النص المفهرس
صفحات 441-460
حقيقياً فى الحال ، وإن جعل ذلك شرطاً فى استحقاق الثواب عليه ، وهذا مذهب المعتزلة والكرامية ، وهو اختيار أبي إسحاق الإسفرائينى ، وكلام القاضي يدل عليه ، قال : وهو اختيار شيخنا أبي المعالي ، فإنه قال : الإيمان ثابت فى الحال قطعاً لاشك فيه ، ولكن الإيمان الذي هو على الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة . فاعتنى السلف به وقرنوه بالاستثناء ، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز . قال : ومن صار إلى هذا يقول : الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن وهو المعرفة والتصديق ؛ كما أن العالم مشتق من العلم ، فإذا عرفت ذلك من نفسى قطعت به كما قطعت بأنى عالم وعارف ومصدق ، فإن ورد فى المستقبل ما يزيله خرج إذ ذاك عن استحقاق هذا الوصف . ولا يقال : تبينا أنه لم يكن إيماناً مأموراً به ، بل كان إيماناً مجزياً ، فتغير وبطل . وليس كذلك قوله: أنا من أهل الجنة، فإن ذلك مغيب عنه، وهو مرجو. قال : ومن صار إلى القول الأول يتمسك بأشياء . منها أن يقال: الإيمان عبادة العمر ، وهو كطاعة واحدة فيتوقف صحة أولها على سلامة آخرها . كما نقول فى الصلاة والصيام والحج. قالوا: ولا شك أنه لا يسمى فى الحال ولياً، ولا سعيداً، ولا مرضياً عند الله. وكذلك الكافر لا يسمى فى الحال عدوا لله، ولا شقيا، إلا على معنى أنه يجري عليه أحكام الأعداء فى الحال لإظهاره من نفسه علامتهم. قلت : هذا الذي قالوه ، أنه لا شك فيه هو قول ابن كلاب والأشعري ٤٤١ وأصحابه، ومن وافقهم من أصحاب أحمد ومالك والشافعى وغيرهم. وأما أكثر الناس فيقولون: بل هو إذا كان كافراً، فهو عدو الله، ثم إذا آمن واتقى بََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُ واْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ صار ولياً لله . قال الله تعالی: ( عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم ) إلى قوله: ( تُلْقُونَ إِلَيْهِم ) وكذلك كان ، فإن هؤلاء أهل مكة قَوَدَّةُ وَاللَّهُ قَدِيْرٌ وَاَللَّهُ غَفُورٌرَّحِيمٌ الذين كانوا يعادون الله ورسوله قبل الفتح، آمن أكثرم، وصاروا من أولياء الله ورسوله، وابن كلاب وأتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات الله، وهي الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك. فمعناها إرادة إثابته بعد الموت؛ وهذا المعنى تابع لعلم الله فمن علم أنه يموت مؤمناً، لم يزل ولياً لله؛ لأنه لم يزل الله مريداً لإدخاله الجنة، وكذلك العداوة. وأما الجمهور فيقولون: الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه وسخطه ، فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه ، بعد أن يؤمن ويعمل صالحاً ؛ وإنما يسخط عليه ويغضب، بعد أن يكفر، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ)؛ فأخبر أن الأعمال أسخطته؛ وكذلك قال (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ)، قال المفسرون: أغضبونا وكذلك قال الله تعالى: (وَإِن تَشْكُرُ وايَضَهُ لَكُمْ ): وفى الحديث الصحيح الذي فى البخاري عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: ((من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه؛ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه ، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي ٤٤٢ يسمع به ، وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها ، في يسمع، وبى يبصر ، وبى يبطش، وبى يمشى ؛ ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه)). فأخبر أنه: لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه، ثم قال : فإذا أحببته : كنت كذا، وكذا. وهذا يبين أن حبه لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه . والقرآن قد دل على مثل ذلك ، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَتَِّعُونِيُخْبِبْكُمُ اللَّهُ ) ، فقوله: ( يُحْبِبْكُمُ) ، جواب الأمر فى قوله : فاتبعونى، وهو بمنزلة الجزاء مع الشرط ، ولهذا جزم ، وهذا ثواب عملهم، وهو اتباع الرسول ، فأثابهم على ذلك بأن أحبهم؛ وجزاء الشرط ، وثواب العمل ، ومسبب السبب لا يكون إلا بعده، لا قبله، وهذا كقوله تعالى: (أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وقوله تعالى: (يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْدَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْلَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )؛ وقوله تعالى: (أُتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواقَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ ) ، ومثل هذا كثير، وكذلك قوله: (فَأَتِقُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَ هُمْ إِلَى لَكُمْذُنُوبَكُمْ )، وقوله: ( لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * مَُّّتِهِمَّ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْمَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُلْيَنٌ مَّرْصُوصُ )؛ وكانوا قد سألوه: لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه. وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْيُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِأَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنَفُسَكُمْ ٤٤٣ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ)، فهذا يدل على أن حبه ومقته، جزاء لعملهم وأنه يحبهم إذا اتقوا وقاتلوا؛ ولهذا رغبهم في العمل بذلك، كما يرغبهم بسأر ما يعدهم به؛ وجزاء العمل بعد العمل، وكذلك قوله: (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) ؛ فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون؛ ومثل هذا قوله: ( لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْيُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ؛ فقوله: (لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ ) : بين أنه رضي عنهم هذا الوقت ، فإن حرف (إذ) ظرف لما مضى من الزمان ؛ فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل ، وأثابهم عليه ، والمسبب لا يكون قبل سببه ، والموقت بوقت لا يكون قبل وقته ؛ وإذا كان راضياً عنهم من جهة ، فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ، كما ثبت فى الصحيح، أنه يقول لأهل الجنة: ((يا أهل الجنة هل رضيتم؛ فيقولون: ياربنا ومالنا لا ترضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك ، فيقولون : ياربنا وأي شيء أفضل من ذلك؛ فيقول : أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبداً))؛ وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان ، الذي لا يتعقبه سخط أبداً؛ ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط . ((وفي الصحيحين )) في حديث الشفاعة يقول كل من الرسل : ((إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله))، وفي ((الصحاح)): عن النبى صلى الله عليه وسلم، من غير وجه ٤٤٤ أنه قال: (( لله أشد فرحا بتوبة عبده، من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة ، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها ؛ فاضطجع ينتظر الموت فلما استيقظ ، إذا دابته عليها طعامه وشرابه ــ وفي رواية - كيف تجدون فرحه بها ؟ قالوا : عظيماً يارسول الله ؛ قال : لله أشد فرحاً بتوبة عبده، من هذا براحلته))، وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ، كلاهما يدخل الجنة ؛ وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس ، ويقول أنسخر بي وأنت رب العالمين؛ فيقول : لا ولكني على ما أشاء قادر، وكل هذا في ((الصحيح)). وفي دعاء القنوت : ( تولني فيمن توليت )، والقديم لا يتصور طلبه، وقد قال تعالى : (إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِحِينَ ): ) ؛ فهذا التولي لهم ، جزاء وقال: ( وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ صلاحهم وتقوام ومسبب عنه ، فلا يكون متقدماً عليه ، وإن كان إنما صاروا صالحين ومتقين بمشيئته وقدرته وفضله وإحسانه ؛ لكن تعلق بكونهم متقين وصالحين ، فدل على أن هذا التولي هو بعد ذلك مثل كونه مع المتقين والصالحين بنصره وتأييده؛ ليس ذلك قبل كونهم متقين وصالحين ، وهكذا الرحمة ، قال صلى الله عليه وسلم: ( الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من فى السماء )، قال الترمذي حديث صحيح. وكذلك قوله: ( وَإِن تَشْكُرُواأَرَضَّهُ لَكُمْ ) ؛ علق الرضا به تعليق الجزاء بالشرط والمسبب بالسبب، والجزاء إنما يكون بعد الشرط ٤٤٥ وكذلك قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ) . يدل على أنه يشاء ذلك فيما بعد. وكذلك قوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ): ((فإذا)) ظرف لما يستقبل من الزمان . فدل على أنه إذا أراد كونه . قال له: كن. فيكون. وكذلك قوله: (وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَىَ اللهُ عَمَلَكُمْ )؛ فبين فيه أنه سيرى ذلك في المستقبل إذا عملوه. والمأخذ الثاني في الاستثناء ، أن الإيمان المطلق، يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله؛ وترك المحرمات كلها ؛ فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه ، بأنه من الأبرار المتقين ، القائمين بفعل جميع ما أمروا به؛ وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله ؛ وهذا من تزكية الانسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة ؛ فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال؛ وهذا مأخذ عامة السلف ، الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال الخلال في ((كتاب السنة)): حدثنا سليمان بن الأشعث ، يعني أبا داود السجستاني، قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل . قال له رجل : قيل لي أُمؤمن أنت ؟ قلت نعم ؛ هل علي في ذلك شيء ؟ هل الناس إلا مؤمن وكافر ؟ فغضب أحمد، وقال: هذا كلام الإرجاء؛ قال الله تعالى: (وَءَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ٤٤٦ لِأَمِّ اللَّهِ ) من هؤلاء، ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولاً وعملاً، قال له الرجل : بلى. قال فجئنا بالقول. قال : نعم قال: فجئنا بالعمل . قال : لا .قال: فكيف تعيب أن يقول : إن شاء الله ويستثني. قال أبو داود : أخبرني أحمد بن أبي شريح، أن أحمد بن حنبل، كتب إليه في هذه المسألة، أن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجئ بالعمل، فنحن نستثني في العمل . وذكر الخلال ، هذا الجواب، من رواية الفضل بن زياد. وقال : زاد الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان سليمان بن حرب، يحمل هذا على التقبل ؛ يقول : نحن نعمل ولا ندري يتقبل منا أم لا؟ قلت : والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله ، ففعله كما أمر ، فقد تقبل منه. لكن هو لا يجزم بالقبول، لعدم جزمه بكال الفعل. ) ؛ قالت عائشة : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ كما قال تعالی: ( يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف؟ فقال: لايابنت الصديق ، بل هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لايتقبل منه. وروى الخلال، عن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لايجدبداً من الاستثناء ، لأنهم إذا قالوا: مؤمن ، فقد جاء بالقول. فإما الاستثناء بالعمل لا بالقول . وعن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ٤٤٧ ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان ، لأن الإيمان قول وعمل ، والعمل الفعل ، فقد جئنا بالقول ، ونخشى أن نكون فرطنا في العمل ؛ فيعجبني أن يستثني في الإيمان بقول : أنا مؤمن إن شاء الله، قال: وسمعت أبا عبد الله وسئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) الاستثناء ههنا على أي شيء يقع ؟ قال: على البقاع ، لا يدري أبدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في غيره . وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في: مؤمن إن شاء الله. قال: أقول: مؤمن إن شاء الله، ومؤمن أرجو، لأنه لايدري كيف البراءة للأعمال على ما افترض عليه أم لا. ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله ، وهذا مطابق لما تقدم من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات ، المستحق للجنة إذا مات على ذلك، وأن المفرط بترك المأمور أو فعل المحظور لايطلق عليه أنه مؤمن ؛ وأن المؤمن المطلق هو البر التقي ولي الله، فإذا قال: أنا مؤمن قطعاً، كان كقوله : أنا برتقي ولي الله قطعاً . وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره : أمؤمن أنت ؟ ويكرهون الجواب ؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوابها لقولهم؛ فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر ؛ بل يجد قلبه مصدقاً بما جاء به الرسول، فيقول : أنا مؤمن ، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به ؛ فلما على السلف ٤٤٨ مقصده، صاروا يكرهون الجواب ، أو يفصلون في الجواب؛ وهذا لأن لفظ ((الإيمان)) فيه إطلاق وتقييد ، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لايستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال، ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال : أنامؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغى أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه . وقال المروذي : قيل لأبي عبد الله نقول : نحن المؤمنون ؟ فقال نقول: نحن المسلمون ، وقال أيضاً: قلت لأبي عبد الله: نقول إنا مؤمنون؟ قال: ولكن نقول: إنا مسلمون، ومع هذا فلم ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد المرجئة أن الإيمان مجرد القول ، بل يكره تركه لما يعلم أن في قلبه إيماناً ، وإن كان لا يجزم بكال إيمانه ؟ قال الخلال : أخبرني أحمد بن أصرم المزني ، أن أبا عبد الله قيل له : إذا سألني الرجل فقال: أمؤ من أنت ؟ قال سؤالك إياي بدعة ، لايشك في إيمانه، أو قال لا نشك في إيماننا . قال المزني : وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله . ٤٤٩ وقال الخلال : أخبرني حرب بن إسماعيل ، وأبو داود، قال أبو داود: سمعت أحمد: قال: سمعت سفيان - يعني ابن عيينة - يقول: إذا سئل أمؤمن أنت؟ لم يجبه، ويقول : سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، وقال: إن قال إن شاء الله، فليس يكره ، ولا يداخل الشك، فقد أخبر عن أحمد أنه قال : لانشك في إيماننا، وإن السائل لايشك في إيمان المسؤول ، وهذا أبلغ ، وهو إنما يجزم، بأنه مقر مصدق، بما جاء به الرسول ، لا يجزم بأنه قائم بالواجبات . فعلم أن أحمد وغيره من السلف ، كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب ، من الإيمان في هذه الحال ، ويجعلون الاستثناء عائداً إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور ، ويحتجون أيضاً بجواز الاستثناء فيما لايشك فيه، وهذا ((مأخذ ثان))، وإن كنا لانشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة ، لما فيه من الحكمة . وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء فى الإيمان فقال : نعم، الاستثناء على غير معنى شك ، مخافة واحتياطاً للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثوري. قال الله تعالى: ( لَتَدْخُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (( إني لأرجو أن أكون أنقاكم الله)). وقال فى الميت: «وعليه تبعث إن شاء الله)) فقد بين أحمد أنه يستثني مخافة واحتياطاً للعمل، فإنه يخاف أن لايكون قدكمل المأموربه ، فيحتاط بالاستثناء وقال على غير معنى شك؛ يعني من غير ٤٥٠ شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك فى تكميل العمل الذي خاف أن لا يكون كمله ؛ فيخاف من نقصه ، ولا يشك فى أصله . قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون : أن حبيش بن سندي، حدثهم فى هذه المسألة. قال أبو عبد الله قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على المقابر فقال: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) وقد نعيت إليه نفسه، وعلى أنه صائر إلى الموت، وفى قصة صاحب القبر «وعليه حييت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله)) وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم ((إني اختبأت دعوتي، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً)) وفى مسألة الرجل النبي صلى الله عليه وسلم: أحدنا يصبح جنباً، يصوم؟ فقال: ((إني أفعل ذلك ثم أصوم )) فقال : إنك لست مثلنا أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله)). وهذا كثير، وأشباهه على اليقين . قال: ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل ، يزيد وينقص. فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم. فقال له: إنهم يقولون لي إنك شاك ؛ قال : بئس ماقالوا، ثم خرج فقال: ردوه فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم ، قال: هؤلاء يستثنون. قال له : كيف يا أبا عبد الله ؟ قال : قل لهم : زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل لم تأتوا به ، فهذا الاستثناء لهذا العمل، قيل له ٤٥١ يستثني فى الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، استثني على اليقين لا على الشك؛ ثم قال: قال الله: ( لَتَدْخُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَاللّهُ ءَامِنِينَ ) فقد أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام . فقد بين أحمد فى كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله بلسانه وقلبه ، لايشك فى ذلك ، ويستثني لكون العمل من الإيمان ؛ وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك فى ذلك ، فنفى الشك وأثبت اليقين، فيما بتيقنه من نفسه ، وأثبت الشك فيمالا يعلم وجوده ، وبين أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم لا ، وهو جائز أيضاً لما ينيقنه، فلو استثنى لنفس الموجود فى قلبه جاز ،كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأرجو أن أكون أخشا كم لله)» وهذا أمر موجود فى الحال ليس بمستقبل ، وهوكونه أخشانا ؛ فإنه لايرجو أن يصير أخشانا لله؛ بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله. كما يرجو المؤمن إذا عمل عملاً أن يكون الله تقبله منه وَاُلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ ويخاف أن لا يكون تقبله منه . كما قال تعالى: ( ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: «هو الرجل وَحِلَةٌ أَّهُمْإلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه)) والقبول هو أمر حاضر أو ماض وهو يرجوه ويخافه ، وذلك أن ماله عاقبة مستقبلة محمودة أو مذمومة ، والإنسان يجوز وجوده وعدمه. يقال: إنه يرجوه وإنه يخافه . فتعلق الرجاء والخوف بالحاضر والماضى لأن عاقبته المطلوبة والمكروهة مستقبلة. فهو يرجو أن يكون الله تقبل عمله فينيبه عليه فيرحمه فى المستقبل. ويخاف أن لايكون ٤٥٢ تقبله فيحرم ثوابه. كما يخاف أن يكون الله قدسخط عليه فى معصيته فيعاقبه عليها. وإذا كان الإنسان يسعى فيما يطلبه كناجر أو بريد أرسله في حاجته يقضيها فى بعض الأوقات فإذا مضى ذلك الوقت يقول أرجو أن يكون فلان قد قضى ذلك الأمر ، وقضاؤه ماض، لكن ما يحصل لهذا من الفرح والسرور وغير ذلك من مقاصده مستقبل . ويقول الإنسان فى الوقت الذي جرت عادة الحاج بدخولهم إلى مكة : أرجو أن يكونوا دخلوا ، ويقول فى سرية بعثت إلى الكفار: نرجو أن يكون الله قد نصر المؤمنين وغنمهم ويقال فى نيل مصر عند وقت ارتفاعه: نرجو أن يكون قد صعد النيل، كما يقول الحاضر فى مصر مثل هذا الوقت : نرجو أن يكون النيل فى هذا العام نيلاً مرتفعاً، ويقال لمن له أرض يجب أن تمطر إذا مطرت بعض النواحى: أرجو أن يكون المطر عاماً، وأرجو أن تكون قد مطرت الأرض الفلانية ، وذلك لأن المرجو هو ما يفرح بوجوده ويسره، فالمكروه ما يتألم بوجوده. وهذا يتعلق بالعلم، والعلم بذلك مستقبل، فإذا علم أن المسلمين انتصروا، والحاج قد دخلوا، أو المطر قد نزل، فرح بذلك وحصل به مقاصد أخر له، وإذا كان الأمر بخلاف ذلك ، لم يحصل ذلك المحبوب المطلوب فيقول : أرجو وأخاف ، لأن المحبوب والمكروه متعلق بالعلم بذلك وهو مستقبل ، وكذلك المطلوب بالإيمان من السعادة والنجاة، هو أمر مستقبل فيستثى، فى الحاضر بذلك ، لأن المطلوب به مستقبل، ثم كل مطلوب مستقبل، تعلق بمشيئة الله ٤٥٣ وإن جزم بوجوده ، لأنه لا يكون مستقبل إلا بمشيئة الله . فقولنا: يكون هذا إن شاء الله ، حق، فإنه لا يكون إلا إن شاء الله ، واللفظ ليس فيه إلا التعليق، وليس من ضرورة التعليق الشك. بل هذا بحسب على المتكلم، فتارة يكون شاكا. ونارة لا يكون شاكا: فلما كان الشك يصحبها كثيراً لعدم على الإنسان بالعواقب ، ظن الظان أن الشك داخل فى معناها، وليس كذلك. فقوله: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ) لايتصور فيه شك من الله ؛ بل ولا من رسوله المخاطب والمؤمنين ، ولهذا قال ثعلب : هذا استثناء من الله وقد علمه، والخلق يستثنون فيما لا يعلمون. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة إن إن بمعنى إذ، أي: إذا شاء اللّه، ومقصوده بهذا تحقيق الفعل بـ (إن) كما يتحقق مع إذ . وإلا فإذ، ظرف توقيت، و(إن ) حرف تعليق . فإن قيل : فالعرب تقول: إذا احمر البسر فأتني، ولا تقول: إن احمر البسر. قيل : لأن المقصود هنا توقيت الإتيان بحين احمراره، فأتوا بالظرف المحقق ، ولفظ : (إن) لايدل على توقيت ، بل هى تعليق محض تقتضي ارتباط الفعل الثاني بالأول ، ونظير ما نحن فيه أن يقولوا: البسر يحمر ويطيب إن شاء الله، وهذا حق ، فهذا نظير ذلك . فإن قيل : فطائفة من الناس فروا من هذا المعنى وجعلوا الاستثناء لأمر مشكوك فيه، فقال الزجاج: (لَتَدْخُلُنَّالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ). أي: أمركم ٤٥٤ الله به، وقيل: الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف. أي: لتدخلنه آمنين، فأما الدخول فلا شك فيه. وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم، لأنه على أن بعضهم يموت، فالاستثناء لأنهم لم يدخلوا جميعهم. قيل: كل هذه الأقوال وقع أصحابها فيما فروا منه؛ مع خروجهم عن مدلول القرآن ، فرفوه تحريفاً لم ينتفعوا به، فإن قول من قال: أي: أمركم الله به، هو سبحانه قد علم، هل يأمرهم أو لا يأمرهم، فعلمه بأنه سيأمرهم بدخوله كعلمه بأن سيدخلون، فعلقوا الاستثناء بما لم يدل عليه اللفظ، وعلم الله متعلق بالمظهر والمضمر جميعاً وكذلك أمنهم وخوفهم هو يعلم أنهم يدخلون آمنين أو خائفين، وقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه بأنهم يدخلون آمنين، فكلاهما لم يكن فيه شك عند الله؛ بل ولا عند رسوله. وقول من قال: جميعهم أو بعضهم ، يقال : المعلق بالمشيئة دخول من أريد باللفظ ، فإن كان أراد الجميع ، فالجميع لابد أن يدخلوه ، وإن أريد الأكثر، كان دخولهم هو المعلق بالمشيئة ، وما لم يرد لا يجوز أن يعلق بـ ( إن ) وإنماعلق بـ(إن) ما سيكون، وكان هذا وعداً مجزوما به. ولهذالماقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به ؟ قال : ((بلى، قلت لك: إنك تأتيه هذا العام؟)) قال: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به )). فإن قيل : لم لم يعلق غير هذا من مواعيد القرآن؟ قيل : لأن هذه الآية نزلت بعد مرجع النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ٤٥٥ من الحديبية ، وكانوا قد اعتمروا ذلك العام، واجتهدوا في الدخول، فصدم المشركون، فرجعوا وبهم من الألم مالا يعلمه إلا الله، فكانوا منتظرين لتحقيق هذا الوعد ذلك العام، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم وعدم وعداً مطلقاً. وقد روي أنه رأى في المنام قائلاً يقول: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ) فأصبح تحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج إلى العمرة فلم تحصل لهم العمرة ذلك العام، فنزلت هذه الآية، واعدة لهم بما وعدهم به الرسول من الأمر الذي كانوا يظنون حصوله ذلك العام . وكان قوله: ( إِن شَآءَ اللَّهُ ) هنا تحقيقاً لدخوله وأن الله يحقق ذلك لكم ؛ كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة : والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه ، بل تحقيقاً لعزمه وإرادته ، فإنه يخاف إذا لم يقل: إن شاء الله، أن ينقض الله عزمه، ولا يحصل ما طلبه، كما في ((الصحيحين)) أن سليمان عليه السلام قال: والله لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل منهن تأتى بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه : قل : إن شاء الله، فلم يقل ، فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل . قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوافي سبيل الله فرساناً أجمعون)) فهو إذا قال: إن شاء الله لم يكن لشك فى طلبه وإرادته، بل لتحقيق اللّه ذلك له، إذ الأمور لا تحصل إلا بمشيئة الله، فإذا تألى العبد عليه من غير تعليق بمشيئته، لم يحصل مراده فإنه من يتألى على الله يكذبه، ولهذا يروى: ((لا أتممت لمقدر أمراً)). ٤٥٦ وقيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك ؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم، وقد قال تعالى: (وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) فإن قوله: لأفعلن، فيه معني الطلب والخبر ، وطلبه جازم، وأما كون مطلوبه يقع، فهذا يكون إن شاء الله. وطلبه للفعل يجب أن يكون من الله بحوله وقوته، ففي الطلب عليه أن يطلب من اللّه، وفى الخبر لا يخبر إلا بما علمه الله ؛ فإذا جزم بلا تعليق، كان كالتألي على الله، فيكذبه الله، فالمسلم فى الأمر الذي هو عازم عليه ومريد له وطالب له طلباً لا تردد فيه يقول: إن شاء الله ، لتحقيق مطلوبه، وحصول ما أقسم عليه لكونه لا يكون إلا بمشيئة الله، لا لتردد فى إرادته، والرب تعالى مريد لإنجاز ما وعدم به إرادة جازمة لا مثنوية فيها ، وما شاء فعل ، فإنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ليس كالعبد الذي يريد مالا یکون ، ویکون مالا يريد . فقوله سبحانه : ( إِن شَآءَ اللَّهُ) تحقيق أن ما وعدتكم به يكون لا محالة بمشيئى وإرادتي، فإن ماشئت كان وما لم أشأ لم يكن ؛ فكان الاستثناء هنا لقصد التحقيق، تكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك العام، وأما سائر ما وعدوا به فلم يكن كذلك . ولهذا تنازع الفقهاء فيمن أراد باستثنائه فى اليمين هذا المعنى وهو التحقيق فى استثنائه لا التعليق : هل يكون مستثنياً به ، أم تلزمه الكفارة إذا حنث؟ بخلاف من ترددت إرادته فإنه يكون مستثنياً بلا نزاع ، والصحيح أنه ٤٥٧ يكون فى الجميع مستثنياً، لعموم المشيئة ، ولأن الرجل وإن كانت إرادته للمحلوف به جازمة ، فقد علقه بمشيئة الله، فهو يجزم بإرادته له ، لا يجزم بحصول مراده، ولا هو أيضاً مريد له بتقدير ألا يكون؛ فإن هذا تميير لا إرادة، فهو إما التزمه إذا شاء الله، فإذا لم يشأه لم يلتزمه بيمينه، ولا حلف أنه يكون: وإن كانت إرادته له جازمة ، فليس كل ما أريد التزم باليمين فلا كفارة عليه . وقد تبين بما ذكرناه أن قول القائل: (إِن شَآءَ اللّهُ) يكون مع كمال إرادته فى حصول المطلوب، وهو يقولها لتحقيق المطلوب ؛ لاستعانته باللّه فى ذلك ، لا لشك فى الإرادة، هذا فيما يحلف عليه ويريده ، كقوله تعالى: ( لَتَدْخُلُنَّالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ) فإنه خبر عما أراد الله كونه وهو عالم بأن سيكون ، وقد علقه بقوله: ( إِن شَآءَ اللَّهُ ) فكذلك ما يخبر به الإنسان عن مستقبل أمره مما هو جازم بإرادته وجازم بوقوعه فيقول فيه : إن شاء الله، لتحقيق وقوعه، لا للشك لا فى إرادته ولا فى العلم بوقوعه . ولهذا يذكر الاستثناء عند كمال الرغبة فى المعلق، وقوة إرادة الإنسان له فتبقى خواطر الخوف تعارض الرجاء ؛ فيقول: إن شاء الله، لتحقيق رجائه مع علمه بأن سيكون ؛ كما يسأل الله ويدعوه فى الأمر الذي قد علم أنه يكون، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قد أخبرهم بمصارع المشركين، ثم هو بعد هذا يدخل إلى العريش يستغيث ربه ويقول: ((اللهم أنجز لي ماوعدتني))؛ لأن العلم بما يقدره لا ينافى أن يكون قدره بأسباب ، والدعاء من أعظم ٤٥٨ أسبابه. كذلك رجاء رحمة الله وخوف عذابه من أعظم الأسباب فى النجاة من عذابه وحصول رحمته . والاستثناء بالمشيئة يحصل فى الخبر المحض ، وفى الخبر الذي معه طلب ؛ فالأول إذا حلف على جملة خبرية لايقصد به حضاً ولا منعاً ، بل تصديقاً أو تكذيباً، كقوله: والله ليكونن كذا إن شاء الله، أو لا يكون كذا. والمستثني قد يكون عالماً بأن هذا يكون أو لا يكون كما فى قوله: (لَتَدْخُلُنَّ ) فإن هذا جواب غير محذوف . والثاني: ما فيه معنى الطلب، كقوله: والله لأفعلن كذا، أو لا أفعله إن شاء الله؛ فالصيغة صيغة خبر ضمنها الطلب، ولم يقل: والله إني لمريد هذا ولا عازم عليه ، بل قال: واللّه ليكونن. فإذا لم يكن فقد حنث لوقوع الأمر، بخلاف ما حلف عليه فخنث ، فإذا قال: إن شاء الله فإنما حلف عليه بتقدير : إن يشأ الله، لا مطلقاً . ولهذا ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه متى لم يوجد المحلوف عليه حنث، أو متى وجد المحلوف عليه أنه لا يفعله ، حنث ، سواء كان ناسياً أو مخطئاً أو جاهلاً، فإنهم لحظوا أن هذا فى معنى الخبر ، فإذا وجد بخلاف مخبره فقد حنث وقال الآخرون: بل هذا مقصوده الحض والمنع ، كالأمر والنهي، ومتى نهي الإنسان عن شيء ففعله ناسياً أو مخطئاً لم يكن مخالفاً ، فكذلك هذا. ٤٥٩ قال الأولون : فقد يكون فى معنى التصديق والتكذيب ، كقوله: والله ليقعن المطر ، أولا يقع، وهذا خبر محض ، ليس فيه حض ولا منع ولو حلف على اعتقاده فكان الأمر بخلاف ما حلف عليه ، حنث ، وبهذا يظهر الفرق بين الحلف على الماضي والحلف على المستقبل ، فإن اليمين على الماضي غير منعقدة ، فإذا أخطأ فيها لم يلزمه كفارة ، كالغموس، بخلاف المستقبل . وليس عليه أن يستثني فى المستقبل إذا كان فعله . قال تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَ أَن ◌َّنْ يُبْتُوْقُلْ بَى وَرَبِ لََُّثُنَُّمَنْنَوَّبِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرٌ) فأمره أن يقسم على ما سيكون ، وكذلك قوله : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبِى لَتَأْتِنَّكُمْ ) كما أمره أن يقسم على الحاضر فى قوله: ( وَيَسْتَنْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ ) وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما عدلاً وإماما مقسطاً)). وقال: (( والذي نفسي بيده لاتذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لايدري القائل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل)) وقال : (( إذا هلك كسرى أو ليهلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده . والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله))، وكلاهما فى ((الصحيح)). فأقسم صلوات الله وسلامه عليه على المستقبل فى مواضع كثيرة بلا استثناء، والله سبحانه وتعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٤٦٠