النص المفهرس
صفحات 501-520
(السبب التاسع ) . أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها . ( السبب العاشر ) : رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد. فإذا ثبت أن النم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعوام أن عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك. فصل ((فهذان القولان)): قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ، ويخلدون في النار ؛ وقول من يخلدم فى النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة ، ويقول ليس معهم من الإيمان شيء ، لم يذهب إليها أحد من أئمة الدين أهل الفقه ، والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع . وكذلك قول من وقف فى أهل الكبائر من غلاة المرجئة وقال لا أعلم أن أحداً منهم يدخل النار ، هو أيضاً من الأقوال المبتدعة ؛ بل السلف والأمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لابد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها . وأما من جزم بأنه لايدخل النار أحد من ٥٠١ أهل القبلة فهذا لانعرفه قولاً لأحد. وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا وإنما هو تخويف لاحقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة والكفار. وربما احتج بعضهم بقوله: ( ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ) فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفاً إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بمالا حقيقة له ، كما توم الصبى الصغير . ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف للعقلاء المميزين . لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف، وهذا شبيه بما تقول ((الملاحدة» المتفلسفة والقرامطة ونحوهم : من أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لاحقيقة لها في الباطن ، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له فإنما يعلق لمصلحتهم فى الدنيا، إذكان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة . و ((هذا القول)) مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل ؛ فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك ، وإذا علموه زالت محافظتهم على الأمر والنهي ، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة: من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، فإن البارع منهم فى العلم ٥٠٢ والمعرفة يزول عنه عندم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات ، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم ، وتتكشف أسرارهم ، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطن ، حتى سموم باطنية ؛ لإبطانهم خلاف مايظهرون . فلو كان - والعياذ بالله - دين الرسل كذلك لكان خواصه قد عرفوه، وأظهروا باطنه. وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية ، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره ، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته ، كانوا أعظم الأمة لزوماً لطاعة أمره - سراً وعلانية - ومحافظة على ذلك إلى الموت ، وكل من كان منهم إليه وبه أخص وباطنه أعلم .. كأبي بكروعمر ... كانوا أعظمهم لزوما للطاعة سراً وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم، باطناً وظاهراً، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة : الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور واجباً على السالك حتى يصير عارفا محققاً فى زعمهم ؛ وحينئذ يسقط عنه التكليف ، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: (وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ ) زاعمين أن اليقين هو مايدعونه من المعرفة ، واليقين هنا الموت وما بعده . كما قال تعالى عن أهل النار: (وَكُنَّا تَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ* وَكَنَا تُكَذِّبُ بِيَّوْمِالّذِينِ * حَّ أَنَا الْيَقِيْنُ * فَمَانَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ ). قال الحسن البصري إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلادون الموت ، ٥٠٣ وتلا هذه الآية . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لما توفى عثمان بن مظعون: ((أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه)) وهؤلاء قد يشهدون القدر أولا ، وهي الحقيقة الكونية ، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ، ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تمييز فيه بين المأمور والمحظور ، ومحبوبات الله ومكروهاته وأولياته وأعدائه . وقد يقول أحدهم : العارف شهد أولا الطاعة والمعصية ، ثم شهد طاعة ٨ بلا معصية - يريد بذلك طاعة القدر - كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى ، وقيل له عن بعض الظالمين : هذا ماله حرام، فقال : إن كان عصى الأمر، فقد أطاع الإرادة. ثم ينتقلون ((إلى المشهد الثالث)) لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية ، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة ، وكلا الإلحادين يتقاربان . وفيهمامن الكفر ماليس فى دين اليهود والنصارى ومشركي العرب، والله أعلم . فصل ثم بعد ذلك تنازع الناس فى اسم المؤمن والايمان نزاعاً كثيرا منه لفظى، ٥٠٤ وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا فى شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض ، ولكن تنازعوا في الأسماء كتنازعهم في الإيمان، هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا ؟ وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملى مؤمن كامل الإيمان أم لا ؟ والمأثورعن الصحابة، وأئمة التابعين ، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة ، أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وأنه يجوز الاستثناء فيه ، كما قال عمير بن حبيب الخطمى وغيره من الصحابة : الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته ونقصانه ؟ فقال: إذا ذكرنا الله، وحمدناه، وسبحناه، فتلك زيادته. وإذا غفلنا ونسينا وضعنا، فذلك نقصانه . فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورم. وربماقال بعضهم وكثير من المتأخرين:قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة: وربما قال: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، أي بالجوارح. وروى بعضهم هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي عن على بن أبى موسى الرضا، وذلك من الموضوعات على النبي صلي الله عليه وسلم، باتفاق أهل العلم بحديثه. وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوي ، ولكن القول المطلق، والعمل المطلق ؛ في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فقول اللسان ٥٠٥ بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين ، وهذا لا يسمى قولاً إلا بالتقييد . كقوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَالَيْسَ فِىِ قُلُوبِهِمْ ) وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هو من أعمال المنافقين؛ التى لا يتقبلها الله. فقول السلف: يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر؛ لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك ؛ قال بعضهم : ونية. ثم بين آخرون : أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولاً إلا بموافقة السنة. وهذا حق أيضاً فإن أولئك قالوا قول وعمل ليبينوا اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال ؛ وكذلك قول من قال : اعتقاد بالقلب ؛ وقول باللسان ، وعمل بالجوارح. جعل القول والعمل اسماً لما يظهر؛ فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب ، ولابد أن يدخل في قوله : اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله؛ وخشية الله؛ والتوكل على الله، ونحو ذلك. فإن دخول أعمال القلب فى الإيمان أولى، من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها . وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه؛ وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرم: إنه يزيد وينقص ؛ وبعضهم عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل ، فقال أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت ، ويروى هذا عن ابن المبارك ٥٠٦ وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته. وأنكر حماد بن أبى سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه؛ وهؤلاء من مرجئة الفقهاء وأما إبراهيم النخعى - إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبى سليمان وأمثاله؛ ومن قبله من أصحاب ابن مسعود: كعلقمة؛ والأسود ؛ فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان ؛ لكن حماد بن أبى سليمان خالف سلفه ؛ واتبعه من اتبعه ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة، ومن بعدهم . ثم إن ((السلف والأئمة)) اشتد إنكارم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم؛ ولم أعلم أحداًمنهم نطق بتكفيرهم ؛ بل ثم متفقون على أنهم لا يكفرون فى ذلك؛ وقد نص أحمد وغيره من الأئمة: على عدم تكفير هؤلاء المرجئة. ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيراً لهؤلاء؛ أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطاً عظيماً؛ والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة؛ إنما هو تكفير الجهمية المشبهة، وأمثال هؤلاء. ولم يكفر أحمد ((الخوارج)) ولا ((القدرية)) إذا أقروا بالعلم؛ وأنكروا خلق الأفعال ، وعموم المشيئة؛ لكن حكي عنه في تكفيرم روايتان . وأما ((المرجئة )) فلا يختلف قوله فى عدم تكفيرم؛ مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ، ولا كل من قال إنه جهمي كفره ، ولا كل من وافق الجهمية فى ٥٠٧ بعض بدعهم؛ بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرم أحمد وأمثاله؛ بل كان يعتقد إيمانهم، وإمامتهم؛ ويدعو لهم؛ ويرى الانتمام بهم فى الصلوات خلفهم ، والحج، والغزو معهم ، والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة. وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا م أنه كفر ؛ وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان؛ فيجمع بين طاعة الله ورسوله فى إظهار السنة والدين ، وإنكار بدع الجهمية الملحدين ؛ وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة ؛ وإن كانوا جهالا مبتدعين ؛ وظلمة فاسقين . وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبى سليمان وأبى حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة كانوا يجعلون قول اللسان؛ واعتقاد القلب من الإيمان؛ وهو قول أبى محمد بن كلاب وأمثاله، لم يختلف قولهم فى ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا الإيمان مجرد تصديق القلب . لكن هذا القول حكوه عن ((الجهم بن صفوان)) ذكروا أنه قال: الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه واشتد نكيرم لذلك حتى أطلق وكيع بن الجراح ، وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك ؛ فإنه من أقوال الجهمية؛ وقالوا: إن فرعون وإبليس وأبا طالب واليهود وأمثالهم؛ عرفوا بقلوبهم وجحدوا بألسنتهم؛ فقد كانوامؤمنين. وذكروا قول الله: (وَحَحَدُواْ ٥٠٨ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا). وقوله: (الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ. كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) وقوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّالظَّلِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) وقالوا: إبليس لم يكذب خبراً، ولم يجحد، فإن الله أمره بلارسول، ولكن عصى واستكبر ؛ وكان كافراً من غير تكذيب في الباطن ، وتحقيق هذا مبسوط في غير هذا الموضع. وحدث بعد هؤلاء قول ((الكرامية))؛ إن الإيمان قول اللسان، دون تصديق القلب ، مع قولهم إن مثل هذا يعذب في الآخرة ويخلد في النار . وقال أبو عبد الله الصالحي : إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن لهلوازم فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب ، وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه کفر کان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته ،وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة ، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة ، وهذا أشهر قولي أبى الحسن الأشعري، وعليه أصحابه كالقاضي أبى بكر وأبى المعالي وأمثالهما، ولهذا عدم أهل المقالات من ((المرجئة))، والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث : إن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان . والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك؛ ٥٠٩ لا إلى الكمال والنقصان والحال . وقد منع أن يطلق القول بأن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، وصنف في ذلك مصنفا معروفا عند أهل السنة ، في ((كتاب المقالات)). وقال إنه يقول بقولهم. وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة - كأبى منصور الماتريدي وأمثاله - إلى نظير هذا القول فى الأصل، وقالوا إن الإيمان هو ما فى القلب ، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا؛ لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ونحو ذلك كما عرف من أصلهم وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه، كما قال الني صلى الله عليه وسلم: (( يخرج من النار من كان فى قلبه مثقال حبة من الإيمان)). ثم قالت ((الخوارج، والمعتزلة)) الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ٨ ذهب بعض الإيمان ، فذهب سائره فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت ((المرجئة، والجهمية)): ليس الإيمان الإشيئاً واحداًلا يتبعض إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنافيه الأعمال صارت جزءاًمنه، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل ٥١٠ فيستدل بعدمها على عدمه . وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين ، حيث قالوا : إلا يمان قول وعمل ، وقالوا مع ذلك لايزول بزوال بعض الأعمال حتى إن ابن الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضاً في ذلك ، فإن الشافعي كان من أئمة السنة ، وله فى الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من (الأم)) إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة ، فلما صنف ابن الخطيب تصنيفاً فيه، وهو يقول فى الإيمان بقول جهم والصالحي استشكل قول الشافعي ورآه متناقضاً . وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة ؛ وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين إذا زال أحد جزأيه خرج عن كونه سكنجبينا. قالوا فإذا كان الإيمان مركباً من أقوال وأعمال ، ظاهرة وباطنة، لزم زواله بزوال بعضها . وهذا قول الخوارج والمعتزلة ، قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمناً بما فيه من الإيمان ، كافراً بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان ، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع، ولهذه الشبهة - والله أعلم - امتنع من امتنع من أمّة الفقهاء أن يقول بنقصه ؛ كأنّه ظن : إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله؛ بخلاف ما إذا زاد . ٥١١ ثم إن «هذه الشبهة)) هي شبهة من منع أن يكون فى الرجل الواحد طاعة ومعصية لأن الطاعة جزء من الإيمان والمعصية جزء من الكفر ، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان ، وقالوا ما ثم إلا مؤمن محض أو كافر محض، ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال ، فقالوا : لا يكون العمل الواحد محبوباً من وجه مكروها من وجه، وغلا فيه أبو هاشم فنقله إلى الواحد بالنوع فقال : لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة ، وبعضها معصية ؛ لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين ، بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب ، وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر . واشتد نكير الناس عليه فى هذا القول وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعا وعقلا، ما یتبین به فساده. وهؤلاء منتهى نظرم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم فى أنفسهم، فيقولون : الإيمان من حيث هو هو ، والسجود من حيث هو هو ، لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف وأمثال ذلك؛ ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة فى الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها ، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا فى الذهن ، وأن الناس إذا تكلموا فى التفاضل والاختلاف ، فإنما تكلموا فى تفاضل الأمور الموجودة واختلافها ، لا فى تفاضل أمر مطلق مجرد فى الذهن لا وجود له فى الخارج، ومعلوم أن السواد مختلف فبعضه أشد من بعض ، وكذلك البياض وغيره من الألوان . وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق ٥١٢ الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل، لكن هذا هو فى الأذهان لا فى الأعيان . ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين فى أصول الفقه، حيث أنكروا تفاضل العقل أو الإيجاب أو التحريم ، وإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل وأمثالهما، لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي ، وأبى محمد البربهاري، والقاضي أبى يعلى، وأبى الخطاب وغيرم. وكذلك وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام، والاتحاد فى توحيد واجب الوجود ووحدته، حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض كما بيناه فى غير هذا الموضع . وأهل المنطق اليونان مضطربون فى هذا المقام ، يقول أحدم القول، ويقول نقيضه، كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول - ولا حول ولا قوة إلا بالله - الكلام فى ((طرفين)). (أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة فى الانتفاء ؟؟ و (الثانى ) : هل هي متلازمة فى الثبوت ؟ ؟ ٥١٣ أما « الأول» فإن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت فى الأعيان أو الأعراض . إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول ، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها ، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لايلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها . وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك ، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة ، بل قد تبقى التسعة ، فإذا زال أحد جزأى المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر ؛ لكن أكثر ما يقولون زالت الصورة المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين . فيقال : أماكون ذلك المجتمع المركب مابقي على تركيبه فهذا لاينازع فيه عاقل ، ولا يدعى عاقل أن الإيمان، أو الصلاة ، أو الحج ، أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور، إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه، ولا يقول أحد:إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة كما كانت ، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض ٥١٤ أعضائه بقي مجموعا. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)) فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لاتبقى مجتمعة ، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء . وأما زوال الاسم فيقال لهم هذا: ((أولا) بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب: كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب؛ كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء. فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب ، ونحن تسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله ، وأن الهيئة الاجتماعية مابقيت كما كانت. يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم زوال بعض الأجزاء، فيقال لهم : المركبات فى ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطاً فى إطلاق الاسم ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول كاسم العشرة ، وكذلك السكنجبين، ومنها ٥١٥ ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك. وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك، مما يدخل فيه أمور كثيرة، يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ ((القرآن)) فيقال على جميعه وعلى بعضه ، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنًا، وقد تسمى الكتب القديمة قرآنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خفف على داود القرآن)) وكذلك لفظ القول والكلام والمنطق ونحو ذلك ، يقع على القليل من ذلك وعلى الكثير . وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال القليل والكثير ، وكذلك لفظ الجيل يقال على الجيل وإن ذهب منه أجزاء كثيرة . ولفظ البحر والهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه . وكذلك المدينة والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة ، ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم باق، وكذلك أسماء الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على جملتها ، فيدخل فيها الأغصان وغيرها ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق وكذلك لفظ الإنسان والفرس والمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم ٥١٦ يذهب كثير من أعضائه والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الأعلام: كزيد وعمرو يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق. وإذا كانت المركبات على نوعين ، بل غاليها من هذا النوع لم يصح قولهم ، إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم ، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقى. ومعلوم أن اسم ((الايمان)) من هذا الباب ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)) ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان)) فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه ، وأن ذلك من الإيمان ، فعلم أن بعض الإيمان يزول وبقي بعضه ، وهذا ينقض مآخذم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن، والصلاة، والحج، ونحو ذلك، أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا ببطل كرمي الجمار ، والمبيت بمنى، ونحو ذلك ، وفيه أجزاء ينقص بزوالها من كماله المستحب ، كرفع الصوت بالإهلال ، والرمل والاضطباع في الطواف الأول . وكذلك ((الصلاة)) فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها ٥١٧ أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة، في مذهب أبى حنيفة وأحمد ومالك، وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو ، وأمور ليست كذلك. فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعاً وطبعاً، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة ، وهذا خارج من الحقيقة، قيل له : ماذا تريد بالحقيقة، فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافراً ، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة مسمى ((مسلم)) في حق جميع المكلفين فى جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض ؛ بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له ، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك. وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق ؛ لامثل الإيمان الواجب عليه في كل وقت ، فإن الله لما بعث محمداً رسولا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت ، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل ، فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقربما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمناً تام الإيمان الذي وجب عليه ، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافراً . قال الإمام أحمد: كان بدء الإيمان ناقصاً ، فجعل يزيد حتى كمل ، ولهذا ٥١٨ قال تعالى عام حجة الوداع : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ). و ((أيضاً)) فبعد نزول القرآن وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض ، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة ، وما بلغه عنه مفصلاً، وأما مالم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلاً إذا بلغه، و ((أيضاً)) فالرجل إذا آمن بالرسول إيماناً جازماً، ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال ، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه ، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي ، وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك. وكذلك القادر على الحج والجهاد يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل ، والعمل بذلك . فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء ، ويحال المكلف فى البلاغ وعدمه ، وهذا مما يتنوع به نفس التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضاً. ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر . فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان فى الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل - وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك موجود فى الجميع : كالإقرار بالخالق ، وإخلاص الدين له والإقرار برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال- فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض كانقدتبعض ما أتى فيه من الإيمان . كتبعض سائر الواجبات . ٥١٩ يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطاً فى ذلك البعض ، وقد لا يكون شرطاً فيه ، فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم ، كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا ). وقد يكون البعض المتروك ليس شرطاً فى وجود الآخر ولا قبوله. وحينئذ فقد يجتمع فى الإنسان إيمان ونفاق. وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر؛ كما فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا ائتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر)) وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق)) وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: ((إنك امرؤ فيك جاهلية» وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع في أمتى من أمر الجاهلية، لن يدعوهن : الفخر بالأحساب، والطعن فى الأنساب، والنياحة ، والاستسقاء بالنجوم)). وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سباب المسلم فسوق ، ٥٢٠