النص المفهرس
صفحات 621-640
وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة ، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما فى أحكام الدنيا ، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين . وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل ،وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً ، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث ، أو يعدل فى قسمه وحكمه ، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر ، فإن المشركين ، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التى يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم. ومن قال : بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات ، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له ؛ أو جزءاً منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئاً خطئاً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء، التى أعظم السلف والأئمة الكلام فى أهلها ، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ماهو معروف ، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها . ٦٢١ ٠ فصل وأما ((الإحسان)) فقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص، والتحقيق: أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ) وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَنَّبَعَ مِلَّةَ إِرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَهُ إبرَاهِيمَ خَلِيلًا ) فذكر إحسان الدين أولا، ثم ذكر الإحسان ثانياً، فإحسان الدين هو - والله أعلم - الإحسان المسئول عنه في حديث جبريل فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ؛ ففي (١). (١) آخر ما وجد في الاصل ٦٢٢ وقال شيخ الإسلام رحمه الله : فصل قد ذكرت فيما تقدم من القواعد: أن ((الإسلام)) الذي هو دين الله الذي أزل به كتبه، وأرسل به رسله؛ وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين ؛ فيستسلم اللّه وحده لاشريك له ويكون سالماً له بحيث يكون متألهاً له غير متأله لما سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام: وهو شهادة أن لا إله إلا الله. وله ضدان: الكبر والشرك ولهذا روى أن نوحا عليه السلام أمر بنيه بلا إله إلا الله، وسبحان الله ونهام عن الكبر والشرك، فى حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع فإن المستكبر عن عبادة الله لا يعبده فلا يكون مستسلماً له والذي يعبده ويعبد غيره يكون مشركا به فلا يكون سالماً له ، بل يكون له فيه شرك . ولفظ ((الإسلام)) يتضمن الاستسلام والسلامة التى هي الإخلاص ، وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك كما قال تعالى: ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ) وقال موسى: ( إِنَكُمْءَامَنْثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِنَُّواْ إِن كُنتُم ◌ُسْلِمِينَ ) وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ ٦٢٣ رَبِّهِ ) وقال الخليل لما قال له ربه: (أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ * وَوَضَّى بِهَ إِبْرَهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ - أيضاً وصى بها بنيه ــ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال يوسف: ( تَوَقَّتِى مُسْلِمًا ) ونظائره كثيرة . وعلم أن إبراهيم الخليل هو إمام الحنفاء المسلمين بعده كما جعله أمة وإماماً ، وجاءت الرسل من ذريته بذلك ، فابتدعت اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما خرج بهم عن دين الله الذي أمروا به وهو الإسلام العام ، ولهذا أمرنا أن نقول: (أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ) وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون)) وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الإسلام وغلب عليها أحد ضديه ، فاليهود يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك، والنصارى يغلب عليهم الشرك ويقل فيهم الكبر. وقد بين الله ذلك في كتابه فقال فى اليهود: ( وَإِذْ أَخَذْ نَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا اللَّهَ). وهذا هو أصل الإسلام. إلى قوله: ( وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُبِّ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّ بْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْئُلُونَ ). وهذا اللفظ الذي هو لفظ الاستفهام ؛ هو إنكار لذلك عليهم . وذم لهم عليه ، وإنما يذمون على ما فعلوه ، فعلم أنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى ٦٢٤ أنفسهم استكبروا، فيقتلون فريقاً من الأنبياء ويكذبون فريقاً؛ وهذا حال المستكبر الذي لا يقبل ما لا يهواه ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر الكبر في الحديث الصحيح بأنه بطر الحق وغمط الناس ، ففى صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود. قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لايدخل النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) فقال رجل : يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً أهمن الكبر ذاك؟ فقال: ((لا! إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس)) وبطر الحق جحدهودفعه، وغمط الناس احتقارم وازدراؤم. وكذلك ذكر الله ((الكبر)) فى قوله بعد أن قال: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ ) إلى أن قال: (سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ وَ إِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَ إِن يَرَوْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا). وهذا حال الذي لايعمل بعلمه بل يتبع هواه وهو الغاوي كما قال: ( وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَ الَّذِىّءَ اتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْشِتْنَا لَرَفَعَنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اٌلْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ ) الآية وهذا مثل علماء السوء، وقد قال لما رجع موسى إليهم: ( وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَاَ لْأَ لْوَاحٌ وَفِي نُشْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ ) فالذين يرهبون ربهم؛ خلاف الذين يتبعون أهواءهم كما قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَى * فَإِنَّالْجَنَّةَ هِىَ اَلْمَأْوَى ). ٦٢٥ فأولئك المستكبرون المتبعون أهواءهم مصروفون عن آيات الله لا يعلمون ، ولا يفهمون، لما تركوا العمل بما علموه استكباراً واتباعاً لأهوائهم عوقبوا بأن منعوا الفهم والعلم ؛ فإن العلم حرب للمتعالى، كما أن السيل حرب للمكان العالي ، والذين يرهبون ربهم عملوا بما علموه، فآنام الله علماً ورحمة، إذ من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ولهذا لما وصف الله النصارى: (بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا). والرهبان: من الرهبنة (وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) كانوا بذلك أقرب مودة إلى الذين آمنوا. كما قال: (لَتَجِدَنَّأَشَدَّاُ لنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَءَامَنُواْ اَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ). فلما كان فيهم رهبة وعدم كبر كانوا أقرب إلى الهدى فقال فى حق المسلمين منهم: ( وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ اُلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآءَامَنَّا فَأَكْثُبْنَامَعَ الشَّهِدِينَ). قال ابن عباس: مع محمد وأمته، وهم الأمة الشهداء ، فإن النصارى لهم قصد وعبادة، وليس لهم علم وشهادة؛ ولهذا فإن كان اليهود شراً منهم؛ بأنهم أكثر كبراً وأقل رهبة، وأعظم قسوة، فإن النصارى شر منهم فإنهم أعظم ضلالاً وأكثر شركاً ، وأبعد عن تحريم ما حرم الله ورسوله . وقد وصفهم الله بالشرك الذي ابتدعوه، كما وصف اليهود بالكبر الذي هووه، فقال تعالى: (أَتَّخَذُوَ أْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًامِّن دُونِ اللَّهِ ٦٢٦ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَا إِلَاهَا وَحِدَاً لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُعَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَايَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ) إلى قوله: (أَنْ أَعْبُدُ واْاللَّهَ رَبِى وَرَّكُمْ) الآية، وقد ذكر الله قولهم إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقولهم: اتخذ الله ولداً؛ فى مواضع من كتابه، وبين عظيم فريتهم وشتمهم الله، وقولهم ((الإد)) الذي: (تَكَادُ اُلسَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا ) ولهذا بدعوم في غير موضع إلى ألاّ يعبدوا إلا إلهاً واحداً، كقوله: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) إلى قوله: ( وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةٌ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَ اللهِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) إلى قوله ( لَّنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًالِلّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقْرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْعَنْعِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ) وهذا لأن المشركين بمخلوق من البشر أو غيرهم، يصيرون هم مشركون. ويصير الذي أشركوا به من الإنس والجن مستكبراً، كما قال: (وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِعَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) فأخبر الله أن عباده لا يستكبرون عن عبادته وإن أشرك بهم المشركون. وكذلك قال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَامِنُ إِلَهِ إِلَّ إِلَهُ وَحِدٌ ) إلى قوله: (مَا الْمَسِيحُ أَبْدُ مَرْيَمَ إِلََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُهُ صِدِّيقَةٌ) الآية، وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ اُلْمَسِيحُ يَنَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِلَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ٦٢٧ الْجَنَّةَ ) فأخبر أنه أمرهم بالتوحيد ونهام عن أن يشركوا به ، أو بغيره كما فعلوه. ولما كان أصل دين اليهود الكبر عاقبهم بالذلة: ( ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ). ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله أضلهم عنه؛ فعوقب كل من الأمتين على ما اجتزمه بنقيض قصده ( وَمَارَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ). كما جاء فى الحديث: («يحشر الجيارون والمتكبرون يوم القيامة فى صور الذر يطؤم الناس بأرجلهم». وكما في الحديث عن عمر بن الخطاب موقوفاً ومرفوعاً: (( ما من أحد إلا فى رأسه حكمة فإن تواضع قيل له : انتعش نعشك اللّه، وإن رفع رأسه قيل له: انتكس نكسك الله)). وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) وقال تعالى: ( بَلَ قَدْ جَآءَتَكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ * وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيِّسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَِّينَ وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ). ولهذا استوجبوا الغضب والمقت . والنصارى لما دخلوا فى البدع : أضلهم عن سبيل الله، فضلوا عن سبيل الله وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل وهم إنما ابتدعوها ليتقربوا بها إليه ويعبدوه ، فأبعدتهم عنه وأضلتهم عنه وصاروا يعبدون غيره . ٦٢٨ فتدبر هذا والله تعالى يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم والضالين. وقد وصف بعض اليهود بالشرك، في قوله: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ) وفى قوله: (قُلْ هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ بِشَرِّن ذَلِكَ مَنُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ ) ففي اليهود من عبد الأصنام، عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَزِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُونَ وعبد البشر ؛ وذلك أن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل ، فيكون المستكبر مشركا، كما ذكر الله عن فرعون وقومه: أنهم كانوا مح استكبارهم وجحودهم مشركين، فقال عن مؤمن آل فرعون: (وَبَقَوْمِ مَالِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِهِ، عِلْمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِالْغَفَّرِ * لَجَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَاوَلَا فِى الْآَخِرَةِ ). وقال: ( وَلَقَدْجَاءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ ) الآية. وقال يوسف الصديق لهم : ( يَصَحَِى السّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اُلْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَآءَ سَمَّيْثُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكُمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُ واإِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ ج النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) وقد قال تعالى: ( وَقَالَ الْمَلَأَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبْنَاءَ هُمْ وَنَسْتَعِى نِسَآءَ هُمْ وَإِذَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ ). فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين؟ وقد أخبر الله عن فرعون ٦٢٩ أنه جحد الخالق فقال: (وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ) وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى ) وقال: ( أَنَارَتُّكُم ◌ْأَعْلَى) وقال عن قومه: (فَمَّاجَآءَتْهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَحَحَدُ واْبِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا ) والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله وإلا فالجاحد له لم يشرك به . قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى ، وأما الذين كانوا فى زمن يوسف فالقرآن يدل على أنهم كانوا مقرين بالله، وم مشركون به، ولهذا كان خطاب يوسف للملك وللعزيز ولهم: يتضمن الإقرار بوجود الصانع كقوله: (َأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ) ( أَرْجِعُ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَابَالُ النِّسْوَةِ ) إلى قوله (إِنَّ رَِ بِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ ) (وَأَنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى كَيْدَالْخَآَيِنِينَ ) إلى قوله: (إِنَّالنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلََّ مَارَحِمَ رَبٍِ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ زَّحِيمٌ ) وقد قال مؤمن آل ـ حم ـ ( وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَازِلْتُمْ فِ شَكٍ مِّمَّاجَآءَ كُم بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولًا ) فهذا يقتضي : أن أولئك الذين بعث إليهم يوسف كانوا يقرون بالله . ولهذا كان إخوة يوسف يخاطبونه قبل أن يعرفوا أنه يوسف ويظنونه من آل فرعون بخطاب يقتضى الإقرار بالصانع كقولهم: (تَّهِلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَاجِئْنَا لِتُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كُنَا سَرِقِينَ) وقال لهم: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) وقال: (مَعَاذَاَللَّهِ أَن تَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ) وقالوا له : ٦٣٠ ( يَّأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَالضُّرُ وَحِثْنَا بِضَاعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً إِنَّاللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ ) وذلك أن فرعون الذي كان في زمن يوسف أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكراماً عظيما مع علمه بدينهم ، واستقراء أحوال الناس يدل على ذلك . فإن جحود الصانع لم يكن ديناً غالباً على أمة من الأمم قط ، وإنما كان دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس وأولئك كان علماؤهم، من الفلاسفة الصابئة المشركين، الذين يعظمون الهياكل، والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرم كلها تدل على ذلك؛ ولكن فرعون موسى: ( فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ ) وهو الذي قال لهم - دون الفراعنة المتقدمين -؛ (مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى) ثم قال لهم بعد ذلك: ( أَنَاْرَتِّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللّهُنَ كَالْآَخِرَةِوَالْأُولَّ ) نكال الكلمة الأولى. ونكال الكلمة الأخيرة، وكان فرعون فى الباطن عارفاً بوجود الصانع وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده، ولهذا قال له موسى: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ ) فلما أنكر الصانع، وكانت له آلهة يعبدها بقي على عبادتها ولم يصفه الله تعالى بالشرك، وإنما وصفه بجحود الصانع وعبادة آلهة أخرى. والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيراً ما يعبد آلهة ؛ ولا يعبد اللّه قط؛ فإنه يقول : هذا العالم واجب الوجود بنفسه . وبعض أجزائه مؤثر فى بعض، ويقول إنما أنتفع بعبادة الكواكب والأصنام، ونحو ذلك، ولهذا كان باطن قول هؤلاء الاتحادية ، المنتسبة إلى الإسلام هو قول فرعون. ٦٣١ وكنت أبين أنه مذهبهم ، وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثنى الثقة: عن بعض طواغيتهم أنه قال: نحن على قول فرعون؛ ولهذا يعظمون فرعون فى كتبهم تعظيماً كثيراً. فإنهم لم يجعلوا ثم صانعاً للعالم خلق العالم، ولا أثبتوا رباً مديرا للمخلوقات ، وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع، ولهذا جوزوا عبادة كل شيء ، وقالوا من عبده فقد عبد الله، ولا يتصور عندهم أن يعبد غير الله فما من شيء يعبد إلا وهو الله، وهذه الكائنات عندهم أجزاؤه، أو صفاته، كأجزاء الإنسان أو صفاته، فهؤلاء إذا عبدوا الكائنات فلم يعبدوها لنقربهم إلى الله زلفى؛ لكن لأنها عندم هي الله أو مجلى من مجاليه، أو بعض من أبعاضه أو صفة من صفانه أو تعين من تعيناته ، وهؤلاء يعبدون ما يعبده فرعون وغيره من المشركين ، لكن فرعون لا يقول : هي الله، ولا تقربنا إلى الله، والمشركون يقولون: هي شفعاؤنا وتقربنا إلى الله، وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم، وأولئك أكفر من حيث اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه؛ وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث جوزوا عبادة كل شيء، وزعموا أنه هو الله وأن العابد هو المعبود، وإن كانوا إنما قصدوا عبادة الله . وإذا كان أولئك كانوا مشركين كما وصفوا بذلك. وفرعون موسى هو الذي جحد الصانع وكان يعبد الآلهة ، ولم يصفه الله بالشرك . فمعلوم أن المشركين قد يحبون آلهتهم كما يحبون الله أو تزيد محبتهم لهم على محبتهم لله؛ ولهذا: يشتمون الله إذا شتمت آلهتهم. كما قال تعالى: ( وَلَا تَسُبُواْ ٦٣٢ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْاللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) . فقوم فرعون قد يكونون أعرضوا عن اللّه بالكلية بعد أن كانوا مشركين به واستجابوا لفرعون فى قوله : ( أَنَارَبِّكُم ◌ْأَعْلَى) و(مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى) . ولهذا لما خاطبهم المؤمن ذكر الأمرين فقال: (تَدْعُونَنِى ◌ِأَكْفُرَ بِلَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ) فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده، وذكر الإشراك بنه أيضاً : فكان كلامه متناولاً للمقالتين والحالين جميعاً. فقد تبين: أن المستكبر يصير مشركا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله ، لكن تسمية هذا شركا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله كما قال تعالى: ( إِنَّهُمْ كَانُواْإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ * وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَنَارِكُوْءَالِهَيِّنَا لِشَاعِر ◌َحْنُونٍ ) فهؤلاء مستكبرون مشركون؛ وإنما استكبارم عن إخلاص الدين لله فالمستكبر الذي لا يقر بالله فى الظاهر كفرعون أعظم كفراً منهم، وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفراً من هؤلاء وإن كان عالماً بوجود الله وعظمته كما أن فرعون كان أيضاً عالماً بوجود الله . وإذا كانت البدع والمعاصي شعبة من الكفر وكانت مشتقة من شعبه . كما أن الطاعات كلها شعبة من شعب الإيمان ومشتقة منه ، وقد علم أن الذى يعرف الحق ولا يتبعه غاو يشبه اليهود ، وأن الذي يعبد الله من غير علم وشرع: هو ضال يشبه النصارى ؛ كما كان يقول من يقول من السلف: من فسد من العلماء ٦٣٣ ففيه شبه من اليهود ؛ ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى . فعلى المسلم أن يحذر من هذين الشبهين الفاسدين ؛ من حال قوم فيهم استكبار وقسوة عن العبادة والتأله؛ وقد أوتوانصيباً من الكتاب وحظاً من العلم؛ وقوم فيهم عبادة وتأله بإشراك بالله وضلال عن سبيل الله ووحيه وشرعه وقد جعل فى قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، وهذا كثير منتشر فى الناس ؛ والشبه يقل تارة ويكثر أخرى ؛ فأما المستكبرون المتألهون لغير الله الذين لايعبدون الله . وإنما يعبدون غيره للانتفاع به ؛ فهؤلاء يشبهون فرعون . ٦٣٤ وقال رحمه الله تعالى : فصل لفظ ((الإسلام)) يستعمل على وجهين: ((متعديا)) كقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقوله: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَاُلْأُمِّيِِّنَءَأَسْلَمْتُمْ ) الآية، وقوله صلى اللّه عليه وسلم فى دعاء المنام. ((أسلمت نفسي إليك)). ويستعمل ((لازما)) كقوله: (إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وقوله: ( وَلَهُوَأَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ ) وقوله عن بلقيس: ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ). وهو يجمع معنيين: (أحدهما ) الانقياد والاستسلام. و (الثاني ): إخلاص ذلك وإفراده. كقوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلَا سَلَمَا لِرَجُلٍ ) . وعنوانه قول لا إله إلا الله. وله معنيان . ٦٣٥ ( أحدهما ): الدين المشترك، وهو عبادة الله وحده لاشريك له الذي بعث به جميع الأنبياء ؛ كما دل على اتحاد دينهم نصوص الكتاب والسنة . و (الثانى) ما اختص به محمد من الدين والشرعة والمنهاج - وهو الشريعة والطريقة والحقيقة - وله مرتبتان: ( أحدهما ) الظاهر من القول والعمل، وهي المباني الخمس . و (الثاني): أن يكون ذلك الظاهر مطابقاً للباطن . فبالتفسير الأول [جاءت] الآيتان فى كتاب الله، والحديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعم من الإيمان ، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا . وبالتفسير الثاني يقال: (إِنَّالدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ) وقوله: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وقوله: آمركم بالإيمان بالله، وفسره بخصال الإسلام. وعلى هذا التفسير فالإيمان التام، والدين والإسلام سواء ، وهو الذي لم يفهم المعتزلة غيره. وقد يراد به معنى ثالث هو كماله وهو قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه وبده )) فيكون أسلم غيره ، أي جعله سالما منه. ولفظ الإيمان : قيل أصله التصديق - وليس مطابقاً له؛ بل لابد أن يكون تصديقاً عن غيب ، وإلا فالخبر عن مشهود ليس تصديقه إيمانا ؛ لأنه من الأمن الذي هو الطمأنينة ، وهذا إنما يكون في الخبر الذي قد يقع فيه ريب ، والمشهودات لا ريب فيها. إلا على هذا - فإما تصديق القلب فقط كما تقول (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [وعلى ] ٦٣٦ الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية، وإما القلب واللسان كما تقوله المرجئة، أو باللسان كما تقوله الكرامية، وإما التصديق بالقلب والقول والعمل - فإن الجميع يدخل فى مسمى التصديق على مذهب أهل الحديث ، كما فسره شيخ الإسلام وغيره -. وقيل: بل هو الإقرار؛ لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر كقوله: (ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْأَقْرَرْنَا) ولأن قر ، وآمن: متقاربان. فالإيمان دخول فى الأمن، والإقرار دخول فى الإقرار ، وعلى هذا فالكلمة إقرار ، والعمل بها إقرار أيضاً . ثم هو فى الكتاب بمعنيين : أصل، وفرع واجب، فالأصل الذي فى القلب وراء العمل، فلهذا يفرق بينهما بقوله: (ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ) والذي يجمعها كما فى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) و(لَا يَسْتَغْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ). وحديث ((الحياء))، و ((وفد عبد القيس))، وهو مركب من أصل لايتم بدونه ومن واجب ينقص بفوانه نقصا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بقواته على الدرجة فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق ، كالحج وكالبدن والمسجد وغيرهما من الأعيان ، والأعمال والصفات ، فمن سواء أجزائه ما إذاذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال ، وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات، ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول: الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط، وبهذا تزول شبهات الفرق. وأصله القلب وكماله العمل الظاهر ، بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر، وكما له القلب . ٦٣٧ وقال رحمه الله فصل معلوم أن أصل ((الإيمان)) هو الإيمان بالله ورسوله، وهو أصل العلم الإلهي كما بينته فى أول الجزء. فأما ((الإيمان بالله)) فهو فى الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية ، والإسماعيلية ويحوم أو من نافق فيه، من المظهر ين للتمسك بالملل ، وإنما يقع اختلاف أهل الملل فى أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعباداته ونحو ذلك. وأما ((الإيمان بالرسول)) فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا يحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه؛ ولهذا كان ركنا الإسلام: (( أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداًعبدهورسوله)). ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق. والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق ، وعمل القلب الذي هو الانقياد - تصديق الرسول ٦٣٨ فيما أخبر ، والانقياد له فيما أمر، كما أن الإقرار بالله هو الاعتراف به والعبادة له فالنفاق بقع كثيراً فى حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله فى القرآن من نفاق المنافقين في حياته ، والكفر هو عدم إلا يمان سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض؛ فمن لم يحصل فى قلبه التصديق والانقياد فهو كافر. ثم هنا ((نفاقان)): نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة - فأما النفاق المحض الذي لا ريب فى كفر صاحبه، فأن لايرى وجوب تصديق الرسول فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر - علما وعملا، وأنه يجوز تصديقه وطاعته ؛ لكنه يقول : إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته؛ إما بطريق الفلسفة والصبوء، أو بطريق التهود والتنصر، كما هو: قول الصابئة الفلاسفة ، فى هذه المسألة وفى غيرها، فإنهم وإن صدقوه وأطاعوه فإنهم لا يعتقدون وجوب ذلك على جميع أهل الأرض ؛ بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذباً؛ بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك؛ وهذا دين التتار ومن دخل معهم . أما النفاق الذي هو دون هذا؛ فأن يطلب العلم بالله من غير خبره ؛ أو العمل لله من غير أمره؛ كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة . وبالثانى كثير من المتصوفة فهم يعتقدون أنه يجب تصديقه أو يجب طاعته لكنهم فى سلوكهم العلمي ٦٣٩ والعملي غير سا لكين هذا المسلك بل يسلكون مسلكا آخر: إما من جهة القياس والنظر وإما من جهة الذوق والوجد ؛ وإما من جهة التقليد ؛ وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ماسلكوه ؛ فانظر نفاق هذين الصنفين! مع اعترافهم باطناً وظاهراً بأن محمداً صلى اللّه عليه وسلم أكمل الخلق وأفضل الخلق وأنه رسول وأنه أعلم الناس، لكن إذا لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته كفروا وهذا كثير جداً لكن بسط الكلام فى حكم هؤلاء: له موضع غير هذا . ٦٤٠