ليس عندم صفة للّه قائمة به ولا فعل قائم به فيسمونه به ، ويصفونه بما يخلقه فى العالم: مثل قولهم : هو متكلم بكلام يخلقه في غيره ومريد بإرادة يحدثها لا فى محل ، وقولهم : إن رضاه وغضبه وحبه وبغضه هو نفس المخلوق الذي يخلقه من الثواب والعقاب، وقولهم : إنه لو كان خالقاً لظلم العبد وكذبه لكان هو الظالم الكاذب ؛ وأمثال ذلك من الأقوال التى إذا تدبرها العاقل على فسادها بالضرورة. ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة عليهم، لاسيما لما أظهروا القول بأن القرآن مخلوق، وعلى السلف أن هذا فى الحقيقة هو إنكار لكلام الله تعالى، وأنه لو كان كلامه هو ما يخلقه للزم أن يكون كل كلام مخلوق كلاما له، فيكون إنطاقه للجلود يوم القيامة ، وإنطاقه للجبال والحصى بالتسبيح، وشهادة الأيدي والأرجل ونحو ذلك كلاما له ، وإذا كان خالقاً لكل ١٢٥ شيء كان كل كلام موجود كلامه وهذا قول الحلولية من الجهمية كصاحب الفصوص وأمثاله ولهذا يقولون : وكل كلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة فى محل كانت صفة لذلك المحل ، فإذا خلق حركة فى محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها ؛ وإذا خلق لوناًأو ريحا فى جسم كان هو المتلون المتروح بذلك ، وإذا خلق علماً أو قدرة أو حياة في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي، فكذلك إذا خلق إرادة وحبا وبغضاً فى محل كان هو المريد المحب المبغض ، وإذا خلق فعلا لعبد كان العبد هو الفاعل ، فإذا خلق له كذبا وظلما وكفراً كان العبد هو الكاذب الظالم الكافر ، وإن خلق له صلاة وصوماً وحجاً كان العبد هو المصلي الصائم الحاج . والله تعالى لا يوصف بشىء من مخلوقاته ، بل صفاته قائمة بذاته ، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم ، ويقولون إن خلق الله السموات والأرض ليس هو نفس السموات والأرض ؛ بل الخلق غير المخلوق، لاسيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوم على إثبات صفات الله وأفعاله . فإن المعتزلة ومن وافقهم من الجهمية والقدرية نقضوا هذا الأصل على من لم يقل إن الخلق غير المخلوق كالأشعري ومن وافقه، فقالوا؛ ١٢٦ إذا قلتم إن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره - كما ذكرتم في الحركة والعلم والقدرة وسائر الأعراض - انتقض ذلك عليكم بالعدل والإحسان وغيرهما من أفعال الله تعالى، فإنه يسمى عادلا بعدل خلقه فى غيره محسناً بإحسان خلقه فى غيره ، فكذا يسمى متكلما بكلام خلقه فى غيره . والجمهور من أهل السنة وغيرهم يجيبون بالتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان عادلا بالعدل الذي قام بنفسه ومحسنا بالإحسان الذي قام بنفسه . وأما المخلوق الذي حصل للعبد فهو أثر ذلك. كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التى هي صفته ، وأما ما يخلقه من الرحمة فهو أثر تلك الرحمة ، واسم الصفة بقع تارة على الصفة التى هي مسمى المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول ، كلفظ ((الخلق)» يقع تارة على الفعل وعلى المخلوق أخرى، والرحمة تقع على هذا وهذا، وكذلك الأمر يقع على أمره الذي هو مصدر أمر يأمر أمراً، ويقع على المفعول تارة كقوله تعالى ( وَكَانَ أَمْرُاللَّهِ قَدَرَامَّقْدُورًا ) وكذلك لفظ ((العلم)) يقع على المعلوم و ((القدرة)) تقع على المقدور ونظائر هذا متعددة. وقد استدل الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في جملة ما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله عليه السلام ((أعوذ بكلمات الله التامات)) ونحو ذلك ، وقالوا الاستعاذة لا تحصل بالمخلوق ، ونظير هذا قول النبى صلى الله عليه وسلم ((اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك)). ١٢٧ ومن تدبر هذا الباب ونحوه وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق من المنتسبين إلى السنة والهدى إلا بمادخلوا فيه من نوع بدعة أخرى وضلال آخر ، لا سيما إذا وافقوم على ذلك فيحتجون عليهم بما وافقوم عليه من ذلك، ويطلبون لوازمه، حتى يخرجوهم من الدين إن استطاعوا خروج الشعرة من العجين ، كما فعلت القرامطة الباطنية والفلاسفة وأمثالهم بفريق فريق من طوائف المسلمين . و ((المعتزلة)) استطالوا على ((الأشعرية)) ونحوه من المثبتين للصفات والقدر بما وافقوم عليه من نفي الأفعال القائمة بالله تعالى فنقضوا بذلك أصلهم الذي استدلوا به عليهم فى أن كلام الله غير مخلوق، وأن الكلام وغيره من الأمور إذا خلق بمحل عاد حكمه على ذلك المحل. واستطالوا عليهم بذلك فى ((مسألة القدر)) واضطروم إلى أن جعلوا نفس ما يفعله العبد من القبيح فعلا لله رب العالمين دون العبد، ثم أثبتوا كسبا لاحقيقة له ؛ فإنه لا يعقل من حيث تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل ؛ ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لاحقيقة لها : طفرة النظام، وأحوال أبى هاشم، وكسب الأشعري . واضطروم إلى أن فسروا تأثير القدرة فى المقدور بمجرد الاقتران العادي، والاقتران العادي يقع بين كل ملزوم ولازمه، ويقع بين المقدور والقدرة، فليس جعل هذا مؤثراً فى هذا بأولى من العكس، ويقع بين المعلول وعلته ١٢٨ المنفصلة عنه مع أن قدرة العباد عنده لاتتجاوز محلها . ولهذا فر القاضى أبو بكر إلى قول ، وأبو إسحق الإسفراتيني إلى قول، وأبو المعالي الجويني إلى قول ؛ لما رأوا مافى هذا القول من التناقض. والكلام على هذا مبسوط فى موضعه والمقصود هنا التنبيه . ومن النكت فى هذا الباب أن لفظ ((التأثير)) ولفظ ((الجبر)) ولفظ ((الرزق)) ونحو ذلك ألفاظ مجملة ، فإذا قال القائل: هل قدرة العبد مؤثرة في فى مقدورها أم لا؟ قيل له أولا : لفظ القدرة يتناول نوعين: (أحدهما ) القدرة الشرعية المصححة للفعل التى هي مناط الأمر والنهي . ( والثاني ) القدرة القدرية الموجبة للفعل التى هي مقارنة للمقدور لايتأخر عنها . فالأولى هي المذكورة فى قوله تعالى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) فإن هذه الاستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلا على من حج ، فلا يكون من لم يحجج عاصياً بترك الحج، سواء كان له زاد وراحلة وهو قادر على الحج أو لم يكن. وكذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لعمران بن حصين ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)) وكذا قوله تعالى ﴿فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) لو أراد استطاعة لاتكون إلا مع الفعل لكان قد قال فافعلوا منه ما تفعلون ، فلا يكون من لم يفعل شيئا عاصيا ١٢٩ له، وهذه الاستطاعة المذكورة فى كتب الفقه ولسان العموم . والناس متنازعون فى مسمى الاستطاعة والقدرة. فمنهم من لا يثبت استطاعة إلا هذه، ويقولون الاستطاعة لابد أن تكون قبل الفعل ومنهم من لا يثبت استطاعة إلا ماقارن الفعل وتجد كثيراً من الفقهاء يتناقضون؛ فإذا خاضوا مع من يقول من المتكلمين - المثبتين للقدر - أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل وافقوم على ذلك ، وإذا خاضوا فى الفقه أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التى هي مناط الأمر والنهي. وعلى هذا تتفرع («مسألة تكليف مالا يطاق))، فإن الطاقة هي الاستطاعة، وهي لفظ مجمل. فالاستطاعة الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها، فلا يكلف مالا يطاق بهذا التفسير ، وأما الطاقة التى لا تكون إلا مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف مالا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة فى شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين . وكذا تتنازعهم فى العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم ، فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله تعالى ( فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فكل من أمره اللّه ونهاه فهو مستطيع بهذا الاعتبار وإن على أنه لا يطيعه. وإن أريد بالقدرة (القدرية)) التى لا تكون إلا مقارنة للمفعول فمن على أنه لايفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ثابتة له . ١٣٠ ومن هذا الباب تنازع الناس فى (الأمر، والإرادة)) هل يأمر بمالا يريد أو لا بأمر إلا بما يريد ؛ فإن الإرادة لفظ فيه إجمال، يراد بالإرادة الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين: ماشاء الله كان ومالم يشأ لم يكن، وكقوله تعالى (فَمَن يُرِدِاللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجً كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَآءِ) وقول نوح عليه السلام (وَلَا يَنفَعُكُزْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) ولا ريب أن الله يأمر العباد بما لا يريده بهذا التفسير والمعنى، كما قال تعالى (وَلَوْشِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا) فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر كل نفس بهداها، وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غداً إن شاء الله، أو ليردن وديعته أو غصبه ، أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله، أو ليصومن رمضان إن شاء الله، ونحو ذلك مما أمره الله به، فإنه إذا لم يفعل المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله: إن شاء الله، فعلم أن الله لم يشأه مع أمره به . وأما الإرادة الدينية فهي بمعنى المحبة والرضى ، وهي ملازمة للأمر كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ومنه قول المسلمين : هذا يفعل شيئاً لايريده الله، إذا كان يفعل بعض الفواحش، أي أنه لا يحبه ولا يرضاه، بل ينهى عنه ويكرهه . وكذلك لفظ ((الجبر)) فيه إجمال يرادبه إ كراه الفاعل على الفعل بدون ١٣١ رضاه. كما يقال: إن الأب يجبر المرأة على النكاح، والله تعالى أجل وأعظم من أن يكون مجبراً بهذا التفسير فإنه يخلق للعبد الرضا، والاختيار بما يفعله ، وليس ذلك جبراً بهذا الاعتبار ، ويراد بالجبر خلق ما فى النفوس من الاعتقادات والإرادات كقول محمد بن كعب القرظي : الجبار الذي جبر العباد على ما أراد وكما في الدعاء المأثور عن علي رضي الله عنه «جبار القلوب على فطراتها: شقيها وسعيدها)) والجبر ثابت بهذا التفسير. فلما كان لفظ الجبر مجملا نهى الأئمة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه . وكذلك لفظ ((الرزق)) فيه إجمال، فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق كما في قوله تعالى: ( وَمَارَزَقْهُمْ يُفِقُونَ ) وقوله تعالى: ( وَأَنفِقُوا مِنْمَارَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) وقوله (وَمَنْ زَزَقْنَهُ مِنَّارِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًا ) وأمثال ذلك. وقد يراد بالرزق ماينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك، فيدخل فيه الحرام، كما فى قوله تعالى: ( وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) وقوله عليه السلام فى الصحيح: ((فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد )» . مھم ولما كان لفظ الجبر والرزق ونحوهما فيها إجمال منع الأمة من إطلاق ذلك نفياً أو إثباتاً كما تقدم عن الأوزاعي وأبي إسحاق الفزاري وغيرهما من الأئمة . ١٣٢ وكذا لفظ ((التأثير)» فيه إجمال فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبب، والعلة مع المعلول ، والشرط مع المشروط، فإن أريد بالقدرة القدرة الشرعية المصححة للفعل المتقدمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه ، وعلة ناقصة له . وإن أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علة للفعل وسبب تام، ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث ، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن . وأما الأسباب المخلوقة كالنار فى الإحراق، والشمس فى الإشراق ، والطعام والشراب فى الإشباع والإرواء ونحو ذلك جميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده ، بل لابد من أن ينضم إليه سبب آخر ، ومع هذا فلهما موانع تمنعها عن الأثر ، فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع وليس فى المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء . وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا: الواحد لايصدر عنه إلا ٨ واحد ، واعتبروا ذلك بالآ بار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو ذلك، فإن هذا غلط ، فإن التسخين لا يكون إلا بشيئين (أحدهما) فاعل كالنار ( والثانى ) قابل كالجسم القابل للسخونة والاحتراق ، وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم تحرقه، وكذلك الشمس فإن شعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذي ينعكس عليه الشعاع ، وله موانع من السحاب والسقوف وغير ١٣٣ ذلك، فهذا الواحد الذي قدروه فى أنفسهم لاوجود له فى الخارج، وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع . فإن الواحد العقلي الذي يثبته الفلاسفة كالوجود المجرد عن الصفات ، وكالعقول المجردة، وكالكليات التى يدعون يركب الأنواع منها، وكالمادة والصورة العقليين وأمثال ذلك لاوجود لها فى الخارج بل إنما توجد فى الأذهان لا فى الأعيان، وهي أشد بعداً عن الوجود من الجوهر الفرد الذي يثبته من يثبته من أهل الكلام، فإن هذا الواحد لاحقيقة له فى الخارج، وكذلك الجوهر كما قد بسط فى موضعه . والمقصود هنا أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى .. فهذا حق ، وتأثير قدرة العبد فى مقدورها ثابت بهذا الاعتبار. وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع فليس شيء من المخلوقات مؤثراً، بل الله وحده خالق كل شىء لا شريك له ولا ند له فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن (مَّ يَفْتَجِ لَهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَمُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَ هُرْسِلَ لَهُمِنْ بَعْدِهِ ) (قُلِ آَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءٍ وَمَالَهُمِنْهُم مِّنْ ظَهِيرِ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ: إِلَّ لِمَنْ أَذِينَ لَهُ) ) قُلْ أَفَرَءَ يْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوْءٍ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ١٣٤ ونظائر هذا فى ( مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ القرآن كثيرة . فإذا عرف مافى لفظ ((التأثير)) من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين. فمن قال: إن المؤمن والكافر سواء فيما أنعم الله عليها من الأسباب المقتضية للإيمان، وإن المؤمن لم يخصه الله بقدرة ولا إرادة آمن بها، وإن العبد إذا فعل لم تحدث له معونة من الله وإرادة لم تكن قبل الفعل : فقوله معلوم الفساد . وقيل لهؤلاء : فعل العبد من جملة الحوادث والممكنات، فكل مابه يعلم أن الله تعالى أحدث غيره يعلم به أن الله أحدثه . فكون العبد فاعلا بعد أن لم يكن أمر ممكن حادث فإن أمكن صدور هذا الممكن الحادث بدون محدث واجب يحدثه ويرجح وجوده على عدمه أمكن ذلك فى غيره ، فانتقض دليل إثبات الصانع . ولا ريب أن كثيراً من متكلمة الإثبات القائلين بالقدر سلموا للمعتزلة أن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الاخر بلا مرجح، وقالوا فى ((مسألة إحداث العالم)) إن القادر المختار أو الإرادة القديمة التى نسبتها إلى جميع الحوادث والأزمنة نسبة واحدة رجحت أنواعا من الممكنات فى الوقت الذي رجحته بلا حدوث سبب اقتضى الرجحان ، وادعوا أن القادر المختار يمكنه الترجيح بلا مرجح، أو الإرادة القديمة ترجح بلا مرجح آخر، فاعترض عليهم هناك من نازعهم من أهل الملل والفلاسفة القائلين بأن الله يحدث الحوادث ١٣٥ بأفعال تقوم بنفسه ، وأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام. والقائلين بقدم العالم قالوا : هذا الذي قلتموه معلوم الفساد بالضرورة ، وتجويز هذا يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب، والترجيح بلا مرجح ، وذلك يسدباب إثبات الصانع . ثم إن هؤلاء المثبتين للقدر احتجوا بهذه الحجة على نفاة القدر ، وقالوا: حدوث فعل العبد بعد أن لم يكن لابد له من محدث مرجح تام غير العبد. فإن ما كان من العبد فهو محدث أيضا ، وعند وجود ذلك المحدث المرجح التام يجب وجود فعل العبد، وهذا الذي قالوه حق وهو حجة قاطعة على القدرية والمعتزلة؛ لكنهم نقضوه وتناقضوا فيه فى فعل الربتبارك وتعالى ، وادعوا هناك أن البديهة فرقت بين فعل القادر وبين الموجب بالذات ، فإن كان هذا الفرق صحيحاً بطلت حجتهم على المعتزلة ولم يبطل قول القدرية ، وإن كان باطلا بطل قولهم في إحداث اللّه وفعله للعالم، وهذا هو الباطل فى نفس الأمر، فإن القول بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام أمر معلوم بالفطرة الضرورية لا يمكن القدح فيه، وهو عام لا تخصيص فيه، فالفرق المذكور باطل ، وذلك يبطل قولهم بأن خلق العالم هو العالم، وانه حدث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث . ومن قال إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التى خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسباباً ، أو أن وجودها كعدمها ، وليس هناك إلا مجرد اقتران ١٣٦ عادي كاقتران الدليل بالمدلول ، فقد جحد مافي خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل ، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الحد تبصر بها، ولا فى القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها ، ولا فى النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها، وهؤلاء ينكرون ما فى الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز . قال بعض الفضلاء : تكلم قوم من الناس فى إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم . ثم إن هؤلاء يقولون لا ينبغي للإنسان أن يقول إنه شبع بالخبز وروى بالماء بل يقول شبعت عنده ورويت عنده؛ فإن الله يخلق الشبع والري ونحو ذلك من الحوادث عندهذه المقترنات بها عادة؛ لا بها . وهذا خلاف الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول: (وَهُوَ اُلَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذَآَ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَيِتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ ) الآية، وقال تعالى (وَمَآ أَنْزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن قَآءٍ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلّ دَآبَةٍ) وقال تعالى (قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُبِأَيْدِ يكُمْ) وقال ( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيَدِينَا) وقال ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ )وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَابِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ ) وقال تعالى ( أَلَمْتَرَ أَنَّاللهَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَاِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ) وقال تعالى (هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ لَّكُمِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرُ فِيهِ ١٣٧ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ ) وقال تعالى ( إِنَّاللَّهَ لَا يَسْتَحِى،أَنيَضْرِبَ مَثَلًا) إلى قوله( يُضِلُّبِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا) وقال (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ ◌ُبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ( سُبُلَ السَّلَمِ) ومثل هذا فى القرآن كثير . وكذلك فى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله ((لا يموتن أحد منكم؛ إلا آذنتموني به حتى أصلي عليه فإن اللّه جاهل بصلاتي عليه بركة ورحمة)). وقال صلى الله عليه وسلم (( إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نوراً)) ومثل هذا كثير . ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدرة فى خلق الله من أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله؛ كالذين يظنون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدراً حصل بدون ذلك : وإن لم يكن مقدراً لم يحصل بذلك. وهؤلاء كالذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (( لا.اعملوا فكل ميسر لما خلق له)). وفى السنن أنه قيل: يارسول الله؛ أرأيت أدوية تتداوى بها : ورقى نسترقى بها؛ ونقاة نتقيها؛ هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال ((هي من قدر الله)) ولهذا قال من قال من العلماء : الالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد ١٣٨ ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير فى وجه العقل؛ والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع . والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات ؛ وجعل هذا سبباً لهذا، فإذا قال القائل إن كان هذا مقدراً حصل بدون السبب وإلالم يحصل ؛ جوابه أنه مقدر بالسبب وليس مقدراً بدون السبب؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وم فى أصلاب آبائهم؛ وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة . وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة)). وفى الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيقال اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أوسعيد، ثم ينفخ فيه الروح. قال، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )). ١٣٩ فبين صلى الله عليه وسلم أن هذا يدخل الجنة بالعمل الذى يعمله ويختم له به ، وهذا يدخل النار بالعمل الذي يعمله ويختم له به ، كما قال صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالخواتيم)) وذلك لأن جميع الحسنات تحبط بالردة، وجميع السيئات تغفر بالتوبة ، ونظير ذلك من صام ثم أفطر قبل الغروب أو صلى وأحدث عمداً قبل كمال الصلاة بطل عمله . وبالجملة فالذي عليه سلف الأمة وأئمتها ما بعث الله به رسله وأنزل كتبه فيؤمنون بخلق الله وأمره بقدره وشرعه بحكمه الكوني وحكمه الديني وإرادته الكونية والدينية، كما قال فى الآية الأولى (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجَا كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِي السَّمَاءِ) وقال نوح عليه السلام ( وَلَيَفَعُّكُمْ نُصْحِىَ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُيُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ) وقال تعالى فى الإرادة الدينية ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِ يَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوُّبَ عَلَيْكُمْ وَاْللَّهُ عَلِيُحَكِيمٌ) وقال (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ). وم مع إقرارهم بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه خلق الأشياء بقدرته ومشيئته يقرون بأنه لا إله إلا هو ، لا يستحق العبادة غيره، ويطيعونه ويطيعون رسله ، ويحبونه ويرجونه ويخشونه، ويتكلون عليه، وينيبون إليه ، ويوالون أولياءه، ويعدون أعداءه ويقرون بمحبته لما أمر به ولعباده المؤمنين ١٤٠