النص المفهرس
صفحات 521-540
وقتاله كفر)) وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثنتان فى الناس هما بهم كفر: الطعن فى النسب، والنياحة على الميت)) وفى الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم)) وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته: (لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم). وفى الصحيحين عن أبي ذر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر ، ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمي رجلاً بالكفر أو قال ياعدو الله وليس كذلك، إلا رجع عليه)). وفى لفظ البخاري (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه، إلا كفر باللّه، ومن ادعى قوما ليس منهم، فليتبوأ مقعده من النار)) وفى الصحيحين من حديث جرير وابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى حجة الوداع: (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ورواه البخاري من حديث ابن عباس: وفى البخاري عن أبي هريرة ((عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر ! فقد باء بها أحدهما)). وفى الصحيحين عن زيد بن خالد قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية فى إثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف ، أقبل على الناس فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من ٥٢١ عبادي مؤمن بي وكافر ، فأمامن قال مطرنابفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافربي مؤمن بالكوكب)). وفى صحيح مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألم تروا إلى ماقال ربكم ؟! قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة؛ إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: بالكواكب، وبالكواكب)» ونظائر هذا موجودة فى الأحاديث . وقال ابن عباس وغير واحد من السلف، فى قوله تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ) (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) و (الظَّالِمُونَ)، كفر دون كفر؛ وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وقد ذکر ذلك أحمد والبخاري وغيرها . الأصل الثاني أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ، ولا تتلازم عند الضعف ، فإذا قوي ما فى القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله. كما قال تعالى: (وَلَوْ كَانُواْيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أَنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) وقال: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍمِنْهُ). وقد يحصل للرجل موادتهم ٥٢٢ الرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة ، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبى صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله فيه (يَّأَيُّهَا الَِّينَءَامَنُوْ لَا تَّخِذُ واْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) . وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي فى قصة الإفك. فقال: لسعد ابن معاذ: كذبت والله؛ لانقتله ولا تقدر على قتله؛ قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلا صالحاً ، ولكن احتملته الحمية . ولهذه الشبهة سمى عمر حاطباً منافقاً فقال دعني يارسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال ((إنه شهد بدراً)) فكان عمر متأولاً فى تسميته منافقاً للشبهة التي فعلها . وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة ؛ كذبت لعمر الله! لنقتلنه ؛ إنما أنت منافق، تجادل عن المنافقين ؛ هو من هذا الباب. وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشم: منافق، وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين . ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض؛ وفيهم من فيه إيمان ونفاق ؛ وفيهم من إيمانه غالب ، وفيه شعبة من النفاق . وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان ، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك ؛ صاروا يعاتبون من النفاق على مالم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك؛ ٥٢٣ ومن هذا الباب ، مايروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف: أنهم سموا الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا قولاً مخالفاً للجمهور ؛ إذا حكوا تنازع الناس فى الفاسق الملى، هل هو كافر ؟ أو فاسق ليس معه إيمان ؟ أو مؤمن كامل الإيمان ؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق، والحسن - رحمه الله تعالى - لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقاً على الوجه الذي ذكرناه . والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق، ولهذا كثيراً ما يقال: كفر ينقل عن الملة ، وكفر لا ينقل ، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان أصغر، وأكبر؛ وفى صحيح أبي حاتم وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)) فقال أبو بكر: يارسول الله !كيف تنجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله ؟ قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك، وأنا أعلى، وأستغفرك لما لا أعلم)). وفى الترمذي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حلف بغير الله، فقد أشرك)) قال الترمذي حديث حسن . وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص؛ لانتفاء كما له الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ؛ ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ؛ ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) ومنه قوله: ((من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا ٥٢٤ السلاح فليس منا)). فإن صيغة ((أنا)) و((نحن)) ونحو ذلك من ضمير المتكلم فى مثل ذلك، يتناول النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين معه - الإيمان المطلق - الذي يستحقون به الثواب. بلا عقاب ، ومن هنا قيل إن الفاسق الملي يجوز أن يقال : هو مؤمن باعتبار ، ويجوز أن يقال : ليس مؤمناً باعتبار. وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلما لا مؤمنا ، ولا منافقا مطلقا ، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة . ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس منا)) ليس مثلنا، أوليس من خيارنا وقال هذا تفسير ((المرجئة)) وقالوا: لو لم يفعل هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبى صلى الله عليه وسلم. وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية ، ويستحق الخلود فى النار؛ تأويل منكر كما تقدم ، فلا هذا ولا هذا . ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه ؛ ومعرفة المخوف تقتضي خوفه فنفس العلم والتصديق بالله وماله من الأسماء الحسنى، والصفات العلى يوجب محبة القلب له وتعظيمه وخشيته؛ وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته. والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد ووجود المقدور عليه منه ؛ فالعبد إذا كان مريداً ٥٢٥ للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها؛ صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة . وبهذا يزول الاشتباه فى ((هذا المقام)). فإن الناس تنازعوا فى الإرادة بلا عمل ؛ هل يحصل بها عقاب؟. وكثر النزاع فى ذلك. فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي فى الصحيحين ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به » وبما فى الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا م العبد بسيئة لم تكتب عليه ، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا م بحسنة كتبت له حسنة كاملة؛ فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف» وفى رواية ((فإن تركها فاكتبوها له حسنة؛ فإنما تركها من جرائي)). ومن قال: يعاقب احتج بما فى الصحيح (( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيها. فالقاتل والمقتول فى النار ؛ قيل: يارسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؛ قال: إنه أراد قتل صاحبه))؛ وبالحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبى كبشة الأماري عن النبى صلى الله عليه وسلم: «فى الرجلين الذين أوتى أحدهما علما ومالا فهو ينفقه فى طاعة الله ؛ ورجل أوتى علما ولم يؤت مالا ؛ فقال : لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان قال: فها فى الأجر سواء ؛ ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو ينفقه فى معصية الله ؛ ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا فقال : لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان ؛ قال فها فى الوزر سواء )). ٥٢٦ و ((الفصل فى ذلك)) أن يقال: فرق بين الهم، والإرادة، ((فالهم)) قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة ، فهذا لاعقوبة فيه بحال ، بل إن تركه لله، كما ترك يوسف همه، أنيب على ذلك كما أثيب يوسف، ولهذا قال أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار، ولهذا كان الذي دل عليه القرآن أن يوسف لم يكن له فى هذه القضية ذنب أصلاً ، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء إنه من عباده المخلصين ؛ مع ما حصل من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه ، وغير ذلك من الأسباب التى لايكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأثابه الله برحمته فى الدنيا. ( وَلَأَجْرُ . ( اُلْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَنَّقُونَ وأما ((الإرادة الجازمة)) فلا بد أن يقترن بها مع القدرة، فعل المقدور ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطوة أو تحريك بدن؛ وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول فى النار )). فإن المقتول أراد قتل صاحبه فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الذي قال : لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان ، فإنه أراد فعل ما يقدر عليه وهو الكلام، ولم يقدر على ذلك، ولهذا كان من دعا إلى ضلالة ، كان عليه مثل أوزار من اتبعه ، من غير أن ينقص من أوزارم شيئاً، لأنه أراد ضلالهم ففعل ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لايقدر إلا على ذلك. ٥٢٧ وإذا تبين هذا فى ((الإرادة، والعمل)): فالتصديق الذي فى القلب وعلمه يقتضي عمل القلب ، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان : قوة الشعور بالملائم والمنافى والإحساس بذلك، والعمل والتصديق به، وقوة الحب للملائم، والبغض للمنافى، والحركة عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة. وإدراك الملائم يوجب اللذة، والفرح والسرور، وإدراك المنافى، يوجب الألم والغم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل بحسون فيها من جدعاء)) . فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقاً به وديناً له، لكن يعرض لها ما يفسدها ، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه؛ لما فى الفطرة من حب الحق وبغض الباطل ، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التى تصدها عن التصديق بالحق ، وإما من الشهوات التى تصدها عن اتباعه، ولهذا أمرنا الله أن نقول فى الصلاة: (أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون))؛ لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته . والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلاعلى، فهم ضلال . هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح،وهؤلاء ٥٢٨ لهم قصد فى الخير بلا معرفة له ، وينضم إلى ذلك الظن، واتباع الهوى ؛ فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة؛ ولا قصد نافع بل يكون كما قال تعالى عن مشركي ) وقال وَقَالُواْلَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَافِ أَصْخَبِ السَّعِيرِ أهل الکتاب :( تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ). فالإيمان فى القلب لا يكون إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك؛ كما أنه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى ؛ بل لابد في أصل الإيمان من قول القلب ، وعمل القلب ، وليس لفظ الإيمان مرادفا للفظ التصديق ، كما يظنه طائفة من الناس ؛ فإن التصديق يستعمل فى كل خبر ، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل: الواحد نصف الاثنين ، والسماء فوق الأرض ، مجيباً : صدقت ،وصدقنا بذلك؛ ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر آمنا له، وللمخبر به آمنا به، كما قال إخوة يوسف: (وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا) أي بمقر لنا ، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب ومنه قوله تعالى: ( أَنُوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) وقوله تعالى (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) ) وقوله تعالى : وقوله تعالى: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ (وَإِن ◌َّْتُوْمِنُوْلِفَأْنَزُونِ ) ( فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) أي : أقر له . ٥٢٩ وذلك أن الإيمان يفارق التصديق ، أي : لفظاً ومعنى ؛ فإنه أيضاً يقال : صدقته ، فيتعدى بنفسه إلى المصدق ، ولا يقال أمنته ، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان ، كما يقال : هل أنت مصدق له. لأن الفعل المتعدى بنفسه إذا قدم مفعوله عليه ، أو كان العامل اسم فاعل، ونحوه مما يضعف عن الفعل ، فقد يعدونه باللام تقوية له ، كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف ، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا ورأيته، وأنا له سامع، وراء ، كذلك يقال صدقته وأنا له مصدق، ولايقال صدقت لهبه، وهذا خلاف آمن، فإنه لا يقال إذا أردت التصديق آمنته كما يقال أقررت له ،ومنه قوله آمنت له كمايقال أقررت له فهذا فرق فى اللفظ. و ((الفرق الثاني)): ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل فى الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب . فإذا أقر بها المستمع قيل آمن ، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار. وأما ((المعنى)): فإن الإيمان مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة؛ كما أن لفظ الإقرار: مأخوذمن قريقر، وهو قريب من آمن يأمن ؛ لكن الصادق بطمأن إلى خبره: والكاذب بخلاف ذلك كما يقال الصدق طمأنينة والكذب ريبة ؛ فالمؤمن دخل فى الأمن كما أن المقر دخل فى الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين : ٥٣٠ ( أحدهما ): الإخبار ، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق ؛ والشهادة ونحوهما . وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء فى كتاب الإقرار . و (الثاني): إنشاء الالتزام كما فى قوله تعالى: (َأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ). وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: (وَإِذْ أَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم ج مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ. قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى ). فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك ((لفظ الإيمان)) فيه إخبار وإنشاء والتزام ، بخلاف لفظ التصديق المجرد فمن أخبر الرجل بخبر لايتضمن طمأنينة إلى المخبر ؛ لايقال فيه آمن له بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمناً للمخبر ؛ إلا بالتزام طاعته مع تصديقه ؛ بل قد استعمل لفظ الكفر .. المقابل للإيمان - في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد؛ فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار فى نفس التزام الطاعة والانقياد ؛ فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين . و ((أيضاً)) فلفظ التصديق إنما يستعمل فى جنس الأخبار ، فإن التصديق ٥٣١ إخبار بصدق المخبر؛ والتكذيب إخبار بكذب المخبر؛ فقد يصدق الرجل الكاذب تارة [ وقد يكذب الرجل ] الصادق أخرى فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر وهما خبر عن الخبر فالحقائق الثابتة فى نفسها التى قد تعلم بدون خبر لايكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها بخلاف الإيمان والإقرار والإنكار والجحود ، ونحو ذلك فإنه بتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضاً . وأيضاً فالذوات التى تحب تارة وتبغض أخرى ، وتوالي تارة وتعادى أخرى وتطاوع تارة وتعصى أخرى ويذل لها تارة ويستكبر عنها أخرى تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك ؛ وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك فيتعلق بمتعلقها كالحب والبغض فيقال : حب صادق. وبغض صادق فكما أن الصدق والكذب فى إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافى والمثبت دون الحقيقة ابتداء. فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك يتعلق بالحب والبغض . دون الحقيقة ابتداء بخلاف لفظ الإيمان والكفر فإنه يتناول الذوات بلا واسطة إقرار أو انكار أو حب أو بغض أوطمأنينة أو نفور . ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر ((اللهم إيمانابك، وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم)) فقال إيمانابك، ولم يقل تصديقاً بك، كما قال تصديقاً بكتابك وقال تعالى عن ٥٣٢ حيٍم : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ ) فجعل التصديق بالكلمات والكتب، ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بى، وتصديق بكلمابي)) ويروى («إيمان بي وتصديق برسلي)) ويروى ((لا يخرجه الاجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته)) ففي جميع الالفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل . وكذلك قوله في الحديث الذى في الصحيح، ذكر النبى صلى الله عليه وسلم منازل عالية فى الجنة فقيل له: يارسول الله: تلك منازل لا يبلغها إلا الأنبياء، فقال: (( بلى! والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)). وما يحصى الآن الاستعمال المعروف فى كلام السلف ، صدقت بالله ، أو فلان يصدق باللّه، أو صدق بالله ونحو ذلك، كما جاء فلان يؤمن وآمن بالله وإيماناً بالله وتؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ونؤمن بالله وحده ونحو ذلك. فإن القرآن والحديث وكلام الخاصة والعامة مملوء من لفظ الإيمان بالله وآمن بالله ونؤمن بالله ويا أيها الذين آمنوا، وما أعلم قيل التصديق بالله، أو صدقوا بالله أو يا أيها الذي صدق الله ونحو ذلك، اللهم إلا أن يكون فى ذلك شيء لا يحضرنى الساعة ، وما أظنه. ولفظ ((الإيمان)) يستعمل فى الخبر أيضاً كما يقال: (كُلُّءَامَنَ بِاللّهِ) : أي أقر له والرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر ، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه. ((فالإيمان)) متضمن للإقرار بما أخبر ٥٣٣ به، والكفر ((تارة)) يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به. و ((تارة)) بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به ، والأصل فى ذلك هو الإخبار باللّه وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر بكليهما. ثم مجرد تصديقه فى الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لاباطنا ولا ظاهراً ولا محبة لله ولا تعظيم له لم يكن ذلك إيماناً. وكفر إيليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم؛ فإن إبليس لم يخبره أحد يخبر ، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالاباء والاستكبار وما يتبع ذلك ؛ لا لأجل تكذيب. وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) ، فالذي يقال هنا أحد أمرين : إما أن يقال الاستكبار والإباء والحسد ونحو ذلك مما الكفر به مستلزم لعدم العلم، والتصديق الذي هو الإيمان، وإلا فمن كان علمه وتصديقه تاماً أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة كما أن الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة ، دل على أنه ما فى القلب همة ولا إرادة ؛ فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وانقياده ، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا على، بل هنا شبهة ٥٣٤ وريب ، كما يقول ذلك طوائف من الناس، وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري فى المشهور عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه ، ممن يجعل الأعمال الباطنة والظاهرة من موجبات الإيمان لامن نفسه ، ويجعل ما ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق لايتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط . أو أن يقال : قد يحصل فى القلب على بالحق وتصديق به ، ولكن ما فى القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته ؛ وليس هذا كالإرادة مع العمل ؛ لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد، وليس العلم بالحق والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل ، بل لابد مع ذلك من إرادة الحق والحب له. فإذا قال القائل : القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة ، مستلزمة لوجود المراد المقدور موجبة لحصول المقدور لم يكن مصيباً ؛ بل لابد من الإرادة. وبهذا يتبين خطأ من قال: إن مجرد على الله بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الفلسفة ؛ كما يغلط الناس من يقول إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها. وكماخطؤوا من قال: إن مجردالقدرة كافية، بل لابد من العلم والقدرة والإرادة فى وجود المقدور والمراد؛ والإرادة مستلزمة لتصور المراد، والعلم به؛ والعلم والإرادة والقدرة، ونحو ذلك؛ وإن كان قد يقال : إنها متلازمة فى الحي، أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات، أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض، فلا ريب أنه ليس كل معلوم مرادا ٥٣٥ محبوباً ولا مقدوراً ، ولا كل مقدور مراداً محبوباً، وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الشيء معلوماً مصدقاً به أن يكون محبوباً معبوداً، بل لابد من العلم؟ وأمر آخر به يكون هذا محباً وهذا محبوباً . فقول من جعل مجرد العلم والتصديق فى العبد هو الإيمان، وأنه موجب لأعمال القلب ، فإذا انتفت دل على انتفاء العلم ؛ بمنزلة من يقول: مجرد علم الله بنظام العالم موجب لوجوده ؛ بدون وجود إرادة منه ،وهو شبيه بقول المتفلسفة: إن سعادة النفس فى مجرد أن تعلم الحقائق . ولم يقرنواذلك بحب الله تعالى وعبادته التى لا تتم السعادة إلا بها ؛ وهو نظير من يقول : كمال الجسم أو النفس فى الحب من غير اقتران الحركة الإرادية به، ومن يقول: اللذة فى مجرد الإدراكوالشعور. وهذا غلط باتفاق العقلاء، بل لابد من إدراك الملائم ، والملائمة لاتكون إلابمحبة بين المدرك والمدرك، وتلك المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس إدراكه والشعور به . وقد قال كثير من الناس من الفلاسفة والأطباء ومن اتبعهم، إن ((اللذة)) إدراك الملائم وهذا تقصير منهم، بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم ؛ كالإنسان الذي يحب الحلو ويشتهيه فيدركه بالذوق والأ كل ؛ فليست اللذة مجرد ذوقه، بل أمر يجده من نفسه يحصل مع الذوق، فلابد ((أولاً)) من أمرين؛ و((آخراً)) من أمرين: لابد ((أولاً)): من شعور بالمحبوب ؛ ومحبة له ؛ فما لا شعور به لايتصور أن يشتهى، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى ، ثم إذا ٥٣٦ حصل إدراكه بالمحبوب نفسه ، حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الدعاء المأثور: ((اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك؛ من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة)) وفى الحديث الصحيح (( إذا دخل أهل الجنة الجنة : نادى مناد يا أهل الجنة! إن لكم عند اللّه موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ماهو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ، ويجرنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب، فينظرون اليه؛ فما أعطام شيئاً أحب إليهم من النظر إليه)) رواه مسلم وغيره. فاللذة مقرونة بالنظر إليه ؛ ولا أحب إليهم من النظر إليه، لما يقترن بذلك من اللذة ؛ لا أن نفس النظر هو اللذة. وفى ((الجملة)) فلا بد فى الإيمان الذي فى القلب من تصديق بالله ورسوله ، وحب الله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله؛ ومعاداة الله ورسوله، ليس إيماناً باتفاق المسلمين : وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب ، إلا إذا كان القلب سليماً من المعارض، كالحسد والكبر ، لأن النفس مفطورة على حب الحق ، وهو الذي يلائمها . ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله، وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلاً . وقد ) فليس مجرد قال تعالى: ( يَوْمَلَيَنفَعُ مَالٌ وَلَبَنُونَ * إِلَّمَنْ أَى الَّهِقَلْبٍ سَلِيمٍ ٥٣٧ العلم موجبا لحب المعلوم؛ إن لم يكن فى النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة فى النفس . وكل من القوتين تقوى بالأخرى ، فالعلم يقوي العمل، والعمل يقوي العلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازدادحبه له؛ وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له، ومعرفته بأسمائه وصفاته ؛ فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض، فمن عادى الله ورسوله وحاد الله ورسوله كان ذلك مقتضياً لإعراضه عن ذكر الله ورسوله بالخير ؛ وعن ذكر ما يوجب المحبة، فيضعف علمه به حتى قد ينساه . كما قال ) وقال تعالى : وَلَا تَكُنُوْ كَالَّذِينَ نَسُواْاللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ تعالى: ( (وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ, عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا) وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلى مع بغض ومعاداة ، لكن تصديق ضعيف ، وعلى ضعيف ؛ ولكن لولا البغض والمعاداة لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصير به مؤمناً. فمن شرط الإيمان وجود العلم التام ، ولهذا كان الصواب ، أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافراً، إذا كان مقراً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لميعلمه كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته ؛ بل العلماء باللّه يتفاضلون فى العلم به. ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه، بالجهل وعدم العلم. قال تعالى: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) قال أبو العالية: ٥٣٨ سألت أصحاب محمد عن هذه الآية ؛ فقالوا لي : كل من عصى الله فهو جاهل ؛ وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . ومنه قول ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً. وكفى بالاغترار بالله جهلاً. وقيل للشعبى: أيها العالم! فقال: العالم من يخشى الله، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأ). وقال أبو حيان التيمي: ((العلماء ثلاثة)): عالم بالله؛ وبأمر الله: وعالم بالله ليس عالماً بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله . فالعالم بالله الذي يخشاه. والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه. وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِالْعُلَمَؤُأ). وهذا يدل على أن كل من خشي اللّه فهو عالم . وهو حق ولا يدل على أن كل عالم يخشاه؛ لكن لما كان العلم به موجباً للخشية عند عدم المعارض كان عدمه دليلاً على ضعف الأصل ، إذ لو قوى لدفع المعارض. وهكذا لفظ ((العقل)) يراد به الغريزة التى بها يعلم، ويراد بها أنواع من العلم. ويراد به العمل بموجب ذلك العلم، وكذلك لفظ(( الجهل)) يعبر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله ، فليقل إني امرؤ صائم» والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب. ومنه قول الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ٥٣٩ ومن هذا سميت ((الجاهلية)) جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم أو لعدم العمل به ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية)) لما ساب رجلا وعيره بأمه، وقد قال تعالى: ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ ) . فإن الغضب والحمية تحمل المرء على فعل ما يضره وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره ، وترك ما يعلم أنه ينفعه ؛ لما فى نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال ، وهو فى هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما فى نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه ، ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا توجد عنه وحده ، بل عنه وعما فى النفس من حب ما ينفعها، وبغض مايضرها ، فإذا حصل لها مرض ففسدت به، أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها ، فتصير النفس كالمريض الذي يتناول مايضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنه يضره . ((قلت)): هذا معنى ماروي عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عندحلول الشهوات)) رواه البيهقى مرسلا. وقد قال تعالى، (وَأَذْكُرْ عِبَدَنَّ إِنَهِيمَ وَإِسْخَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ◌ْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ) فوصفهم بالقوة فى العمل والبصيرة فى العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر ، فإن المؤمن قوته فى قلبه ، وضعفه فى جسمه والمنافق قوته فى جسمه وضعفه فى قلبه فالإيمان لابد ٥٤٠