النص المفهرس
صفحات 281-300
المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان ، ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة . وهذا حال كثير من المسلمين فى زماننا أو أكثرم . إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً وينافق أكثرم أوكثير منهم. ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالباً؛ وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت العافية ، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين . وهم مؤمنون بالرسول باطناً وظاهراً لكن إيماناً لا يثبت على المحنة. ولهذا يكثر فى هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم . وهؤلاء من الذين قالوا: (ءَامَنَّا ) فقيل لهم: (قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ) أي الإيمان المطلق، الذي أهله م المؤمنون حقاً ، فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه الكتاب والسنة. ولهذا قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَبَحَهَدُواْ ◌ِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَِّكَ هُمُ الصَّدِقُونَ) فلم يحصل لهم ريب عند المحن التى تقلقل الإيمان فى القلوب ، والريب يكون فى علم القلب وفى عمل القلب ؛ بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا فى العلم ، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علماً وعملاً؛ وإلا فإذا كان عالماً بالحق ؛ ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزءاً عظيماً ، لم يكن صاحب يقين. قال تعالى: ( هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالََّ شَدِيدًا ). ٢٨١ وكثيراً ما نعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق ، ثم يتوب الله عليه : وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق ، ويدفعه الله عنه. والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان ، وبوساوس الكفر التى يضيق بها صدره. كما قالت الصحابة : يارسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض ، أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: ((ذاك صريح الإيمان)) وفى رواية: ((ما يتعاظم أن يتكلم به)) قال: (( الحمد لله الذي ردكيده إلى الوسوسة)) أي حصول هذا الوسواس ، مع هذه الكراهة العظيمة له ودفعه عن القلب، هو من صريح الإيمان ؛ كالمجاهد الذي جاءه العدو ، فدافعه حتى غلبه ؛ فهذا أعظم الجهاد و ((الصريح)) الخالص، كاللبن الصريح. وإنما صار صريحاً، لماكرهوا تلك الوساوس الشيطانية ودفعوها خلص الإيمان فصار صريحاً . ولا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس ؛ فمن الناس من يجيبها فيصير كافراً أو منافقاً؛ ومنهم من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب الدين ، فإما أن يصير مؤمناً وإما أن يصير منافقاً؛ ولهذا يعرض للناس من الوساوس فى الصلاة ما لا يعرض لهم إذا لم يصلوا، لأن الشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والتقرب إليه والاتصال به ؛ فلهذا يعرض للمصلين ما لا يعرض لغيرهم، ويعرض لخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم ، لأنه لم يسلك شرع الله ومنهاجه ؛ بل هو مقبل على هواه فى غفلة عن ذكر ربه. وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة ٢٨٢ فإنه عدوهم يطلب صدع عن الله. قال تعالى: (إِنَّالشَّيْطَانَ لَكُنْعَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) ولهذا أمر قارئ القرآن ، أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فإن قراءة القرآن على الوجه المأمور به ، نورث القلب الإيمان العظيم ، وتزيده يقيناً وطمأنينة وشفاء. وقال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَشِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُ وَلاَ يَزِيدُ الْطَلِينَ إِلََّ خَسَارًا ) وقال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) وقال تعالى ( هُدَّى لِلَّْفِينَ ) وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ). وهذا مما يجده كل مؤمن من نفسه ؛ فالشيطان يريد بوساوسه أن يشغل القلب عن الانتفاع بالقرآن ؛ فأمر الله القارئ إذا قرأ القرآن ، أن يستعيذ منه قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُسُلْطٌَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَ كَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ. وَأَلَّذِينَ هُم بِهِ،مُشْرِكُونَ ) فإن المستعيد بالله مستجير به، لاجئ إليه، مستغيث به من الشيطان ؛ فالعائذ بغيره مستجير به ؛ فإذا عاذ العبد بربه كان مستجيراً به متوكلا عليه فيعيده الله من الشيطان ويجيره منه؛ ولذلك قال الله تعالى: (آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ، وَلِيُّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ واْ وَمَا يُلَقَّتِهَآ إِلَّاذُوحَظٍ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُوهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وفى ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنى لأعلم كلمة لو ٢٨٣ قالها لذهب عنه ما يجد ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فأمر سبحانه بالاستعاذة عند طلب العبد الخير، لئلا يعوقه الشيطان عنه ؛ وعند ما يعرض عليه من الشر ليدفعه عنه عند إرادة العبد للحسنات ؛ وعند ما يأمره الشيطان بالسيئات. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لايزال الشيطان يأتى أحدكم فيقول : من خلق كذا؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق الله ؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته)) فأمر بالاستعاذة عندما يطلب الشيطان أن يوقعه فى شر أو يمنعه من خير ؛ كما يفعل العدو مع عدوه. وكلما كان الإنسان أعظم رغبة فى العلم والعبادة، وأقدر على ذلك من غيره بحيث تكون قونه على ذلك أقوى ، ورغبته وإرادته فى ذلك أتم ؛ كان ما يحصل له إن سلمه الله من الشيطان أعظم ؛ وكان ما يفتتن به إن تمكن منه الشيطان أعظم . ولهذا قال الشعبي : كل أمة علماؤها شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارم . وأهل السنة فى الإسلام؛ كأهل الإسلام فى الملل؛ وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون ، وإنما يضلهم علماؤهم؛ فعلماؤم شرارهم ، والمسلمون على هدى وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤم خيارهم؛ وكذلك أهل السنة ، أئمتهم خيار الأمة ، وأئمة أهل البدع ، أضر على الأمة من أهل الذنوب. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة، وأولئك لهم ٢٨٤ نهمة في العلم والعبادة؛ فصار يعرض لهم من الوساوس التى تضلهم ـوم يظنونها هدى، فيطيعونها - ما لا يعرض لغيرهم ، ومن سلم من ذلك منهم كان من أئمة المتقين مصابيح الهدى ، وينابيع العلم ؛ كما قال ابن مسعود لأصحابه : كونوا ينابيع العلم ، مصابيح الحكمة ، سرج الليل ؛ جدد القلوب ، أحلاس البيوت ، خلقان الثياب ؛ تعرفون فى أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض . صـ ٢٨٥ فصل ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة فى القرآن والحديث، إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبى صلى الله عليه وسلم لم يحتج فى ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرم؛ ولهذا قال الفقهاء: (الأسماء ثلاثة أنواع)) نوع يعرف حده بالشرع، كالصلاة والزكاة : ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر : ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ، ولفظ المعروف فى قوله : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، من ادعى علمه فهو كاذب. فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يراد بها فى كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها ، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبى صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه، وأما الكلام فى اشتقاقها ووجه دلالتها، فذاك من جنس على البيان . وتعليل الأحكام ، هو زيادة فى العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن ؛ لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا. واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله ؛ ٢٨٦ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك ؛ فلهذا يجب الرجوع فى مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله ، فإنه شاف كاف؛ بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة ، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة فى معنى الإيمان ، على بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً ، ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك؛ ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك فى شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلى ولا نصوم ولا محج، ولا نصدق الحديث، ولا تؤدي الأمانة ، ولا نفي بالعهد؛ ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر ؛ وتتنكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر ، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك : هل كان يتوم عاقل أن النبى صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان ، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة ، ويرجى لكم ألا يدخل أحد منكم النار ، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك. وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزانى والقاذف والسارق ، لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يجعلهم مرتدين يجب قتلهم ، بل القرآن والنقل المتواتر عنه ، يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام ، ٢٨٧ كما ذكر الله فى القرآن جلد القاذف والزانى ، وقطع السارق ، وهذا متواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم ولو كانوا مرتدين لقتلهم. فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم. وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل ، لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها. إما فى دلالة الألفاظ. وإما فى المعانى المعقولة. ولا يتأملون بيان الله ورسوله ، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله ، فإنها تكون ضلالاً ، ولهذا تكلم أحمد فى رسالته المعروفة فى الرد على من يتمسك بما يظهر له من القرآن من غير استدلال ببيان الرسول والصحابة والتابعين؛ وكذلك ذكر فى رسالته إلى أبى عبد الرحمن الجرجانى فى الرد على المرجئة، وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين . لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً ؛ ومن عدل عن سبيلهم وقع فى البدع التى مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم ، أو غير الحق، وهذا مما حرمه الله ورسوله. وقال تعالى فى الشيطان: ( إِنَّمَا يَأْمُرَّكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ) وقال تعالى: (أَلَمْيُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ فِيتَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لََّ يَقُولُواْ عَلَىاللَّهِإِلَّا الْحَقَّ ) وهذا من تفسير القرآن بالرأي الذي جاء فيه الحديث: ((من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)). مثال ذلك أن ((المرجئة)) لما عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله، أخذوا يتكلمون فى مسمى ((الإيمان)) و((الإسلام)) وغيرهما بطرق ابتدعوها ، مثل أن ٢٨٨ يقولوا: ((الإيمان فى اللغة)) هو التصديق ، والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها ، فيكون مراده بالإيمان التصديق؛ ثم قالوا: والتصديق إما يكون بالقلب واللسان ، أو بالقلب ، فالأعمال ليست من الإيمان، ثم عمدتهم فى أن الإيمان هو التصديق قوله: ( وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا) أى بمصدق لنا. فيقال لهم: ((اسم الإيمان)) قد تكرر ذكره فى القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ، وهو أصل الدين ، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور: ويفرق بين السعداء والأشقياء ، ومن يوالي ومن يعادي ، والدين كله تابع لهذا ؛ ، وكل مسلم محتاج إلى معرفة ذلك ؛ أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله . ووكله إلى هاتين المقدمتين؟. ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق أنه من القرآن . ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من تواتر لفظ الكلمة، فإن الإيمان يحتاج إلى معرفة جميع الأمة فينقلونه ، بخلاف كمة من سورة. فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة، فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنياً على مثل هذه المقدمات، ولهذا كثر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم، وسلكوا السبل، وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، ومن الذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءتهم البينات ، فهذا كلام عام مطلق . ثم يقال: ((هاتان المقدمتان)) كلاهما ممنوعة ، فمن الذي قال : إن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق ؟ وهب أن المعنى يصح إذا استعمل فى هذا الموضع ، فلم ٢٨٩ قلت : إنه يوجب الترادف ؟ ولو قلت : ما أنت بمسلم لنا ، ما أنت بمؤمن لنا ، صح المغنى، لكن لم قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: (أَقِيمُواْالصَّلَوَةَ) . ولو قال القائل: أنموا الصلاة ، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، افعلوا الصلاة، كان المعنى صحيحاً . لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا. فكون اللفظ يرادف اللفظ ؛ يراد دلالته على ذلك. ثم يقال: ليس هو مرادفاً له، وذلك من وجوه: (أحدها): أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولايقال: آمنه وآمن به. بل يقال: آمن له، كما قال: (فَامَنَ لَهُ لُوطٌ) وقال: (فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّاذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) وقال فرعون: (ءَامَنتُمْلَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَلَكُمْ) وقالوا لنوح: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) وقال تعالى: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ). (فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ ) وقال: (وَإِنْ أَزْنُؤْتُوْلِى فَأْتِلُونِ ) . فان قيل: فقد يقال : ما أنت مصدق لنا . قيل : اللام تدخل على ما يتعدى بنفسه إذا ضعف عمله، إما بتأخيره أو بكونه اسم فاعل أو مصدراً، أو باجتماعهما ، فيقال: فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه، ثم إذا ذكر باسم الفاعل قيل : هو عابد لربه متق لربه، خائف لربه، وكذلك تقول: فلان يرهب الله ثم تقول: هو راهب لربه، وإذا ذكرت الفعل وأخرته، تقويه باللام، كقوله: (وَفِ نُشْخَتِهَا هُدِّى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ ) وقد قال: (فَإِيَنَىَ فَرَهَبُونِ ) فعداء ٢٩٠ بنفسه، وهناك ذكر اللام، فإن هنا قوله: (فَإَِّىَ) أتم من قوله: فلي . وقوله، هنا لك (لِرَتِهِمْ) أتم من قوله: ربهم ، فإن الضمير المنفصل المنصوب، أكمل من ضمير الجر بالياء(١)، وهناك اسم ظاهر، فتقويته باللام أولى وأتم من تجريده؛ ومن هذا قوله: (إِن كُنتُمْ لِلُّءُ يَا تَعْبُرُونَ) ويقال : عبرت رؤياه ، وكذلك قوله: (وَإِنَّهُمْلَ لَغَيِظُونَ ) وإنما يقال: غظته، لا يقال: غظت له، ومثله كثير، فيقول القائل: ما أنت بمصدق لنا ، أدخل فيه اللام ، لكونه اسم فاعل ، وإلا فإنما يقال : صدقته ، لا يقال: صدقت له، ولو ذكروا الفعل، لقالوا : ما صدقتنا ، وهذا بخلاف لفظ الإيمان ، فإنه تعدى إلى الضمير باللام دائماً ؛ لا يقال: آمنته قط، وإنما يقال: آمنت له كما يقال: أقررت له، فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق ، مع أن بينهما فرقاً . ( الثاني ) : أنه ليس مرادفاً للفظ التصديق فى المعنى ، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له فى اللغة: صدقت ، كما يقال : كذبت . فمن قال : السماء فوقنا ، قيل له : صدق كما يقال : كذب ، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا فى الخبر عن غائب ، لم يوجد فى الكلام أن من أخبر عن مشاهدة؛ كقوله : طلعت الشمس، وغربت ، أنه يقال: آمناه، كما يقال : صدقناه ، ولهذا ؛ المحدثون والشهود ونحوم ؛ يقال: صدقنام؛ وما يقال آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن . فإنما يستعمل فى خبر يؤتمن عليه المخبر ، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر ؛ ولهذا لم يوجد قط فى القرآن وغيره لفظ آمن له ، إلا فى هذا النوع ؛ والاثنان إذا اشتركا فى معرفة الشيء (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( باللام) ٢٩١ يقال : صدق أحدهما صاحبه ولا يقال : آمن له ، لأنه لم يكن غائباً عنه ائتمنه عليه ولهذا قال: (فَعَامَنَ لَهُ لُوطٌ ) ( أَنْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا). (ءَامَنتُوْلَهُ) (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) فيصدقهم فيما أخبروا به . مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك، فاللفظ متضمن معنى التصديق ومعنى الائتمان والأمانة؛ كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: ( وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا ) أي لا تقر يخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولوكنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك. فلو صدقوا لم يأمن لهم. ( الثالث ) : أن لفظ الإيمان في اللغة ، لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق فإنه من المعلوم فى اللغة أن كل مخبر يقال له : صدقت أوكذبت ويقال : صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر : آمنا له أو كذبناه : ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له ؛ بل المعروف فى مقابلة الإيمان لفظ الكفر . يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب ؛ بل لو قال : أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك ، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم ؛ فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط ، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط ، بل إذا كان الكفر، يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بلا تكذيب؛ فلا بد أن يكون الإيمان تصديقاً مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق ؛ فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر ، فيجب أن يكون كل مؤمن مسلماً منقاداً للأمر ، وهذا هو العمل . ٢٩٢ فإن قيل : فالرسول صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان بما يؤمن به . قيل: فالرسول ذكر ما يؤمن به لم يذكر ما يؤمن له ، وهو نفسه يجب أن يؤمن به ويؤمن له ، فالإيمان به من حيث ثبوته غيب عنا أخبرنا به وليس كل غيب آمنا به علينا أن نطيعه، وأما ما يجب من الإيمان له فهو الذي يوجب طاعته، والرسول يجب الإيمان به وله، فينبغى أن يعرف هذا، وأيضاً فإن طاعته طاعة اللّه ، وطاعة الله من تمام الإيمان به . ( الرابع) : أن من الناس من يقول: الإيمان أصله في اللغة من الأمن الذي هو ضد الخوف؛ فآمن أي صار داخلاً في الأمن وأنشدوا .. (١) وأما ((المقدمة الثانية)) فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق فقولهم: إن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان ؛ عنه جوابان . ((أحدهما)): المنع بل الأفعال تسمى تصديقاً كما ثبت في ((الصحيح) عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((العينان تزنيان وزناهم) النظر؛ والأذن تزني وزناها السمع: واليد تزني وزناها البطش؛ والرجل تزنى وزناها المشى والقلب يتمنى ذلك ويشتهي ؛ والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)). وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف . قال الجوهري : والصديق مثال الفسيق : الدائم التصديق . ويكون الذي يصدق قوله بالعمل . وقال الحسن البصري : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر فى القلوب وصدقته الأعمال ، وهذا (١) بياض فى الأصل. ٢٩٣ مشهور عن الحسن يروى عنه من غير وجه ، كما رواه عباس الدوري: حدثنا حجاج؛ حدثنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمنى؛ ولكن ما وقر فى القلب وصدقته الأعمال . من قال حسناً وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل ، ذلك بأن الله يقول: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلُِّ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ ) ورواه ابن بطة من الوجهين. وقوله: ليس الإيمان بالتمني ـ. يعني الكلام - وقوله: بالتحلي يعنى أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه ، ومعناه ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال ، فالعمل يصدق أن فى القلب إيماناً وإذا لم يكن عمل ، كذب أن فى قلبه إيماناً ، لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر. وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. وقد روى محمد بن نصر المروزي بإسناده ، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل . فأجابه عنها : سألت عن الإيمان، فالإيمان هو التصديق ، أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل الله من كتاب وما أرسل من رسول ، وباليوم الآخر . وسألت عن التصديق . والتصديق: أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شئء منه وفرط فيه عرف أنه ذنب ، واستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه ، فذلك ٢٩٤ هو التصديق . وتسأل عن الدين ، فالدين هو العبادة ، فإنك لن يجد رجلاً من أهل الدين ترك عبادة أهل دين ، ثم لا يدخل فى دين آخر إلا صار لادين له . وتسأل عن العبادة والعبادة هي الطاعة ، ذلك أنه من أطاع اللّه فيما أمره به وفيما نهاه عنه، فقد آثر عبادة الله، ومن أطاع الشيطان فى دينه وعمله ، فقد عبد الشيطان ، ألا ترى أن الله قال للذين فرطوا : ( أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ أَن لََّ تَعْبُدُواْالشَّيْطَنَ) وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه فی دینهم . وقال أسد بن موسى: حدثنا الوليد بن مسلم الأوزاعي ، حدثنا حسان ابن عطية قال: الإيمان فى كتاب الله صار إلى العمل . قال الله تعالى: (إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية. ثم صيرم إلى العمل فقال: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ) قال: وسمعت الأوزاعي يقول: قال الله تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوْةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ ) والإيمان بالله باللسان ، والتصديق به العمل . وقال معمر عن الزهري : كنا نقول الإسلام بالإقرار ، والإيمان بالعمل والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله ؛ فإن كان عمله أوزن من قوله: صعد إلى الله؛ وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله. ورواه أبو عمرو الطلمنكي بإسناده ٢٩٥ المعروف. وقال معاوية بن عمرو: عن أبى إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال : لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة . وكان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل ؛ العمل من الإيمان والإيمان من العمل؛ وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه ، وصدق بعمله ، فتلك العروة الوثقى التى لا انفصام لها . ومن قال بلسانه ، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله كان فى الآخرة من الخاسرين . وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف؛ أنهم يجعلون العمل مصدقا للقول؛ ورووا ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم كما رواه معاذ بن أسد: حدثنا الفضيل بن عياض، عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أن أباذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. فقال: ((الإيمان: لَيْسَ الْبِرَّأَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ الإقرار والتصديق بالعمل ؛ ثم تلا ( وَالْمَغْرِبِ ) إلى قوله ( وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ) )) . قلت حديث أبى ذر هذا مروي من غير وجه ؛ فإن كان هذا اللفظ هو لفظ الرسول، فلا كلام، وإن كانوا رووه بالمعنى ، دل على أنه من المعروف فى لغتهم أنه يقال : صدق قوله بعمله ؛ وكذلك قال شيخ الإسلام الهروي: الإيمان تصديق كله . وكذلك («الجواب الثاني)» أنه إذا كان أصله التصديق ، فهو تصديق ٢٩٦ مخصوص ، كما أن الصلاة دعاء مخصوص ، والحج قصد مخصوص ، والصيام إمساك مخصوص ؛ وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة فى مسماه عند الإطلاق؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظياً: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟ ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة فى هذه المسألة هو نزاع لفظي ، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك ، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت النم والوعيد ، وإن قالوا : إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل فهم يقولون : إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب ، كما تقوله الجماعة . ويقولون أيضاً بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار. فليس بين فقهاء الملة زاع فى أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها ، ولا يخلد منهم فيها أحد ، ولا يكونون مرتدين مباحى الدماء، ولكن ((الأقوال المنحرفة)) قول من يقول بتخليدم في النار ، كالخوارج ، والمعتزلة. وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحداً منهم يدخل النار؛ بل نقف فى هذا كله. وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام. ٢٩٧ ويقال للخوارج : الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان ؛ هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام؛ بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع ، ولم يقتل أحداً إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد ؛ فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة ، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة . فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان، فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر . وبسبب الكلام فى ((مسألة الإيمان)) تنازع الناس، هل فى اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها فى اللغة ، أو أنها باقية فى الشرع على ما كانت عليه في اللغة، لكن الشارع زاد فى أحكامها لا فى معنى الأسماء؟. وهكذا قالوا في اسم ((الصلاة)) و((الزكاة)) و((الصيام)) ((والحج)) إنها باقية فى كلام الشارع على معناها اللغوي ، لكن زاد فى أحكامها . ومقصودم أن الإيمان هو مجرد التصديق، وذلك يحصل بالقلب واللسان . وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف، فهى بالنسبة إلى اللغة مجاز ، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة . والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: (وَإِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ) فذكر حجاً خاصاً، وهو حج البيت ، وكذلك قوله : (فَمَنْ حَتَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ ) فلم يكن ٢٩٨ لفظ الحج متناولاً لكل قصد ، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسهمن غير تغيير اللغة ، والشاعر إذا قال : وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا كان متكلماً باللغة، وقد قيد: لفظه: بحج سب الزبرقان المزعفر . ومعلوم أن ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة، فكذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام: فإذا قيل: الحج فرض عليك ، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت وكذلك (الزكاة) هي اسم لما تزكو به النفس: وزكاة النفس زيادة خيرها وذهاب شرها ، والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس؛ كما قال تعالى: (خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم ◌ِهَا ) وكذلك ترك الفواحش مما زكو به. قال تعالى. (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ. ) وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله ؛ قال مَازَكَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًّا تعالى: (وَوَيِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ) وهي عند المفسرين التوحيد. وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب، وسماها الزكاة المفروضة؛ فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد، ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه وينسبون ذلك إلى الشارع، مثل لفظ ((التيمم)) فإن الله تعالى قال: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيْبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) فلفظ ((التيمم)) استعمل فى معناه المعروف فى اللغة، فإنه أمر بتيمم الصعيد ثم أمر بمسح الوجوه والأيدي منه ؛ فصار لفظ التيمم فى عرف الفقهاء يدخل فيه هذا المسح؛ وليس ٢٩٩ هو لغة الشارع ، بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح الذي يكون بعده ، ولفظ ((الإيمان) أمر به مقيداً بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وكذلك لفظ ((الإسلام)) بالاستسلام لله رب العالمين، وكذلك لفظ ((الكفر)) مقيداً؛ ولكن لفظ ((النفاق)) قد قيل: إنه لم تكن العرب تكلمت به ، لكنه مأخوذ من كلامهم ، فإن نفق يشبه خرج ، ومنه نفقت الدابة إذا ماتت ، ومنه نافقاء اليربوع، والنفق في الأرض قال تعالى: ( فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِى اُلْأَرْضِ ) فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطناً بعد دخوله فيه ظاهراً؛ وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان. ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك منافقاً عليه ؛ لكن النفاق الذي فى القرآن هو النفاق على الرسول. فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها؛ وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعاً . وقد بين الرسول تلك الخصائص ؛ والاسم دل عليها ؛ فلا يقال : إنها منقولة، ولا إنه زيد في الحكم دون الاسم؛ بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع؛ لم يستعمل مطلقاً، وهو إنما قال: (أَقِيمُواْالصَّلَوةَ) بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها ؛ فكان التعريف منصرفاً إلى الصلاة التى يعرفونها؛ لم يرد لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه. ولهذا كل من قال فى لفظ الصلاة : إنه عام للمعنى اللغوي ؛ أو إنه مجمل لتردده بين المعنى اللغوي والشرعي ونحوذلك؛ فأقوالهم ضعيفة، فإن هذا اللفظ إنما ورد خبراً أو أمراً، فالخبر كقوله: (أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّةَ) وسورة ( اقرأ) من أول ما نزل من القرآن، وكان ٣٠٠