النص المفهرس

صفحات 361-380

وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام
أن تشهد أن لا إله إلا الله)) إلى آخره؛ والإيمان «أن تؤمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله )) إلى آخره. قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن
وبيان لأصل الإسلام ، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر ، وحكم الإسلام فى
الظاهر يثبت بالشهادتين ، وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر
الإسلام ومعظمها ، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بحل قيد انقياده
أو انحلاله.
ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام فى هذا الحديث، وسائر
الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذى هو أصل الإيمان ، مقومات
ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر النبي صلى اللّه عليه وسلم الإيمان فى حديث
وفد عبد القيس بالشهادتين، والصلاة والزكاة، والصوم، وإعطاء الخمس من
المغنم ؛ ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة ،
لأن اسم الشيء الكامل يقع على الكامل منه ، ولا يستعمل فى الناقص ظاهراً
إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني
الزاني حین یزني وهو مؤمن )» .
واسم ((الإسلام)) يتناول أيضاً ما هو ((أصل الإيمان)) وهو التصديق
ويتناول ((أصل الطاعات)) فإن ذلك كله استسلام ، قال: مخرج مما ذكرناه
وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان ؛ وأن كل مؤمن مسلم ، وليس
٣٦١

كل مسلم مؤمناً ، قال : فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص
الواردة فى الإيمان والإسلام التى طالما غلط فيها الخائضون؛ وما حققناه من
ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم.
فيقال : هذا الذى ذكره رحمه الله فيه من الموافقة لما قد بين من أقوال
الأئمة ، وما دل عليه الكتاب والسنة ما يظهر به أن الجمهور يقولون : كل
مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وقوله : إن الحديث ذكر فيه أصل
الإيمان وأصل الإسلام ، قد يورد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن
الإيمان والإسلام بما هو من جنس الجواب بالحد عن المحدود ؛ فيكون
ماذكره مطابقاً لهما لا لأصلهما فقط ، فالإيمان هو الإيمان بما ذكره
باطناً وظاهراً؛ لكن ماذكره من الإيمان تضمن الإسلام، كما أن الإحسان
تضمن الإيمان .
وقول القائل : أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر فالإسلام هو
الاستسلام لله والانقياد له ظاهراً وباطناً، فهذا هو دين الإسلام الذي ارتضاه
الله كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة ، ومن أسلم بظاهره دون باطنه فهو
منافق يقبل ظاهره ، فإنه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس . وأيضاً فإذا
كان الإسلام يتناول التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان . فيلزم
أن يكون كل مسلم مؤمناً ، وهو خلاف ما نقل عن الجمهور ، ولكن لا بد فى
الإسلام من تصديق يحصل به أصل الإيمان ، وإلا لم يثب عليه ؛ فيكون
٣٦٢

حينئذ مسلماً مؤمناً، فلا بد أن يتبين المسلم الذي ليس بمؤمن، ودخوله في الإسلام،
والنبى صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا جبريل أتا كم بعلمكم دينكم)) وقوله:
((الإسلام هو الأركان الخمسة)) لا يعني به من أداها بلا إخلاص لله بل مع
النفاق، بل المراد من فعلها كما أمر بها باطناً وظاهراً، وذكر الخمس أنها
هي الإسلام لأنها هي العبادات المحضة التى تجب لله تعالى على كل عبد مطيق لها،
وما سواها إما واجب على الكفاية لمصلحة إذا حصلت سقط الوجوب ، وإما
من حقوق الناس بعضهم على بعض وإن كان فيها قربة ونحو ذلك . وتلك تابعة
لهذه كما قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) ((وأفضل الإسلام
أن تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ونحو ذلك : فهذه
الخمس هي الأركان والمباني كما في الإيمان .
وقول القائل : الطاعات ثمرات التصديق الباطن ، يراد به شيئان : يراد به
أنها لوازم له ، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل
السنة، ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سبباً، وقد يكون الإيمان الباطن
تاما كاملاً وهي لم توجد ، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم ، وقد ذكرنا
فيما تقدم أنهم غلطوا فى ثلاثة أوجه :
(أحدها ): ظنهم أن الإيمان الذي فى القلب يكون تاما بدون العمل الذي
فى القلب تصديق بلا عمل للقلب ، كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه
والشوق إلى لقائه .
٣٦٣

و(الثانى) : ظنهم أن الإيمان الذي فى القلب يكون تاماً بدون العمل
الظاهر ، وهذا يقول به جميع المرجئة .
و (الثالث ) : قولهم كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق
القلب بالرب تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف
وأقوال المرجئة والجهمية ؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو فى
باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة فى الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث
فيظن أنه يجمع بينهما ، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف.
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وقالت ((طائفة ثالثة)) وهم الجمهور
الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث : الإيمان الذي دعا الله العباد
إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله ديناً وارتضاه لعباده ودعام إليه، وهو
ضد الكفر الذي سخطه فقال: (وَلَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ ) وقال: ( وَرَضِيتُ
(
لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا) وقال: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ هُلِلْإِسْلَمِ
) فمدح الله
أَفَمَن شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ، لِسْلَامِفَهُوَعَلَى نُورِمِنِرَّبِهِ
وقال : (
الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان . وجعله اسم ثناء وتزكية ، فأخبر أن من أسلم
فهو على نور من ربه وهدى ، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه، وما ارتضاه فقد
أحبه وامتدحه، ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال
إبراهيم وإسماعيل: ( رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ
وقال يوسف: (تَوَفَّتِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ) وقال: (وَوَصَّى بِهَآ إِرَهِمُ بَنِهِ
٣٦٤

وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّاللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال :
( وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ وَالْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ ) وقال فى
قُولُواْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ
موضع آخر : (
وَإِسْحَقَ ) إلى قوله ( فَإِنْ ءَامَنُواْبِمِثْلِ مَآءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ) فحكم
الله بأن من أسلم فقد اهتدى ، ومن آمن فقد اهتدى ، فسوى بينهما .
قال: وقد ذكرنا تمام الحجة فى أن الإسلام هو الإيمان ، وأنهمالا يفترقان،
ولا يتباينان فى موضع غير هذا، فكرهنا إعادته فى هذا الموضع كراهة
التطويل والتكرير، غير أنا سنذكر من الحجة ما لم نذكره فى غير هذا الموضع،
ونبين خطأ تأويلهم، والحجج التى احتجوابها من الكتاب والأخبار على
التفرقة بين الإسلام والإيمان .
((قلت)): مقصود محمد بن نصر المروزي - رحمه الله -: أن المسلم الممدوح
هو المؤمن الممدوح ؛ وأن المذموم ناقص الإسلام والإيمان ، وأن كل مؤمن
فهو مسلم ، وكل مسلم فلابد أن يكون معه إيمان، وهذا صحيح، وهو متفق
عليه، ومقصوده أيضاً ، أن من أطلق عليه الإسلام أطلق عليه الإيمان، وهذا
فيه نزاع لفظي ، ومقصوده أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر ، وهذا لايعرف
عن أحد من السلف . وإن قيل : هما متلازمان . فالمتلازمان لا يجب أن يكون
مسمى هذا هو مسمى هذا ، وهو لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم
بإحسان ولا أئمة الإسلام المشهورين أنه قال : مسمى الإسلام هو مسمى
٣٦٥

الإيمان كما نصر ؛ بل ولا عرفت أنا أحداً قال ذلك من السلف ، ولكن المشهور
عن الجماعة من السلف والخلف أن المؤمن المستحق لوعد الله هو المسلم
المستحق لوعد الله، فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وهذا متفق على
معناه بين السلف والخلف بل وبين فرق الأمة كلهم يقولون: إن المؤمن الذي
وعد بالجنة لا بد أن يكون مسلما، والمسلم الذي وعد بالجنة لا بدأن يكون مؤمناً،
وكل من يدخل الجنة بلا عذاب من الأولين والآخرين فهو مؤمن مسلم.
ثم إن أهل السنة يقولون : الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة
معهم بعض ذلك، وإنما النزاع فى إطلاق الاسم ، فالنقول متواترة عن السلف
بأن الإيمان قول وعمل ، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك فى الإسلام، ولكن لما
كان الجمهور الأعظم يقولون: إن الإسلام هو الدين كله، ليس هو الكلمة
فقط خلاف ظاهر ما نقل عن الزهري ، فكانوا يقولون : إن الصلاة والزكاة
والصيام والحج وغير ذلك من الأفعال المأمور بها هي من الإسلام كما هي من
الإيمان، ظن أنهم يجعلونها شيئاً واحداً، وليس كذلك؛ فإن الإيمان مستلزم
للإسلام باتفاقهم، وليس إذا كان الإسلام داخلاً فيه يلزم أن يكون هو إياه ؛
واما الإسلام فليس معه دليل على أنه يستلزم الإيمان عند الإطلاق، ولكن هل يستلزم
الإيمان الواجب أو كمال الإيمان ؟ فيه نزاع ، وليس معه دليل على أنه مستلزم
للإيمان، ولكن الأنبياء الذين وصفهم الله بالإسلام كلهم كانوا مؤمنين، وقد
وصفهم الله بالإيمان ولو لم يذكر ذاك عنهم فنحن نعلم قطعاً أن الأنبياء
كلهم مؤمنون.
٣٦٦

وكذلك السابقون الأولون كانوا مسلمين مؤمنين.
ولو قدر أن الإسلام يستلزم الإيمان الواجب ، فغاية ما يقال : إنهما
متلازمان، فكل مسلم مؤمن ، وكل مؤمن مسلم، وهذا صحيح إذا أريد
أن كل مسلم يدخل الجنة معه الإيمان الواجب . وهو متفق عليه إذا أريد
أن كل مسلم يثاب على عبادته ، فلا بد أن يكون معه أصل الإيمان
هما من مسلم إلا وهو مؤمن . وإن لم يكن هو الإيمان الذي نفاه النى
صلى الله عليه وسلم، عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وعمن يفعل
الكبائر ، وعن الأعراب وغيرم، فإذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان
لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر ، كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح
إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر،
فالإيمان كالروح ، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن ، والإسلام كالبدن ولا
يكون البدن حياً إلا مع الروح ، بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما
هو مسمى الآخر ؛ وإسلام المنافقين كبدن الميت جسد بلا روح، فما من
بدن حي إلا وفيه روح، ولكن الأرواح متنوعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها اتتلف وما تناكر منها اختلف)، وليس
كل من صلى بيدنه يكون قلبه منورا بذكر الله والخشوع وفهم القرآن
وإن كانت صلاته يثاب عليها ويسقط عنه الفرض فى أحكام الدنيا، فهكذا
الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، والإيمان بمنزلة ما يكون فى القلب
حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع وتدبر القرآن، فكل من خشع قلبه
٣٦٧

خشعت جوارحه ، ولا ينعكس، ولهذا قيل : : إياكم وخشوع النفاق، وهو
أن يكون الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع ، فإذا صلح القلب صلح
الجسد كله، وليس إذا كان الجسد فى عبادة يكون القلب قائماً بحقائقها.
والناس فى ((الإيمان، والإسلام)» على ثلاث مراتب: ظالم لنفسه، ومقتصد
وسابق بالخيرات. فالمسلم ظاهراً وباطناً إذا كان ظالماً لنفسه، فلا بد أن يكون
معه إيمان ؛ ولكن لم يأت بالواجب ولا ينعكس، وكذلك فى الآخر . وسيأتى
إن شاء الله .
والآيات التى احتج بها محمد بن نصر تدل على وجوب الإسلام وأنه دين
الله، وأن الله يحبه ويرضاه، وأنه ليس له دين غيره، وهذا كله حق؛ لكن
ليس فى هذا ما يدل على أنه هو الإيمان ؛ بل ولا يدل على أن بمجرد الإسلام
يكون الرجل من أهل الجنة، كما ذكره فى حجة القول الأول، فإن الله وعد
المؤمنين بالجنة فى غير آية ، ولم يذكر هذا الوعد باسم الإسلام وحينئذ، فمدحه
وإيجابه ومحبة اللّه له تدل على دخوله فى الإيمان؛ وأنه بعض منه، وهذا متفق
عليه بين أهل السنة كلهم يقولون : كل مؤمن مسلم، وكل من أتى بالإيمان
الواجب فقد أتى بالإسلام الواجب لكن النزاع فى العكس؛ وهذا كما أن
الصلاة يحبها الله ويأمر بها ويوجبها ويثنى عليها وعلى أهلها في غير موضع ،
ثم لم يدل ذلك على أن مسمى الصلاة مسمى الإيمان ، بل الصلاة تدخل
فى الإيمان، فكل مؤمن مصل ، ولا يلزم أن يكون كل من صلى وأتى
الكبائر مؤمناً .
٣٦٨

وجميع ما ذكره من الحجة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيها التفريق
بين مسمى الإيمان والاسلام إذا ذكرا جميعاً، كما فى حديث جبريل وغيره
وفيها أيضاً أن اسم الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام . قال أبو عبد الله بن
حامد فی کتابه المصنف فى « اصول الدين » :
قد ذكرنا أن الإيمان قول وعمل ، فأما الإسلام فكلام أحمد يحتمل
روايتين: (إحداهما) أنه كالإيمان. ( والثانية): أنه قول بلا عمل . وهو نصه
فى رواية إسماعيل بن سعيد، قال: والصحيح أن المذهب رواية واحدة أنه قول
وعمل ، ويحتمل قوله : إن الإسلام قول يريد به أنه لا يجب فيه ما يجب فى
الإيمان من العمل المشروط فيه لأن الصلاة ليست من شرطه، إذ النص عنه أنه
لا يكفر بتركه الصلاة.
قال: وقد قضينا أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين ، وذكرنا اختلاف
الفقهاء، وقد ذكر قبل ذلك أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين مختلفين ، وبه قال
مالك ، وشريك، وحماد بن زيد، بالتفرقة بين الإسلام والإيمان ، قال : وقال
أصحاب الشافعى، وأصحاب أبي حنيفة: إنهما اسمان معناهما واحد ، قال : ويفيد
هذا أن الإيمان قد تنتفي عنه تسميته مع بقاء الإسلام عليه ، وهوبإتيان الكبائر
التى ذكرت في الخبر ، فيخرج عن تسمية الإيمان ، إلا أنه مسلم ؛ فإذا تاب من
ذلك عاد إلى ما كان عليه من الإيمان. ولا تنتفي عنه تسمية الإيمان بارتكاب
الصغائر من الذنوب ، بل الاسم باق عليه، ثم ذكر أدلة ذلك، ولكن ما ذكره
٣٦٩

فيه أدلة كثيرة على من يقول: الإسلام مجرد الكلمة، فإن الأدلة الكثيرة
تدل على أن الأعمال من الإسلام؛ بل النصوص كلها تدل على ذلك ، فمن قال :
إن الأعمال الظاهرة المأمور بها ليست من الإسلام ، فقوله باطل ، بخلاف
التصديق الذي في القلب ، فإن هذا ليس فى النصوص ما يدل على أنه من
الإسلام ، بل هو من الإيمان ، وإنما الإسلام الدين ، كما فسره النبى صلى الله عليه
وسلم بأن يسلم وجهه وقلبه لله، فإخلاص الدين لله إسلام، وهذا غير التصديق،
ذاك من جنس عمل القلب ، وهذا من جنس على القلب .
وأحمد بن حنبل ، وإن كان قد قال فى هذا الموضع : إن الإسلام هو
الكلمة، فقد قال فى موضع آخر : إن الأعمال من الإسلام ، وهو اتبع هنا
الزهري رحمه الله، فإن كان مراد من قال ذلك، إنه بالكلمة يدخل فى الإسلام
ولم يأت بتمام الإسلام، فهذا قريب. وإن كان مراده أنه أتي بجميع الإسلام
وإن لم يعمل فهذا غلط قطعاً، بل قد أنكر أحمد هذا الجواب، وهو قول من
قال: يطلق عليه الإسلام وإن لم يعمل . متابعة لحديث جبريل ، فكان ينبغى
أن يذكر قول أحمد جميعه .
قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الإسلام والإيمان فقال :
((الإيمان)) قول وعمل، والإسلام الإقرار. وقال: وسألت أحمد عمن قال
في الذي قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ سأله عن الإسلام، فإذا فعلت
ذلك فأنا مسلم ؟ فقال : نعم. فقال قائل : وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبى
صلى الله عليه وسلم، فهو مسلم أيضاً ؟ فقال : هذا معاند للحديث.
٣٧٠

فقد جعل أحمد من جعله مسلماً إذا لم يأت بالخمس معانداً للحديث ، مع قوله:
إن الإسلام الإقرار، فدل ذلك على أن ذاك أول الدخول في الإسلام ، وأنه
لا يكون قائماً بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس، وإطلاق الاسم مشروط بها،
فإنه ذم من لم يتبع حديث جبريل. وأيضاً فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم
يأت بالصلاة ؛ بل وبغيرها من المباني، والكافر لا يكون مسلماً باتفاق المسلمين،
فعلم أنه لم يرد أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل؛ وإن قدر أنه أراد ذلك،
فهذا يكون أنه لا يكفر بترك شيء من المباني الأربعة. وأكثر الروايات عنه
بخلاف ذلك، والذين لا يكفرون من ترك هذه المباني يجعلونها من الإسلام ،
كالشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم، فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام؟!
وقوله فى دخولها فى الإسلام أقوى من قول غيره. وقد روى عنه أنه جعل
حديث سعد معارضاً لحديث عمر، ورجح حديث سعد.
قال الحسن بن علي : سألت أحمد بن حنبل عن الإيمان أوكد أو الإسلام ؟
قال : جاء حديث عمر هذا، وحديث سعد أحب إلي كأنه فهم أن حديث
عمر يدل على أن الأعمال هي مسمى الإسلام، فيكون مسماه أفضل. وحديث
سعد يدل على أن مسمى الإيمان أفضل ، ولكن حديث عمر لم يذكر الإسلام
إلا الأعمال الظاهرة فقط؛ وهذه لا تكون إيماناً إلا مع الإيمان الذى
فى القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله. فيكون حينئذ بعض الإيمان ، فيكون
مسمى الإيمان أفضل كما دل عليه حديث سعد ، فلا منافاة بين الحديثين .
وأما تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان ، فكان يقوله تارة ، وتارة يحكي
٣٧١

الخلاف ولا يجزم به. وكان إذا قرن بينهما ((تارة)) يقول الإسلام الكلمة.
((وتارة)) لا يقول ذلك وكذلك التكفير بترك المباني ، كان تارة يكفر
بها حتى يغضب ؛ وتارة لا يكفر بها. قال الميموني: قلت: يا أبا عبد الله
تفرق بين الإسلام والإيمان ؟ قال: نعم. قلت بأي شيء تحتج؟ قال: عامة
الأحاديث تدل على هذا، ثم قال: «لايزني الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا
يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) وقال الله تعالى: (قَالَتِ اُلْأَعْرَابُ
ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُواْأَسْلَمْنَا ) قال: وحماد بن زيد يفرق بين الإسلام
والإيمان . قال: وحدثنا أبو سلمة الخزاعى قال: قال مالك وشريك ، وذكر
قولهم وقول حماد بن زيد: فرق بين الإسلام والإيمان .
قال أحمد : قال لي رجل : لو لم يجئنا فى الإيمان إلا هذا لكان حسناً .
قلت لأبى عبد الله: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال : نعم. قلت:
فإذا كانت المرجئة يقولون: إن الإسلام هو القول. قال : ثم يصيرون هذا كله
واحداً ، ويجعلونه مسلماً ومؤمناً شيئاً واحداً على إيمان جبريل ومستكمل
الإيمان . قلت: فمن ههنا حجتنا عليهم؟ قال : نعم. فقد ذكر عنه الفرق مطلقاً
واحتجاجه بالنصوص.
وقال صالح بن أحمد: سئل أبي عن الإسلام والإيمان قال : قال ابن أبى
ذئب: الإسلام : القول ، والإيمان : العمل . قيل له : ما نقول أنت ؟ قال:
الإسلام غير الإيمان، وذكر حديث سعد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم.
٣٧٢

فهو فى هذا الحديث لم يختر قول من قال : الإسلام : القول ؛ بل أجاب بأن
الإسلام غير الإيمان، كمادل عليه الحديث الصحيح مع القرآن.
وقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله بحديث بريدة: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: ((السلام عليكم أهل
الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) ... الحديث.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول فى هذا الحديث: حجة على من قال: الإيمان
قول. فمن قال: أنا مؤمن [ فقد خالف ] قوله: من المؤمنين والمسلمين .
فبين المؤمن من المسلم، ورد على من قال: أنا مؤمن مستكمل الإيمان، وقوله :
(( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) وهو يعلم أنه ميت يشد قول من قال : أنا
مؤمن إن شاء الله بالاستثناء فى هذا الموضع .
وقال أبو الحارث سألت: أبا عبد الله قلت: قوله: ((لا يزنى الزانى حين
يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرحين يشربها وهو مؤمن)). قال: قدنأولوه
فأما عطاء فقال: يتنحى عنه الإيمان. وقال طاووس : إذا فعل ذلك زال عنه
الإيمان . وروي عن الحسن قال: إن رجع راجعه الإيمان . وقد قيل : يخرج
من إلا يمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام. وروى هذه المسألة صالح
فإن مسائل أبى الحارث يرويها صالح أيضاً . وصالح سأل أباه عن هذه القصة
فقال فيها : هكذا یروی عن أبي جعفر قال: (( لا یزنى الزانی حین یزنى وهو
مؤمن)) قال : يخرج من الإيمان إلى الإسلام ، فالإيمان مقصور فى الإسلام ،
٣٧٣

فإذا زنی خرج من الإيمان إلى الإسلام. قال الزهري -بعی-لما رویحدیث
سعد: ((أو مسلم)) فترى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل قال أحمد: وهو
حديث متأول والله أعلم.
فقد ذكر أقوال التابعين ولم يرجح شيئاً ، وذلك والله أعلم لأن جميع
ما قالوه حق، وهو يوافق على ذلك كله، كما قد ذكر فى مواضع أخر أنه يخرج
من الإيمان إلى الإسلام، ونحو ذلك. وأحمد وأمثاله من السلف لا يريدون
بلفظ التأويل صرف اللفظ عن ظاهره؛ بل التأويل عندم مثل التفسير، وبيان
ما يؤول إليه اللفظ ، كقول عائشة رضى الله عنها : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده (( سبحانك اللهم وبحمدك اللهم
اغفر لي )) يتأول القرآن، وإلا فما ذكره التابعون لا يخالف ظاهر الحديث
بل يوافقه، وقول أحمد يتأوله، أى يفسر معناه ؛ وإن كان ذلك يوافق ظاهره
لئلا يظن مبتدع أن معناه أنه صار كافراً لا إيمان معه بحال؛ كما تقوله الخوارج
فإن الحديث لا يدل على هذا ؛ والذي نفى عن هؤلاء الإيمان كان يجعلهم
مسلمين لا يجعلهم مؤمنين .
قال المروذي : قيل لأبي عبد الله: نقول نحن المؤمنون ؟ فقال: نقول: محن
المسلمون. قلت لأبى عبد الله : نقول: إنا مؤمنون . قال : ولكن نقول: إنا
مسلمون . وهذا لأن من أصله الاستثناء فى الإيمان ، لأنه لا يعلم أنه مؤد لجميع
ما أمره الله به، فهو مثل قوله: أنا بر ، أنا تقى، أنا ولي الله؛ كما يذكر في
٣٧٤

موضعه؛ وهذا لا يمنع ترك الاستثناء إذا أراد : إني مصدق، فإنه يجزم بما فى
قلبه من التصديق ؛ ولا يجزم بأنه ممتل لكل ما أمر به؛ وكما يجزم بأنه يحب
الله رسوله ، فإنه يبغض الكفر، ونحو ذلك مما يعلم أنه فى قلبه ؛ وكذلك إذا
أراد بأنه مؤمن فى الظاهر ؛ فلا يمنع أن يجزم بما هو معلوم له؛ وإنما يكره
ماكرهه سائر العلماء من قول المرجئة إذ يقولون: الإيمان شيء متماثل في
جميع أهله ، مثل كون كل إنسان له رأس ؛ فيقول أحدم: أنا مؤمن حقاً
وأنا مؤمن عند الله، ونحو ذلك؛ كما يقول الإنسان: لي رأس حقاً، وأنا لي
رأس فى علم الله حقاً ؛ فمن جزم به على هذا الوجه . فقد أخرج الأعمال
الباطنة والظاهرة عنه ؛ وهذا منكر من القول وزور عند الصحابة
والتابعين، ومن اتبعهم من سائر المسلمين؛ وللناس فى ((مسألة الاستثناء))
كلام بذكر فى موضعه .
و(المقصود هنا) أن هنا قولين متطرفين : قول من يقول : الإسلام مجرد
الكلمة ، والأعمال الظاهرة ليست داخلة فى مسمى الإسلام ، وقول من
يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد ؛ وكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث
جبريل، وسائر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا لما نصر محمد بن نصر
المروزي القول الثانى : لم يكن معه حجة على صحته؛ ولكن احتج بما يبطل به
القول الأول؛ فاحتج بقوله فى قصة الأعراب: ( بَلِ اللَّهُ يَمُنُ عَلَيْكُمْأَنْ هَدَلَكُمْ
لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ) قال: فدل ذلك على أن ((الإسلام)) هو الإيمان
٣٧٥

فيقال : بل يدل على نقيض ذلك ، لأن القوم لم يقولوا: أسلمنا ؛ بل قالوا: آمنا
واللّه أمرم أن يقولوا: أسلمنا، ثم ذكر تسميتهم بالإسلام فقال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ
فى قولكم : آمنا ، ولو كان
(
عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَنِ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ
الإسلام هو الإيمان لم يحتج أن يقول: (إِنَ كُنتُمْ صَدِقِينَ ) فإنهم صادقون في
قولهم: (أَسْلَمْنَا) مع أنهم لم يقولوا، ولكن اللّه قال: (يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ
أي: يمنون عليك ما فعلوه من
قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَِّسْلَمَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ)
الإسلام ، فالله تعالى سمي فعلهم إسلاماً ، وليس فى ذلك ما يدل على أنهم سموه
إسلاماً ؛ وإنما قالوا: آمنا ثم أخبر أن المنة تقع بالهداية إلى الإيمان ، فأما الإسلام
الذي لا إيمان معه ، فكان الناس يفعلونه خوفاً من السيف ؛ فلا منة لهم بفعله
وإذا لم يمن الله عليهم بالإيمان كان ذلك كإسلام المنافقين فلا يقبله الله منهم .
فأما إذا كانوا صادقين فى قولهم : آمنا ، فالله هو المان عليهم بهذا الإيمان وما
يدخل فيه من الإسلام ، وهو سبحانه نفى عنهم الإيمان أولاً، وهنا علق منة
الله به على صدقهم ، فدل على جواز صدقهم .
وقد قيل: إنهم صاروا صادقين بعد ذلك ، ويقال : المعلق بشرط
لا يستلزم وجود ذلك الشرط ، ويقال: لأنه كان معهم إيمان ما . لكن ما هو
الإيمان الذي وصفه ثانياً؟ بل معهم شعبة من الإيمان.
قال محمد بن نصر: وقال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُواْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللهُ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ) الآية وقال: (إِنَّالدِّينَ عِندَ اللّهِالْإِسْلَمُ) فسمى إقام الصلاة وإيتاء
٣٧٦

الزكاة ديناً قيما وسمى الدين إسلاما، فمن لم يؤد الزكاة فقد ترك من الدين القيم
- الذي أخبر الله أنه عنده الدين وهو الإسلام - بعضا. قال: وقد جاء معينا
هذه الطائفة التى فرقت بين الإسلام والإيمان على أن الإيمان قول وعمل ، وأن
الصلاة والزكاة من الإيمان وقد سماهما الله دينا، وأخبر أن الدين عنده الإسلام
فقد سمى الله الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمى به الإسلام، وبمثل
ذلك جاءت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم. فمن زعم أن الإسلام هو
الإقرار وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة ؛ ولا فرق بينه وبين
المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا عمل .
فيقال : أما قوله إن الله جعل الصلاة والزكاة من الدين ، والدين عنده
هو الإسلام ، فهذا كلام حسن موافق لحديث جبريل ، ورده على من جعل
العمل خارجا من الإسلام كلام حسن ، وأما قوله: إن اللّه سمى الإيمان بما سمى به
الاسلام وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان فليس كذلك ، فإن الله إنما قال :
(إِنَّالَّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ) ولم يقل قط، إن الدين عند الله الإيمان؛ ولكن
هذا الدين من الإيمان، وليس إذا كان منه يكون هو إياه ؛ فإن الإيمان أصله
معرفة القلب وتصديقه، وقوله ، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له
ولا يكون العبد مؤمنا إلا بهما. وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول ، والعلم
والتصديق ليس جزء مسماه ، لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا
بعلم لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بينه الله ورسوله ، كما قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
٣٧٧

فِي سَبِيلِ اللَّهِأَوْلَئِكَ هُمُ الصَدِّقُونَ) وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ) .
وكذا سائر النصوص التى تنفى الإيمان عمن لم يتصف بما ذكره ، فإن كثيراً
من المسلمين مسلم باطنا وظاهراً ومعه تصديق جمل ، ولم يتصف بهذا الإيمان ،
) وقال :
والله تعالى قال: ( وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَاْإِسْلَكِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَدِينًا ) ولم يقل: ومن يبتغ غير الإسلام علماً ومعرفة
وتصديقاً وإيماناً، ولا قال: رضيت لكم الإسلام تصديقاً وعلماً، فإن الإسلام
من جنس الدين والعمل والطاعة والانقياد والخضوع ؛ فمن ابتغى غير الإسلام
ديناً فلن يقبل منه ، والإيمان طمأنينة ويقين ، أصله علم وتصديق ومعرفة
والدين تابع له، يقال: آمنت بالله وأسلمت لله. قال موسى: (يَقَوْمِ إِن كُمْ
ءَمَنْتُم بِالَّهِ فَعَلَّهِ تَوَكُواْ إِنَ كُ مُسْلِمِينَ ) فلو كان مسماهما واحداً كان هذا
تكريراً، وكذلك قوله: (إِنَّالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) كما
قال: والصادقين والصابرين والخاشعين: فالمؤمن متصف بهذا كله ، لكن هذه
الأسماء لا تطابق الإيمان في العموم والخصوص ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم
يقول: ((اللهم لك أسلمت وبك آمنت ، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك
خاصمت وإليك حاكمت)) كما ثبت في ((الصحيحين)) أنه كان يقول ذلك إذا قام
من الليل، وثبت فى ((صحيح مسلم)) وغيره أنه كان يقول: فى سجوده: ((اللهم
لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت)) وفى الركوع يقول: ((لك ركعت ولك
٣٧٨

أسلمت وبك آمنت )) ولما بين النبى صلى الله عليه وسلم خاصة كل منهما قال :
(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم
وأموالهم)) ومعلوم أن السلامة من ظلم الإنسان غير كونه مأموناً على الدم
والمال، فإن هذا أعلى، والمأمون يسلم الناس من ظلمه وليس من سلموا من
ظلمه يكون مأموناً عندهم.
قال محمد بن نصر: فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار ، وأن العمل ليس
منه ، فقد خالف الكتاب والسنة . وهذا صحيح؛ فإن النصوص كلها تدل على
أن الأعمال من الإسلام . قال: ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن
الإيمان إقرار بلا عمل .
فيقال : بل بينهما فرق ، وذلك أن هؤلاء الذين قالوه من أهل السنة
كالزهري ومن وافقه يقولون : الأعمال داخلة فى الإيمان ، والإسلام عندهم
جزء من الإيمان والإيمان عندم أكمل ، وهذا موافق للكتاب والسنة .
ويقولون: الناس يتفاضلون فى الإيمان وهذا موافق للكتاب والسنة، والمرجئة
يقولون: الإيمان بعض الإسلام والإسلام أفضل ؛ ويقولون إيمان الناس متساو
فإيمان الصحابة وأخبر الناس سواء، ويقولون: لا يكون مع احد بعض الإيمان
دون بعض ، وهذا مخالف للكتاب والسنة.
وقد أجاب أحمد عن هذا السؤال كما قاله في إحدى روايتيه: إن الإسلام
هو الكلمة . قال الزهري : فإنه تارة يوافق من قال ذلك ، وتارة لا يوافقه،
٣٧٩

بل يذكر ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الإسلام غير الإيمان ؛ فلما
أجاب بقول الزهري قال له الميموني : قلت ياأبا عبد الله ! تفرق بين الإسلام
والإيمان؟ قال: نعم، قلت : بأى شيء تحتج ؟ قال: عامة الأحاديث تدل
على هذا، ثم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق
حين يسرق وهو مؤمن)). وقال تعالى: ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ
وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا ) قلت له: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال :
نعم ، قلت : فإذا كانت المرجئة تقول : إن الإسلام هو القول، قال : م يصيرون
هذا كله واحداً ويجعلونه مسلماً ومؤمناً شيئاً واحداً على إيمان جبريل،
ومستكمل الإيمان؛ قلت: فمن ههنا حجتنا عليهم ؟ قال: نعم . فقد أجاب أحمد:
بأنهم يجعلون الفاسق مؤمناً مستكمل الإيمان على إيمان جبريل.
وأما قوله: يجعلونه مسلماً ومؤمناً شيئاً واحداً ، فهذا قول من يقول:
الدين والإيمان شيء واحد ، فالإسلام هو الدين، فيجعلون الإسلام والإيمان
شيئاً وحداً؛ وهذا القول قول المرجئة فيما يذكره كثير من الأئمة ، كالشافعى
وأبي عبيد وغيرهما ، ومع هؤلاء يناظرون ، فالمعروف من كلام المرجئة : الفرق
بين لفظ الدين والإيمان، والفرق بين الإسلام والإيمان. ويقولون : الإسلام
بعضه إيمان وبعضه أعمال ، والأعمال منها فرض ونفل، ولكن كلام السلف كان
فيما يظهر لهم ويصل إليهم من كلام أهل البدع كما تجدم فى الجهمية؛ إما يحكون
عنهم أن الله فى كل مكان ، وهذا قول طائفة منهم كالنجارية ، وهو قول عوامهم
٣٨٠