النص المفهرس

صفحات 1-20

مُونَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن يميّة
((قَدَّسَ اللهَ رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتیبُ
عَبَدِ الرَّمَن بْمُحَمَّدُ بْقَاسْم (رَحَهُ الَّه)
وَسَاعَدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه))
المجلّد الثامِنُ
طُبعَ بِأمْر
خَادِمِ الجرّهَيْ الشِِّفَيْ المَلِ فَهَدِرْ عَبْدِ الْعَز السُعُود
أَجْزَل الله مَتوبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمَعُ المَلِ فَهْدِ لُطبَاعَةِ المُصَحِفِ الشَّرِيف
في المدينة المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَةُ القُّنُؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّجُومِ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٣ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبد الحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٥٧٦ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ (مجموعة )
١-٢٨ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ٨)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
١-٢٨ -٧٧٠ -. ٩٩٦ ( ج ٨ )

كتاب
القرن
ந

تقييم
من القدر أن بعض المصححين فصل خطبة المجموع منه ،
وقد سلمت الكتاب الأول منه إلى الطبع مرتبا مبدوءا بأرقام من
أول الخطبة إلى آخر ذلك الكتاب ، وأيضا لا يدور فى خلد
ناظر إلى تلك الأرقام فى مقدمة الابن وفقه الله لتلك الكتب
والمجاميع المنقول منها أو المصحح عليها أن ما ليس منسوبا
إليها لا يوثق به فأنا بحمد الله أخذت عن ثقات ونقلت من
مكتباتهم وأمثالهم مما هو من نقل السلف الصالح أو منقول
من كتبهم ما قد أثبتوه لشيخ الإسلام واعتنوا به واعتمدوه
وأبرزوه ونقلوا منه فى مؤلفاتهم وسرت على منهاجهم . ولم
أضع فى هذا المجموع إلا ما أعرفه لشيخ الإسلام ، وقد
أعرضت عن نزر قليل نسب إليه كمنظومة فى عقائد ، ونقل
محرف لترك البداءة بقتال الكفار وقد رد عليه الشيخ سليمان
ابن سحمان وأوضح تحريفاته فى عدة كراريس . ورسالة
حرفها أحد أعدائه فانتدب لها علماء عصره وزيفوا ما زوروه
على الشيخ ولدى من رسالته عدة نسخ مخطوطة ومطبوعة وقد
صححت كثيرا من هذا المجموع على مخطوط ومطبوع كما
صححنا ما نقلناه من الشام ، وبقى بخط الشيخ مجموع
٥

ورسائل فى أثناء مجاميع أخذناها فى أفلام وبقى مسائل فى
مصر وكان الكتاب جاهزا مرتبا منذ قدمت من الشام وطلب
نشره منى مرارا فتأنيت به للحصول على تلك المسائل التى
اطلعت عليها ، ولما التزم لى بالحصول عليها أذنت فى طبعه ،
وجزى الله من سعى فى إبرازه أحسن الجزاء وصلى الله على
محمد .
٦

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
قال شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية قدس الله روحه
فصل
في «قدرة الرب» عز وجل
اتفق المسلمون وسائر أهل الملل على أن الله على كل شيء قدير، كما نطق
بذلك القرآن فى مواضع كثيرة جداً . وقد بسطت الكلام فى الرد على من
أنكر قدرة الرب فى غير موضع، كما قد كتبناه على ((الأربعين))، و ((المحصل))
وفى شرح ((الأصبهانية)) وغير ذلك ، وتكلمنا على ما ذكره الرازي وغيره
٧

فى ((مسألة كون الرب قادراً مختاراً))، وما وقع فيها من التقصير الكثير مما
ليس هذا موضعه .
( والمقصود هنا ) الكلام بين أهل الملل الذين يصدقون الرسل فنقول:
هنا مسائل :
( المسألة الأولى ): قد أخبر الله أنه على كل شىء قدير ، والناس فى هذا
على ثلاثة أقوال :
((طائفة)) تقول هذا عام بدخل فيه الممتنع لذاته من الجمع بين الضدين
وكذلك يدخل في المقدور ، كما قال ذلك طائفة منهم ابن حزم.
و((طائفة)) تقول: هذا عام مخصوص يخص منه الممتنع لذاته ؛ فإنه
وإن كان شيئاً فإنه لا يدخل فى المقدور كما ذكر ذلك ابن عطية وغيره،
وكلا القولين خطأ .
( والصواب) هو القول الثالث الذي عليه عامة النظار، وهو أن الممتنع
لذاته ليس شيئاً ألبتة، وإن كانوا متنازعين فى المعدوم، فإن الممتنع لذاته لا يمكن
تحققه فى الخارج. ولا يتصوره الذهن ثابتاً في الخارج؛ ولكن يقدر اجتماعها
فى الذهن، ثم يحكم على ذلك بأنه ممتع فى الخارج؛ إذ كان يمتع تحققه فى
الأعيان ، وتصوره فى الأذهان؛ إلا على وجه التمثيل: بأن يقال: قد يجتمع
٨

الحركة والسكون فى الشيء، فهل يمكن فى الخارج أن يجتمع السواد والبياض
فى محل واحد. كما تجتمع الحركة والسكون. فيقال: هذا غير ممكن، فيقدر
اجتماع نظير الممكن ثم يحكم بامتناعه، وأما نفس اجتماع البياض والسواد فى
محل واحد فلا يمكن ولا يعقل، فليس بشيء لا فى الأعيان ولا فى الأذهان .
. (
فلم يدخل فى قوله : ( وَهُوَ عَُّلِّ شَىْءٍ قَلِيُ
( المسألة الثانية ) : أن المعدوم ليس بشيء فى الخارج عند
الجمهور وهو الصواب.
وقد يطلقون أن الشىء هو الموجود. فيقال على هذا: فيلزم ألا يكون
قادراً إلا على موجود ، وما لم يخلقه لا يكون قادراً [عليه ]. وهذا قول بعض
أهل البدع، قالوا : لا يكون قادراً إلا على ما أراده؛ دون ما لم يرده، ويحكي
هذا عن تلميذ النظام. والذين قالوا: إن الشيء هو الموجود من نظار المثبتة
كالأشعري، ومن وافقه من أتباع الأئمة: أحمد وغير أحمد، كالقاضي أبي يعلى
وابن الزاغوني وغيرهما . يقولون: إنه قادر على الموجود ، فيقال: إن هؤلاء
أثبتوا ما لم تثبته الآية . فالآية أثبتت قدرته على الموجود، وهؤلاء قالوا : هو
قادر على الموجود والمعدوم.
والتحقيق أن الشيء اسم لما يوجد فى الأعيان ، ولما يتصور فى الأذهان .
فما قدره الله وعلم أنه سيكون هو شيء فى التقدير والعلم والكتاب، وإن لم يكن
٩

شيئاً فى الخارج. ومنه قوله: (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
ولفظ الشيء في الآية يتناول هذا وهذا . فهو على كل شيء ماوجد وكل ما تصوره
الذهن موجوداً، إن تصور أن يكون موجوداً قدير؛ لا يستثنى من ذلك
(
شيء ، ولا يزاد عليه شيء كما قال تعالى: ( بَلَى قَدِرِينَ عَلَى أَن نُسَوِّىَ بَنَانَهُ
(
وقال: ( قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ
وقد ثبت فى الصحيحين: أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم ((أعوذ
بوجهك)) فلما نزل: ( أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا) الآية قال: ((هاتان أهون)، فهو قادر على
الأولتين وإن لم يفعلهما وقال: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى
ذَهَاٍ بِهِ لَقَدِرُونَ) .
قال المفسرون: لقادرون على أن نذهب به حتى تموتوا عطشاً، وتهلك
مواشيكم، وتخرب أراضيكم. ومعلوم أنه لم يذهب به، وهذا كقوله: (أَفَّ يْتُ
اُلْمَآءَالَّذِى تَشْرَبُونَ ) إلى قوله: ( وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) وهذا
يدل على أنه قادر على ما لا يفعله . فإنه أخبر أنه لو شاء جعل الماء أجاجا وهو لم
يفعله، ومثل هذا: ( وَلَوْشِتْنَا لَ نَيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا). (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ
لَ مَنَ مَن فِى الْأَرْضِ ). (وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ). فإنه أخبر فى غير موضع أنه
لو شاء لفعل أشياء وهو لم يفعلها ، فلو لم يكن قادراً عليها لكان إذا شاءها لم
يمكن فعلها .
( المسألة الثالثة ) : أنه على كل شىء قدير، فيدخل فى ذلك
١٠

أفعال العباد وغير أفعال العباد . وأكثر المعتزلة يقولون : إن أفعال
العبد غير مقدورة .
( المسألة الرابعة ): أنه يدخل فى ذلك أفعال نفسه، وقد نطقت النصوص
بهذا، وهذا كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن
يَخْلُقَ مِثْلَهُم ) ( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِىَ الْمُؤَنَّى)؟ (بَلَى قَدِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّىَ بَنَنَهُ, )
ونظائره كثيرة.
والقدرة على الأعيان جاءت فى مثل قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ) (أَيَحْسَبُ
أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) وجاءت منصوصاً عليها فى الكتاب والسنة، أما الكتاب
فقوله: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّامِنْهُم مُّنْتَقِمُونَ ) فبين أنه سبحانه بقدر عليهم
أنفسهم، وهذا نص فى قدرته على الأعيان المفعولة، وقوله: ( وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم
بِجَبَّارٍ) و (َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) ونحو ذلك. وهو يدل بمفهومه على أن الرب
هو الجبار عليهم المسيطر ، وذلك يستلزم قدرته عليهم، وقوله: (فَطَنَّأَن لَّن
تَّقْدِرَ عَلَيْهِ) - على قول الحسن وغيره من السلف ممن جعله من القدرة -دليل
على أن الله قادر عليه وعلى أمثاله، وكذلك قول الموصى لأهله: ((لئن قدر
الله علي ليعذبنى عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين). فلما حرقوه أعاده الله تعالى
وقال له: (( ما حملك على ما صنعت قال: خشيتك يارب! فغفر له)). وهو كان
مخطئاً فى قوله لئن قدر الله علي ليعذبني كما يدل عليه الحديث، وإن الله
١١

قدر عليه لكن لخشيته وإيمانه غفر الله له هذا الجهل والخطأ
الذي وقع منه .
أَلَْنَخْلُفَكُم مِّن ◌ََِّهِينٍ ) إلى قوله ؛ ( فَنِعْمَ
وقد يستدل بقوله : (
الْقَدِرُونَ ) على قول من جعله من القدرة ، فإنه يتناول القدرة على المخلوقين
وإن كان سبحانه قادراً أيضاً على خلقه، فالقدرة على خلقه قدرة عليه ، والقدرة
عليه قدرة على خلقه، وجاء أيضاً الحديث منصوصاً فى مثل قول النبى صلى الله
عليه وسلم لأبي مسعود لما رآه يضرب عبده («لله أقدر عليك منك على هذا)).
فهذا فيه بيان قدرة الرب على عين العبد، وأنه أقدر عليه منه على عبده، وفيه
إثبات قدرة العبد .
وقد تنازع الناس في ((قدرة الرب والعبد)) فقالت طائفة : كلا النوعين
يتناول الفعل القائم بالفاعل ، ويتناول مقدوره وهذا أصح الأقوال ، وبه نطق
الكتاب والسنة، وهو أن كل نوع من القدرتين يتناول الفعل القائم بالقادر
ومقدوره المباين له ، وقد تبين بعض ما دل على ذلك فى قدرة الرب . وأما
قدرة العبد: فذكر قدرته على الأفعال القائمة به كثيرة ، وهذا متفق عليه
بين الناس الذين يثبتون للعبد قدرة ، مثل قوله: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، (فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا). (وَسَيَحْلِفُورَ.
بِاللَّهِ لَوٍ أَسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ ). الآية. وقول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك)).
١٢

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ ككَثِيرَةً
وأما المباين لمحل القدرة ، فمثل قوله: (
تَأْخُذُونَها) إلى قوله (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُ واْعَلَيْهَا) إلى (قَدِيرًا). فدل على أنهم قدروا
على الأول ، وهذه يمكن أن يقدروا عليها وقتاً آخر. وهذه قدرة على الأعيان.
وقوله: ( وَغَدَوْأُعَلَى حَرْدِقَدِرِينَ) إلى قوله (عَسَى رَبَِّا أَنْ يُبْدِ لَنَا خَيْرَ مِّنْهَا ) الآية.
قال أبو الفرج : وفي قوله قادرين ثلاثة أقوال .
(أحدها): قادرين على جنتهم عند أنفسهم ، قاله قتادة . قلت : وهو قول
مجاهد وقتادة . رواه ابن أبى حاتم عنهما، قال مجاهد : قادرين فى أنفسهم ، وهذا
الذي ذكره البغوي: قادرين عند أنفسهم على جنتهم. وتمارها لا يحول بينهم
وبينها أحد، وعن قتادة قال : غدا القوم وهم يحدون إلى جنتهم . قادرين على
ذلك فى أنفسهم .
قال أبو الفرج : و( الثانى) : قادرين على المساكين، قاله الشعبى: أي
على منعهم ، وقيل : على إعطائهم لكن البخل منعهم من الإعطاء، والله أعلم.
و ( الثالث ): غدوا وهم قادرون. أي واجدون ، قاله ابن قتيبة .
قلت: الآية وصفتهم بأنهم غدواعلى حرد قادرين فالحرد يرجع إلى القصد. فغدوا
بإرادة جازمة وقدرة ، ولكن الله أعجزم، وقول من قال: قادرين عند أنفسهم:
أي ظنوا أن الأمر يبقى كما كان، ولو كان كذلك لتمت قدرتهم ، لكن سلبوا
القدرة بإهلاك جنتهم .
١٣

قال البغوي : الحرد في اللغة يكون بمعنى القصد والمنع والغضب . قال
الحسن وقتادة وأبو العالية : على جد وجهد، وقال القرطى ومجاهد وعكرمة:
على أمر مجتمع قد أسسوه بينهم . قال: وهذا على معنى القصد؛ لأن القاصد
إلى الشيء باد مجمع على الأمر، وقال أبو عبيدة والقنيى: غدوا من أنفسهم
على حرد: على منع المساكين؛ يقول: ماردت السنة إذا لم يكن لها مطر،
وحاردت الناقة علي إذا لم يكن لهالبن ؛ وقال الشعبى وسفيان: على حنق
وغضب من المساكين، وفى تفسير الوالى : عن ابن عباس على قدرة .
قلت : الحرد فيه معنى العزم الشديد ؛ فإن هذا اللفظ يقتضى هذا ، وحرد
السنة والناقة لما فيه من معنى الشدة ، وكذلك الحنق والغضب فيه شدة ؛ فكان
لهم عزم شديد على أخذها ، وعلى حرمان المساكين، وغدوا بهذا العزم
قادرين ليس هناك ما يعجزهم وما يمنعهم، لكن جاءها أمر من السماء فأبطل ذلك
كله، وقيل الحرد هو الغيظ والغضب والله أعلم.
ونظير هذا وهو صريح في المطلوب أن القدرة تكون على الأعيان قوله
تعالى: ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ) إلى قوله ( أَتَنْهَا أَمَّرُ نَالَيْلًا
أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) الآية. وقوله: ( وَظَرَبَّ أَهْلُهَا
أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَآ ) يبين أنه لولا الجائحة لكان ظهم صادقا، وكانوا
قادرين عليها ؛ لكن لما أتاها أمر الله تبين خطأ الظن، ولو لم يكونوا قادرين
عليها لا في حال سلامتها ولا في حال عطبها ، لم يكن الله أبطل ظنهم بما أحدثه
١٤

من الإهلاك، وهؤلاء لم يكونوا ذهبوا ليحصدوا، بل سلبوا القدرة عليها- وهي
القدرة التامة - فانتفت لانتفاء المحل القابل؛ لا لضعف من الفاعل، وفى تلك
قال: (عَلَى حَرْدِقَدِرِينَ ) ولم يقل قادرين عند أنفسهم ، فإن كان كما قاله من قال
عند أنفسهم فالمعنى واحد ، وإن أريد بكونهم قادرين أي ليس فى أنفسهم
ما ينافى القدرة : كالمرض والضعف ولكن بطل محل القدرة كالذي يقدر على
النقد والرزق ولاشىء عنده .
وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَتِهِمَّ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَذَتْ بِهِ الْرِيحُ
فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ اَلْبَعِيدُ ) فهم في
هذه الحال لا يقدرون مما كسبوا على شيء ؛ فدل على أنهم فى غير هذا يقدرون
على ماكسبوا ، وكذلك غيرم يقدر على ماكسب، فالمراد بالمكسوب
المال المكسوب .
وقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَعْلُوكًا لََّيَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن رَّزَفْتَهُ مِنَّا
رِزْقًّا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًا وَجَهْرًا ) فلما ذكر فى المملوك أنه لا يقدر
على شيء، ومقصوده أن الآخر ليس كذلك، بل هو قادر على ما لا يقدر عليه
هذا، وهو إثبات الرزق الحسن مقدوراً لصاحبه، وصاحبه قادر عليه، وبهذا
ينطق عامة العقلاء يقولون : فلان يقدر على كذا وكذا،وفلان يقدر على كذا
وكذا، ومقدرة هذا دون مقدرة هذا .
١٥

ومما يبين ذلك: أن الملك نائب للعباد على ما ملكهم الله إياه، والملك
مستلزم للقدرة فلا يكون مالكا إلا من هو قادر على التصرف بنفسه ، أو بوليه
أو وكيله ، والعقد والمنقول مملوك لما لكه، فدل على أنه مقدور له، وقد قال
موسى : (رَبِّ إِنِّيِ لَآ أَمْلِكُ إِلََّ نَفْسِى وَأَخِى ) لما كان قادرا على التصرف فى
أخيه ؛ لطاعته له جعل ذلك ملكا له ، وقال تعالى: (فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ) وقال
تعالى: (وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) أي مطيقين،
فدل على أنهم صاروا مقرنين مطيقين لما سخرها لهم، فهو معنى قوله: (فَهُمْ
لَهَا مَلِكُونَ) وقد قال تعالى: (فَمَا اسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَعُوْ لَهُنَقْبًا)
فدل على أنهم لو نقبوا ذلك لكانوا قد استطاعوا النقب ، والنقب ليس هو
حركة أيديهم ، بل هو جعل الشيء منقوباً ، فدل على أن ذلك النقب
مقدور للعباد.
وأيضاً فالقرآن دل على أن المفعولات الخارجة مصنوعة لهم، وما كان
مصنوعا لهم فهو مقدور بالضرورة والاتفاق ، والمنازع يقول: ليس شيء خارجا
عن محل قدر تهم مصنوعا لهم، وهذا خلاف القرآن قال تعالى لنوح: (وَأَصْنَعَ الْفُلْكَ
بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) وقال (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) وقد أخبر أن الفلك مخلوقة مع كونها
مصنوعة لبني آدم، وجعلها من آياته، فقال: (وَمٌَّ لَّمْأَنَا حَمَلْنَا ذُرِيََّهُمْ فِىِ الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ ) (سَخَّرَ لَكُ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلَكَ تَّجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) ( وَجَعَلَ لَكُمِنَ
اَلْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَاتَرَّكَبُونَ ) وقال: ( أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ * وَاللَّهُ خَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )
١٦

فجعل الأصنام منحوتة معمولة لهم، وأخبر أنه خالقهم ، وخالق معمولهم
فإن ((ما)) ههنا: بمعنى الذي، والمراد خلق ما تعملونه من الأصنام، وإذا كان
خالقا للمعمول وفيه أثر الفعل ، دل على أنه خالق لأفعال العباد. وأما قول
من قال: إن « ما)» مصدرية فضعيف جداً .
وقال تعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) وإنما
دحر مابنوه وعرشوه، فأما الأعراض التى قامت بهم فتلك فنيت قبل أن
يغرقوا، وقوله: (وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) دليل على أن العروش مفعول لهم، هم
فعلوا العرش الذي فيه، وهو التأليف، ومثل قوله : (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعَايَةً
تَعْبَثُونَ ) يدل على أن المني م بنوه، حيث قال: ( أَتَبْنُونَ ) وكذلك قوله:
(وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ يُوتًا ) هو كقوله: ( أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ ) وقوله:
(جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ) دل على أنهم جابوا الصخر : أي قطعوه .
ومنه قوله تعالى: ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُ الْحُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ) فأحر
بقتلهم، والأمر إنما يكون بمقدور العبد ، فدل على أن القتل مقدور له ، وهو
الفعل الذي يفعله فى الشخص فيموت ، وهو مثل الذيج ومنه قوله: ( إِلَّا
مَاذَكَّيْنُمْ) وقوله: (لَنَقْتُلُواْ الْصَّيْدَ) وقوله: ( وَمَن قَثَلَهُمِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ
يدل على أن الصيد مقتول للآدمي الذي قتله ، بخلاف
مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ )
قوله: (فَلَمَّتَّقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ) فإنه مثل قوله: (وَمَارَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ
١٧

وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) فإن قتلهم حصل بأمور خارجة عن قدر تهم، مثل إزال
الملائكة ، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وكذلك الرميلم يكن فى قدرته، أن التراب
يصيب أعينهم كلهم ، ويرعب قلوبهم، فالرمي الذي جعله الله خارجا عن قدرة
العبد المعتاد هو الرمي الذي نفاه الله عنه .
قال أبو عبيد: ماظفرت أنت ولا أصبت ، ولكن الله ظفرك وأبدك. وقال
الزجاج: مابلغ رميك كفاً من تراب، أو حصىّ أن يملأعيون ذلك الجيش
الكثير، إنما الله تولى ذلك. وذكر ابن الأنباري: مارميت قلوبهم بالرعب ،
إذ رميت وجوههم بالتراب . ولهذا كان هذا أمراً خارجا عن مقدوره، فكان
من آيات نبوته .
وقيل بل الرب تعالى لايقدر إلا على المخلوق المنفصل لايقوم به فعل يقدر
عليه، والعبد لا يقدر إلا على مايقوم بذاته ، لايقدر على شيء منفصل عنه،
وهذا قول الأشعري ومن وافقه من أتباع الأئمة : كالقاضي أبى يعلى وابن عقيل
وابن الزاغوني، وغيرهم .
وقيل: إن العبد يقدر على هذا وهذا ، والرب لا يقدر إلا على المنفصل
وهو قول المعتزلة، وقيل إن كليهما يقدر على مايقوم به دون المنفصل ، وما
علمت أحداً قال: كلاهما يقدر على المنفصل دون المتصل .
( المسألة الخامسة): أن القدرة هي قدرته على الفعل، والفعل ((نوعان)).
١٨

لازم، ومتعد، و((النوعان)) فى قوله: ( هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ
فالاستواء والإتيان والمجيء والنزول ونحو
أَيَّامٍ ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )
ذلك أفعال لازمة ، لاتتعدى إلى مفعول ؛ بل هي قائمة بالفاعل ، والخلق و الرزق
والإمانة والإحياء ، والإعطاء والمنع ، والهدى والنصر، والتنزيل ونحو ذلك،
تتعدى إلى مفعول .
والناس فى هذين النوعين على ((ثلاثة أقوال)):
منهم من لا يثبت فعلا قائماً بالفاعل ، لا لازما ولا متعدياً أما اللازم فهو
عنده منتف، وأما المتعدي: كالخلق، فيقول : الخلق هو المخلوق، أو معنى غير
المخلوق، وهذا قول الجهمية والمعتزلة ، ومن اتبعهم كالأشعرى ومتبعيه، وهذا
أول قولي القاضي أبى يعلى ، وقول ابن عقيل .
وكثير من المعتزلة يقولون: الخلق هو المخلوق، وآخرون يقولون: هو
غيره، لكن يقولون : بأن الخلق له خلق آخر، كما يقوله معمر بن عباد؛ ويسمون
أصحاب المعاني المتسلسلة. ومنهم من يقول: الخلق هو نفس الإرادة ، كما يقوله
من يقوله من بعض المعتزلة من أهل البصرة .
و «القول الثاني)»: أن الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم فيقولون:
الخلق قائم بنفسه ليس هو المخلوق . وثم على قولين .
١٩

منهم من جعل ذلك الفعل حادثاً ، ومنهم من يجعله قديماً فيقول التخليق
والتكوين قديم أزلي .
وهؤلاء منهم من يجعل عين التخليق شيئاً واحداً هو قديم، والمخلوقين
مادته ؛ ولكنه قديم أزلي، ولا يثبتون نزولاً قائماً بنفسه، ولا استواء ؛ لأن هذه
حوادث وهذا قول الكلابية الذين يقولون: فعله قديم مثل كلامه، كما قال
أصحاب ابن خزيمة ، وهو قول كثير من الحنفية والحنبلية والمالكية والشافعية،
ومنهم من يجعل القديم هو النوع وأفراده حادثة ، فعلى هذا القول يكون الفعل
نفسه مقدوراً ، وأما على قول من يجعله شيئاً معيناً فهؤلاء إن قالوا قديم تناقضوا
ولزمهم أن يكون القديم المعين مقدوراً، وإن قالوا هو غير مقدور ، تناقضوا؛
لأن الفعل يجب أن يكون مقدوراً والله أعلم .
و (القول الثالث ) إثبات الفعلين : اللازم والمتعدى كما دل عليه القرآن،
فنقول: إنه كما أخبر عن نفسه: أنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم
استوى على العرش ، وهو قول السلف وأئمة السنة ، وهو قول من يقول: إنه
تقوم به الصفات الاختيارية - كأصحاب أبى معاذ وزهير البابى وداود بن علي ؛
والكرامية وغيرهم من الطوائف، وإن كانت الكرامية يقولون بأن النزول
والإتيان أفعال تقوم به ــ وهؤلاء يقولون : يقدر على أن يأتى ويجيء وينزل
ويستوى ، ونحو ذلك من الأفعال، كما أخبر عن نفسه، وهذا هو الكمال.
٢٠