النص المفهرس

صفحات 601-620

ابن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)). هذان الطريقان فى الصحيحين ، لكن
البخاري لم يذكر فى الأول الحج؛ بل ذكر الصيام؛ والسياق الأول أتم :
والناس يجعلون الحديثين حديثاً واحداً .
ويشبه - والله أعلم - أن يكون البخاري رأى أن ذكر الحج فيه وهما
لأن سعد بن أبي بكر ؛ م من هوازن وثم أصهار رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة فأسلموا كلهم بعد الوقعة
ودفع إليهم النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان بعد أن قسمها على
المعسكر. واستطاب أنفسهم فى ذلك، فلا تكون هذه الزيارة إلا قبل فتح مكة
والحج لم يكن فرض إذ ذاك.
وحديث طلحة بنعبيد الله ليس فيه إلا الصلاة والزكاة والصيام، وقد
قيل: إنه حديث ضمام، وهو فى الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال: ((جاء
رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد، تاثر الرأس، نسمع دوي
صوته ولا نفقه مايقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو
يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خمس صلوات في اليوم
والليلة ، قال: هل علي غير ذلك ؟ قال : لا إلا أن تطوع. قال: وذكر له
رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة قال: هل علي غيرها، قال: لا إلا أن
تطوع قال، فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق)) وليس فى شيء من
٦٠١

طرقه ذكر الحج، بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام ، كما فى حديث وفد
عبد القيس .
وفى الصحيحين أيضا «عن أبي هريرة أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال : يارسول الله ! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، فقال
تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة
وتصوم رمضان، قال : والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبداً، ولا
أنقص منه، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل
من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) وهذا يحتمل أن يكون ضاما، وقد جاء فى
بعض الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط ، كما في الصحيحين عن أبي أيوب
الأنصاري ((أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فى
سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ، ثم قال: يارسول الله! أو يامحمد !. أخبرني
بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم نظر فى أصحابه، ثم قال: لقد وفق أو لقد هدي، ثم قال: كيف قلت ؟
قال : فأعاد ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئا،
وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصل الرحم، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: إن تمسك بما أمر به، دخل الجنة)) هذه الألفاظ فى مسلم.
وقد جاء ذكر الصلاة والصيام فى حديث النعمان بن قوقل رواه مسلم عن
جابر بن عبد الله قال: ((سأل رجل النبى صلى الله عليه وسلم، قال: أرأيت إذا
٦٠٢

صليت الصلوات المكتوبات ، وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام
ولم أزد على ذلك شيئاً ، أدخل الجنة؟ قال: نعم، قال: والله لا أزيد على ذلك
شيئا)). وفى لفظ «أتى النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن قوقل. وحديث النعمان
هذا قديم: فإن النعمان بن قوقل قتل قبل فتحمكة، قتله بعض بني سعد بن العاص، كما
ثبت ذلك فى الصحيح فهذه الأحاديث خرجت جوابا لسؤال سائلين .
أما حديث ابن عمر فإنه مبتدأ وأحاديث الدعوة والقتال فيها الصلاة والزكاة
كما فى الصحيحين، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا
بحق الإسلام، وحسابهم على الله)). وقد أخرجاه فى الصحيحين من حديث أبي
هريرة رواه مسلم عن جابر ((قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). فقال أبو بكر :
والله ! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.
فكان من فقه أبى بكر أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أن القتال على
الزكاة قتال على حق المال ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مراده بذلك في
اللفظ المبسوط الذي رواه ابن عمر . والقرآن صريح فى موافقة حديث ابن عمر
كما قال تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَخَلَّو ◌ْسَبِيلَهُمْ).
٦٠٣

وحديث معاذ لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبى صلى الله عليه وسلم
إلا الصلاة والزكاة .
فلما كان فى بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض أشكل ذلك
على بعض الناس. فأجاب بعض الناس بأن سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم
الحديث الذي رواه ؛ وليس الأمر كذلك ؛ فإن هذا طعن فى الرواة، ونسبة
لهم إلى الكذب، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع فى الحديث الواحد مثل حديث
وفد عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام
حيث ذكر بعضهم الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث
ذكر بعضهم فيه الصيام وبعضهم لم يذكره، فبهذا يعلم أن أحد الراوبين اختصر
البعض أو غلط فى الزيادة .
فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيها كذلك، لاسيما والأحاديث
قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة وفيهما ما بين قطعا أن النبى صلى الله
عليه وسلم تكلم بهذا تارة وبهذا نارة، والقرآن يصدق ذلك، فإن الله
علق الأخوة الإيمانية فى بعض الآيات بالصلاة والزكاة فقط كما في قوله تعالى: ( فَإِن
تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْالزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) كما أنه علق ترك القتال
على ذلك في قوله تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَّواْ الزَّكَوَةَ فَخَلَّوْ سَبِيلَهُمْ)
وقد تقدم حديث ابن عمر الذي فى الصحيحين موافقا لهذه الآية، و((أيضاً))
فإن فى حديث وفدعبد القيس ذكر خمس المغنم لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون
٦٠٤

ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه فى حق نفسه ، ولكن
عن هذا « جوابان» :
(أحدهما): أن النبى صلى الله عليه وسلم أجاب بحسب نزول الفرائض ،
وأول مافرض الله الشهادتين ، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة فى أول أوقات
الوحي ؛ بل قد ثبت فى الصحيح أن أول ما أنزل عليه: (اقْرَأْبِسْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ *
عَّ لْإِنسَنَ مَزَ ) ثم أُنزل
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ - إلى قوله .
عليه بعد ذلك (يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ * قُرْفَنَذِرْ ) فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس
والإرسال بعد الإنباء؛ فإن الخطاب الأول ليس فيه إرسال، وآخر سورة اقرأ
(وَأَسْجُدْ وَاقْتَّب). فأول السورة أمر بالقراءة، وآخرها أمر بالسجود،
والصلاة مؤلفة من أقوال وأعمال، فأفضل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها
السجود والقراءة أول أقوالها المقصودة ، وما بعده تبع له.
وقد روى أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي
تم فرضت الخمس ليلة المعراج، وكانت ركعتين ركعتين ؛ فلما هاجر أقرت صلاة
السفر ؛ وزيد فى صلاة الحضر، وكانت الصلاة تكمل شيئاً بعد شيء ، فكانوا
أولاً يتكلمون فى الصلاة ولم يكن فيها نشهد، ثم أمروا بالتشهد ؛ وحرم عليهم
الكلام : وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان ، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة؛
وكذلك صلاة الجمعة، والعيد؛ والكسوف؛ والاستسقاء، وقيام رمضان، وغير
ذلك. إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة .
٦٠٥

وأمروا بالزكاة ؛ والإحسان فى مكة أيضاً ؛ ولكن فرائض الزكاة ونصبها
إنما شرعت بالمدينة .
وأما ((صوم شهر رمضان)) فهو إنما فرض فى السنة الثانية من الهجرة ،
وأدرك النبى صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات .
وأما ((الحج)) فقد تنازع الناس فى وجوبه ؛ فقالت طائفة فرض سنة
ست من الهجرة عام الحديبية باتفاق الناس ، قالوا : وهذه الآية تدل على وجوب
الحج ووجوب العمرة أيضاً لأن الأمر بالإتمام يتضمن الأمر بابتداء الفعل
وإتمامه. وقال الأكثرون: إنما وجب الحج متأخراً، قيل سنة تسع؛ وقيل سنة
عشر، وهذا هو الصحيح؛ فإن آية الإيجاب إنما هي قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ ) وهذه الآية فى آل عمران فى سياق مخاطبته لأهل الكتاب،
وصدر آل عمران، وما فيها من مخاطبة أهل الكتاب نزل لما قدم على النبى صلى
اللّه عليه وسلم وفد نجران النصارى، وناظروه في أمر المسيح؛ وم أول من
أدى الجزية من أهل الكتاب ، وكان ذلك بعد إنزال سورة براءة التى شرع فيها
الجزية ، وأمر فيها بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون،
وغزا النبى صلى الله وعليه وسلم غزوة تبوك التى غزا فيها النصارى لما امر الله
قَائِلُواْالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ وَلَ يُحِّمُونَ
بذلك فی قوله: (
مَاحَتَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ
٦٠٦

الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ) ولهذا لم يذكر وجوب الحج فى عامة الأحاديث
وإنما جاء فى الأحاديث المتأخرة.
وقد قدم على النبى صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس ، وكان قدومهم
قبل فتح مكة على الصحيح كما قد بيناه ، وقالوا : يارسول الله ! إن بينا وبينك
هذا الحي من كفار مضر يعنون بذلك أهل نجد : من تميم وأسد وغطفان
لأنهم بين البحرين وبين المدينة ، وعبد القيس م من ربيعة ليسوا من مضر،
ولما فتحت مكة زال هذا الخوف، ولما قدم عليه وفد عبد القيس آمرم بالصلاة،
والزكاة؛ وصيام رمضان؛ وخمس المغنم ؛ ولم يأحرم بالحج، وحديث ضمام قد
تقدم أن البخارى لم يذكر فيه الحمع كما لم يذكره في حديث طلحة وأبي هريرة
وغيرهما مع قولهم: إن هذه الأحاديث هي من قصة ضمام، وهذا ممكن ؛ مع
أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقناً .
وأما قوله: (وَأَتِمُوْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فليس فى هذه الآية إلا الأمر
بإتمام ذلك وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل فيه ، فنزل الأمر بذلك لما
أحرموا بالعمرة عام الحديبية، ثم أحصروا فأمروا بالاتمام، وبين لهم حكم
الإحصار ، ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج.
(الجواب الثانى): أنه كان يذكر فى كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة
الفرائض الظاهرة ، التى تقاتل على تركها الطائفة الممتنعة كالصلاة والزكاة .
٦٠٧

ويذكر تارة ما يجب على السائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام لم يكن عليه زكاة
يؤديها ، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام : فإما أن يكون قبل فرض الحج،
وهذا هو الواجب فى مثل حديث عبد القيس ونحوه ، وإما أن يكون السائل
ممن لا حج عليه.
وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض؛ ولهذا ذكر الله
تعالى فى كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان : بخلاف الصوم فإنه أمر باطن
وهو مما اؤتمن عليه الناس، فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو
ذلك مما يؤتمن عليه العبد ؛ فإن الإنسان يمكنه ألاّ ينوي الصوم وأن يأكل
سراً كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، وأما الصلاة والزكاة فأمر ظاهر
لا يمكن الإنسان بين المؤمنين أن يمتنع من ذلك .
وهو صلى الله عليه وسلم يذكر فى الإسلام الأعمال الظاهرة التى يقاتل
عليها الناس، ويصيرون مسلمين بفعلها ؛ فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة
دون الصيام، وإن كان الصوم واجباً كما فى آيتى براءة، فإن براءة نزلت بعد
فرض الصيام باتفاق الناس . وكذلك لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له :
« إنك تأتى قوماً أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا
الله، وأنى رسول الله، فإن ثم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم
خمس صلوات فى اليوم والليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك ؛ فأعلمهم أن الله افترض
عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن م أطاعوك لذلك ،
٦٠٨

فإياك وكراثم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))
أخرجاه فى الصحيحين .
ومعاذ أرسله إلى اليمن فى آخر الأمر، بعد فرض الصيام؛ بل بعد فتح
مكة، بل بعد تبوك، وبعد فرض الحمج والجزية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
مات ومعاذ باليمن ، وإنما قدم المدينة بعد موته؛ ولم يذكر فى هذا الحديث
الصيام، لأنه تبع وهو باطن ، ولا ذكر الحج ؛ لأن وجوبه خاص ليس بعام،
وهو لا يجب فى العمر إلا مرة .
ولهذا تنازع العلماء فى تكفير من يترك شيئاً من هذه ((الفرائض
الأربع)) بعد الإقرار بوجوبها؛ فأما ((الشهادتان)) إذا لم يتكلم بهما مع القدرة
فهو كافر باتفاق المسلمين ، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها ،
وجماهير علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة: هم،
والصالحي وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مصدقاً بقلبه كان كافراً فى الظاهر دون
الباطن ، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع فى الإسلام
لم يقله أحد من الأمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر؛
بل وغيره ، وأن وجود الإيمان الباطن تصديقاً وحباً ، وانقياداً بدون الإقرار
الظاهر ممتنع.
وأما ((الفرائض الأربع)) فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة
٦٠٩

فهو كافر ، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها
كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك ، وأما من لم تقم عليه الحجة مثل
أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، لم تبلغه فيها شرائع
الإسلام ونحو ذلك ، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون
من تحريم الخمر ، كما غلط فى ذلك الذين استنابهم عمر. وأمثال ذلك ، فإنهم
يستتابون وتقام الحجة عليهم ، فإن أصروا كفروا حينئذ ولا يحكم بكفرم قبل
ذلك ؛ كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون . وأصحابه لما غلطوا فيما
غلطوا فيه من التأويل .
وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة ففي
التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد :
(أحدها): أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج، وإن كان فى
جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول
طائفة من السلف ، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر ،
و ( الثاني ): أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب ،
وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ،
ومالك ، والشافعي ، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن
بطة وغيره .
٦١٠

و (الثالث) لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد،
وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وطائفة من
أصحاب أحمد .
و (الرابع): يكفر بتركها ، وترك الزكاة فقط .
و (الخامس): بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك
الصيام والحج. وهذه المسألة لها طرفان .
(أحدهما ) فى إثبات الكفر الظاهر .
و (الثانى) فى إثبات الكفر الباطن.
فأما ((الطرف الثاني)) فهو مبنى على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما
تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً فى قلبه ، بأن الله فرض
عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا
يصوم من رمضان ، ولا يؤدي لله زكاة ، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا
يصدر هذا إلا مع نفاق فى القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح ؛ ولهذا إنما
يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله: ( يَوْمَ يُّكْشَفُعَنسَاقٍ
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِفَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَبِعَةً أَبْصَرُهُ تَرْهَفُهُمْ إِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوْيُدْ عَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ
سَلِمُونَ ).
٦١١

وقد ثبت فى الصحيحين وغيرهما ، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد
وغيرهما ، فى الحديث الطويل، حديث التجلي ((أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم
القيامة ، سجد له المؤمنون وبقي ظهر من كان يسجد فى الدنيارياه وسمعة ، مثل
الطبق لا يستطيع السجود)) فإذا كان هذا حال من سجد رياء فكيف حال من
لم يسجد قط؟! وثبت أيضاً فى الصحيح ((أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء
إلا موضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكله)) فعلم أن من لم يكن
يسجد لله تأكله الناركله، وكذلك ثبت فى الصحيح ((أن النبي صلى الله
وسلم يعرف أمته يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء)» فدل ذلك على
أن من لم يكن غراً محجلاً لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا
يكون من أمته .
وَيْلٌ يُؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
*
وقوله تعالى: (كُلُواْ وَتَمَنَّعُو ◌ْقَلِيلاً إِنَّكُمُ تُجُرِّمُونَ
*
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرْكَعُوْلَا يَزْكَعُونَ * وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ) وقوله تعالى: ( فَمَا
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُ واْ يُكَذِّبُونَ
لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَاقُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَايُوعُونَ). وكذلك قوله تعالى: (فَلَ صَلَقَ وَلَ صَلَّى * وَلَكِن
كَذَّبَ وَتَوَى). وكذلك قوله تعالى: (مَاسَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ * قَالُوْلَوْنَكُ مِنَ
اُلْمُصَلِينَ * وَلَوْنَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَايِضِينَ * وَكُنَاتُ كَذِّبُ بِيَوْمِ
اُلْدِينِ * حَّىَ أَتَنْنَا الْيَقِينُ ) فوصفه بترك الصلاة، كما وصفه بترك التصديق،
ووصفه بالتكذيب والتولي، و((المتولي)) هو العاصي الممتنع من الطاعة . كما قال
٦١٢

تعالى: (سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أَوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ
أَجْرَاحَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابَأَلِيمًا ).
وكذلك وصف اهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين ، وكذلك قرن
التكذيب بالتولي فى قوله: (أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلََّ * أَرَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَّ *
أَوَأَمَرَ بِالنَّقْوَ * أَرَدَيْتَ إِنَكَذَّبَ وَتَوَّ * أَلْيَعْلَنَّاللَّ يَرَى * كَلََّلَيْنِ لَّْبَهِلَنَسْفَعَا ◌ِالنَّاصِيَةِ *
نَاصِيَةِ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ).
و((أبضاً)) فى القرآن علق الأخوة فى الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء
الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر ، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة ،
و ((أيضاً)) فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العهد الذي بيتنا
وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)). وفي المسند ((من ترك الصلاة متعمداً
فقد برئت منه الذمة)) .
و ((أيضاً)) فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها فيقال: اختلف
أهل الصلاة ، واختلف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون :
((مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين)) وفي الصحيح ((من صلى صلاتنا ؛
واستقبل قبلتنا؛ وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم له مالنا؛ وعليه ما علينا)) وأمثال
هذه النصوص كثيرة فى الكتاب والسنة .
وأما الذين لم يكفروابترك الصلاة ونحوها؛ فليست لهم حجة إلا وهي
٦١٣

متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم عن
التارك؛ مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم؛ وهذا مثل استدلالهم
بالعمومات التى يحتج بها المرجئة كقوله ((من شهد أن لاإله إلا الله، وأن محمداً
رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... أدخله
الله الجنة)) ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله صلى اللّه عليه وسلم ((خمس صلوات كتبهن
الله على العباد فى اليوم والليلة. فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله
الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند اللّه عهد، إن شاء عذبه. وإن شاء
أدخله الجنة)). قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة. والكافر لايكون
تحت المشيئة ولا دلالة فى هذا؛ فإن الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظة فعلها فى
أوقاتها كما أمر، كما قال تعالى: (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى)
وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبى صلى الله عليه وسلم
صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها
من الصلوات .
وقد قال تعالى: ( لَلَفَ مِنْ بَعْدِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْالصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهُوَتِّ
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) فقيل لابن مسعود وغيره : ما إضاعتها ؟ فقال: تأخيرها
عن وقتها ، فقالوا: ماكنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا
كفاراً. وكذلك قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ )
٦١٤

ذمهم مع أنهم يصلون ؛ لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت
وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب
الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلاقليلاً))
فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت ونقرها .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر الأمراء
بعده الذين يفعلون ما ينكر؛ وقالوا: يارسول الله! أفلا نقاتلهم! قال: ((لا
ما صلوا)) وثبت عنه أنه قال: ((سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها،
فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة)) فنهى عن قتالهم، إذا
صلوا وكان فى ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا ، وبين آنهم يؤخرون
الصلاة عن وقتها ، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها .
وإذا عرف الفرق بين الأمرين ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ، إنما أدخل
تحت المشيئة من لم يحافظ عليها ، لا من ترك ، ونفس المحافظة يقتضى أنهم
صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ ، فإنه لو تناول ذلك
قتلوا كفاراً مرتدين بلا ريب، ولا يتصور فى العادة أن رجلاً يكون مؤمناً
بقلبه ، مقراً بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبى صلى الله عليه وسلم
وما جاء به ، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع، حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً
فى الباطن قط لا يكون إلا كافراً، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها
٦١٥

كان هذا القول مع هذه الحال كذبامنه كما لو أخذ يلقى المصحف فى الحش
ويقول: أشهد أن مافيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء، ويقول أشهد
أنه رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التى تنافى إيمان القلب ، فإذا قال أنا
مؤمن بقلي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول .
فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه
الشبهة فى هذا الباب ، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع
عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التى دخلت
على المرجئة والجهمية ، والتى دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة
التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من
الفقهاء بنوه على قولهم فى ((مسألة الإيمان))، وأن الأعمال ليست من الإيمان
وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام
بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع ، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان ،
أو جزءا من الإيمان كما تقدم بيانه .
وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات ، ويترك بعضها ، كان معه
من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان
ونفاق. كما ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصاً
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ، حتى يدعها، إذا حدث
كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).
٦١٦

وبهذا تزول الشبهة فى هذا الباب، فإن كثيراً من الناس ؛ بل أكثرم ، فى
كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركوها بالجملة
بل يصلون أحياناً ، ويدعون أحياناً ، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم
a
أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام ؛ فإن هذه الأحكام
إذا جرت على المنافق المحض ـ كابن أبي وأمثاله من المنافقين - فلأن
تجري على هؤلاء أولى وأحرى .
وبيان ((هذا الموضع)) مما يزيل الشبهة : فإن كثيراً من الفقهاء يظن أن
من قيل هو كافر ، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلايرث
ولا يورث ، ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل،
من أهل البدع، وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ((ثلاثة
أصناف)»: مؤمن ؛ وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر.
وكان فى المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون فى نفاقه
ومن نزل القرآن ببيان نفاقه - - كابن أبى وأمثاله ــ ومع هذا فلما ماتهؤلاء
ورثهم ورثتهم المسلمون ، وكان إذا مات لهم ميت آتوم ميراثه وكانت تعصم
دماؤهم ، حتى تقوم السنة الشرعية على أحدم بما يوجب عقوبته .
ولما خرجت الحرورية على علي بن أبى طالب رضى الله عنه، واعتزلوا جماعة
المسلمين قال لهم: إن لكم علينا ألاّ معكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من
الفيء فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأحر النبي صلى الله عليه
٠٠
٦١٧

وسلم حيث قال: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته
مع قرائتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق
السهم من الرمية أينما لقيتموم فاقتلوم ، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن
قتلهم يوم القيامة )) .
فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ واتفاق
أصحابه ولم يكن قتالهم قتال فتنة كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين فى
المسلمين؛ بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح الذي
رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه: ((إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين
فئتين عظيمتين من المسلمين)) وقال في الحديث الصحيح: (( تمرق مارقة على
حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» فدل بهذا على أن مافعله
الحسن من ترك القتال إما (١) واجباً أو مستحبا لم يمدحه النبي صلى الله عليه وسلم
على ترك واجب أو مستحب ودل الحديث الآخر على أن الذين قاتلواالخوارج
وهم علي وأصحابه كان أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه؛ وأن قتال الخوارج
أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ليس قتالهم كالقتال فى الجمل وصفين الذي ليس
فيه أمر من النبى .
و (المقصود) أن علي بن أبى طالب وغيره من أصحابه لم يحكموا بكفرهم
ولا قاتلوهم حتى بدؤوم بالقتال. والعلماء قد تنازعوا فى تكفير أهل البدع
والأهواء وتخليدم فى النار، وما من الأمة إلا من حكى عنه في ذلك ((قولان»
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [ لو كان ]
٦١٨

كالك والشافعي وأحمد وغيرهم وصار بعض أتباعهم يحكى هذا النزاع فى جميع
أهل البدع؛ وفى تخليدم، حتى التزم تخليدم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وفى
هذا من الخطأ ما لا يحصى؛ وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر
أحد من أهل الأهواء ؛ وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل
التعطيل والاتحاد .
والتحقيق فى هذا:أن القول قد يكون كفراً كمقالات الجهمية الذين قالوا:
إن الله لا يتكلم ، ولا يرى فى الآخرة ؛ ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه
كفر، فيطلق القول بتكفير القائل ؛ كما قال السلف من قال: القرآن مخلوق
فهو كافر ، ومن قال: إن اللّه لا يرى فى الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص
العين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة. والزكاة،
واستحل الخمر ؛ والزنا ونأول . فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من
ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ فى تلك لا يحكم بكفره ، إلا بعد البيان
له واستثابته - كما فعل الصحابة فى الطائفة الذين استحلوا الخمر _ ففي غير
ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح. ((في الذي قال: إذا
أنامت فأحرقوني ، ثم اسحقونى فى اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً
ما عذبه أحداً من العالمين )) وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من
الشك فى قدرة الله وإعادته إذا حرقوه، وهذه المسائل مبسوطة فى غير
هذا الموضع .
٦١٩

فإن قيل : فاللّه قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين فى آيتين من القرآن فإذا
كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر ، فكيف يمكن مجاهدته.
قيل ما يستقر فى القلب من إيمان ونفاق ، لابد أن يظهر موجبه فى القول
والعمل ، كما قال بعض السلف: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات
وجهه، وفلتات لسانه، وقد قال تعالى فى حق المنافقين: (وَلَوْنَشَاءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ
). فإذا أظهر المنافق من ترك
فَلَعَرَ فْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِ
الواجبات، وفعل المحرمات مايستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر ، ولا
يعاقب على ما يعلم من باطنه، بلا حجة ظاهرة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه
وسلم يعلم من المنافقين، من عرفه الله بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون؛ وكان
يقبل علانيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله. وأساس النفاق الذي بنى عليه أن المنافق
لابد أن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله فى كتابه
بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق؛ قال تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ). وقال : (وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ) . وأمثال هذا كثير.
وقال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ
◌ِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اَلَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ) وقال: (لَيْسَ أَلْبِرَّأَنَ
أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ __ إلى قوله -
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ) .
و ((بالجملة)) فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر ((نوعان)): كفر ظاهر،
٦٢٠