النص المفهرس
صفحات 321-340
لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدى ما وجب عليه وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التى هي الكبائر . قالوا : فلما أبان الله أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة ، وأن الله قد أوجب الجنة عليه. وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا؛ لأنه لا يخرج من التصديق إلا بالتكذيب؛ ولسنا بشاكين ولا مكذبين: وعلمنا أنا عاصون له مستوجبون للعذاب وهو ضد الثواب الذي حكم الله به للمؤمنين على اسم الإيمان؛ علمنا أنا قد آمنا وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت الله عليه الحكم فى الجنة وهو من الله اسم ثناء ، وتزكية، وقد نهانا الله أن زكي أنفسنا، وأمرنا بالخوف على أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياتنا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين إذ أوجب الله على اسم الإيمان الثناء والتزكية والرأفة والرحمة والمغفرة والجنة؛ وأوجب على الكبائر النار ، وهذان حكان متضادان . فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان فى قلوبكم وهو التصديق بأن الله حق ، وما قاله صدق ؟ قالوا: إن الله ورسوله وجماهير المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء، فسموا الزاني فاسقاً ، والقاذف فاسقاً وشارب الخمر فاسقاً، ولم يسموا واحداً من هؤلاء متقياً ولا ورعاً ؛ وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى والورع. وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئاً. وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من الجنابة أو الصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو فى جميع ذلك متق، وقد أجمع ٣٢١ المسلمون من الموافقين والمخالفين أنهم لا يسمونه متقياً ولا ورعاً إذا كان يأتي بالفجور ، فلما أجمعوا أن أصل التقى والورع ثابت فيه ، وأنه قد يزيد فيه فرعاً بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم ، ثم لا يسمونه متقياً ولا ورعاً مع إتيانه بعض الكبائر ، بل سموه فاسقاً وفاجراً مع علمهم أنه قد أتى ببعض النقى والورع، فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية ، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة . قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمناً ونسميه فاسقاً زانياً . وإن كان فى قلبه أصل اسم الإيمان، لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكام به وأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا: مسلم ولم نقل: مؤمن ، قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق ألا يكون فى قلبه إيمان ولا إسلام لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها ، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الله يقول: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) ثبت أن شر المسلمين فى قلبه إيمان ، ولما وجدنا الأمة تحكم عليه بالأحكام التى ألزمها الله للمسلمين ولا يكفرونهم، ولا يشهدون لهم بالجنة: ثبت أنهم مسلمون إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين ، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين إذكان الإسلام يثبت للملة التى يخرج بها الإنسان من جميع الملل فتزول عنه أسماء الملل إلا اسم الإسلام وتثبت أحكام الإسلام عليه وتزول عنه أحكام جميع الملل . ٣٢٢ فإن قال لهم قائل: لِمَ لَم تقولوا: كافر إن شاء الله، تريدون به كمال الكفر، كما قلتم : مؤمنون إن شاء الله تريدون به كمال الإيمان؟ قالوا : لأن الكافر منكر للحق ، والمؤمن أصل إيمانه الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر فتنتظر به الحقائق، والإيمان أصله التصديق، والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر ، والتحقيق لما صدق؛ ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل ، فسأل أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق ، فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ما قال إذا جحد وأنكر، وسأل الآخر حقه فقال: نعم لك علي كذا وكذا، فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه ؛ فهو منتظر له أن يحقق ما قال بالأداء ويصدق إقراره بالوفاء ، ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده فى المعنى إذ استويا فى الترك للأداء ، فتحقيق ما قال أن يؤدى إليه حقه ؛ فإن أدى جزءاً منه حقق بعض ما قال ووفى ببعض ما أقر به . وكلما أدى جزءاً ازداد تحقيقاً لما أقر به. وعلى المؤمن الأداء أبداً بما أقر به حتى يموت. فمن ثم قلنا: مؤمن إن شاء الله ولم نقل : كافر إن شاء الله. قال محمد بن نصر : وقالت طائفة أخرى من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء، إلا أنهم سموه مسلماً لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله، وبما قال ولم يسموه مؤمناً. وزعموا أنهم مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر ؛ لا كافر بالله؛ ولكن كافر من طريق العمل . وقالوا: كفر لا ينقل عن الملة ؛ وقالوا : محال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن)) ٣٢٣ والكفر ضد الإيمان، فلا يزول عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له لأن الكفرضد الإيمان ، إلا أن الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال فذاك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال ، وكفر هو عمل فهو ضد الإيمان الذي هو عمل ، ألا ترى إلى ماروي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) قالوا : فإذا لم يؤمن فقد كفر، ولا يجوز غير ذلك إلا أنه كفر من جهة العمل، إذ لم يؤمن من جهة العمل ، لأنه لا يضيع ما فرض عليه ويرتكب الكبائر إلا من قلة خوفه وإنما يقل خوفه من قلة تعظيمه الله ووعيده ، فقد ترك من الإيمان التعظيم الذي صدر عنه الخوف والورع فأقسم النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن إذا لم يأمن جاره بوائقه. ثم قد روى جماعة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) وأنه قال: ((إذا قال المسلم لأخيه : يا كافر ! فلم يكن كذلك باء بالكفر ». فقد سماه النبى صلى الله عليه وسلم بقتاله أخاه كافراً وبقوله له : يا كافر! كافراً؛ وهذه الكلمة دون الزنا، والسرقة، وشرب الخمر. قالوا: فأما قول من احتج علينا فزعم أنا إذا سميناه كافراً لزمنا أن يحكم عليه بحكم الكافرين بالله، فنستتيبه ونبطل الحدود عنه؛ لأنه إذا كفر فقد زالت عنه أحكام المؤمنين وحدودم، وفي ذلك إسقاط الحدود وأحكام المؤمنين على كل من أتى كبيرة، فإنا لم نذهب فى ذلك إلى حيث ذهبوا ولكنا نقول: للإيمان أصل وفرع ، وضد الإيمان الكفر فى كل معنى ، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق، وفرعه إ كمال العمل بالقلب والبدن ، فضد الإقرار والتصديق الذي ٣٢٤ هو أصل الإيمان : الكفر بالله وبما قال ، وترك التصديق به وله، وضد الإيمان الذي هو عمل ، وليس هو إقرار ، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة؛ ولكن كفر تضييع العمل، كما كان العمل إيماناً، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله ، فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً، يستتاب ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا ، قد زال عنه بعض الإيمان ، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال : إن الإيمان تصديق وعمل ، إلا الخوارج وحدها، فكذلك لا يجب بقولنا: كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب، ولا تزول عنه الحدود، كما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة ، ولا إزالة الحدود والأحكام عنه ، إذ لم يزل أصل الإيمان عنه فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل، إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال. قالوا : ولما كان العلم بالله إيماناً، والجهل به كفراً، وكان العمل بالفرائض إيماناً ، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر ، لأن أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم، ولم يعلموا الفرائض التى افترضت عليهم بعد ذلك، فلم يكن جهلهم بذلك كفراً، ثم أنزل الله عليهم الفرائض، فكان إقرارم بها والقيام بها إيماناً، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله؛ ولو لم يأت خبر من الله، ما كان يجهلها كافراً ٣٢٥ وبعد مجيء الخبر، من لم يسمع بالخبر من المسلمين، لم يكن يجهلها كافراً. والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر. قالوا : فمن ثم قلنا : إن ترك التصديق بالله كفر ؛ وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر؛ ليس يكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل: كفرتني حقي ونعمتى ، يريد ضيعت حقى وضيعت شكر نعمتى؛ قالوا : ولنا فى هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله ، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام ، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، من ذلك قول ابن عباس فى قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ). قال محمد بن نصر: حدثنا ابن يحيى ، حدثنا سفيان ابن عيينة عن هشام يعني ابن عروة عن حجير، عن طاووس عن ابن عباس : (وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ) ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ ) قال هي به كفر ، قال ابن طاووس : وليس کمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله . حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن ابن طاووس ، عن ٣٢٦ أبيه ، عن ابن عباس قال: هو به كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وبه أنبأنا وكيع عن سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: قلت لابن عباس : (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ) فهو كافر. قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله. حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق عن سفيان عن رجل عن طاووس عن ابن عباس قال : كفر لا ينقل عن الملة . حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن سعيد المكي عن طاووس قال ليس بكفر ينقل عن الملة . حدثنا إسحاق أنبأنا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق . قال محمد بن نصر : قالوا : وقد صدق عطاء، قد يسمى الكافر ظالماً ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً ، فظلم ينقل عن ملة الإسلام، وظلم لا ينقل. قال الله تعالى: (الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَّهُمْ بِظُلْمٍ) وقال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: لما نزلت: ( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْءٍ ) شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم نفسه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بذلك. ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : (إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) إنما هو الشرك. ٣٢٧ حدثنا محمد بن يحيى حدثنا الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن علي ابن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذ ادخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه ، فدخل ذات يوم فقرأ، فأتى على هذه الآية ( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْإِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ) إلى آخر الآية، فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى إلى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر أنيت قبل على هذه الآية (الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَقْ يَلْبِسُوْإِيمَنَهُم بِظُلْمٍ) وقد نرى أنا نظلم ونفعل . فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا ليس بذلك، يقول الله: (إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) إنما ذلك الشرك. قال محمد بن نصر: وكذلك ((الفسق فسقان)): فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقاً ، والفاسق من المسلمين فاسقاً ، ذكر الله إبليس فقال: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِرَبِّهِ ) وكان ذلك الفسق منه كفراً. وقال اللّه تعالى: (وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَأْوَنُهُمُ النَّارُ ) يريد الكفار، دل على ذلك قوله: كُلَمَا أَرَادُوَ أَنْ يَخْرُجُواْمِنْهَا أُعِيدُ وافِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِىكُنتُمبِهِ، ) تُكَذِّبُونَ ) وسمي الفاسق من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام. قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَلَةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَ نَقْبَلُواْلَمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ) وقال تعالى: ( فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَ فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَاحِدَالَ فِى الْحَجِّ ) فقالت العلماء فى تفسير الفسوق ها هنا : هي المعاصي . قالوا : فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين، كذلك الكفر كفرأن : ٣٢٨ (أحدهما ) ينقل عن الملة، و(الآخر) لا ينقل عن الملة ، وكذلك الشرك ((شركان)): شرك فى التوحيد ينقل عن الملة، وشرك فى العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء قال تعالى: (فَنْ كَانَ يَرْجُوْلِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِهِ بِعِبَادَةِ رَبِّهٍِ أَحَدا ) يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الطيرة شرك)). قال محمد بن نصر : فهذان مذهبان هما فى الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل فى موافقيه من أصحاب الحديث، حكى الشالنجي إسماعيل بن سعيد أنه سأل أحمد ابن حنبل عن المصر على الكبار يطلبها بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصيام، هل يكون مصراً من كانت هذه حاله ؟ قال : هو مصر ، مثل قوله : ((لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن)). يخرج من الإيمان ويقع فى الإسلام. ومن نحو قوله: ((لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين بسرق وهو مؤمن)) ومن نحو قول ابن عباس فى قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ) فقلت له : ما هذا الكفر ؟ فقال : كفر لا ينقل عن الملة ، مثل الإيمان بعضه دون بعض ، وكذلك الكفر حتى يجىء من ذلك أمر لا يختلف فيه . وقال ابن أبى شيبة: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن: لا يكون مستكمل الإيمان ، يكون ناقصاً من إيمانه قال : وسألت أحمد بن حنبل عن ((الإسلام، والإيمان)) فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام إقرار. قال: وبه قال أبو خيثمة ، وقال ابن أبي شيبة لا يكون الإسلام إلا بإيمان ، ولا إيمان إلا بإسلام. ٣٢٩ ((قلت)): وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وإن كان مسمى أحدهما ليس هو مسمى الآخر. وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل. قال أبو عمر بن عبد البر فى ((التمهيد)): أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ، ولا عمل إلا بنية ، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، والطاعات كلها عندهم إيمان إلاما ذكر عن أبى حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لانسمى إيماناً قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به ... إلى أن قال : وأما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري، والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود ابن على والطبري ومن سلك سبيلهم ؛ فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة. قالوا : وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات ، وينقص بالمعاصي وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم ، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر . ألا ترى إلى قول النبى صلى الله عليه وسلم ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) ... الحديث يريد مستكمل الإيمان ، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام ، من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا ٣٣٠ بتلك الأحوال ، واحتج على ذلك ؛ ثم قال : وأكثر أصحاب مالك على أن الإيمان والإسلام شيء واحد. قال : وأما قول المعتزلة ، فإلإ يمان عندهم جماع الطاعات ، ومن قصر منها عن شيء فهو فاسق ؛ لا مؤمن ولا كافر ، وهؤلاء هم المتحققون بالاعتزال أصحاب المنزلة بين المنزلتين ... إلى أن قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعليه جماعة أهل الآثار ؛ والفقهاء من أهل الفتيا فى الأمصار وروى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد وتوقف فى نقصانه. وروى عنه عبد الرزاق ومعن بن عيسى وابن نافع أنه يزيد وينقص؛ وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث ، والحمد لله. ثم ذكر حجج المرجئة ؛ ثم حجيج أهل السنة ، ورد على الخوارج التكفير بالحدود المذكورة للعصاة فى الزنا والسرقة ، ونحو ذلك. وبالموارثة ويحديث عبادة: ((من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فى الدنيا فهو كفارة )) وقال : الإيمان مراتب بعضها فوق بعض ؛ فليس ناقص الإيمان ككامل الإيمان . قال الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي حقاً. ولذلك قال: (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن من أمنه الناس ؛ والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) - يغنى حقاً - ومن هذا قوله: ((أكمل المؤمنين إيماناً)). ومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص ! ٣٣١ وقوله: ((أوثق عرى الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله)). وقوله : ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) يدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض وذكر الحديث الذى رواه الترمذى وغيره: (( من أحب الله وأبغض لله)) الحديث. وكذلك ذكر أبو عمرو الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية وإصابة السنة . وقال أبو طالب المكى: مبانى الإسلام الخمسة: يعنى الشهادتين ؛ والصلوات الخمس ؛ والزكاة وصيام شهر رمضان؛ والحج . قال وأركان الإيمان سبعة: يعنى الخمسة المذكورة فى حديث جبرائيل، والإيمان بالقدر ؛ والإيمان بالجنة والنار ، وكلاهما قد رويت فى حديث جبريل كما سنذكر إن شاء الله تعالى. قال : والإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته ؛ والإيمان بكتب الله وأنبيائه، والإيمان بالملائكة والشياطين ؛ يغنى - والله أعلم - الإيمان بالفرق بينهما؛ فإن من الناس من يجعلهما جنساً واحداً؛ لكن تختلف باختلاف الأعمال، كما يختلف الإنسان البر والفاجر ، والإيمان بالجنة والنار ، وأنهما قد خلقتا قبل آدم. والإيمان بالبعث بعد الموت ، والإيمان بجميع أقدار الله خيرها وشرها وحلوها ومرها ؛ أنها من الله قضاء وقدراً ومشيئة وحكما ، وأن ذلك عدل منه وحكمة بالغة ؛ استأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها . قال : وقد قال قائلون : إن الإيمان هو الإسلام ، وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات، وهذا يقرب من مذهب المرجئة: وقال آخرون : إن ٣٣٢ الإسلام غير الإيمان وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير، وهذا قريب من قول الإباضية؛ فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل ، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى فى المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية ، فهما شيئان فى الأعيان . وإحداهما مرتبطة بالأخرى فى المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر ، فهما كشىء واحد ، لا إيمان لمن لا إسلام له ؛ ولا إسلام لمن لا إيمان له إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان ؛ واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَاكُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ) وقال فى تحقيق الإيمان بالعمل: (وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَكَ لَهُمُ الَّرَحَتُّ الْعُلَى ) فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائح الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد ؛ ومن كان مؤمناً بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملاً بما أمر الله فهو مؤمن مسلم ؛ ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز ألّ يسمى مسلماً؛ ولجاز أن المسلم لا يسمى مؤمناً بالله. وقد أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم؛ وكل مسلم مؤمن بالله وملائكته وكتبه قال: ومثل الإيمان فى الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر ؛ لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ؛ ولا ذو قلب بغير ٣٣٣ جسم ؛ فهما شيئان منفردان؛ وهما فى الحكم والمعنى منفصلان(١)؛ ومثلهما أيضاً مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة. لا يقال : حبتان لتفاوت صفتهما . فكذلك أعمال الإسلام من الإسلام هو ظاهر الإيمان ؛ وهو من اعمال الجوارح ، والإيمان باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب . وروى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام علانية؛ والإيمان فى القلب))؛ وفى لفظ: ((الإيمان سر)) فإلاسلام أعمال الإيمان؛ والإيمان عقود الإسلام ؛ فلا إيمان إلا بعمل ؛ ولا عمل إلا بعقد. ومثل ذلك مثل العمل الظاهر والباطن ؛ أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح ؛ ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات)) أى لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن ((إنما)) تحقيق للشىء ونفى لما سواه ؛ فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات؛ وعمل القلوب من النيات ؛ فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلابهما؛ لأن الشفتين تجمع الحروف؛ واللسان يظهر الكلام؛ وفى سقوط أحدهما بطلان الكلام؛ وكذلك فى سقوط العمل ذهاب الإيمان؛ ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان فى قوله: (أَلَوْنَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنٍ) بمعنى ألم نجعله ناظراً متكلما ؛ فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له وذكر الشفتين؛ لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما . ومثل (الإيمان)) و((الإسلام)) أيضاً كفسطاط قائم فى الأرض له ظاهر (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( مرتبطان ) ٣٣٤ وأطناب وله عمود فى باطنه ، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب التى تمسك أرجاء الفسطاط والعمود الذي فى وسط الفسطاط. مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به ، فقد احتاج الفسطاط إليها ، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بهما ، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح لا قوام له إلا بالإيمان ، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام، وهو صالح الأعمال. و ((أيضاً)) فإن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحداً ، فلو لا أنهما كشيء واحد فى الحكم والمعنى ما كان ضدهما واحداً فقال: (كَيْفَ يَهْدِى اللّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ) وقال: (أَيَأْمُرُّكُم بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْأَ نتُمْ مُسْلِمُونَ ) . فجعل ضدهما الكفر . قال : وعلى مثل هذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام من صنف واحد ؛ فقال فى حديث ابن عمر : ((بنى الإسلام على خمس)) وقال فى حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس إنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف، فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر ، وأن الإيمان والعمل ، قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه . قال : فأما تفرقة النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل بين الإيمان والإسلام فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعانى التى وصفناها أن تكون عقوداً من تفصيل أعمال الجوارح مما يوجب الأفعال ٣٣٥ الظاهرة التى وصفها أن تكون علانية ، لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان فى المعنى باختلاف وتضاد ، ليس فيه دليل أنهما مختلفان فى الحكم ، قال : ويجتمعان فى عبد واحد مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية وصف جسمه . قال: و((أيضاً)) فإن الأمة مجتمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام أنه لا يسمى مؤمناً، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلماً ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. قلت : كأنه أراد بذلك إجماع الصحابة ومن اتبعهم ، أو أنه لا يسمي مؤمناً فى الأحكام، وأنه لا يكون مسلماً إذا أنكر بعض هذه الأركان ، أو علم أن الرسول أخبر بها ولم يصدقه ، أو أنه لم ير خلاف أهل الأهواء خلافاً ؛ وإلا فأبو طالب كان عارفاً بأقوالهم، وهذا - والله أعلم - مراده، فإنه عقد(( الفصل الثالث والثلاثين)) فى بيان تفصيل الإسلام والإيمان ، وشرح عقود معاملة القلب من مذهب أهل الجماعة، وهذا الذى قاله أجود مما قاله كثير من الناس ، لكن ينازع فى شيئين . (أحدهما ): أن المسلم المستحق للثواب لا بد أن يكون معه الإيمان الواجب المفصل المذكور فى حديث جبريل . ٣٣٦ و (الثانى): أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلق مؤمناً دون مسلم فى مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أو مسلم)) لكونه ليس من خواص المؤمنين وأفاضلهم ، كأنه يقول : لكونه ليس من السابقين المقربين بل من المقتصدين الأبرار ، فهذان مما تنازع فيهما جمهور العلماء، ويقولون : لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك الرجل ((أو مسلم)) لكونه لم يكن من خواص المؤمنين وأفاضلهم كالسابقين، المقربين، فإن هذا لو كان كذلك لكان ينفي الإيمان المطلق عن الأبرار المقتصدين المتقين الموعودين بالجنة بلا عذاب إذا كانوا من أصحاب اليمين، ولم يكونوا من السابقين والمقربين ؛ وليس الأمر كذلك ، بل كل من أصحاب اليمين مع السابقين المقربين ، كلهم مؤمنون موعودون بالجنة بلا عذاب، وكل من كان كذلك فهو [مؤمن] باتفاق المسلمين من أهل السنة، وأهل البدع؛ ولو جاز أن ينفى الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيماناً نفي الإيمان عن أكثر أولياء الله المتقين، بل وعن كثير من الأنبياء، وهذا فى غاية الفساد، وهذا من جنس قول من يقول : نفي الاسم لنفي كماله المستحب. وقد ذكرنا أن مثل هذا لا يوجد في كلام الله ورسوله ؛ بل هذا الحديث خص من قيل فيه مسلم وليس بمؤمن ، فلا بد أن يكون ناقصاً عن درجة الأبرار المقتصدين أهل الجنة ، ويكون إيمانه ناقصاً عن إيمان هؤلاء كلهم ، فلا يكون قد أتى بالإيمان الذي أمر به هؤلاء كله، ثم إن كان قادراً على ذلك الإيمان وترك الواجب ، كان مستحقاً للذم، وإن قدر أنه لايقدر على ذلك الإيمان الذي الصف به هؤلاء، كان عاجزاً عن مثل إيمانهم، ولا يكون هذا وجب عليه ، فهو وإن ٣٣٧ دخل الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيماناً مجملاً ومات قبل أن يعلم تفصيل الإيمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه ، فهو يدخل الجنة ، لكن لا يكون مثل أولئك. لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين م أيضاً على درجات ، كما فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير)) وقد قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِى الْفَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ ) الآية فدرجة المؤمن القوي فى الجنة أعلى وإن كان كل منهما كمل ما وجب عليه ، وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم : ليس هذا من خواص المؤمنين هذا المعنى : أي ليس ايمانه كإيمان من حقق خاصة الإيمان سواء كان من الأبرار أو من المقربين، وإن لم يكن ترك واجباً لعجزه عنه او لكونه لم يؤمر به ، فلا يكون مذموماً، ولا يمدح مدح أولئك ، ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين . فيقال: وهذا أيضاً لا ينفي عنه الإيمان . فيقال: هو مسلم لا مؤمن ، كما يقال : ليس بعالم ولا مفت ، ولا من أهل الاجتهاد ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) وهذا كثير ، فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدوراً لمن دونه ، فكذلك من حقائق الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس ، بل ولا أكثرهم ، فهؤلاء يدخلون الجنة ، وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الايمان التى فضل الله بها غيرهم ، ولا تركوا واجباً عليهم وإن كان واجباً على غيرهم، ولهذا كان من الإيمان ٣٣٨ ما هو من المواهب والفضل من الله فإنه من جنس العلم ، والإسلام الظاهر من جنس العمل ؛ وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ آَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَهُمْ): وقال: ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَ وْاْهُدَّى) وقال: (هُوَاُلَّذِىَ أَنْزَلَ السَّكِينَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْإِيمَنَا مَّعَ إِيمَنِهِمْ). ومثل هذه السكينة قد لا تكون مقدورة ؛ ولكن الله يجعل ذلك فى قلبه فضلاً منه وجزاء على عمل سابق، كما قال : ( وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيْتًا * وَإِذَا لََّتَيْنَهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) كما قال: (اتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًّا تَمْشُونَ بِهِ ) وكما قال: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ) ولهذا قيل: من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم؛ وهذا الجنس غير مقدور للعباد ؛ وإن كان ما يقدرون عليه من الأعمال الظاهرة والباطنة هو أيضاً بفضل الله وإعانته وإقداره لهم ؛ لكن الأمور قسمان : منه ما جنسه مقدور لهم لإعانة الله لهم، كالقيام والقعود، ومنه ما جنسه غير مقدور لهم ؛ إذا قيل : إن الله يعطي من أطاعه قوة فى قلبه وبدنه يكون بها قادراً على ما لا يقدر عليه غيره فهذا أيضاً حق وهو من جنس هذا المعنى . قال تعالى : (إِذْيُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتَبِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) وقد قال : ( إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَتْبُتُواْ ) فأحرم بالثبات وهذا الثبات يوحي إلى الملائكة أنهم يفعلونه بالمؤمنين. ٣٣٩ والمقصود أنه قد يكون من الإيمان ما يؤمر به بعض الناس ويذم على تركه ، ولا يذم عليه بعض الناس ممن لا يقدر عليه، ويفضل الله ذاك بهذا الإيمان، وإن لم يكن المفضول ترك واجباً ، فيقال : وكذلك فى الأعمال الظاهرة يؤمر القادر على الفعل بما لا يؤمر به العاجز عنه ، ويؤمر بعض الناس بما لا يؤمر به غيره ؛ لكن الأعمال الظاهرة قد يعطى الإنسان مثل أجر العامل إذا كان يؤمن بها ويريدها جهده، ولكن بدنه عاجز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: (( وهم بالمدينة حبسهم العذر))، وكما قال تعالى: (لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ الَّهِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةً ) فاستثنى أولى الضرر . وفى ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزرمثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)). وفي حديث أبى كبشة الأماري: ((هما في الأجر سواء، وهما فى الوزر سواء))، رواه الترمذي وصححه ولفظه: ((إنما الدنيا لأربعة : رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقى فى ذلك المال ربه، ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية ، يقول : لو أن لى مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء ، وعبد ٣٤٠