النص المفهرس
صفحات 661-680
مخلوقة ولا غير مخلوقة، ومنهم من يمسك عن الأفعال المحرمة، ومنهم من يقول: بل أفعال العباد كلها غير مخلوقة أو قديمة؛ ويقول ليس مرادي بالأفعال الحركات؛ بل مرادي الثواب الذي يجيء يوم القيامة ويحتج هذا بأن القدر غير مخلوق ، والشرع غير مخلوق. ويجعل أفعال العباد هي : القدر، والشرع. ولا يفرق بين القدر والمقدور ، والشرع والمشروع ؛ فإن الشرع الذي هو أمر اللّه ونهيه غير مخلوق، وأما الأفعال المأمور بها والمنهى عنها فلا ريب أنها مخلوقة؛ وكذلك القدر الذي هو علمه ومشيئته وكلامه غير مخلوق، وأما المقدرات : الآجال ، والأرزاق ، والأعمال فكلها مخلوقة، وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وقائليها فى غير هذا الموضع . والمقصود هنا أن الإمام أحمد ومن قبله من أمّة السنة ومن اتبعه كلهم بريئون من الأقوال المبتدعة المخالفة للشرع والعقل، ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم، لا معنى قاتم بالذات، ولا إنه تكلم به في القديم بحرف وصوت ، ولاتكلم به فى القديم بحرف قديم ؛ لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا، وإن الذي اتفقوا عليه أن كلام اللّه منزل غير مخلوق، والله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، وكلامه لا نهاية له. كما قال الله تعالى: (قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ وهو قديم بمعنى: أنه لم يزل الله متكلماً بمشيئته؛ نَنْفَذَكَلِمَتُ رَبِ ) لا بمعنى أن الصوت المعين قديم، كما بسطت الكلام فى غير هذا الموضع على اختلاف أهل الأرض فى كلام الله تعالى : منهم من يجعله فيضاًمن العقل الفعال على ٦٦١ النفوس . كقول طائفة من الصابئة والفلاسفة وهو أفسد الأقوال، ومنهم من يقول هو مخلوق خلقه بائناً عنه : كقول الجهمية والنجارية والمعتزلة ، ومنهم من يقول هو معنى قديم قائم بالذات : كقول ابن كلاب والأشعري، ومنهم من يقول هو حروف وأصوات : كقول ابن سالم وطائفة ، ومنهم من يقول تكلم بعد أن لم يكن متكلماً : كقول ابن كرام، وطائفة . والصواب من هذه الأقوال قول السلف والأئمة : كما قد بسطت ألفاظهم فى غير هذا الموضع. ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون : كلام الله غير مخلوق. وكانت ((الجهمية)) من المعتزلة وغيرهم. يقولون : إنه مخلوق ، وكان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان له فضيلة ومعرفة رد بها على الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات ، وبين أن الله نفسه فوق العرش؛ وبسط الكلام فى ذلك، ولم يتخلص من شبهة الجهمية كل التخلص ؛ بل ظن أن الرب لايتصف بالأمور الاختيارية التى تتعلق بقدرته ومشيئته، فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا يحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته ، ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته؛ بل محباً راضياً أو غضبان ساخطاً على من علم أنه يموت مؤمناً أو كافراً. ولا يتكلم بكلام بعد كلام، وقد قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اُللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وقال تعالى: (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ) ٦٦٢ وقال تعالى: (هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) وهذا أصل كبير قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا التنبيه على مآخذ اختلاف المسلمين فى مثل «هذه المسائل)) وإذا عرف ذلك فالواجب أن ثبت ما أثبته الكتاب والسنة، وتنفي ما نفى الكتاب والسنة. واللفظ المجمل الذي لم يرد في الكتاب والسنة لا يطلق فى النفي والإثبات حتى يتبين المراد به ، كما إذا قال القائل: الرب متحيز أو غير متحيز أو هو في جهة أو ليس فى جهة، قيل هذه الألفاظ مجملة لم يرد بها الكتاب والسنة لا نفياً ولا إثباتاً ، ولم ينطق أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإثباتها ولا نفيها . فإن كان مرادك بقولك إنه يحيط به شىء من المخلوقات ؛ وليس هو بقدرته يحمل العرش وحملته، وليس هو العلى الأعلى الكبير العظيم الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو سبحانه أكبر من كل شيء، فليس هو متحيزاً بهذا الاعتبار ، وإن كان مرادك أنه بائن عن مخلوقاته عال عليها فوق سمواته على عرشه ؛ فهو سبحانه بائن من خلقه كما ذكر ذلك أئمة السنة مثل : عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أعلام الإسلام، وكما دل على ذلك صحيح المنقول، وصريح المعقول، كما هو مبسوط في مواضع آخر. وكذلك لفظ ((الجهة)) إن أراد بالجهة أمراً موجوداً يحيط بالخالق، أو ٦٦٣ يفتقر إليه. فكل موجود سوى الله فهو مخلوق . والله خالق كل شيء وكل ما سواه فهو فقير إليه ، وهو غني عما سواه، وإن كان مراده أن الله سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فهذا صحيح. سواء عبر عنه بلفظ الجهة أو بغير لفظ الجهة . وكذلك لفظ ((الجبر)) إذا قال: هل العبد مجبور أو غير مجبور؟ قيل : إن أراد بالجبر أنه ليس له مشيئة ، أو ليس له قدرة؛ أو ليس له فعل ؛ فهذا باطل ، فإن العبد فاعل لأفعاله الاختيارية ، وهو يفعلها بقدرته ومشيئته، وإن أراد بالجبر أنه خالق مشيئته وقدرته وفعله ، فإن الله تعالى خالق ذلك كله . وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد ((بالإيمان؟ أتريد به شيئاً من صفات الله وكلامه، كقوله (لا إله إلا الله) و ((إِيمانه)) الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئاً من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون ، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقه، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول ، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل ، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات، إذا فصل فيها الخطاب ، ظهر الخطأ من الصواب . والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب ٦٦٤ والسنة نفوه ، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لابنفى ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل ؛ فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى مانفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت مانفاء الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل ، فيجب أن يفصل ما فى كلامه من حق وباطل، فيتبع الحق ويترك الباطل ، وكلما خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضاً لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لايخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم السلام لا يخالف بعضه بعضاً ، ولكن كثير من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا فى الكتاب ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَبِ لَفِ شِقَاقِ بَعِيدٍ ) ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. ٦٦٥ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل ((الاستثناء فى الإيمان سنة)) عند أصحابنا، وأكثر أهل السنة وقالت المرجئة والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه بل هوشك؛ و(الاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يعصم دمي فنعم، وإن كنت تريد (إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَاذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) فالله أعلم . ثم هنا ((ثلاثة أقوال)) ، إما أن يقال: الاستثناء واجب فلا يجوز القطع، وهذا قول القاضي فى عيون المسائل وغيره، وإما أن يقال : هو مستحب ويجوز القطع باعتبار آخر ، وإما أن يقال: كلاهما حائز باعتبار، وإنما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى أنه جائز رداً على من نهى عنه ، فإذا قلنا هو واجب فأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنا مؤمنون لكان ذلك قطعاً على أنا فى الجنة، لأن الله وعد المؤمنين الجنة ، ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة، لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلا الله، ٦٦٦ وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة ، ولا يعلم ذلك . ولهذا قال ابن مسعود: هلا وكل الأولى كما وكل الآخرة. يريد بذلك ما استدل به من أن رجلاً قال عنده : إنى مؤمن . فقيل لابن مسعود هذا يزعم أنه مؤمن، قال : فلوه أفي الجنة هو أو فى النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم، فقال عبد الله فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية . ((قلت)): ويستدل أيضاً على وجوب الاستثناء بقول عمر: من قال إنه مؤمن فهو كافر ومن زعم أنه فى الجنة فهو في النار . ومن زعم أنه عالم فهو جاهل ولما استدل المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشك فى وقوعه ، قال : الجواب إن هنا مستقبلا يشك فى وقوعه، وهو الموافاة بالإيمان؛ والإيمان مرتبط بعضه ببعض فهو كالعبادة الواحدة . ((قلت)): فحقيقة هذا القول أن الإيمان اسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى أن يموت عليه فإذا انتقض تبين بطلان أولها كالحدث فى آخر الصلاة والوطء فى آخر الحج، والأكل فى آخر النهار ؛ وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله كقول مصل وصائم وحاج؛ فهذا مأخذ القاضي. وقد ذكر بعدها فى المعتمد ((مسألة الموافاة)) وهي متصلة بها وهو أن المؤمن الذى على الله أنه يموت كافراً ؛ وبالعكس ؛ هل يتعلق رضا الله وسخطه ومحبته وبغضه بما هو عليه أو بما يوافى به . والمسألة متعلقة بالرضا والسخط : هل هو قديم أو محدث ؟ ٦٦٧ و ((المأخذ الثاني)): أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال؛ وهذا غير معلوم للمتكلم كما قال أبو العالية: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه، لايقول إن إيماني كإيمان جبريل فإخبار الرجل عن نفسه أنه كامل الإيمان خبر بما لا يعلمه ، وهذا معنى قول ابن المنزل : أن المرجئة تقول إن حسناتها مقبولة وأنا لا أشهد بذلك ، وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء وهذا المأخذ الثانى للقاضي، فإن المنازع احتج بأنه لمالم يجز الاستثناء فى الإسلام فكذلك فى الإيمان . قال: والجواب أن الإسلام مجرد الشهادتين، وقد أتى بها، والإيمان أقوال وأعمال، لقوله ((الإيمان بضع وسبعون بابا)» وهو لا يتحقق كل ذلك منه. ((المأخذ الثالث)): أن ذلك تزكية للنفس وقد قال الله: (فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ) وهذا يصلح للاستحباب، وإلا فإخبار الرجل بصفته التى هو عليها جائز وإن كانت مدحا وقد يصلح للإيجاب، قال الأثرم فى ((السنة)): حدثنا أحمد بن حنبل سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحداً من أصحابنا ولا بلغني إلا على الاستثناء قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الاستثناء فى الإيمان ماتقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه (١) فاستثنى مخافة واحتياطاً ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثنى للعمل، قال أبو عبد الله: قال الله: (لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ) أي إن هذا الاستثناء لغير شك، وقد قال النبى (١) سقط في الأصل مقدار نصف سطر ٦٦٨ صلى الله عليه وسلم ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) أي لم يكن يشك فى هذا وقد استثنى، وذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم ((نبعث إن شاء الله)) من القبر وذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم: «إنى والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله)) قال هذا كله تقوية للاستثناء فى الإيمان . قلت لأبى عبد الله: فكأنك لاترى بأساً أن لايستثنى، فقال إذا كان ممن يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله إن قوماً تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجب منهم، وذكر كلاما طويلاً تركته . فكلام ((أحمد)) يدل على أن الاستثناء لأجل العمل، وهذا ((المأخذ الثاني)) وأنه لغير شك فى الأصل، وهو يشبه ((الثالث)) ويقتضى أن يجوز ترك الاستثناء وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن فيصح إذا عنى أصل الإيمان دون كاله، والدخول فيه دون تمامه، كما يقول: أنا حاج وصائم لمن شرع فى ذلك، وكما يطلقه فى قوله آمنت بالله ورسله، وفى قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة وعلى هذا يخرج ما روي عن صاحب معاذ بن جبل ، وما روي فى حديث الحارث الذي قال ((أنا مؤمن حقاً)) وفى حديث الوفد الذين قالوا: ((نحن المؤمنون)) وإن كان فى الإسنادین نظر . ٦٦٩ سئل عن معنى حديث النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلمة ، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان)) رواه الترمذى وأبو داود. وهل يكون الزانى فى حالة الزنا مؤمناً أو غير مؤمن؟ وهل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة أو أجمعوا على تأويله؟ فأجاب: الحمد لله: الناس فى الفاسق من أهل الملة، مثل الزاني والسارق والشارب ونحوهم، ((ثلاثة أقسام)) : طرفان ، ووسط . (أحد الطرفين ) : أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ، ولا يدخل فى عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان، ثم من هؤلاء من يقول : هو كافر : كاليهودي، والنصراني. وهو قول الخوارج، ومنهم من يقول: ننزله منزلة بين المنزلتين ؛ وهي منزلة الفاسق، وليس هو بمؤمن ولا كافر ، وهم المعتزلة ، وهؤلاء يقولون: إن أهل الكبائر يخلدون فى النار ، وإن أحداً منهم لا يخرج منها؛ وهذا من ((مقالات أهل البدع)) التى دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها، قال الله تعالى: (وَإِنَ طَآئِفَنَانِ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا - إلى قوله ـ- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ ٦٧٠ بَيْنَ أَخَيَّكُمْ ) فسام مؤمنين، وجعلهم إخوة مع الاقتال، وبغي بعضهم على بعض ، وقال الله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) ولو أعتق مذنباً أجزاً عتقه بإجماع العلماء. ولهذا يقول علماء السلف فى المقدمات الاعتقادية : لانكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل ، وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين ، بل جلد هذا، وقطع هذا، وهو فى ذلك يستغفر لهم، ويقول : لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم، وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل . ( الطرف الثانى): قول من يقول: إيمانهم باق كما كان لم ينقص)) بناء على أن الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم، وهو لم يتغير، وإنما نقصت شرائع الإسلام ، وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم ، وهو أيضاً قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان . قال الله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَتِكَ هُمُ الصَدِقُونَ) وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ - إلى قوله - أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) وقال: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ) وقال: ( لِيَزْدَادُوَاْإِيمَنَا مَّعَ إِيَمَنِهِمْ) وقال: (فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّاوَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ). ٦٧١ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة . أعلاها قول لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) وقال لوفد عبد القيس: («آمركم بالإيمان بالله أندرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم». وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب ، وعمل القلب ، ثم قول اللسان وعمل الجوارح. فأماقول القلب فهو التصديق الجازم باللهوملائكتهوكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويدخل فيه الإيمان بكل ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . ثم الناس فى هذا على أقسام: منهم من صدق به جملة ولم يعرف التفصيل ومنهم من صدق جملة وتفصيلاً، ثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق، ومنهم من يغفل عنه ويذهل، ومنهم من استبصر فيه بما قذف اللّه في قلبه من النور والإيمان، ومنهم من جزم به لدليل قد تعترض فيه شبهة أو تقليد جازم وهذا التصديق يتبعه عمل القلب ، وهو حب الله ورسوله، وتعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه ، إلى غير ذلك من الأحوال ، فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان ، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلمة المعلول. ويتبع الاعتقاد قول اللسان ، ويتبع عمل القلب الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك. ٦٧٢ وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون الاسم على الإطلاق، ولا يعطونه على الإطلاق. فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ، ويقال: ليس بمؤمن حقا، أو ليس بصادق الإيمان . وكل كلام أطلق فى الكتاب والسنة فلا بد أن يقترن به ما يبين المراد منه. والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط ؛ كجواز العتق فى الكفارة وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك، ومنها ما يترتب على أصله وفرعه : كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك . إذا عرفت ((هذه القاعدة)). فالذي فى الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن)» والزيادة التى رواها أبو داود والترمذي صحيحة، وهي مفسرة للرواية المشهورة . فقول السائل: هل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأمة ؟ لفظ مشترك؛ فإن عنى بذلك أن ظاهره أن الزاني يصير كافراً، وأنه يسلب الإيمان بالكلية ، فلم يحمل الحديث على هذا أحد من الأئمة، ولا هو أيضاً ظاهر الحديث لأن قوله خرج «منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة)) دليل على أن الإيمان ٦٧٣ لا يفارقه بالكلية ، فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط. وأما إن عنى بظاهره ما هو المفهوم منه ، كما سنفسره إن شاء اللّه فنعم؛ فإن عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد: عن سفيان وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - وجماعة كثيرة من العلماء، ونص أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه عن ظاهره المقصود به ، وقد تأوله الخطابى وغيره تأويلات مستكرهة ، مثل قولهم لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي : أي ينبغي للمؤمن ألا يفعل ذلك ، وقولهم: المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي، وانما ساغ ذلك لما بين حاله وحال من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة، وقولهم: إنما عدم كمال الإيمان وتمامه، أو شرائعه وتمراته ونحو ذلك، وكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر. فالحق أن يقال : نفس التصديق المفرق بينه وبين الكافر لم يعدمه، لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه توعد عليها بالعقوبة العظيمة ، وأنه يرى الفاعل ويشاهده ؛ وهو سبحانه وتعالى مع عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعل ، فلو تصور هذا حق التصور لامتنع صدور الفعل منه ، ومتى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد (( ثلاثة أشياء)). ٦٧٤ إما اضطراب العقيدة ؛ بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه، وإنما مقصوده الزجر كما تقوله: المرجئة . أو أن هذا إنما يحرم على العامة دون الخاصة كما يقوله الإباحية، أو نحو ذلك من العقائد التى تخرج عن الملة. وإما الغفلة والذهول عن التحريم، وعظمة الرب وشدة بأسه. وإما فرط الشهوة بحيث يقهر مقتضى الإيمان، ويمنعه موجبه بحيث بصير الاعتقاد مغموراً مقهوراً، كالعقل فى النائم والسكران، وكالروح فى النائم. ومعلوم أن ((الإيمان)) الذي هو الإيمان ليس باقياً كما كان ؛ إذ ليس مستقراً ظاهراً فى القلب واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيا على حاله عاملا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم ؛ فإنه سبحانه : يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها؛ فالنائم ميت من وجه حي منوجه، وكذلك السكران والمغمى عليه عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه . فإذا قال قائل : السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقا مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة، إذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم؛ بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حال يعزب فيها عقله ورأيه وفى الأثر ((إذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم فإذا أنفذ قضاءه وقدره رد عليهم عقولهم ليعتبروا)) فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور فى الدنيا والآخرة. ٦٧٥ كذلك الزانى والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذيبه يستحق ألا يخلد فى النار، وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يستحق المناكحة والموارثة لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة اللّه ومثويته ؛ وبه يستحق أن يكون محموداً مرضياً . وهذا يبين ان الحديث على ظاهره الذي يليق به. والله أعلم. ٦٧٦ سئل رحمه الله : عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) هل هذا الحديث مخصوص بالمؤمنين، أم بالكفار؟ فإن قلنا مخصوص بالمؤمنين فقولنا ليس بشيء ؛ لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان. وإن قلنا مخصوص بالكافرين فما فائدة الحديث ؟ فأجاب: لفظ الحديث فى الصحيح: (( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان)) فالكبر المباين للإيمان لا يدخل صاحبه الجنة كما فى قوله: (إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْعِبَادَتِی سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين) ومن هذا كبر إبليس، وكبر فرعون وغيرهما ممن كان كبره منافياً للإيمان ، وكذلك كبر اليهود الذين أخبر الله عنهم بقوله: ( أَفَكُلَّمَاجَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَّ أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ) . والكبر كله مباين للإيمان الواجب، فمن فى قلبه مثقال ذرة من كبر لا يفعل ما أوجب الله عليه ويترك ما حرم عليه، بل كبره يوجب له جحد الحق، واحتقار الخلق، وهذا هو ((الكبر)) الذي فسره النبى صلى الله عليه سلم حيث سئل في ٦٧٧ تمام الحديث. فقيل : يارسول الله! الرجل يحب أن يكون نوبه حسناً، ونعله حسناً. فمن الكبر ذاك؟ فقال: ((لا إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) وبطر الحق جحده ودفعه، وغمط الناس ازدراؤم واحتقارهم ، فمن في قلبه مثقال ذرة من هذا يوجب له أن يجحد الحق الذي يجب عليه أن يقربه، وأن يحتقر الناس، فيكون ظالماً لهم معتدياً عليهم، فمن كان مضيعاً للحق الواجب ؛ ظالماً للخلق. لم يكن من أهل الجنة، ولا مستحقاً لها؛ بل يكون من أهل الوعيد . فقوله: ((لايدخل الجنة)) متضمن لكونه ليس من أهلها، ولا مستحقاً لها لكن إن تاب ، أو كانت له حسنات ماحية لذنبه، أو ابتلاه الله بمصائب كفر بها خطاياه، ونحو ذلك ، زال ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة ؛ فيدخلها ، أو غفر الله له بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه؛ فلا يدخلها ومعه شيء من الكبر، ولهذا قال من قال فى هذا الحديث وغيره : إن المنفي هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب ؛ لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم ٨ دخل الجنة؛ فإنه إذا أطلق في الحديث فلان فى الجنة ، أو فلان من أهل الجنة، كان المفهوم أنه يدخل الجنة ولا يدخل النار . فإذا تبين هذا كان معناه أن من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ليس هو من أهل الجنة ، ولا يدخلها بلا عذاب، بل هو مستحق للعذاب لكبره ، كما يستحقها غيره من أهل الكبار، ولكن قد يعذب في النار ما شاء الله ، فإنه ٦٧٨ لا يخلد فى النار أحد من أهل التوحيد، وهذا كقوله: ((لايدخل الجنة قاطع رحم)) وقوله: ((لاتدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحايتم؟ أفشوا السلام بينكم)) وأمثال هذا من أحاديث الوعيد، وعلى هذا فالحديث عام في الكفار وفى المسلمين . وقول القائل : إن المسلمين يدخلون الجنة بالإسلام، فيقال له : ليس كل المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب ، بل أهل الوعيد يدخلون النار ، ويمكثون فيها ما شاء الله، مع كونهم ليسوا كفاراً، فالرجل الذي معه شيء من الإيمان. وله كبائر قد يدخل النار، ثم يخرج منها: إما بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وإما بغير ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى)) وكما فى الصحيح أنه قال: ((أخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان)) وهكذا الوعيد فى قاتل النفس والزاني وشارب الخمر وآ كل مال اليتيم وشاهد الزور ، وغير هؤلاء من أهل الكبائر: فإن هؤلاء- وإن لم يكونوا كفاراً - لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين فى النار كما قالت الخوارج والمعتزلة ، وليسوا كاملين فى الدين والإيمان والطاعة ؛ بل لهم حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب؛ وهذا مبسوط فى موضعه والله أعلم. ٦٧٩ سئل شيخ الإسلام: عن «بدعة المرازقة» فأجاب: ثم إن جماعات ينتسبون إلى الشيخ ((عثمان بن مرزوق)) ويقولون: أشياء مخالفة لما كان عليه ، وهو منتسب إلى مذهب أحمد، وكان من أصحاب الشيخ عبد الوهاب بن أبي الفرج الشيرازي ، وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعي، ويقولون أقوالا مخالفة لمذهب الشافعي وأحمد؛ بل ولسائر الأئمة وشيخهم هذا من شيوخ العلم والدين ، له أسوة أمثاله ، وإذا قال قولاً قد على أن قول الشافعي وأحمد يخالفه، وجب تقديم قولهما على قوله مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأمة ؛ فكيف إذا كان القول مخالفاً لقوله ولقول الأئمة، وللكتاب والسنة . وذلك مثل قولهم: ولا نقول قطعاً ونقول نشهد أن محمداً رسول الله، ولا نقطع، ونقول: إن السماء فوقنا ولا نقطع ، ويروون أثراً عن علي وبعضهم يرفعه أنه قال : لانقل قطعاً ، وهذا من الكذب المفترى باتفاق أهل العلم ، ولم يكن شيخهم يقول هذا، بل هذه بدعة أحدثها بعض أصحابه بعد موته ، وإذا قيل لواحد منهم: ألا تقطع ! قال : إن الله قادر على أن يغير هذه ٦٨٠