النص المفهرس
صفحات 541-560
فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له ، فهذا أصل القول ، وهذا أصل العمل . ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر ، والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجباً لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان ، وكل ماسمي إيماناً فقد غلط بل لابد من العلم والحب. والعلم شرط فى محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط فى العلم؛ لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى فى المحب أحب لأجله ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها وهو يبغضها كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم ونفس التصديق بوجود الشيء لا يقتضي محبته : لكن اللّه سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته كما فيها معنى يقتضى العلم والتصديق به: فمن صدق به وبرسوله ولم يكن محباً له ولرسوله لم يكن مؤمناً حتى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله . وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة : والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب مافى القلب ولازمه ؛ ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً تأثير فيما فى القلب. فكل منها يؤثر فى الآخر لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له والفرع يستمد من أصله والأصل يثبت ويقوى بفرعه. كما فى الشجرة التى يضرب بها المثل لكلمة الإيمان . قال ٥٤١ تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) وهي كلمة التوحيد، والشجرة كلما قوي أصلها وعرق وروي قويت فروعها. وفروعها أيضاً إذا اعتذت بالمطر والريح أثر ذلك فى أصلها. وكذلك ((الإيمان)) فى القلب و((الإسلام)) علانية ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها عليها: كما فى قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوْءَبَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَدَهُمْ بِرُوجِمِنْهُ) فأخبر أن من كان مؤمناً بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله. بل نفس الإيمان ينافى مودتهم. فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان وكذلك قوله : ( تَرَى كَثِيرًامِّنْهُمْ يَتَوَلَّوَّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ وَلَوْ كَانُواْيُؤْمِنُونَ * أَنْ سَخِطَ اُللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ ) ٠ وكذلك قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ ) فأخبر تعالى أن هؤلاء م الصادقون فى قولهم: آمنا، ودل ذلك على أن الناس فى قولهم: آمنا صادق وكاذب ، والكاذب فيه نفاق بحسب كذبه . قال تعالى فى المنافقين : ٥٤٢ ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ - إلى قوله- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْيَكْذِبُونَ ) وفى يكذبون قراء تان مشهورتان . وفى الحديث ((أساس النفاق الذي يُبنَي عليه الكذب)) وقال تعالى: (إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اَللَّهَ لَبِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَكَذِبُون ) وقال تعالى: ( فَلَمَّآءَاتَمُهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَخْلُواْبِهِ، وَتَوَلَّوْ وَّهُم لَنَصَّدَقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ * تُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَافًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوايَكْذِبُونَ ) وقال: (وَمِنْهُم مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَفَتِ) ومثل هذا كثير. و ((بالجملة)) فلا يستريب من تدبر ما يقول فى أن الرجل لا يكون مؤمناً بمجرد تصديق فى القلب مع بغضه لله ولرسوله، واستكباره عن عبادته ومعاداته له ولرسوله ، ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل فى الإيمان كما نقله أهل المقالات عنهم، منهم الأشعري فإنه قال فى كتابه فى ((المقالات)): اختلف المرجئة فى الإيمان ما هو؟ وهم ((اثنتا عشرة فرقة)). ((الفرقة الأولى)) منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان ، والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما والخوف والعمل بالجوارح فليس بإيمان ، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن الجهم ٥٤٣ ابن صفوان، قال: وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ، ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده ، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا فى القلب دون الجوارح، قال : و ((الفرقة الثانية)» من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط . والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به ، ولا كفر بالله إلا الجهل به ، وإن قول القائل: (إن الله ثالث ثلاثة) ليس بكفر ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن اللهكفر من قال ذلك وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله. وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، ويقولون: إنه لا يؤمن بالله إلا من آمن بالرسول ، ليس ذلك لأن ذلك مستحيل ، ولكن الرسول قال ((من لم يؤمن بى فليس بمؤمن بالله) وزعموا أيضاً أن الصلاة ليست بعبادة الله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به ، وهو معرفته والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص ، وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي . وقد ذكر الأشعري فى كتابه ((الموجز)) قول الصالحي هذا وغيره، ثم قال : والذي أختاره فى الأسماء قول الصالحي ، وفى الخصوص والعموم أنى لا أقطع بظاهر الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ كان يحتمل فى اللغة أن يكون خاصاً ، ويحتمل أن يكون عاما، وأقف فى ذلك ولا أقطع على عموم ولا على خصوص إلا بتوقيف أو إجماع. ثم قال فى ((المقالات)): و ((الفرقة الثالثة من المرجئة)»: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله ٥٤٤ والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال، فهو مؤمن وزعموا أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري . و ((الفرقة الرابعة)): وهم أصحاب أبى شمرو يونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والمحبة له والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس کمتله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء ، وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان [ الإقرار] بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل فى الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيماناولا بعض إيمان، حتى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها إيماناً لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان فى دابة لم يسموها بلقاء إلامع السوادوجعلواترك كل خصلة من هذه الخصال كفراً ولم يجعلوا الإيمان متبعضا ولا محتملا للزيادة والنقصان. وذكر عن ((الخامسة)) أصحاب أبى ثوبان: أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله وما لا يجوز فى العقل الإ أن يفعله. وذكر عن «الفرقة السادسة)): أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجمع عليها والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال الإيمان كل منها طاعة ، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية؛ وأن الإنسان لا يكفر ٥٤٥ بترك خصلة واحدة ، وأن الناس يتفاضلون فى إيمانهم ، ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقاً له من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص وهذا قول الحسين ابن محمد النجار وأصحابه . و ((الفرقة السابعة)) الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون: أن الإيمان المعرفة بالله الثانية(١)؛ والمحبة والخضوع والإقرار بماجاء به الرسول وبما جاء من عند الله ؛ وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم: من ((الشعرية)) و((الجهمية)) و((الغيلانية)) و((التجارية)) ينكرون أن يكون فى الكفار إيمان وأن يقال فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا یتبعض عندهم . قال: و((الفرقة الثامنة)) من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون: أن الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء . والإقرار والمعرفة بأنبيائه وبرسله ومجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن النبى صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ونحو ذلك لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله وهو ترك الاستكبار عليه، وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقربه، وإنما كان كافراً لأنه استكبر ، ولولا استكباره ما كان كافراً، وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها كافراً بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمناً إلا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله (١) نسخة ((التامة)) ٥٤٦ شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته بالله سبحانه . ((الفرقة التاسعة)): من المرجئة المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله وبالرسول والإقرار بما جاء من عند الله فى الجملة دون التفسير . ((الفرقة العاشرة)): من المرجئة أصحاب أبي معاذ التومني يزعمون: أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر وهو اسم لخصال إذا تركها أو ترك خصلة منها كان كافراً، فتلك الخصلة التى يكفر بتركها إيمان ، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على تكفيره فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له إنه يفسق ولا يسمى بالفسق ، ولا يقال فاسق وليست تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحودبها ، والرد لها، والاستخفاف بها كافر بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلاً مسوفاً يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوي وعملي فليس بكافر ، وإن كان يصلى يوماً ووقتاً من الأوقات. ولكن نفسقه. وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبياً أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له. ٥٤٧ والفرقة((الحادية عشر) من المرجئة: أصحاب بشر المريسي، يقولون: إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان فى اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان ، ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعاً، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي، وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد ، والإنكار والستر والتغطية، وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان فى اللغة كفراً، ولا يجوز إيمان الإما كان فى اللغة إيماناً، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر ، ولكنه على على الكفر، لأن الله بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر. قال و ((الفرقة الثانية عشر)) من المرجئة: الكرامية أصحاب محمد بن كرام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب ، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيماناً. فهذه الأقوال التى ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد فى الإيمان من بعض أعمال القلوب عندم وإنما نازع فى ذلك فرقة يسيرة : كبهم والصالحي. وقد ذكر أيضاً فى ((المقالات)) جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة . قال : جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يردون من ذلك شيئاً وأن الله إله واحد فرد صمد، لم يتخذصاحبة ٥٤٨ ولا ولداً ، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) وأن له يدين بلا كيف كما قال: (خَلَقْتُ بِيَدََّ) وكما قال: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) وأن له عينين كما قال: (تَّجْرِىِبِأَعْيُنِنَا ) وأن له وجهاً كما قال: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ). وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج. إلى أن قال: ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام فى الوقف واللفظ بدعة ، من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عنده، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ، ولا يقال غير مخلوق . إلى أن قال: ولا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه: كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبار. وثم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر، والإيمان عندم: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره ، وأن ما أخطأم لم يكن ليصيهم ، وما أصابهم لم يكن ليخطئهم ، والإسلام هو : أن تشهد أن لا إله إلا الله على ماجاء في الحديث، والإسلام عندهم غير الإيمان . إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق. وذكر كلاماً طويلاً ثم قال فى آخره: وبكل ماذكرناه ٥٤٩ من قولهم نقول : وإليه نذهب. فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث بخلاف القول الذي نصره فى الموجز . والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب، حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك، وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم فى ذلك معروف ، وإنما نازع فى ذلك من اتبح جهم بن صفوان من المرجئة وهذا القول شاذ، كما أن قول الكرامية الذين يقولون هو مجرد قول اللسان شاذ أيضاً . وهذا أيضاً مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيراً ممن تكلم فى ((مسألة الإيمان)) هل تدخل فيه الأعمال ؟ وهل هو قول وعمل ؟ يظن أن النزاع إنما هو فى أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان ، وهذا غلط ؛ بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيماناً باتفاق المسلمين ؛ فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي، وفى قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة فى الأحكام الدينية أعظم مما فى قول ابن كرام إلا من شذمن أتباع ابن كرام ، وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب لله ولا تعظيم بل فيه بغض وعداوة لله ورسله ليس إيماناً باتفاق المسلمين . وقول ابن كرام فيه مخالفة فى الاسم دون الحكم فإنه - وإن سمی المنافقين مؤمنين - يقول إنهم مخلدون فى النار، فيخالف الجماعة فى الاسم دون الحكم . وأتباع جهم يخالفون فى الاسم والحكم جميعاً. ٥٥٠ فصل إذا عرف أن أصل الإيمان فى القلب، فاسم ((الإيمان)) تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك ، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله. وتارة على ما فى القلب والبدن جعلالموجب الإيمان ومقتضاه داخلاً فى مسماه وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاما، وأنها تدخل فى مسمى الإيمان تارة ولا تدخل فيه تارة . وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم المعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه ، وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما فى قوله تعالى (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) دخل فيه الفحشاء والبغي، وإذا قرن بالمنكر أحدهما كما فى قوله: (إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ). أو كلاهما كما في قوله تعالى: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِي) كان اسم المنكر مختصاً بما خرج من ذلك على قول ، أو متناولا للجميع على قول - بناء على ٥٥١ إن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له؟ أو يكون قدذكرمرتين فيه نزاع -والأقوال والأعمال الظاهرة ( نتيجة) الأعمال الباطنة ولازمها . وإذا أفرد اسم (الإيمان)) فقد يتناول هذا وهذا، كما في قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)). وحينئذ فيكون الإسلام داخلا فى مسمى الإيمان وجزءاً منه، فيقال حينئذ: إن ((الإيمان)) اسم جميع الطاعات الباطنة والظاهرة. ومنه قوله صلى الله وعليه وسلم لوفد عبد القيس ((آمركم بالإيمان بالله، أندرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتؤدوا خمس المغنم)) أخرجاه فى الصحيحين . ففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد بها باطناوظاهراً، وكان الخطاب لوفد عبد القيس، وكانوا من خيار الناس وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة ، كما قال ابن عباس: أول جمعة جمعت فى الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجوائى - قرية من قرى البحرين- وقالوا يارسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به وندعو إليه من وراءنا، وأرادوا بذلك ((أهل نجد)) من تميم وأسد وغطفان وغيرم كانوا كفاراً؛ فهؤلاء كانوا صادقين راغبين فى طلب الدين، فإذا أمرم النبي صلى الله عليه ٥٥٢ وسلم بأقوال وأعمال ظاهرة فعلوها باطناً وظاهراً فكانوا بها مؤمنين . وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام ؛ فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر كما فى ((المسند)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإسلام علانية والإيمان فى القلب ، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره)) ومتى حصل له هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان، والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله. والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطناً ولا يحصل ذلك فى الظاهر ، مع القدرة عليه كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد . وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيماناً جازماً امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء إلا يمان القلى التام ؛ وبهذا يظهر خطأجهم ومن اتبعه فى زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع فى الآخرة ؛ فإن هذا ممتنع ، إذ لا يحصل إلا يمان التام فى القلب إلا ويحصل فى الظاهر موجبه بحسب القدرة ، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حباً جازماً وهو قادر على مواصلته ، ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك . وأبو طالب إنما كانت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم لقرابته منه، لالله وإنما ٥٥٣ نصره وذب عنه حمية النسب والقرابة؛ ولهذا لم يتقبل الله ذلك منه، وإلا فلو كان ذلك عن إيمان فى القلب لتكلم بالشهادتين ضرورة ، والسبب الذي أوجب نصره للنبى صلى الله عليه وسلم - وهو الحمية - هو الذي أوجب امتناعه من وَسَيُجَنَّبُهَا الشهادتين بخلاف أبى بكر الصديق ونحوه قال الله تعالى ( اُلْأَنْفَى * الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نَّعْمَةٍ تُجْرَ * إِلَّا أَبْشِفَاءَ وَجْهِ رَبِهِ آلْأَعْلَىَ * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) ومنشأ الغلط فى هذه المواضع من وجوه. ( أحدها ) أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان. ( الثاني ) : ظن الظان أن مافى القلوب لايتفاضل الناس فيه . ( الثالث ) ؛ ظن الظان أن مافي القلب من الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه . ( الرابع ): ظن الظان أن ليس فى القلب إلا التصديق وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح. والصواب أن القلب له عمل مع التصديق والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم للباطن. و ((المرجئة)) أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان ؛ فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضاً وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن ، ٥٥٤ فبقى النزاع فى أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان . و ((التحقيق)) أنه تارة يدخل فى الاسم وتارة يكون لازماً للمسمى - بحسب إفراد الاسم واقترانه - فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الاسلام خارجا عنه ، كما فى حديث جبريل ، وإن كان لازماً له ، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل كما فى قوله: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ) فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل وإن كان لازما له ؛ وقد يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام ؛ وبكل حال فالعمل تحقيق المسمى الإيمان وتصديق له، ولهذا قال طائفة من العلماء - كالشيخ أبي إسماعيل الأنصاري ، وغيره -: الإيمان كله تصديق فالقلب يصدق ماجاءت به الرسل واللسان يصدق مافى القلب ، والعمل يصدق القول، كما يقال: صدق عمله قوله. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ((العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل زني وزناها المشي ، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)» والتصديق يستعمل فى الخبر، وفى الإرادة، يقال : فلان صادق العزم وصادق المحبة ، وحملوا حملة صادقة . و ((السلف)) اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان ، وقالوا إن الإيمان يتماثل الناس فيه ، ولا ريب أن قولهم بتساوى إيمان الناس ٥٥٥ من أفحش الخطأ ، بل لا يتساوى الناس في التصديق، ولا فى الحب ، ولا في الخشية، ولا فى العلم ؛ بل يتفاضلون من وجوه كثيرة. و ((أيضا)) فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضاً، وهذا باطل قطعاً ، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعا بالضرورة ، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضاً ؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن . وليس المقصود هنا ذكر عمل معين ؛ بل من كان مؤمناً بالله ورسوله بقلبه هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم ويحض على نصر الرسول بما لا يضره هل يمكن مثل هذا فى العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتع ؛ فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان ، وكان عدمه دليلا على انتفاء حقيقة الإيمان، بل قد ثبت فى الصحيح عنه ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق )) وفى الحديث دلالة على أنه يكون فيه بعض شعب النفاق، مع ما معه من الإيمان، ومنه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُ واْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اْلَهِأُوْلَتِكَ هُمُ الضَدِقُونَ). و «أيضاً)) فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ٥٥٦ (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) وفى رواية ((وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل)). فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات كان عادما للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب . ومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله عز وجل حرم هذه الأمور ولا يبغضونها بل يدعون إلى ما حرم الله ورسوله . و ((أيضا)) فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله؛ والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفراً فى الباطن ولكنه دليل فى الظاهر على الكفر ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم فى الباطن عارفا بالله موحدا له مؤمنا به فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنا وظاهرا. قالوا : هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك؛ فيقال لهم: معنا أمران معلومان . (أحدهما ): معلوم بالاضطرار من الدين . و (الثاني ) ، معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل . أما (( الأول)): فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كره؛ بل من تكلم بكلمات الكفر طائعاً غیر مکره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو ٥٥٧ كافر باطناً وظاهراً، وأن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإنما هو كافر في الظاهر ، فإنه قال قولاً معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التى قد تكون صدقاً، وقد تكون كذباً، بل كان ينبغي ألا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة وهذا كقوله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ) وأمثال ذلك. وأما ((الثاني)): فالقلب إذا كان معتقداً صدق الرسول، وأنه رسول اللّه، وكان محباً لرسول اللّه معظماً له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيماناً إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب. و «أيضاً)) فإن الله سبحانه قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًامِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ) وقال: ( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِالْوُثْقَى ) فتبين أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به . ومعلوم أن مجرد التصديق بوجوده وما هو عليه من الصفات يشترك فيه المؤمن والكافر؛ فإن الأصنام والشيطان والسحر يشترك فى العلم بحاله المؤمن والكافر. وقد قال الله تعالى فى السحر: (حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ ٥٥٨ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) إلى قوله: (وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنْ أَشْتَرَنُهُ مَالَهُ. فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ) فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، يعلمون أنه لا خلاق لهم فى الآخرة ومع هذا فيكفرون . وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت إذا كان عالماً بما يحصل بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه ونحو ذلك من الجبت، وكان عالماً بأحوال الشيطان والأصنام وما يحصل بها من الفتنة لم يكن مؤمناً بها مع العلم بأحوالها. ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان، وأنها تفعل ما تشاء ونحو ذلك من خصائص الربوبية ، ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل بعبادتها لهم نوع من المطالب، كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام وتخبرهم بأمور. وكما يوجد مثل ذلك فى هذه الأزمان في الأصنام التى يعبدها أهل الهند والصين والترك وغيرهم، وكان كفرهم بها الخضوع لها والدعاء والعبادة وإتخاذها وسيلة ونحو ذلك، لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من الآثار ، فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين وبصدق بوجوده، لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر فى الدنيا والآخرة فيبغضه ؛ والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر. يبين ذلك قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِبِمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَبِنٌ بِ لْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِصَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ٥٥٩ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَنَّ اللّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ * * لَاجَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ) فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده فى الآخرة، ثم قال (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُوا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ). وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا. ومعلوم ان باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض، وهؤلاء يقولون إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم ، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة ، والله سبحانه وتعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران ، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر فى الآخرة، وبأنه ماله فى الآخرة من خلاق . و «أيضاً)) فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار ، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره؛ لأن الإكراه على ذلك ممتع فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا فى حال الإكراه . وقوله تعالى: ( وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِصَدْرًا ) أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) والآية نزلت فى عمار بن ياسر ، وبلال بن رباح ، وأمثالهما من المؤمنين ٥٦٠