النص المفهرس

صفحات 481-500

ولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر قوماً يكونون فى أمته يخرجون فى فرقة من الناس سيمام التحليق ثم قال
شر الخلق أو من شر الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق )) قال أبو سعيد:
أنتم قتلتموم يا أهل العراق، وفى لفظ له: (( تقتلهم أقرب الطائفتين إلى
الحق )) وهذا الحديث مع ماثبت فى الصحيح عن أبي بكرة أن النبى صلى
الله عليه وسلم قال الحسن بن علي: « إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بین
طائفتين عظيمتين من المؤمنين)) فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة وأن
اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن كان أحب إلى الله سبحانه ورسوله صلى
الله عليه وسلم من اقتنالها ، وأن اقتالهما وإن لم يكن مأموراً به ، فعلى بن
أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ، وأن قتال الخوارج
مما أمر به صلى الله عليه وسلم، ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة .
وهؤلاء الخوارج لهم أسماء، يقال لهم: ((الحرورية)) لأنهم خرجوا بمكان
يقال له حروراء، ويقال لهم ( أهل النهروان ) : لأن علياً قاتلهم هناك ومن
أصنافهم ((الإباضية)) أتباع عبد الله بن إباض، و ((الأزارقة)) أتباع نافع
بن الأزرق، و((النجدات)) أصحاب نجدة الحرورى .
وم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه م من الذنوب
واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك، فكانوا كما نعتهم النبى صلى الله عليه وسلم
٤٨١

(يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) وكفروا علي بن أبي طالب،
وعثمان بن عفان ومن والاهما ، وقتلوا علي بن أبي طالب
مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم ، وكان هو وغيره
من الخوارج مجتهدين فى العبادة، لكن كانوا جهالاً فارقوا السنة والجماعة؛
فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر ، والمؤمن من فعل جميع الواجبات
وترك جميع المحرمات ؛ فمن لم يكن كذلك فهو كافر ؛ مخلد فى النار. ثم
جعلوا كل من خالف قولهم كذلك ، فقالوا : إن عثمان وعلياً ونحوهما حكموا
بغير ما أنزل الله، وظلموا فصاروا كفاراً.
ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، فان الله
سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافراً مرتداً لوجب قتله؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من بدل دينه فاقتلوه)). وقال ((لايحل
دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام ، وزنى بعد إحصان ، أوقتل
نفس يقتل بها)) وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة، ولو كانا
كافرين لأمر بقتلهما ، وأمر سبحانه بأن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة ، ولو
كان كافراً لأمر بقتله، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يجلد شارب الخمر ولم يقتله،
بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى صحيح البخارى وغيره : أن رجلاً كان
يشرب الخمر وكان اسمه عبد الله حمارا وكان يضحك النبى صلى الله عليه وسلم وكان
كلما أتي به إليه جلده فأتى به إليه مرة فلعنه رجل فقال النبى صلى الله عليه وسلم
٤٨٢

((لاتلعنه، فإنه يحب الله ورسوله)) فنهى عن لعنه بعينه وشهدله يحب اللهورسوله
مع أنه قد لعن شارب الخمر عموماً .
وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب فى ((الثالثة))
و ((الرابعة)) منسوخ؛ لأن هذا أتى به ثلاث مرات، وقد أعيا الأئمة الكبار
جواب هذا الحديث ؛ ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، فيجوز أن يقال:
يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة فى ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين
ليس حداً مقدراً فى أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي وأحمد فى
إحدى الروايتين ؛ بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى اجتهاد
الإمام فيفعلها عند المصلحة ، كغيرها من أنواع التعزير، وكذلك صفة الضرب
فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب بخلاف الزاني والقاذف
فيجوز أن يقال : قتله فى الرابعة من هذا الباب .
و ((أيضاً)) فإن الله سبحانه قال: (وَإِنَ طَايِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ
فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَّاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ ثُهُمَا عَلَى الْأَخْرَى فَقَئِلُواْلَّتِى تَبْغِى حَتّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن
فَآءَتْ فَأَصْلِحُوْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَأَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فقد وصفهم بالإيمان والأخوة
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَكُمْ).
وأمرنا بالإصلاح بينهم.
فلما شاع فى الأمة أمر ((الخوارج)) تكلمت الصحابة فيهم، وروواعن
٤٨٣

النبى صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم،
وظهرت بدعتهم فى العامة؛ فجاءت بعدم ((المعتزلة)) - الذين اعتزلوا الجماعة
بعد موت الحسن البصري وهم : عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال ،
وأتباعهما - فقالوا: أهل الكبائر مخلدون فى النار، كما قالت الخوارج، ولا
نسميهم لا مؤمنين ولا كفاراً ؛ بل فساق، نعزلهم منزلة بين منزلتين.
وأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبار من أمته، وأن يخرج
من النار بعد أن يدخلها. قالوا : ما الناس إلا رجلان : سعيد لا يعذب،
أوشقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر، وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على
تسميتهم كفاراً .
وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج. فيقال لهم كما أنهم قسموا
الناس إلى مؤمن لا ذنب له ، وكافر لا حسنة له ، قسمتم الناس إلى مؤمنلاذنب
له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة وهو
مخلد فى النار ، لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق ، كما يستحقها المرتد ؛
فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق. وقد قال تعالى فى كتابه: (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ
فجعل مادون ذلك الشرك
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ)
معلقاً بمشيئته.
ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب ؛ فإن التائب لا فرق فى حقه بين
٤٨٤

الشرك وغيره. كما قال سبحانه فى الآية الأخرى: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ
عَلَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَمِيعًا)
فهنا عمم وأطلق،
لأن المراد به التائب ، وهناك خص وعلق .
وقال تعالى: ( ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِ نَا فَمِنْ هُمْ ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ،
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ *
جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُونَهَا مُحَلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤّ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ *
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىَّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِىّ أَحَنَادَارَ
الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيَهَا تَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَافِيَهَا لُغُوبٌ ).
فقد قسم سبحانه الأمة التى أورثها الكتاب واصطفاها ((ثلاثة أصناف)):
ظالم لنفسه ، ومقتصد، وسابق بالخيرات، وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات
الثلاث المذكورة فى حديث جبريل: ((الإسلام)) و((الإيمان)) و((الإحسان)).
كما سنذكره إن شاء الله. ومعلوم أن الظالم لنفسه إن أريد به من اجتنب
الكبائر والتائب من جميع الذنوب فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من
بني آدم يخلوعن ذنب ؛ لكن من تاب كان مقتصداً ، أوسابقاً؛ كذلك من اجتنب
الكبائر كفرت عنه السيئات؛ كما قال تعالى: (إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ
تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد
عذاب يطهر من الخطايا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: أن ما يصيب
المؤمن فى الدنيا من المصائب مما يجزى به ، ويكفر عنه خطاياه ، كما فى الصحيحين
٤٨٥

عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما يصيب المؤمن من وصب ولانصب ، ولا م
ولا حزن، ولا غم، ولا أذى حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من
خطاياه)) وفى المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: (مَن يَعْمَلْ سُوءً ايُجْزَبِهِ)
قال أبو بكر : يارسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً، فقال:
(يا أبا بكر! ألست تنصب؟ ألست بحزن؟ ألست تصيبك اللأواء ؟ فذلك
مما تجزون به)).
و ((أيضاً)) فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فى أنه
يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم يشفع فى
أقوام دخلوا النار. وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: ((الوعيدية)) الذين
يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى ((المرجئة الواقفة))
الذين يقولون: لاندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد ، أم لا؟ !كما
يقول ذلك طوائف من الشيعة والأشعرية، كالقاضي أبي بكر وغيره. وأما
ما يذكر عن ((غلاة المرجئة)) أنهم قالوا : لن يدخل النار من أهل التوحيد
أحد ، فلا نعرف قائلاً مشهوراً من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه
هذا القول .
و (( أيضاً)) فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد شهد لشارب الخمر المجلود
مرات بأنه يحب الله ورسوله ، ونهى عن لعنته، ومعلوم أن من أحب الله
ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. وأيضاً فإن الذين قذفوا عائشة أم
٤٨٦

المؤمنين كان فيهم مسطح بن أثاثة ، وكان من أهل بدر ، وقد أنزل الله فيه
لما حلف أبو بكر ألا يصله: (وَلَ يَأْثَلِ أُوْلُواْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ
أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْأَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ ) .
وإن قيل : إن مسطحاً وأمثاله تابوا
لكن الله لم يشرط في الأمر بالعفو عنهم، والصفح والإحسان إليهم التوبة .
وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبى صلى الله عليه وسلم
فلما أراد عمر قتله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنه قد شهد بدراً،
وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم
فقد غفرت لكم؟)).
وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه قال: «لايدخل
النار أحد بايع تحت الشجرة )) وهذه النصوص تقتضي : أن السيئات
مغفورة بتلك الحسنات ولم يشترط مع ذلك توبة ؛ وإلا فلا اختصاص
لأولئك بهذا ؛ والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل . وإذا قيل : إن هذا
لأن أحداً من أولئك لم يكن له إلا صغائر ، لم يكن ذلك من خصائصه
أيضاً. وأن هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم، و ((أيضاً))
قد دلت نصوص الكتاب والسنة : على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد
بنحو عشرة أسباب .
((أحدها)) التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى:
٤٨٧

( قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
وقال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُوْ عَنِ السَّيِّئَاتِ ) وأمثال ذلك
((السبب الثانى)) الاستغفار كما فى الصحيحين عن النى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أذنب عبد ذنباً فقال : أي رب ! أذنبت
ذنباً فاغفرلي ، فقال : على عبدي أن له رباً يغفر الذنب ، ويأخذ به قد
غفرت لعبدي ، ثم أذنب ذنباً آخر فقال أي رب! أذنبت ذنباً آخر .
فاغفره لي ، فقال ربه : على عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به ، قد
غفرت لعبدي ، فليفعل ما شاء، قال ذلك: فى الثالثة، أو الرابعة )) وفى
صحيح مسلم عنه أنه قال: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون
٨
ثم يستغفرون فيغفر لهم)).
وقد يقال على هذا الوجه الاستغفار هو مع التوبة كما جاء فى حديث
(( ما أصر من استغفر وإن عاد فى اليوم مائة مرة)) وقد يقال : بل الاستغفار
بدون التوبة ممكن واقع ، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار
إذا كان مع التوبة مما يحكم به، عام فى كل تائب ، وإن لم يكن مع التوبة
فيكون فى حق بعض المستغفرين، الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من
الخشية والإنابة ما يمحو الذنوب ، كما فى حديث البطاقة بأن قول: لا إله
٤٨٨

إلا الله ثقلت بتلك السيئات ، لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات،
وكما غفر للبغي بسقي الكلب لما حصل فى قلبها إذذاك من الإيمان، وأمثال ذلك كثير.
((السبب الثالث)): الحسنات الماحية كما قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَي
وقال صلى الله عليه
اُلَّهَارِ وَزُلَفَا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)
وسلم: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان،
مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر)) وقال: ((من صام رمضان إيماناً
واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه)) وقال: (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتسابا
غفر له ماتقدم من ذنبه)) وقال من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق
رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وقال: ((فتنة الرجل فى أهله وماله وولده
تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.))
وقال: ((من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار
حتى فرجه بفرجه)) وهذه الأحاديث وأمثالها فى الصحاح. وقال: ((الصدقة
تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل
النار الحطب)).
وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط
فأما الكبار فلا تغفر إلا بالتوبة كما قد جاء فى بعض الأحاديث: ((ما اجتذبت
الكبائر )» فيجاب عن هذا بوجوه .
٤٨٩

(أحدها ): أن هذا الشرط جاء في الفرائض . كالصلوات الخمس،
والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ
فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية
مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ )
لتكفير السيئات ، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلابد أن يكون لها
ثواب آخر، فإن الله سبحانه يقول: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ **
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ).
( الثاني ) : أنه قد جاء التصريح فى كثير من الأحاديث بأن المغفرة
قد تكون مع الكبائر، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((غفر له وإن كان
فر من الزحف)» وفى السنن « أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
صاحب لنا قد أوجب. فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً
منه من النار.)) وفى الصحيحين فى حديث أبي ذر ((وإن زنى
وإن سرق .)) .
(الثالث): أن قوله لأهل بدر ونحوم ((اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم))
إن حمل على الصغائر، أو على المغفرة مع النوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم. فكما
لا يجوز حمل الحديث على الكفر، لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة،
لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر .
( الرابع): أنه قد جاء فى غير حديث ((إن أول ما يحاسب عليه العبد من
٤٩٠

عمله يوم القيامة الصلاة ، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن
كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله كذلك)). ومعلوم
أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب؛ فإن ترك المستحب لا يحتاج
إلى جبران ، ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول ، فعلم أنه
يكمل نقص الفرائض من التطوعات. وهذا لا ينافي أن الله لا يقبل النافلة
حتى تؤدى الفريضة ، مع أن هذا لو كان معارضاً للأول لوجب تقديم الأول
لأنه أثبت وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنما المعروف أنه فى وصية أبى بكر
لعمر؛ وقد ذكره أحمد فى ((رسالته فى الصلاة)).
وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب عليها. ومعلوم أنه لايثاب على النافلة حتى
تؤدى الفريضة فإنه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبر آلها وإكمالآلها. فإ يكن فيها
ثواب نافلة، ولهذا قال بعض السلف: النافلة لا تكون إلالرسول الله صلى الله عليه وسلم
لأن اللّه قد غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة . وتأول
على هذا قوله: ( وَمِنَ الَّتِلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ ) وليس إذا فعل نافلة وضيع
فريضة تقوم النافلة مقام الفريضة مطلقاً ، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة
أعظم من ثواب النافلة .
فإن قيل : العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها كان عليه أن يصليها إذا ذكرها
بالنص والإجماع. فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء . قيل: هذا
خطأ ، فإن قيل هذا يقال فى جميع مسقطات العقاب. فيقال : إذا كان العبد
٤٩١

يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل ، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل
المأمور ويترك المحظور ؛ لأن الإخلال بذلك سبب للذم والعقاب وإن جاز مع
إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القاتلة
وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية. والله عليم حكيم
رحيم - أمرهم بما يصلحهم، ونهام عما يفسدم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك
لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسباباً يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم،
ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرثهم
على معاصي الله. ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب ، قال بعضهم لشيخه: إني
أذنب، قال : تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال : ثم أعود، قال : تب،
قال : إلى متى؟! قال: إلى أن يحزن الشيطان . وفى المسند عن على عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يحب العبد المفتن التواب)).
وأيضاً فإن من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها
كفارة لها ، تبرأ بها الذمة من المطالبة ويرتفع عنه الذم والعقاب، ويستوجب
بذلك المدح والثواب ، وأما ما يفعله من التطوعات ، فلا نعلم القدر الذي يقوم
ثوابه مقام ذلك، ولو على فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنه
أمربما يقوم مقام ذلك صار واجباً، فلا يكون تطوعاً والتطوعات شرعت لمزيد
التقرب إلى الله كما قال تعالى. فى الحديث الصحيح: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل
أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه))، الحديث
٤٩٢

فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر، لم يحصل له مقصود النوافل،
ولا يظلمه الله، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض
كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء : فإن وقام وتطوع لهم كان
عادلا محسناً . وإن وفام ولم يتطوع كان عادلاً ، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم
وجعل ذلك تطوعا كان غالطا فى جعله ؛ بل يكون من الواجب
الذي يستحقونه .
ومن العجب أن ((المعتزلة)) يفتخرون بأنهم أهل ((التوحيد))، و((العدل)!
وهم فى توحيدهم نفوا الصفات نفياً يستلزم التعطيل والإشراك. وأما ((العدل الذي
وصف الله به نفسه)) فهو أن لا يظلم مثقال ذرة وأنه: من يعمل مثقال ذرة خيرايره ومن
يعمل مثقال ذرة شرايره، وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطابذنب واحدمن
الكبائر ، وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه ، فكان وصف الرب سبحانه
بالعدل الذي وصف به نفسه أولى، من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله.
(الخامس): أن الله لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات، إلا الكفر،
كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة. و ((المعتزلة، مع الخوارج))
يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان، قال الله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدُ
مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ
وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ) فعلق الحبوط بالموت على الكفر،
وقد ثبت ان هذاً ليس بكافر ، والمعلق بشرط عدم عند عدمه . وقال تعالى
٤٩٣

(وَمَن يَكْفُرْ بِلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: (وَمِنْ
ءَابَآَبِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَ إِخْوَنِهِمٌ وَأَجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ
يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَّكُوْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ)
وقال: (لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ اْخَسِرِينَ)
مطابق لقوله تعالى: ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). فإن الإشراك إذا لم يغفر
وأنه موجب للخلود فى النار ، لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه، ولما ذكر
سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال . وقوله: (ذَلِكَ
بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ). لأن ذلك
كفر وقوله تعالى: (لَاتَرْفَعُواْأَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُ واْلَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ
لأن ذلك قد
بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ )
يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط وصاحبه لايدري كراهية أن يحبط أو خشية
أن يحبط ، فنهام عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضى للحبوط.
ولا ريب أن المعصية قد تكون سبباً للكفر، كما قال بعض السلف
المعاصى بريد الكفر ؛ فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط ؛ كما قال
تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ ) - وهي الكفر ...
(أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وابليس خالف أمر الله فصار كافراً؛ وغيره أصابه
عذاب أليم .
وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ )
٤٩٤

قالوا : فصاحب الكبيرة ليس من المتقين ، فلا يتقبل الله منه عملاً، فلا يكون
له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق الخلود في النار،
وقد أجابتهم المرجئة: بأن المراد بالمتقين ، من يتقى الكفر، فقالوا لهم: اسم
المتقين فى القرآن يتناول المستحقين للثواب، كقوله تعالى: (إِنَّالْنَّقِينَ فِى جَنَّتِ
وَنَهَرٍ * فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُّقْنَدِرٍ ) وأيضاً فابنا آهم حين قربا قربانا لم يكن
المقرب المردود قربانه حينئذ كافراً، وإنما كفر بعد ذلك؛ إذ لو كان كافراً لم
يتقرب ، وأيضاً فما زال السلف يخافون من هذه الآية ، ولو أريد بها من يتقى
الكفر لم يخافوا، وأيضاً فإطلاق لفظ المتقين، والمراد به من ليس بكافر، لااصل
له فى خطاب الشارع فلا يجوز حمله عليه .
و ((الجواب الصحيح)): أن المراد من اتقى الله فى ذلك العمل كما قال الفضيل
ابن عياض فى قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَلًا ) قال: أخلصه، وأصوبه ،
قيل: يا أبا علي! ما أخلصه، وأصوبه، قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن
صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل ، حتى يكون خالصاً صواباً،
والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله
- كأهل الرياء - لم يقبل منه ذلك. كما فى الحديث الصحيح يقول الله عز وجل:
((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيرى فأنا بريء منه،
وهو كله للذي أشركه)). وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح:(لايقبل
الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) وقال: ((لا يقبل الله صلاة
٤٩٥

حائض إلا بخار)) وقال فى الحديث الصحيح: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا
فهو رد)) أي فهو مردود غير مقبول. فمن اتقى الكفر وعمل عملاً ليس عليه
أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يقبل منه، وإن صلى بغير وضوء لم يقبل منه،
لأنه ليس متقياً فى ذلك العمل ، وإن كان متقياً للشرك.
وقد قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْوَقُهُمْ وَسَِةٌ لَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ)
وفى حديث عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ((يارسول
الله! أهو الرجل يزنى ، ويسرق، ويشرب الخمر، ويخاف أن يعذب ؟ قال:
لا ، يا ابنة الصديق! ولكنه الرجل يصلى ويصوم ويتصدق ، ويخاف أن
لا يقبل منه)).
وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى
بالعمل على وجهه المأمور ؛ وهذا أظهر الوجوه فى استثناء من استثنى منهم فى
الإيمان، وفى أعمال الإيمان كقول أحدهم: أنا مؤمن - إن شاء الله - وصليت
- إن شاء الله - لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به،
لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق ؛ لا يجوز أن يراد بالآية : إن الله لا يقبل
العمل إلا ممن يتقى الذنوب كلها ، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن بتوب
ليس متقياً ، فإن كان قبول العمل مشروطاً بكون الفاعلحین فعله لا ذنب له،
امتنع قبول التوبة . بخلاف ما إذا اشترط التقوى فى العمل ، فإن التائب حين
يتوب يأتى بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه فى التوبة منتقل من الشر إلى الخير،
٤٩٦

لم يخلص من الذنب ، بل هو متق فى حال تخلصه منه.
و «أيضاً )) فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب
لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة ، وتقبل منه تلك الحسنات ، وهو حين
أتى بها كان فاسقاً .
و ((أيضاً)) فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل ، وغصب ،وقذف
- وكذلك الذمى إذا أسلم . قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه ؛ فلو كان
العمل لايقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش
والمظالم؛ بل يكون مع إسلامه مخلداً ، وقد كان الناس مسلمين على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم ،
ويتوبون إلى الله سبحانه من التبعات. كما ثبت فى الصحيح ((أن المغيرة بن شعبة
لما أسلم وكان قد رافق قوماً فى الجاهلية فندر بهم، وأخذ أموالهم وجاء فأسلم،
فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية والمغيرة قائم على رأس النبي صلى اللّه عليه
وسلم بالسيف ، دفعه المغيرة بالسيف فقال : من هذا ! فقالوا : ابن أختك المغيرة،
فقال ياغدر! ألست أسعى فى غدرتك؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أما
الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه فى شيء)) وقد قال تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ
اُلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا
مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اْلَّالِمِينَ)
وقالوا
٤٩٧

لنوح : ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ
إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوَتَشْعُرُونَ). ولا نعرف أحداً من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال
له لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب ، وكذلك سائر أعمال البر من
الصلاة والزكاة .
(السبب الرابع ) الدافع للعقاب : دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم
على جنازته، فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((مامن ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة ، كلهم يشفعون إلا
شفعوا فيه)). وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((مامن رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله
شيئاً، إلا شفعهم الله فيه)) رواهما مسلم . وهذا دعاء له بعد الموت . فلا
يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبار، وكفرت
عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المتنازعين . فعلم أن هذا
الدعاء من أسباب المغفرة للميت .
(السبب الخامس ) : ما يعمل للميت من أعمال البر ؟ كالصدقة
ونحوها، فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة، واتفاق الأئمة
وكذلك العتق، والحج. بل قد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((مزمات
وعليه صيام صام عنه وليه )) وثبت مثل ذلك فى الصحيح من صوم النذر من
٤٩٨

وجوه أخرى، ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: (وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ
إِلََّ مَاسَعَى ) لوجهين.
( أحدهما ) أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن
المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه ، كدعاء الملائكة ، واستغفارم له ، كما فى
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَبِهِ،
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ )
الآية . ودعاء النبيين والمؤمنين
واستغفارهم كما فى قوله تعالى: (وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَّنٌ لَمُمْ) وقوله
سبحانه: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ
قُرُبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ) وقوله عز وجل: (وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنِبِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ )، وكدعاء المصلين للميت ، ولمن زاروا قبره
- من المؤمنين - .
(الثاني ) : أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه ، وهذا
حق فإنه لايملك ولا يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكهولا
يستحقه؛ لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به؛ كما أنه دائماً يرحم عباده
بأسباب خارجة عن مقدورهم . وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد
بأسباب يفعلها العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب ، فيرحم الجميع كما فى
الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مامن رجل يدعو لأخيه
بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به : آمين ولك
٤٩٩

بمثل)) وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه قال: ((من صلى
على جنازة فله قيراط ؛ ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ؛ أصغرهما مثل
أحد )) فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعاته له ويرحم الميت أيضاً
بدعاء هذا الحي له .
( السبب السادس ): شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فى أهل
الذنوب يوم القيامة كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله صلى الله
عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى)). وقوله صلى
الله عليه وسلم: (( خيرت بين أن يدخل نصف أمتى الجنة؛ وبين الشفاعة
فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكثر : أثرونها للمتقين؟ لا . ولكنها للمذنبين
المتلونين الخطائين» .
(السبب السابع ) : المصائب التى يكفر الله بها الخطايا فى الدنيا
كما فى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مايصيب المؤمن من
وصب ؛ ولا نصب؛ ولاهم؛ ولا حزن؛ ولاغم ؛ ولا أذى - حتى الشوكة
يشاكها - إلا كفر الله بها من خطاياه))،
( السبب الثامن ) : ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة
فإن هذا مما يكفر به الخطايا .
٥٠٠