النص المفهرس

صفحات 561-580

المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو
ذلك من كلمات الكفر فمنهم من أجاب بلسانه كعمار ، ومنهم من صبر على المحنة
كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف مافى قلبه بل أكرهوا على التكلم،
فمن تكلم بدون الإكراه ، لم يتكلم إلا وصدره منشرح به .
وأيضاً فقد جاء نفر من اليهود إلى النبى ، فقالوا : نشهد إنك لرسول ،
ولم يكونوا مسلمين بذلك؛ لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما فى أنفسهم
أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: ((فلم لا تتبعوني))؟ قالوا : نخاف من يهود
فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على
وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما
فى أنفسهم .
فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين ، فكانوا كفاراً فى الباطن ،
وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفاراً في الظاهر والباطن،
وكذلك أبو طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بذبوة محمد وأنشد عنه :
ولقد علمت بأن دين محمد
من خير أديان البرية دينا
لكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حباً لدين سلفه، وكراهة أن
يعيره قومه ، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد
ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمناً .
٥٦١

وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوم فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة
العلو والحسد منع من حب الله، وعبادة القلب له الذي لايتم الإيمان إلا به
وصار فى القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفراً
لا ينفع معه العلم .
فصل
والتفاضل فى الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من
وجوه متعددة :
( أحدها ) الأعمال الظاهرة ؛ فإن الناس يتفاضلون فيها ، وتزيد وتنقص
وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان ، لكن نزاعهم فى دخول
ذلك فى مسمى الإيمان . فالنفاة يقولون هو من مرات الإيمان، ومقتضاه فأدخل
فيه مجازاً بهذا الاعتبار وهذا معنى زيادة الإيمان عندم ونقصه ، أي زيادة تمراته
ونقصانها ، فيقال قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن
يكون إيمان تام فى القلب بلا قول ولا عمل ظاهر ، وأما كونه لازماً أو جزءاً
منه فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفرداً أو مقروناً بلفظ
الإسلام، والعمل كما تقدم .
وأما قولهم الزيادة فى العمل الظاهر لا فى موجبه ومقتضيه فهذا غلط ،
٥٦٢

فإن تفاضل معلول الأشياء ومقتضاها يقتضى تفاضلها فى أنفسها ، وإلا فإذا
تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها ومقتضاها ، فتفاضل الناس
فى الأعمال الظاهرة يقتضى تفاضلهم فى موجب ذلك ومقتضيه ومن
هذا بتبين :
( الوجه الثاني ): فى زيادة الإيمان ونقصه: وهو زيادة أعمال القلوب
ونقصها فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن ، أن الناس يتفاضلون
فى حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له،
وفى سلامة القلوب من الرياء ، والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق
والنصح لهم ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، من كان الله ورسوله
أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن
يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار)) وقال تعالى:
﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجُّكُوَعَشِيرَتُكُمْ ) إلى قوله: (أَحَبَّ
إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَصُواْ ). وقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((والله إنى لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده)) وقال: ((لايؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين » وقال له عمر
يارسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا ياعمر!
حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال : فلأنت أحب إلي من نفسي ، قال :
الآن ياعمر)).
٥٦٣

وهذه الأحاديث ونحوها فى الصحاح ، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية
وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّاللَّهِ) وهذا أمر يجده الإنسان فى
نفسه فإنه قد يكون الشىء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة ، ويخافه تارة
أكثر مما يخافه نارة، ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولاً بدخول
الزيادة والنقصان فيه، لما يجدون من ذلك فى أنفسهم، ومن هذا قوله تعالى:
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) وإنما زادهم طمأنينة وسكوناً.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)).
( الوجه الثالث ) : أن نفس التصديق والعلم فى القلب يتفاضل باعتبار
الإجمال والتفصيل ، فليس تصديق من صدق الرسول جملاً من غير معرفة
منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة
والنار والأمم وصدقه فى ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملاً، ومات قبل
أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلاً وأطاعه فيه .
( الوجه الرابع ) : أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل
سائر صفات الحي من القدرة، والإرادة، والسمع والبصر ، والكلام، بل
سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك ؛ فإذا كانت القدرة
على الشيء تتفاوت فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل العلم بالشيء
٥٦٤

الواحد لا يتفاضل كان بمنزلة قوله القدرة على المقدور الواحد لاتتفاضل،
وقوله ورؤية الشيء الواحد لا تتفاضل ومن المعلوم أن الهلال المرئى يتفاضل
الناس فى رؤيته ، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاعلون فى إدراكه ، وكذلك
الكلمة الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون فى النطق بها، وكذلك شم الشى
الواحد وذوقه يتفاضل الشخصان فيه .
فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته ، وحركاته، بل وغير
صفات الحسي ، إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى مالا يحصره البشر،
حتى يقال: ليس أحد من المخلوقين يعلم شيئاً من الأشياء مثل ما يعلمه الله من
كل وجه، بل على الله بالشيء أكمل من على غيره به كيف ماقدر الأمر، وليس
تفاضل العلمين من جهة الحدوث والقدم فقط ؛ بل من وجوه أخرى.
والإنسان يجد فى نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه كما يتفاضل حاله فى
سمعه لمسموعه ؛ ورؤيته لمرئيه ، وقدرته على مقدوره ، وحبه لمحبوبه ، وبغضه
البغيضه، ورضاه بمرضيه، وسخطه لمسخوطه وإرادته لمراده وكراهيته لمكروهه
ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطاً .
( الوجه الخامس ) : أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة
الأسباب المقتضية لها ؛ فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين ،
وتبين فساد الشبهة العارضة ، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك،
بل من جعل له علوم ضرورية لا يمكنه دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة من تعارضه
٥٦٥

الشبه ويريد إزالتها بالنظر والبحث ، ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة
وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك، وبيان بطلان حجة المحتج عليها ليس
كالعلم الذي هو الحاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبه
المعارضة له ؛ فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت وانقطعت موانعه واضمحلت
کان أو جب لکاله، وقوته وتمامه .
( الوجه السادس) : أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام
ذلك وثباته وذكره واستحضاره ، كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه
والإعراض والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك، هما فى القلب هي
صفات وأعراض وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها .
والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافى تحققه، والعالم بالشيء فى حال غفلته
عنه دون العالم بالشيء فى ذكره له. قال عمير بن حبيب الخطمى من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم: الإيمان يزيد وينقص، قالوا : وما زيادته ونقصه؟ قال:
إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا ونسينا وضيعنا
فذلك نقصانه .
( الوجه السابع) أن يقال: ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور
أعظم تفاضلاً وتفاوتاً من الإيمان ، فكلما تقرر إثبانه من الصفات
والأفعال مع تفاضله ، فالإيمان أعظم تفاضلاً من ذلك. مثال ذلك أن الإنسان
يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه ، سواء كان حباً لولده أو لامرأته
٥٦٦

أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه
أو فضته وغير ذلك من أمواله ، فكما أن الحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب،
ثم صبابة لانصباب القلب نحوه ، ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه،
ثم يصير عشقاً إلى أن يصير تتيماً - والتتيم التعبد وتيم الله عبد الله - فيصير
القلب عبداًللمحبوب مطيعاً له لا يستطيع الخروج عن أمره، وقد آل الأمر
بكثير من عشاق الصور إلى ماهو معروف عند الناس ، مثل من حمله ذلك على
قتل نفسه وقتل معشوقه أو الكفر والردة عن الإسلام أو أفضى به إلى الجنون
وزوال العقل ، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال
والرياسة أو إحراض جسمه وأسنانه .
فمن قال الحب لا يزيد ولا ينقص كان قوله من أظهر الأقوال فساداً ،
ومعلوم أن الناس يتفاضلون فى حب الله أعظم من تفاضلهم فى حب كل محبوب،
فهو سبحانه اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ محمداً أيضاً خليلاً، كما استفاض عنه
أنه قال: «لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لا تخذت أبا بكر خليلاً؛ ولكن
صاحبكم خليل الله ((يعنى نفسه صلى الله عليه وسلم. وقال: ((إن الله اتخذفي
خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)) والخلة أخص من مطلق المحبة ، فإن الأنبياء عليهم
السلام والمؤمنين يحبون الله ويحبهم اللّه، كما قال: (فَوْفَ يَأْتِى الَُّبِقَوْمِ يُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ ) الآية. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّارِلَّهِ) وقد أخبر الله أنه
يحب المتقين ، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين ، ويحب
٥٦٧

الذين يقاتلون فى سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ، وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يخبر بحبه لغير واحد كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال
للحسن وأسامة: ((اللهم إني أحبها فأحبها وأحب من يحبها)) وقال له عمرو بن
العاص أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال فمن الرجال؟ قال: أبوها)).
وقال: (( والله إني لأحبكم)).
والناس فى حب الله يتفاوتون ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم إلى أدنى
الناس درجة ، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ومابين هذين الحدين
من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات ، فإنه ليس فى أجناس
المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبى آهم فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن
تساوي ألف ألف ، وقد ثبت فى الصحيحين من حديث أبي ذر أنه كان جالساً
عند النبى صلى الله عليه وسلم إذاحر به رجل من أشراف الناس، فقال: ((يا أبا
ذر أتعرف هذا؟)) قلت : نعم يارسول الله! هذا حرى إن خطب أن ينكح
وإن قال أن يسمع لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه، ثم حربرجل من ضعفاء
المسلمين، فقال: ((يا أباذر! أنتعرف هذا؟)) قلت: نعم يا رسول الله! هذا
رجل من ضعفاء الناس، هذا حرى إن خطب ألا ينكح ، وإن قال ألا
يسمح لقوله، وإن غاب ألا يسأل عنه، فقال: ((يا أبا ذر ! لهذا خير من ملء
الأرض مثل هذا)).
فقد أخبر الصادق الذي لا يجاوز فيما يقول : إن الواحد من بنى آدم
٥٦٨

يكون خيراً من ملء الأرض من الآدميين ، وإذا كان الواحد منهم أفضل من
الملائكة، والواحد منهم شرامن البهائم كان التفاضل الذي فيهم أعظم من تفاضل
الملائكة. وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة اللّه ومحبته، فعلم أن تفاضلهم فى هذا
لا يضبطه إلا الله، وكل ما يعلم من تفاضلهم فى حب الشيء من محبوبتهم
فتفاضلهم فى حب الله أعظم.
وهكذا تفاضلهم فى خوف ما يخافونه، وتفاضلهم فى الذل والخضوع لما
يذلون له ويخضعون ، وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات، ويصدقون
به ويقرون به ، فإن كانوا يتفاضلون فى معرفة الملائكة وصفاتهم، والتصديق
بهم فتفاضلهم فى معرفة الله وصفاته، والتصديق به أعظم.
وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها والتصديق
بها، أو فى معرفة الجن وصفاتهم وفى التصديق بهم، أو فى معرفة ما فى الآخرة
من النعيم والعذاب - كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات
والمنكوحات والمسكونات - فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به
أعظم من تفاضلهم فى معرفة ((الروح)) التى هي النفس الناطقة. ومعرفة ما في
الآخرة من النعيم والعذاب ؛ بل إن كانوا متفاضلين فى معرفة أبدانهم وصفاتها
وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك فتفاضلهم فى معرفة الله أعظم وأعظم ؛ فإن كل
ما يعلم ويقال يدخل فى معرفة الله ، إذ لا موجود إلا وهو خلقه وكل ما فى
المخلوقات من الصفات والأسماء والأقدار والأفعال فإنها شواهد ودلائل على
٥٦٩

ما لله سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى، إذ كل كمال فى المخلوقات فمن
أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أحق به ، وكل نقص تنزه عنه مخلوق
فالخالق أحق بتنزيهه عنه ، وهذا على طريق كل طائفة واصطلاحها.
فهذا يقول كمال المعلول من كمال علته، وهذا يقول كمال المصنوع المخلوق من
كمال صانعه وخالقه .
وفى الحديث الذي رواه أحمد فى المسند ورواه ابن حبان فى صحيحه عن
ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((ما أصاب عبدآم ولاحزن
فقال: اللهم إني عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في
قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك ، أو
علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن
ربيع قلبي ، ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله
همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً )). قالوا : يا رسول الله! ألا نتعلمهن؟
قال: (( بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)).
فقد أخبر فى هذا الحديث أن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده،
وأسماء الله متضمنة لصفاته ليست أسماء أعلام محضة، بل أسماؤه تعالى: كالعليم
والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل اسم يدل على
ما لم يدل عليه الاسم الآخر من معانى صفاته مع اشتراكها كلها فى الدلالة على
ذاته ، وإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته ، ومن أسمائه ما خص به
٥٧٠

من شاء من عباده ، علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم
فی معرفة كل ما يعرفونه .
وبهذا يتبين لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله حق
معرفته ، بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها ، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل
على ثبوته كان معدوماً منتفيا في نفس الأمر ، قوم غالطون مخطئون مبتدعون
ضالون وحجتهم فى ذلك داحضة ، فإن عدم الدليل القطعي والظني على الشيء
دليل على انتفائه إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل . مثل أن يكون
الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله ، فيكون هذا لازماً لثبوته ،
فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم؛ كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز
مدينة عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها، فإذا نقل ذلك
واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم.
وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل
مسيلمة والعنسي وطليحة وسجاح لنقل الناس خبره كما نقلوا أخبار هؤلاء ،
ولو عارض القرآن معارض أتى بما يظن الناس أنه مثل القرآن، لنقل كما نقل
قرآن مسيلمة الكذاب ، وكما نقلوا الفصول والغايات لأبي العلاء المعري وكما نقلوا
غير ذلك من أقوال المعارضين (و)١ لو بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله، فكان
النقل لما تظهر فيه المشابهة والماثلة أقوى فى العادة والطباع فى ذلك
وأرغب - سواء كانوا محبين أو مبغضين - هذا أمر جبل عليه بنو آدم.
(١) أضيفت الواو حسب مفهوم السياق.
٥٧١

كما يعلم أن علي بن أبى طالب لو طلب الخلافة على عهد أبى بكر وعمر
وعثمان وقاتل عليها لنقل ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء؛ كما يعلم
أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم لنقلوا ذلك، كما نقلوا
أمره لأبى بكر وصلاته بالناس ، وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك كما
نقلوا ما دونه ؛ بل كما يعلم أنه لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف أوكف
ولا على رقص وزمر؛ بل كما يعلم أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم على
دعاء ورفع أبد، ونحو ذلك، إذلو فعل ذلك لتقلوه، بل كما يعلم أنه لم يصل فى
السفر الظهر والعصر والعشاء أربعا، وأنه لو صلى فى السفر أربعا بعض الأوقات
لنقل الناس ذلك كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات .
بل كما يعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده بل إنما كان يصليهن في
الجماعة؛ بل كما يعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب فى السفر للتيمم،
ولا يصلون كل ليلة على من يموت من المسلمين، ولا ينوون الاعتكاف كلما
دخلوا مسجدا للصلاة: بل كما يعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي؛ بل كما
يعلم أنه لو كان دائما يقنت فى الفجر أو غيرها بقتوت مسنون يجهر به لنقل الناس
ذلك - كما نقلوا قنونه العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم، وكان نقلهم
لذلك أوكد - وكما يعلم أنه لما صلى بعرفة ومزدلفة قصراً وجمعا لو أمر أحداً
خلفه أن يتم صلاته أو أن لا يجمع معه لنقل الناس ذلك كما نقلوا ما هو
دون ذلك.
٥٧٢

وكما يعلم أنه لم يأمر الحيض في زمانه المبتدآت بالحيض أن يغتسلن عند انقضاء
يوم وليلة ، وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب أبدانهم وثيابهم من المني ،
وأنه لم يوقت للناس لفظاً معيناً لا فى نكاح ولا فى بيع ولا إجارة ولا غير ذلك
ولما حج حجة الوداع لم يعتمر عقيب الحج، وأنه لما أفاض من منى إلى مكة يوم
النحر ما طاف وسعى أولا ثم طاف ثانياً إلى غير ذلك مما يطول ذكره. ومن
تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة، ووقف على أقوال الصحابة
والتابعين ومن قفا منهاجهم من الأمّة المرضيين - قديما وحديثا - علم صحة
ما أوردناه فى هذا الباب .
و (المقصودهنا ) أن المدلول إذا كان وجوده مستلزما لوجود دليله كان
انتفاء دليله دليلا على انتفائه ، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل
ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلا على عدمه، فأسماء الله وصفاته إذا
لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ذلك مستلزما لانتفائها إذ ليس في الشرع
ولا في العقل ما يدل على أنا لا بد أن نعلى كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء
والصفات، بل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله فى الحديث الصحيح ((لا أحصى
ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) وفى الحديث الصحيح حديث الشفاعة
((فأخر ساجداً فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحصيها الآن)).
فإذا كان أفضل الخلق لا يحصى ثناء عليه، ولا يعرف الآن محامده التى
يحمده بها عند السجود للشفاعة؛ فكيف يكون غيره عارفا بجميع محامد الله
٥٧٣

والثناء عليه وكل ما له من الأسماء الحسنى ، فإنه داخل فى محامده وفيما يثنى عليه
به وإذا كان كذلك فمن كان بماله من الأسماء والصفات أعلى وأعرف كان بالله أعلم
وأعرف؛ بل من كان بأسماء النبى صلى الله عليه وسلم وصفاته أعلم، كان بالنبي
صلى الله عليه وسلم أعلم فليس من علم أنهعني كمن علم أنه رسول ولا من علم أنه رسول
كمن يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم ولا من
علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود والملة
وغير ذلك من فضائله صلى الله عليه وسلم، وليس كل من جهل شيئا من
خصائصه يكون كافراً ، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله
وخصائصه، فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافراً ،
إذكثير من المؤمنين لم يسمح كثيراً مما وصفه به رسوله ، وأخبر به عنه.
فهذه الوجوه ونحوها مما تبين تفاضل الإيمان الذي فى القلب؛ وأما
تفاضلهم فى الأقوال والأعمال الظاهرة فلا تشتبه على أحد والله أعلم .
٥٧٤

فصل
إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي فى القلب من التصديق والحب وغير
ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة ، والأعمال الظاهرة ؛ كما أن
القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب
فى القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه، زالت ((الشبه العلمية)) فىهذه
المسألة، ولم يبق إلا ((نزاع لفظي)) فى أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء
منه داخل في مسماه فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو
لازم للإيمان، ومعلول له وثمرة له ، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم ؟
و ((حقيقة الأمر)) أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا،
كما قد تقدم؛ فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالا على الباطن
فقط . وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف
النصوص. فقوله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)). أفرد لفظ الإيمان
فدخل فيه الباطن والظاهر، وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل:
((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)) ذكره مع قوله
صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
٥٧٥

الله. وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت)) فلما أفرده عن اسم
الإسلام ذكر ما يخصه الاسم فى ذاك الحديث مجرداً عن الاقتران . وفى هذا
الحديث مقرون باسم الإسلام، وقوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَكِ دِينًا فَن
يُقْبَلَ مِنْهُ ) دخل فيه الباطن فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن
لم يكن ممن أتى بالدين الذي هو عند الله الإسلام .
وأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّ
قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْأَسْلَمْنَا) وقوله: (فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*
فَا وَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) وقوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة كما فى
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ )
حديث أنس الذي في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإسلام
علانية والإيمان في القلب)). ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد
والاقتران، كمافي اسم الفقير والمسكين والمعروف والمنكر والبغي وغير ذلك من
الأسماء، وكما في لغات سائر الأمم؟ عربها ومجمها، زاحت عنه الشبهة في هذا
الباب والله أعلم .
فإن قال قائل: اسم ((الإيمان)) إنما يتناول الأعمال مجازاً، قيل: ((أولاً))
ليس هذا بأولى ممن قال : إنما تخرج عنه الأعمال مجازاً ، بل هذا أقوى لأن
خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقروناً باسم الإسلام والعمل، وأمادخول العمل
فيه فإذا أفرد كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة
٥٧٦

أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء
شعبة من الإيمان)» فإن ما يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند
التجريد والإطلاق .
وقيل له (( ثانياً)) لانزاع فى أن العمل الظاهر هو فرع عن الباطن وموجب
له ومقتضاه ؛ لكن هل هو داخل فى مسمى الاسم وجزءمنه، أوهو لازم للمسمى
كالشرط المفارق ، والموجب التابع؟ ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية
والدينية: كاسم ((الصلاة)) و((الزكاة)) و ((الحج)) ونحو ذلك هي باتفاق
الفقهاء اسم المجموع الصلاة الشرعية والحج الشرعي ، ومن قال إن الاسم إنما
يتناول مايتناوله عند الإطلاق فى اللغة. وإن ما زاده الشارع إنما هو زيادة فى
الحكم وشرط فيه لا داخل فى الاسم ، كما قال ذلك القاضى أبو بكر بن الطيب
والقاضي أبو يعلى، ومن وافقها ، على أن الشرع زاد أحكاماً شرعية جعلها
شروطاً فى القصد، والأعمال والدعاء؛ ليست داخلة في مسمى الحج والصيام ،
والصلاة، فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم؛ ولهذا كان
الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول .
فإذا قال قائل: إن اسم ((الإيمان)) إنما يتناول مجرد ماهو تصديق، وأما
كونه تصديقاً باللهوملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزماً لحب الله
ورسوله ونحو ذلك هو شرط فى الحكم لاداخل فى الاسم إن لم يكن أضف
من ذلك القول فليس دونه فى الضعف ، فكذلك من قال: الأعمال الظاهرة
٥٧٧

لوازم للباطن، لا تدخل فى الاسم عند الإطلاق يشبه قوله قول هؤلاء ،
والشارع إذا قرن بالإيمان العمل فكما يقرن بالحج ماهو من تمامه ، كما إذا قال
من حج البيت وطاف وسعى ووقف بعرفة ورمى الجمار ؛ ومن صلى فقرأ
وركع وسجد ، كما قال من صام رمضان إيماناً واحتسابا، ومعلوم أنه لم يكن
صوما شرعياً إن لم يكن إيماناً واحتسابا .
وقال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم
ولدته أمه )) ومعلوم أن الرفث الذي هو الجماع يفسد الحج والفسوق بنقص
ثوابه ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل
ذبيحتنا)). فلا يكون مصلياً إن لم يستقبل قبلتنا فى الصلاة، وكما قال صلى الله
عليه وسلم: (( خمس صلوات كتبهن الله على العبد فى اليوم والليلة، من حافظ
عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند
الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)) فذكر المحافظ عليها ومعلوم
أنه لا يكون مصلياً لها على الوجه المأمور إلا بالمحافظة عليها . ولكن بين أن
الوعيد مشروط بذلك، ولهذا لايلزم من عدم المحافظة أن لايصليها بعد الوقت
فلا يكون محافظاً عليها. إذ المحافظة تستلزم فعلها كماقال: ( حَفِظُواْ عَلَى
الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى) نزلت لما أخرت العصر عام الخندق ، قال النبى
صلى الله عليه سلم: (( ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة
الوسطى حتى غابت الشمس )).
٥٧٨

وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة
ضعيفة ، لكنه يدل على أن تارك المحافظة لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم
يكفر؛ ولهذا جاءت فى (( الأمراء)» الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قيل :
يارسول الله! ألا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صلوا)) وكذلك لما سئل ابن
مسعود عن قوله تعالى: (أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ) قال هو تأخيرها عن وقتها ،
فقيل له : كنا نظن ذلك تركها، فقال: لو تركوها كانوا كفاراً .
والمقصود أنه قد يدخل فى ((الاسم المطلق)) أمور كثيرة ، وإن كانت
قد تخص بالذكر .
وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة فى اسم الإيمان مجاز نزاعك
لفظى ؛ فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي فى القلب وموجباته
كان عدم اللازم موجباً لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن.
فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظياً وإن قلت : ماهو حقيقة قول جهم وأتباعه
من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ماهو كفر، وترك جميع
الواجبات الظاهرة ، قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له وموجب
له، بل (قيل ): حقيقة قولك إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى
فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له ، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود
الباطن ، وإذ عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك.
٥٧٩

وهو أيضاً خطأ عقلاً كما هو خطأ شرعا ، وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع
إذ هذا يظهر من المنافق فإنما يبقى دليلا فى بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا
كدلالة اللفظ على المعنى ، وهذا حقيقة قولك ، فيقال لك : فلا يكون ما يظهر
من الأعمال ثمرة للإيمان الباطن ولا موجباً له ومن مقتضاه، وذلك أن المقتضي
لهذا الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره ، فإن
ما كان معلولاللشىء وموجباًله لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو
كان الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب ألّ يتوقف على غيره ، بل إذا وجد
الموجب وجد الموجب .
وأما إذا وجد معه تارة وعدم أخرى أمكن أن يكون من موجب ذلك
الغير ، وأمكن أن يكون موقوفاً عليهما جميعاً، فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان
أو مشارك للإيمان ، وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفاً عليهما معاً : على
ذلك الغير ، وعلى الإيمان ؛ بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان ؛ كما فى أعمال
المنافق، فحينئذ لا يكون العمل الظاهر مستلزماً للإيمان، ولا لازماً له، بل
يوجد معه تارة ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له ولا موجباً ولا
مقتضياً ، فيبطل حينئذ أن يكون دليلاً عليه ، لأن الدليل لابد أن
يستلزم المدلول ، وهذا هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزماً
للإيمان النافع عند الله.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لسعد لما قال: هو مؤمن. قال ((أو
٥٨٠