النص المفهرس

صفحات 301-320

بعض الكفار إما أبو جهل أو غيره قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة
وقال : لئن رأيته يصلى لأطأن عنقه. فلما رآه ساجداً رأى من الهول ما
أوجب نكوصه على عقبيه؛ فإذا قيل: ( أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّ )
فقد علمت تلك الصلاة الواقعة بلا إجمال في اللفظ ولا عموم.
ثم إنه لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج أقام النبي صلى الله عليه
وسلم لهم الصلوات بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم ، وكان جبرائيل يؤم النبى صلى الله
عليه وسلم . والمسلمون يأتمون بالنبى صلى الله عليه وسلم. فإذا قيل لهم: (أَقِيمُوا
الصَّلَوةَ ) عرفوا أنها تلك الصلاة، وقيل : إنه قبل ذلك كانت له صلاتان طرفى
النهار، فكانت أيضاً معروفة، فلم يخاطبوا باسم من هذه الأسماء إلا ومسماه
معلوم عندم . فلا إجمال في ذلك ، ولا يتناول كل مايسمي حجاً ودعاءَ وصوماً،
فإن هذا إنما يكون إذا كان اللفظ مطلقاً ، وذلك لم يرد.
وكذلك ((الإيمان)» و «الإسلام)) وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر
الأمور . وإنما سأل جبريل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم يسمعون وقال:
((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)) ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التى ينبغى
أن تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها، وهذا كما فى الحديث الصحيح أنه
قال: (( ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة
والتمرتان ، ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه
ولا يسأل الناس إلحافاً)) فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج، وكان ذلك
٣٠١

مشهوراً عنده فيمن يظهر حاجته بالسؤال ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي
يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته بإعطاء الناس له، والسؤال
له بمنزلة الحرفة ، وهو وإن كان مسكيناً يستحق من الزكاة إذا لم يعط من
غيرها كفايته، فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكيناً ، وإنما المسكين
المحتاج الذى لا يسأل ولا يعرف فيعطى. فهذا هو الذى يجب أن يقدم فى العطاء، فإنه
مسكين قطعاً، وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله، وكذلك قوله: ((الإسلام
هو الخمس))، يريد أن هذا كله واجب داخل فى الإسلام، فليس للإنسان أن
يكتفي بالإقرار بالشهادتين ؛ وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه
المفصل، لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل، ولهذا وصف الإسلام بهذا.
وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر ، وأما الأعمال
الأربعة فاختلفوا فى تكفير تاركها ، ونحن إذا قلنا : أهل السنة متفقون على أنه
لا يكفر بالذنب ، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المبانى ففي
تكفير تاركها نزاع مشهور . وعن أحمد: فى ذلك نزاع ، وإحدى الروايات عنه:
أنه يكفر من ترك واحدة منها، وهو اختيار أبى بكر وطائفة من أصحاب مالك
كابن حبيب . وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط ، ورواية
ثالثة : لا يكفر إلا بترك الصلاة، والزكاة إذا قاتل الإمام عليها، ورابعة: لا يكفر
إلا بترك الصلاة. وخامسة : لا يكفر بترك شيء منهن. وهذه أقوال معروفة
للسلف . قال الحكم بن عتيبة: من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، ومن ترك
الزكاة متعمداً فقد كفر. ومن ترك الحج متعمداً فقد كفر. ومن ترك صوم
٣٠٢

رمضان متعمداً فقد كفر. وقال سعيد بن جبير: من ترك الصلاة متعمداً فقد
كفر بالله. ومن ترك الزكاة متعمداً فقد كفر بالله. ومن ترك صوم رمضان
متعمداً فقد كفر بالله. وقال الضحاك : لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة . وقال
عبد الله بن مسعود: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له . رواهن
أسد بن موسى .
وقال عبد الله بن عمرو : من شرب الخمر ممسياً أصبح مشركا، ومن شربه
مصحاً أمسى مشركاً ، فقيل لإبراهيم النخعى : كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك
الصلاة ، قال أبو عبد الله الأخذس فى كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك
الصلاة ، ومن ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان. ومما يوضح ذلك أن جبريل
لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، كان في آخر
الأمر بعد فرض الحج، والحج إنما فرض سنة تسع أو عشر.
وقد اتفق الناس على أنه لم يفرض قبل ست من الهجرة ، ومعلوم أن
الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس بالإيمان . ولم يبين لهم معناه إلى ذلك
الوقت ، بل كانوا يعرفون أصل معناه وهذه المسائل لبسطها موضع آخر .
و (المقصودهنا) أن من نفى عنه الرسول اسم ((الإيمان)) أو ((الإسلام))
فلابد أن يكون قد ترك بعض الواجبات فيه وإن بقى بعضها، ولهذا كان الصحابة
والسلف يقولون: إنه يكون فى العبد إيمان ونفاق . قال أبو داود السجستانى :
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن أبى المقدام عن
٣٠٣

أبى يحيى قال : سئل حذيفة عن المنافق . قال : الذى يعرف الإسلام ولا يعمل
به . وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن
عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن حذيفة قال: القلوب أربعة : قلب أغلف،
فذلك قلب الكافر ، وقلب مصفح، وذلك قلب المنافق وقلب أجرد فيه سراج
يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق ؛ فمثل الإيمان فيه كمثل
شجرة يمدها ماء طيب ؛ ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم ؛ فأيهما غلب
عليه غلب. وقد روى مرفوعاً؛ وهو فى (المسند )) مرفوعاً .
وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ
مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم أحد غلب
نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب . وروى عبد الله بن المبارك عن عوف بن
أبى جميلة عن عبد الله بن عمرو بن هند عن علي بن أبي طالب قال: إن الإيمان
يبدو لمظة بيضاء في القلب . فكلما ازداد العبد إيماناً ازداد القلب بياضا ، حتى إذا
استكمل الإيمان ابيض القلب كله . وإن النفاق يبدو لمظة سوداء فى القلب،
فكلما ازداد العبد نفاقاً ازداد القلب سواداً، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود
القلب ، وأيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجد تموه أبيض، ولو شققتم عن
عن قلب المنافق والكافر لوجد تموه أسود.
وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل . رواه
أحمد وغيره وهذا كثير فى كلام السلف ، يبينون أن القلب قد يكون فيه
٣٠٤

إيمان ونفاق، والكتاب والسنة يدلان على ذلك، فإن النى صلى الله عليه وسلم
ذكر شعب الإيمان، وذكر شعب النفاق وقال: ((من كانت فيه شعبة منهن
كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها)» وتلك الشعبة قد يكون معها كثير من
شعب الإيمان، ولهذا قال: (( ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من
إيمان)) فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد فى النار ، وأن من
كان معه كثير من النفاق ، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك،
ثم يخرج من النار .
وعلى هذا فقوله للأعراب: (لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ
نفى حقيقة دخول الإيمان فى قلوبهم، وذلك لا يمنع أن
فِقُلُوبِكُمْ )
يكون معهم شعبة منه، كما نفاه عن الزانى والسارق، ومن لا يحب لأخيه
ما يحب لنفسه ، ومن لا يأمن جاره بوائقه وغير ذلك كما تقدم ذكره، فإن
فى القرآن والحديث ممن نفي عنه الإيمان لترك بعض الواجبات شيئا كثيرا.
وحينئذ فنقول: من قال من السلف : أسلمنا، أي استسلمنا خوف
السيف، وقول من قال: هو الإسلام، الجميع صحيح، فإن هذا إنما أراد
الدخول فى الإسلام والإسلام الظاهر يدخل فيه المنافقون، فيدخل فيه من كان
فى قلبه إيمان ونفاق ، وقد علم أنه يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من
إيمان، بخلاف المنافق المحض الذي قلبه كله أسود، فهذا هو الذي يكون فى الدرك
الأسفل من النار ، ولهذا كان الصحابة يخشون النفاق على أنفسهم ، ولم يخافوا
٣٠٥

التكذيب للّه ورسوله، فإن المؤمن يعلم من نفسه أنه لا يكذب الله ورسوله
يقيناً ، وهذا مستند من قال : أنا مؤمن حقاً ، فإنه أراد بذلك ما يعلمه من
من نفسه من التصديق الجازم ولكن الإيمان ليس مجرد التصديق بل لابد
من أعمال قلبية تستلزم أعمالا ظاهرة كما تقدم فحب الله ورسوله من الإيمان،
وحب ما أمر الله به، وبغض ما نهى عنه، هذا من أخص الأمور بالإيمان،
ولهذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم فى عدة أحاديث أن: (( من سرته حسنته
وساءته سيئته فهو مؤمن)) فهذا يحب الحسنة ويفرح بها ، ويبغض السيئة
ويسوؤه فعلها وإن فعلها بشهوة غالبة ، وهذا الحب والبغض من خصائص
الإيمان .
ومعلوم أن الزانى حين يزنى إنما يزنى لحب نفسه لذلك الفعل،
فلو قام بقلبه خشية الله التى تقهر الشهوة أو حب الله الذي يغلبها؛ لم يزن،
ولهذا قال تعالى عن يوسف عليه السلام: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ.
مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) فمن كان مخلصاً للّه حق الإخلاص لم يزن وإنما يزنى
لخلوه عن ذلك ، وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه لم ينزع منه نفس التصديق
ولهذا قيل : هو مسلم وليس بمؤمن ؛ فإن المسلم المستحق للثواب لا بد أن يكون
مصدقاً ، وإلا كان منافقاً؛ لكن ليس كل من صدق قام بقلبه من الأحوال
الإيمانية الواجبة مثل كمال محبة الله ورسوله، ومثل خشية الله والإخلاص له
فى الأعمال والتوكل عليه بل يكون الرجل مصدقاً بما جاء به الرسول، وهو
٣٠٦

مع ذلك يرانى بأعماله، ويكون أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله
والجهاد فى سبيله، وقد خوطب بهذا المؤمنون فى آخر الأمر فى سورة براءة
فقيل لهم: ( إِن كَانَءَ ابَآؤُّكُمْ وَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْوَعَشِيرَتُ وَأَمْوَلُ
أُقْتَّرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اْللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْحَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ ) ومعلوم أن كثيراً من المسلمين أو أكثرم بهذه الصفة.
وقد ثبت أنه لا يكون الرجل مؤمناً حتى يكون الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما؛ وإنما المؤمن من لم يرتب ، وجاهد ماله ونفسه فى سبيل الله، فمن
لم تقم بقلبه الأحوال الواجبة فى الإيمان، فهو الذي نفى عنه الرسول الإيمان
وإن كان معه التصديق، والتصديق من الإيمان ، ولا بد أن يكون مع التصديق
شىء من حب الله وخشية الله ، وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شىءمن ذلك
ليس إيماناً ألبتة، بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس ، وهذا هو الذي
أنكره السلف على الجهمية . قال الحميدي : سمعت وكيعاً يقول: أهل السنة
يقولون: الإيمان قول وعمل ، والمرجئة يقولون: الإيمان قول. والجهمية
يقولون : الإيمان المعرفة ، وفي رواية أخرى عنه: وهذا کفر. قال محمد بن عمر
الكلابي: سمعت وكيماً يقول: الجهمية شر من القدرية، قال: وقال وكيع :
المرجئة : الذين يقولون: الإقرار يجزئ عن العمل ؛ ومن قال هذا فقد هلك؛
ومن قال : النية يجزئ عن العمل، فهو كفر، وهو قول جهم، وكذلك قال
أحمد بن حنبل.
٣٠٧

ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر
السنة، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد ذكرنا عن الشافعي - رضى
الله عنه - ما ذكره من الإجماع على ذلك قوله فى ((الأم)»: وكان الإجماع من
الصحابة والتابعين من بعدم ومن أدركنام يقولون : إن الإيمان قول وعمل ونية،
لا يجزىء واحد من الثلاثة إلا بالآخر؛ وذكر ابن أبي حاتم - فى ((مناقبه)) -:
سمعت حرملة يقول : اجتمع حفص الفرد ومصلان الأباضى عند الشافعي فى دار
الجروي ، فتناظرا معه في الإيمان فاحتج مصلان فى الزيادة والنقصان وخالفه
حفص الفرد ، فحمي الشافعى وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد
وينقص ، فطحن حفصا الفرد، وقطعه .
وروى أبو عمرو الطلمنكى بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الجمال
قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص،
لا شك أن ذلك كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة
المحكمة؛ وآحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهلم جراً
على ذلك، وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه،
وكذلك فى عهد الأوزاعي بالشام ، وسفيان الثوري بالعراق ؛ ومالك بن أنس
بالحجاز، ومعمر باليمن، على ما فسرنا وبينا، أن الإيمان قول وعمل
يزيد وينقص .
وقال إسحاق: من ترك الصلاة متعمداً حتى ذهب وقت الظهر إلى المغرب،
٣٠٨

والمغرب إلى نصف الليل ، فإنه كافر بالله العظيم ، يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم
يرجع وقال تركها لا يكون كفراً ، ضربت عنقه ــ يعنى تاركها. وقال ذلك -
وأما إذا صلى وقال ذلك ، فهذه مسألة اجتهاد ، قال : واتبعهم على ما وصفنا
من بعدهم من عصرنا هذا أهل العلم، إلا من باين الجماعة واتبع الأهواء المختلفة،
فأولئك قوم لا يعبأ الله بهم لما باينوا الجماعة.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام - وله كتاب مصنف فى الإيمان ،
قال -: هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. من
أهل مكة : عبيد بن عمير الليثي ، عطاء بن أبى رباح ، مجاهد بن جبر . ابن
أبى مليكة ؛ عمرو بن دينار؛ ابن أبى نجيح، عبيد الله بن عمر؛ عبد الله بن عمرو
ابن عثمان، عبد الملك بن جريح ، نافع بن جبير ؛ داود بن عبد الرحمن العطار؛
عبد الله بن رجاء . ومن أهل المدينة : محمد بن شهاب الزهري ، ربيعة بن أبى
عبد الرحمن، أبو حازم الأعرج. سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف،
يحيى بن سعيد الأنصاري ، هشام بن عروة بن الزبير . عبد الله بن عمر العمري ،
مالك بن أنس ، محمد بن أبي ذئب ، سليمان بن بلال ، عبد العزيز بن عبد الله
- يعني الماجشون - ، عبد العزيز بن أبي حازم. ومن أهل اليمن :
طاووس اليماني ، وهب بن منبه ، معمر بن راشد ، عبد الرزاق بن همام. ومن
أهل مصر والشام: مكحول ، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن مسلم،
يونس بن يزيد الأبلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح ، سعيد بن أبي
أبوب ، الليث بن سعد ، عبد الله بن أبي جعفر، معاوية بن أبي صالح، حيوة
٣٠٩

ابن شريح، عبد الله بن وهب . ومن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة:
ميمون بن مهران ، يحيى بن عبد الكريم ،معقل بن عبيد الله ، عبيد الله بن
عمرو الرقي، عبد الملك بن مالك، المعافى بن عمران، محمد بن سلمة الحراني،
أبو إسحاق الفزاري ، مخلد بن الحسين ، علي بن بكار ، يوسف بن أسباط،
عطاء بن مسلم ، محمد بن كثير ، الهيثم بن جميل . ومن أهل الكوفة: علقمة،
الأسود بن يزيد، أبو وائل وسعيد بن جبير، الربيع بن خيثم ، عامر الشعبي،
إبراهيم النخعي، الحكم بن عتيبة، طلحة بن مصرف، منصور بن المعتمر ، سامة
ابن كهيل ، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب ، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان،
يحيى بن سعيد ، سليمان بن مهران الأعمش ، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن
سعيد الثوري ، سفيان بن عيينة ، الفضيل بن عياض ، أبو المقدام ، ثابت بن
العجلان، ابن شبرمة . ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبد الله، الحسن بن
صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو الأحوص، وكيع بن الجراح،
عبد الله بن نمير، أبو أسامة ، عبد الله بن إدريس، زيد بن الحباب، الحسين
ابن علي الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحيى بن آدم ومحمد ويعلي وعمرو
بنو عبيد.
ومن أهل البصرة : الحسن بن أبى الحسن، محمد بن سيرين ، قتادة
ابن دعامة ، بكر بن عبد الله المزنى ، أيوب السختياني، يونس بن عبيد،
عبد الله بن عون ، سليمان التيمي ، هشام بن حسان الدستوائي ، شعبة
ابن الحجاج ، حماد بن سلمة ، حماد بن زيد ، أبو الأشهب، يزيد بن إبراهيم ،
٣١٠

أبو عوانة ، وهيب بن خالد ، عبد الوارث بن سعيد ، معتمر بن سليمان
التيمي ، يحيى بن سعيد القطان ، عبد الرحمن بن مهدي ، بشر بن المفضل ،
يزيد بن زريع ، المؤمل بن إسماعيل ، خالد بن الحارث ، معاذ بن معاذ ،
أبو عبد الرحمن المقري .
ومن أهل واسط: هشيم بن بشير ، خالد بن عبد الله ، علي بن عاصم،
يزيد بن هارون ، صالح بن عمر بن علي بن عاصم.
ومن أهل المشرق : الضحاك بن مزاحم ، أبو جمرة، نصر بن عمران،
عبد الله بن المبارك، النضر بن شميل، جرير بن عبد الحميد الضي.
قال أبو عبيد: هؤلاء جميعاً يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛
وهو قول أهل السنة المعمول به عندنا .
قلت : ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم،
لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولاً فيهم أكثر ، وكان أول من قاله حماد
ابن أبي سليمان ، فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك ، فكثر منهم من
قال ذلك ؛ كما أن التجهم وتعطيل الصفات لما كان ابتداء حدوثه من
خراسان ، كثر من علماء خراسان ذلك الوقت من الإنكار على الجهمية ما لم
يوجد قط لمن لم تكن هذه البدعة فى بلده ولا سمع بها، كما جاء فى حديث :
« إن لله عند كل بدعة يكاد بها الإسلام وأهله من يتكلم بعلامات الإسلام؛
فاغتنموا تلك المجالس ، فإن الرحمة تنزل على أهلها)) أو كما قال.
٣١١

وإذا كان من قول السلف : أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق ،
فكذلك فى قولهم : أنه يكون فيه إيمان وكفر ، ليس هو الكفر الذي ينقل
عن الملة؛ كماقال ابن عباس وأصحابه فى قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ) قالوا: كفروا كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على
ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة .
قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب ((الصلاة)): اختلف الناس
فى تفسير حديث جبرائيل هذا ، فقال طائفة من أصحابنا : قول النبى صلى الله
عليه وسلم: ((الإيمان أن تؤمن باله)) وما ذكر معه كلام جامع مختصر له
غور وقد وهمت المرجئة فى تفسيره فتأولوه على غير تأويله قلة معرفة منهم
بلسان العرب، وغور كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذى قد أعطى جوامع
الكلم وفواتحه، واختصر له الحديث اختصاراً. أما قوله: «إلايمان أن
تؤمن بالله )) فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان وتخضع له ولأمره
بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانباً للاستنكاف والاستكبار والمعاندة، فإذا
فعلت ذلك لزمت محابه واجتذبت مساخطه. وأما قوله: ((وملائكته))
فأن تؤمن بمن سمى الله لك منهم فى كتابه ، وتؤمن بأن لله ملائكة سوامٍ ،
لا يعرف أسماءهم وعددهم إلا الذى خلقهم. وأما قوله: ((وكتبه)) فأن
تؤمن بما سمى الله من كتبه فى كتابه من التوراة والإنجيل والزبور خاصة؛
وتؤمن بأن الله سوى ذلك كتباً أزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا
الذى أنزلها، وتؤمن بالفرقان ، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الكتب .
٣١٢

إيمانك بغيره من الكتب إقرارك به بالقلب واللسان ، وإيمانك بالفرقان
إقرارك به واتباعك ما فيه .
وأما قوله :«ورسله)) فأن تؤمن بما سمى الله في كتابه من رسله ، وتؤمن
بأن لله سوام رسلاً وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم ، وتؤمن بمحمد
صلى الله عليه وسلم وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل. إيمانك بسائر الرسل
إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد إقرارك به وتصديقك إياه دائباً على ما جاء به،
فإذا اتبعت ماجاء به أديت الفرائض وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ووقفت
عند الشبهات، وسارعت في الخيرات، وأما قوله: ((واليوم الآخر)) فأن تؤمن
بالبعث بعد الموت والحساب والميزان ، والثواب والعقاب، والجنة والنار ،
وبكل ماوصف الله به يوم القيامة. وأما قوله: (( وتؤمن بالقدر خيره وشره))
فأن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وأن ما أخطأك لم يكن
ليصيبك ، ولا تقل: لو كان كذا لم يكن كذا، ولولا كذا وكذا لم يكن
كذا وكذا . قال : فهذا هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر .
٣١٣

فصل
ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من
هذه الخمس ؛ فماذا قال: الإسلام هذه الخمس، وقد أجاب بعض الناس بأن هذه
أظهر شعائر الإسلام وأعظمها ، وبقيام العبد بها يتم إسلامه، وتركه لها يشعر
بانحلال قيد انقياده .
و ((التحقيق)) أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام
العبد لربه مطلقاً ، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان . فيجب على كل من
كان قادراً عليه ليعبد الله بها مخلصاً له الدين . وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك
فإنما يجب بأسباب لمصالح ، فلا يعم وجوبها جميع الناس ؛ بل إما أن يكون
فرضاً على الكفاية، كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وما يتبع
ذلك من إمارة، وحكم، وفتيا، وإقراء ، وتحديث، وغير ذلك. وإما أن يجب
بسبب حق للآدميين يختص به من وجب له وعليه ، وقد يسقط بإسقاطه . وإذا
حصلت المصلحة أو الإبراء، إما بيرائه وإما بحصول المصلحة ، فحقوق العباد مثل
قضاء الديون، ورد الغصوب، والعواري والودائع، والإنصاف من المظالم من
الدماء والأموال والأعراض؛ إنما هي حقوق الآدميين، وإذا أبرئوا منها سقطت.
٣١٤

ويجب على شخص دون شخص فى حال دون حال ، لم يجب عبادة محضة لله على
كل عبد قادر ؛ ولهذا يشترك فيها المسلمون واليهود والنصارى ، بخلاف الخمسة
فإنها من خصائص المسلمين .
وكذلك ما يجب من صلة الأرحام، وحقوق الزوجة، والأولاد والجيران
والشركاء، والفقراء. وما يجب من أداء الشهادة، والفتيا، والقضاء، والإمارة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ؛ كل ذلك يجب بأسباب عارضة على
بعض الناس دون بعض لجلب منافع ودفع مضار ، لو حصلت بدون فعل
الإنسان لم يجب ؛ فما كان مشتركا فهو واجب على الكفاية، وما كان مختصاً
فإنما يجب علی زید دون عمرو ، لا يشترك الناس فى وجوب عمل بعينه على كل
أحد قادر سوى الخمس ؛ فإن زوجة زيد وأقاربه ليست زوجة عمرو وأقاربه
فليس الواجب على هذا مثل الواجب على هذا، بخلاف صوم رمضان ، وحج
البيت ، والصلوات الخمس ، والزكاة ؛ فإن الزكاة وإن كانت حقاً مالياً فإنها
واجبة لله ؛ والأصناف الثمانية مصارفها؛ ولهذا وجبت فيها النية، ولم يجز أن
يفعلها الغير عنه بلا إذنه ، ولم تطلب من الكفار. وحقوق العباد لا يشترط لها
النية ، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ، ويطالب بها الكفار ، وما
يجب حقاً للّه تعالى كالكفارات هو بسبب من العبد، وفيها شوب العقوبات
فإن الواجب لله (( ثلاثة أنواع)): عبادة محضة كالصلوات ، وعقوبات محضة
كالحدود ، وما يشبهها كالكفارات. وكذلك كفارات الحج، وما يجب بالنذر
فإن ذلك يجب بسبب فعل من العبد ، وهو واجب فى ذمته .
٣١٥

وأما ((الزكاة)) فإنها يجب حقاً لله فى ماله. ولهذا يقال: ليس في المال
حق سوى الزكاة أي ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة ، وإلا ففيه
واجبات بغير سبب المال، كما تجب النفقات للأقارب، والزوجة ، والرقيق
والبهائم ، ويجب حمل العاقلة ، ويجب قضاء الديون ، ويجب الإعطاء في النائبة
ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري فرضاً على الكفاية؛ إلى غير ذلك من
الواجبات المالية. لكن بسبب عارض، والمال شرط وجوبها ، كالاستطاعة
فى الحج ، فإن البدن سبب الوجوب والاستطاعة شرط ، والمال فى الزكاة
هو السبب والوجوب معه؛ حتى لو لم يكن فى بلده من يستحقها حملها إلى بلدة
أخرى ، وهي حق وجب لله تعالى. ولهذا قال من قال من الفقهاء: إن
التكليف شرط فيها، فلا تجب على الصغير والمجنون . وأما عامة الصحابة
والجمهور، كمالك والشافعى وأحمد، فأوجبوها فى مال الصغير والمجنون ، لأن
ما لهما من جنس مال غيرهما ووليهما يقوم مقامهما، بخلاف بدنهما . فإنه إنما
يتصرف بعقلهما ؛ وعقلهما ناقص . وصار هذا كما يجب العشر في أرضهما
مع أنه إنما يستحقه الثمانية . وكذلك إيجاب الكفارة فى مالهما. والصلاة
والصيام إنما تسقط لعجز العقل عن الإيجاب ، لاسيما إذا انضم إلى عجز البدن
كالصغير . وهذا المعنى منتف فى المال فإن الولي قام مقامهما فى الفهم كما يقوم
مقامهما فى جميع ما يجب فى المال ، وأما بدنهما فلا يجب عليهما فيه شىء.
٣١٦

فصل
قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكره بالآيات التى
تلوناها عند ذكر تسمية الله الصلاة وسائر الطاعات إيماناً، واستدلوا أيضاً بما
قص الله من إباء إبليس حين عصى ربه فى سجدة واحدة أمر أن يسجدها لآدم
فأباها . فهل جحد إبليس ربه وهو يقول: (رَبِّ ◌ِمَا أَغْوَيْنَنِى ) ؟! ويقول: (رَبِّ
فَأَنْظِرُ فِإِلَى يَوْمِ يُعَثُونَ ) إيماناً منه بالبعث، وإيماناً بنفاذ قدرته فى إنظاره
إياه إلى يوم يبعثون ، وهل جحد أحداً من أنبيائه أو أنكر شيئاً من سلطانه
وهو يحلف بعزته ؟ وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة أمر بها فأباها؟
قال: واستدلوا أيضاً بما قص الله علينا من نبأ ابني آدم ( إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًافَتُعُثْلَ مِنْ
أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ) إلى قوله: (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ) قالوا: وهل
جحد ربه؟ وكيف يجحده وهو يقرب القربان؟. قالوا: قال الله تعالى: (إِنَّمَا
يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكْرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ ) ولم يقل: إذا ذكروا بها أقروا بها فقط. وقال: ( الَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَبِهِ ) يعني يتبعونه حق اتباعه
٣١٧

فإن قيل : فهل مع ما ذكرت من سنة ثابتة ، تبين أن العمل داخل فى
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله؟ قيل: نعم عامة السنن والآثار تنطق
بذلك، منها حديث وفد عبد القيس ؛ وذكر حديث شعبة وقرة بن خالد عن
أبي جمرة عن ابن عباس كما تقدم، ولفظه ((آمركم بالإيمان بالله وحده)) ثم قال:
((هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ((شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان
وأن تعطوا خمس ما غنمتم)) وذكر أحاديث كثيرة توجب دخول الأعمال فى
الإيمان مثل قوله فى حديث (١) لما سئل صلى الله عليه وسلم(١)
ثم قال أبو عبد الله محمد بن نصر : اختلف أصحابنا فى تفسير قول النبى
صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) فقالت طائفة
منهم: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه
من الإسلام، ولا يزيل عنه اسمه ، وفرقوا بين الإيمان والإسلام ، وقالوا : إذا
زنى فليس بمؤمن وهو مسلم، واحتجوا لتفريقهم بين الإسلام والإيمان . بقوله:
(قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ) الآية، فقالوا: الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل مع
التوحيد، والإسلام عام يثبت الاسم بالتوحيد والخروج من ملل الكفر
واحتجوا بحديث سعد بن أبى وقاص، وذكره عن سعد أن رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم أعطى رجالاً ولم يعط رجلاً منهم شيئاً. فقلت: يا رسول الله أعطيت
فلاناً وفلاناً ولم تعط فلانا وهو مؤمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أو
مسلم)) أعادها ثلاثاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أو مسلم)» ثم قال:
(١) بياض بالأصل .
٣١٨

(( إنى لأعطي رجالاً وأمنح آخرين وم أحب إلي منهم مخافة أن يكبوا
على وجوههم فى النار )) قال الزهري : فترى أن الإسلام الكلمة ،
والإيمان العمل.
قال محمد بن نصر: واحتجوا بإنكار عبد الله بن مسعود على من شهد لنفسه
بالإيمان فقال : أنا مؤمن . من غير استثناء ، وكذلك أصحابه من بعده ، وجل
علماء الكوفة على ذلك. واحتجوا بحديث أبي هريرة: ((يخرج منه الإيمان فإن
رجع رجع إليه))، وبما أشبه ذلك من الأخبار، وبما روى عن الحسن ومحمدبن
سيرين أنهما كانا يقولان : مسلم ، ويهابان : مؤمن ؛ واحتجوا بقول أبي جعفر
الذي حدثناه إسحاق بن إبراهيم ، أنبأنا وهب بن جرير بن حازم ، حدثني أبى،
عن فضيل بن بشار، عن أبي جعفر محمد بن على أنه سئل عن قول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن))، فقال أبو جعفر: هذا
الإسلام ودور دارة واسعة ، وهذا الإيمان ودور دارة صغيرة فى وسط
الكبيرة ، فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام ، ولا يخرجه من
الإسلام إلا الكفر بالله. واحتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص))، حدثنا بذلك يحيى بن يحيى ، حدثنا
ابن لهيعة عن شريح بن هانئ عن عقبة بن عامر الجهني ، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال ((أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص)).
وذكر عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الإيمان والإسلام ، فجعل
٣١٩

الإيمان خاصاً والإسلام عاما. قال : فلنا فى هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما
يثبت ذلك من النظر، وذلك أن الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة،
أوجب عليه الجنة فقال: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَمٌ
وَأَعَّ لَهُمْ أَجْرَاكَرِيمًا ) وقال: ( وَبَشِّرِالْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّلَهُمْ مِنَاللَّهِفَضْلًا كَبِيرًا) وقال:
( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّلَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَرَبِهِمْ) وقال: ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَتْمَتِهِمِ ) وقال: ( اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ ) وقال: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى
مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ).
قال: ثم أوجب الله النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان
زائل عمن أتى كبيرة. قالوا: ولم نجده أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن
اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه .
فإن قيل لهم فى قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر ، قالوا : الكفر
ضد لأصل الإيمان ، لأن للإيمان أصلاً وفروعاً ، فلا يثبت الكفر حتى يزول
أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر، فإن قيل لهم ؛ فالذين زعمتم أن النبي
صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان هل فيهم من الإيمان شىء ؟ قالوا:
نعم أصله ثابت ، ولولا ذلك لكفروا . ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي
شهد أنه مؤمن ثم قال : لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يخبرك أنه قد
آمن من جهة أنه صدق ، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذا كان يعلم أنه مقصر ،
٣٢٠