النص المفهرس

صفحات 261-280

وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًاً
وَأَتَّخَذَ اُللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) وبمجموع هذين الوصفين علق السعادة فقال :
( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَخْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَآَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ
يَحْزَنُونَ ) كما علقه بالإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح فى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ اَلْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
وهذا يدل على أن الإسلام الذي هو إخلاص الدين لله مع الإحسان
وهو العمل الصالح الذي أمر الله به هو والإيمان المقرون بالعمل الصالح
متلازمان ، فإن الوعد على الوصفين وعد واحد وهو الثواب، وانتفاء العقاب،
فإن إنتفاء الخوف علة تقتضى انتفاء ما يخافه؛ ولهذا قال: (لَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ
وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ ) لم يقل : لا يخافون فهم لا خوف عليهم وإن كانوا يخافون الله
ونفى عنهم أن يحزنوا لأن الحزن إنما يكون على ماض، فهم لا يحزنون بحال
لا فى القبر ولا فى عرصات القيامة ، بخلاف الخوف فإنه قد يحصل لهم قبل
دخول الجنة ولا خوف عليهم فى الباطن كما قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ
لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ).
وأما ((الإسلام المطلق المجرد)) فليس فى كتاب اللّه تعليق دخول الجنة به كما
فى كتاب الله تعليق دخول الجنة بالإيمان المطلق المجرد، كقوله: (سَابِقُواْ إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَاُلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)
٢٦١

وقد
. (
وقال: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّلَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَرَيْهِمْ
وصف الخليل ومن اتبعه بالإِيمان كقوله: (فَامَنَ لَهُ لُوطٌ ) ووصفه بذلك فقال :
(فَأَىّ أَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم
بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَآءَاتَّيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى
قَوْمِهِ ) ووصفه بأعلى طبقات الإيمان، وهو أفضل البرية بعد محمد صلى الله
عليه وسلم . والخليل إنما دعا بالرزق للمؤمنين خاصة فقال: ( وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِ) وقال: ( وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن
ذُرِّيَِّنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ ) (وَقَالَ مُوسَى ◌َّقَوْإِنَ كُمْءَامَنْثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّواْإِنَ كُمْ
مُسْلِمِينَ ) بعد قوله: (فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّاذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن
فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ) وقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَءَ الِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا
وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ) وقد ذكرنا البشرى
المطلقة للمسلمين فى قوله: ( وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى
وَرَحْمَةً وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ).
وقد وصف الله السحرة بالإسلام والإيمان معاً فقالوا: (ءَامَتَّابِرَتِّ الْعَلَمِينَ *
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ ) وقالوا: (وَمَا تَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بَِايَتِ رَبِّنَا لَمَّا
جَاءَتْنَا ) وقالوا : ( إِنَّ نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)
) . ووصف الله أنبياء
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
وقالوا : (
بني إسرائيل بالإسلام فى قوله: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
٢٦٢

النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوْلِلَّذِينَ هَادُوا) والأنبياء كلهم مؤمنون. ووصف الحواريين
بالإيمان والإسلام فقال تعالى: (وَإِذْ أَوَّحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى
وَبِرَسُولِى قَالُوَاْءَامَنَا وَأَشْهَدْ يِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) و(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ
ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).
وحقيقة الفرق أن الإسلام دين. و ((الدين )) مصدر دان يدين ديناً : إذا
خضع وذل ، و ((دين الإسلام)) الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام
لله وحده؛ فأصله فى القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ماسواه.
فمن عبده، وعبد معه إلهاً آخر، لم يكن مسلماً، ومن لم يعبده بل استكبر عن
عبادته لم يكن مسلماً ، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له، والعبودية
له ، هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم ؛ فالإسلام فى الأصل من
باب العمل ، عمل القلب والجوارح.
وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة ، فهو من باب قول القلب
المتضمن عمل القلب ، والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له ، فلهذا فسر النبى
صلى الله عليه وسلم ((الإيمان)) بإيمان القلب وبخضوعه، وهو الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله، وفسر ((الإسلام)) باستسلام مخصوص، هو المبانى
الخمس. وهكذا فى سائر كلامه صلى الله عليه وسلم: يفسر الإيمان بذلك النوع
ويفسر الإسلام بهذا، وذلك النوع أعلى . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم
((الإسلام علانية والإيمان فى القلب)) فإن الأعمال الظاهرة يراها الناس ، وأما
٢٦٣

ما في القلب من تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء فهذا باطن ؛ لكن لهلوازم
قد تدل عليه ، واللازم لا يدل إلا إذا كان ملزوماً ، فلهذا كان من لوازمه
ما يفعله المؤمن والمنافق، فلا يدل(١) ففي حديث عبد الله بن عمرو وأبى هريرة
جميعاً أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)) ففسر المسلم بأحر ظاهر وهو
سلامة الناس منه. وفسر المؤمن بأمرباطن وهو أن يأمنوه على دمائهم وأموالهم
وهذه الصفة أعلى من تلك، فإن من كان مأموناً سلم الناس منه ؛ وليس كل من
سلموا منه يكون مأموناً، فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه، خوفاً أن يكون ترك
أذاهم لرغبة ورهبة ؛ لا لإيمان فى قلبه .
وفى حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عبسة عن النبى صلى الله عليه وسلم
أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ قال ((إطعام الطعام. ولين
الكلام)) قال: فما الإيمان قال ((السماحة والصبر)) فإطعام الطعام عمل ظاهر
يفعله الإنسان لمقاصد متعددة ، وكذلك لين الكلام، وأما السماحة والصبر
فحلقان في النفس. قال تعالى: (وَنَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَةِ ) وهذا أعلى
من ذاك ، وهو أن يكون صباراً شكوراً فيه سماحة بالرحمة للإنسان وصبر على
المكاره ، وهذا ضد الذي خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير
منوعا ؛ فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة ، ولا صبر عند المصيبة .
(١) بياض بالأصل.
٢٦٤

وتمام الحديث: فأي الإسلام أفضل ؟ قال ((من سلم المسلمون من لسانه
ويده)) قال: يا رسول الله أى المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال ((أحسنهم خلقاً))
قال: يا رسول الله أي القتل أشرف؟ قال ((من أريق دمه وعقر جواده )) قال
يا رسول الله فأي الجهاد أفضل؟ قال ((الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى
سبيل الله)) قال يارسول الله فأي الصدقة أفضل؟ قال ((جهد المقل)) قال
يا رسول الله فأي الصلاة أفضل؟ قال ((طول القنوت)) قال يارسول الله فأي
الهجرة أفضل؟ قال (( من هجر السوء)) وهذا محفوظ عن عبيد بن عمير ، تارة
يروى مرسلاً، وتارة يروى مسنداً، وفى رواية : أى الساعات أفضل؟ قال
((جوف الليل الغابر)) وقوله: ((أفضل الإيمان السماحة والصبر)) يروى من
وجه آخر عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وهكذا فى سائر الأحاديث إنما يفسر الإسلام بالاستسلام لله بالقلب مع
الأعمال الظاهرة كما في الحديث المعروف الذى رواه أحمد عن بهزبن حكيم عن
أبيه عن جده أنه قال: والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي
هذه أن لا آتيك ، فبالذى بعثك بالحق ما بعثك به ؟ قال : الإسلام. قال : وما
الإسلام؟ قال ((أن تسلم قلبك اللّه وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي
الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة ، أخوان نصيران لا يقبل الله من
عبد أشرك بعد إسلامه)) وفي رواية قال ((أن تقول: أسلمت وجهي للهو تخليت
ونقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكل مسلم على مسلم محرم )» وفى لفظ تقول
((أسلمت نفسى لله وخليت وجهي إليه)) وروى محمد بن نصر من حديث خالد
٢٦٥

ابن معدان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن للإسلام
صوى ومناراً كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً . وأن
تقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر ، وتسلم على بني آدم إذا لقيتهم ، فإن ردوا عليك، ردت عليك وعليهم
الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سكت عنهم
وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئاً فهو سهم في
الإسلام تركه ، ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره)).
وقد قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَدْ خُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَةً) قال مجاهد :
وقتادة: نزلت فى المسلمين يأمرم بالدخول فى شرائح الإسلام كلها ، وهذا
لا ينافى قول من قال : نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب أو فيمن لم يسلم،
لأن هؤلاء كلهم مأمورون أيضاً بذلك، والجمهور يقولون: (فِي السّلْمِ) أى
فى الإسلام، وقالت طائفة: هو الطاعة، وكلاهما مأثور عن ابن عباس، وكلاهما
حق، فإن الإسلام هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الأعمال . وأما قوله : (كافة)
فقد قيل: المراد ادخلوا كلكم. وقيل : المراد به ادخلوا فى الإسلام جميعه ،
وهذا هو الصحيح، فإن الإنسان لا يؤمر بعمل غيره، وإنما يؤمر بما يقدر
عليه، وقوله: (ادْخُلُواْ) خطاب لهم كلهم فقوله (كَافَّةً) إن أريد به مجتمعين لزم
أن يترك الإنسان الإسلام حتى يسلم غيره فلا يكون الإسلام مأموراً به إلا
بشرط موافقة الغير له كالجمعة ، وهذا لا يقوله مسلم، وإن أريد بكافة : أى ادخلوا
جميعكم، فكل أوامر القرآن كقوله: (ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
٢٦٦

وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ) كلها من هذا الباب، وما قيل فيها كافة، وقوله تعالى: ( وَقَائِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً) أى قاتلوم كلهم لا تدعوا مشركاً حتى تقاتلوه، فإنها أنزلت
بعد نبذ العهود، ليس المراد: قاتلوم مجتمعين أو جميعكم، فإن هذا لا يجب، بل
يقاتلون بحسب المصلحة ، والجهاد فرض على الكفاية ، فإذا كانت فرائض
الأعيان لم يؤكد المأمورين فيها بكافة، فكيف يؤكد بذلك فى فروض الكفاية؟!
وإنما المقصود تعميم المقاتلين. وقوله: (كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَافَّةً) فيه احتمالان.
والمقصود أن الله أمر بالدخول فى جميع الإسلام كما دل عليه هذا الحديث،
فكل ما كان من الإسلام وجب الدخول فيه ، فإن كان واجباً على الأعيان لزمه
فعله ، وإن كان واجباً على الكفاية اعتقد وجوبه ، وعزم عليه إذا تعين، أو أخذ
بالفضل ففعله ، وإن كان مستحباً اعتقد حسنه وأحب فعله ، وفى حديث جرير
أن رجلاً قال: يارسول الله صف لي الإسلام. قال: ((تشهد أن لا إله إلا الله
وتقربما جاء من عند الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت))
قال: أقررت ؛ فى قصة طويلة فيها أنه وقع فى أخاقيق جرذان ، وأنه قتل وكان
جائعاً وملكان يدسان فى شدقه من ثمار الجنة. فقوله: ((وتقر بما جاء من عند الله)).
هو الإقرار بأن محمداً رسول الله فإنه هو الذي جاء بذلك.
وفي الحديث الذي يرويه أبو سليمان الداراني : حديث الوفد الذين قالوا:
نحن المؤمنون، قال: ((فما علامة إيمانكم؟)) قالوا : خمس عشرة خصلة :
خمس أمرتنا رسلك أن نعمل بهن ، وخمس أمرتنا رسلك أن
٢٦٧

تؤمن بهن، وخمس مخلقنا بها فى الجاهلية ونحن عليها فى الإسلام إلا أن
نكره منها شيئاً. قال: ((هما الخمس التى أمرتكم رسلي أن تعملوا بها))؟ قالوا:
أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ونقيم الصلاة وتؤتي الزكاة
ونصوم رمضان ونحج البيت. قال: ((وما الخمس التى أمرتكم أن تؤمنوا بها؟) قالوا
أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: ((وما الخمس
التى تخلقتم بها فى الجاهلية وثبتم عليها فى الإسلام؟ » قالوا: الصبر عند البلاء،
والشكر عند الرخاء ، والرضى بمر القضاء، والصدق فى مواطن اللقاء، وترك
الشماتة بالأعداء ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((علماء حكماء كادوا من صدقهم
أن يكونوا أنبياء)). فقال صلى الله عليه وسلم: ((وأنا أزيدكم خمساً فتم لكم
عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا مالا تأكلون، ولا تبنوا مالا
تسكنون، ولا تنافسوا فى شىء أنتم عنه غدا تزولون وعنه منتقلون، واتقوا
الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون
وفيه مخلدون)).
فقد فرقوا بين الخمس التى يعمل بها فجعلوها الإسلام؛ والخمس التى
يؤمن بها فجعلوها الإيمان؛ وجميع الأحاديث المأثورة عن النبى صلى الله عليه
وسلم تدل على مثل هذا.
وفي الحديث الذي رواه أحمد من حديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل
من أهل الشام عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له: (أسلم تسلم)) قال.
٢٦٨

وما الإسلام قال: ((أن تسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك))
قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: ((الإيمان)) قال: وما الإيمان؟قال: «أن تؤمن
بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت)) قال: فأي الإيمان أفضل ؟ قال:
(الهجرة)) قال: وما الهجرة؟ قال: ((أن تهجر السوء)) قال: فأي
الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد قال: وما الجهاد؟ قال: ((أن تجاهد
الكفار إذا لقيتهم ولا تغل ولا تجبن)) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
((ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما)) قالها ثلاثاً: ((حجة
مبرورة: أو عمرة)) وقوله: ((هما أفضل الأعمال)) أى بعد الجهاد؛ لقوله. ((ثم
عملان)) ، ففى هذا الحديث جعل الإيمان خصوصاً فى الإسلام ، والإسلام
أعم منه، كما جعل الهجرة خصوصاً فى الإيمان والإيمان أعم منها، وجعل الجهاد
خصوصاً من الهجرة والهجرة أعم منه. فالإسلام أن تعبد الله وحده لا شريك
له مخلصاً له الدين .
وهذا دين الله الذي لا يقبل من أحد ديناً غيره لا من الأولين ولا من
الآخرين، ولا تكون عبادته مع إرسال الرسل إلينا إلا بما أمرت به رسله،
لا بما يضاد ذلك فإن ضد ذلك معصية، وقد ختم الله الرسل بمحمد صلى الله
عليه وسلم فلا يكون مسلماً إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده
ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام. فمن قال: الإسلام
الكلمة وأراد هذا فقد صدق ، ثم لا بد من التزام ما أمر به الرسول من
الأعمال الظاهرة ، كالمبانى الخمس ، ومن ترك من ذلك شيئاً نقص إسلامه
٢٦٩

بقدر ما نقص من ذلك ، كما فى الحديث : من انتقص منهن شيئاً فهو سهم
من الإسلام تركه )).
وهذه الأعمال إذا عملها الإنسان مخلصاً لله تعالى فإنه يثيبه عليها ، ولا يكون
ذلك إلا مع إقراره بقلبه أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيكون معه من
الإيمان هذا الإقرار ، وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين
مالا يقبل الريب ، ولا أن يكون مجاهداً ولا سائر ما يتميز به المؤمن عن المسلم
الذي ليس بمؤمن ، وخلق كثير من المسلمين باطناً وظاهراً معهم هذا الإسلام
بلوازمه من الإيمان ، ولم يصلوا إلى اليقين والجهاد ، فهؤلاء يثابون على إسلامهم
وإقرارهم بالرسول مجملا، وقد لا يعرفون أنه جاء بكتاب ، وقد لا يعرفون أنه
جاءه ملك، ولا أنه أخبر بكذا، وإذا لم يبلغهم أن الرسول أخبر بذلك لم يكن
عليهم الإقرار المفصل به، لكن لا بد من الإقرار بأنه رسول الله وأنه صادق فى
كل ما يخبر به عن الله .
ثم الإيمان الذى يمتاز به فيه تفصيل وفيه طمأنينة ويقين ، فهذا متميز
بصفته وقدره فى الكمية والكيفية ، فإن أولئك معهم من الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله وتفصيل المعاد والقدر ما لا يعرفه هؤلاء.
وأيضاً ففي قلوبهم من اليقين والثبات ولزوم التصديق لقلوبهم ما ليس
مع هؤلاء وأولئك هم المؤمنون حقاً . وكل مؤمن لا بد أن يكون مسلماً ؛ فإن
الإيمان يستلزم الأعمال ، وليس كل مسلم مؤمناً هذا الإيمان المطلق ، لأن
٢٧٠

الاستسلام لله والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص ، وهذا الفرق يجده
الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا
على الإسلام والتزموا شرائعه ، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون
ومعهم إيمان مجمل ، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئاً
فشيئاً إن أعطاه الله ذلك ، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين
ولا إلى الجهاد ، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا
كفاراً ولا منافقين ، بل ليس عندهم من على القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ
الريب ، ولا عنده من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال،
وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة . وإن ابتلوا بمن يورد عليهم
شبهات توجب ريهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين
وانتقلوا إلى نوع من النفاق .
وكذلك إذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل الوعيد ، ولهذا
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء
نافق من نافق . فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة
ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين ابتلوا فظهر صدقهم. قال تعالى: (الّ
* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْأَن يَقُولُوَاْءَامَنَاوَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُالَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّاَلْكَذِبِينَ) وقال تعالى: (مَّا كَانَ اللَّهُلِيَذَرَ
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيِثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) وقال: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَرُ الْمَنَّ ◌ِ مُوَإِنْ أَصَابَتَهُ فِتْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ
٢٧١

ولهذا ذم اللّه المنافقين بأنهم
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )
دخلوا فى الإيمان ثم خرجوا منه بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ
أَّخَذُواْأَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُ واْعَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) - إلى قوله - (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْءَامَنُواْ
وقال فى الآية الأخرى (يَحْذَرُ
ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ )
اُلْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ) - إلى قوله - (قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَنِهِ، وَرَسُولِهِ، كُتُمْ
تَسْتَهْزِءُونَ * لَا تَعْنَذِرُوَأَقَدَّكَهَرْتُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ
طَاِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) فقد أمره أن يقول لهم : قد كفرتم بعد إيمانكم.
وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم
مع كفرم أولاً بقلوبهم، لا يصح، لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه
الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين فى نفس
الأمر، وإن أريد أنكم أظهر تم الكفر بعد إظهاركم الإيمان ، فهم لم يظهروا
للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا ؛ بل لما نافقوا وحذروا أن
تنزل سورة تبين ما فى قلوبهم من النفاق ، وتكلموا بالاستهزاء ، صاروا كافرين
بعد إيمانهم ، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين، وقد قال تعالى: (يَأَيُّهَا
النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُ وْبَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ
يَنَالُواْ وَمَانَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ، مِن فَضْلِهِ، فَإِنِ يَتُوبُواْيَكُ خَيْرًالَهٍُّّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ) فهنا قال: (وَكَفَرُو ◌ْبَعْدَ إِسْلَمِهِمْ).
فهذا الإسلام قد يكون من جنس إسلام الأعراب فيكون قوله : بعد
٢٧٢

إيمانهم وبعد إسلامهم سواء ، وقد يكونون ما زالوا منافقين ، فلم يكن لهم
حال كان معهم فيها من الإيمان شىء، لكونهم أظهروا الكفر والردة؛ ولهذا دعام
إلى التوبة فقال: (فَإِيَتُوبُواْيَكُ خَيْرًا لَمٌُّّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ ) بعد التوبة عن التوبة
( يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وهذا إنما هو لمن أظهر الكفر، فيجاهده
الرسول بإقامة الحد والعقوبة . ولهذا ذكر هذا فى سياق قوله : ( جَهِدٍ
الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمْ) ولهذا قال فى تمامها: (وَمَالَهُمْ فِي الْأَرْضِ
مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ ) .
وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم
فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا ، وقد قالوا كمة الكفر التى كفروا بها بعد
إسلامهم وهموا بما لم ينالوا . وهو يدل على أنهم سعوا فى ذلك، فلم يصلوا إلى
مقصودهم ؛ فإنه لم يقل : هموا بما لم يفعلوا، لكن (بِمَا لَمْ يَنَالُواْ) فصدر منهم قول
وفعل ، قال تعالى: (وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) فاعترفوا
واعتذروا؛ ولهذا قيل: (لَا تَعْنَذِرُ واْقَدْكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفٍَ
مِنْكُمْ تُعَذِّبْ طَانِفَةٌ بِأَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) فدل على أنهم لم يكونوا عند
أنفسهم قد أنوا كفراً ، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله
وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندم إيمان
ضعيف ، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً ، وكان
كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه، وهكذا قال غير واحد من السلف
٢٧٣

في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا،
وعرفوا ثم أنكروا، وآمنوا ثم كفروا . وكذلك قال قتادة ومجاهد : ضرب
المثل لإقبالهم على المؤمنين ؛ وسماعهم ماجاء به الرسول ، وذهاب نورهم ،
قال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَاحَوْلَهُ, ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
وَتَرَكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * مُمْ بُكُمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرَجِعُونَ ) إلى ما كانوا
عليه .
وأما قول من قال : المراد بالنور ، ما حصل فى الدنيا من حقن دمائهم
وأموالهم فإذا ماتوا سلبوا ذلك الضوء كما سلب صاحب النار ضوءه ؛ فلفظ الآية،
يدل على خلاف ذلك، فإنه قال: (وَرَّكَهُمْ فِ ظُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * مُّ
بُكْم ◌ُعُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ). ويوم القيامة يكونون فى العذاب كما قال تعالى :
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَانَقْنَبِسْ مِن نُوْرِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ
فَالْتَمِسُوْنُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورِلَّهُ بَابُ بَاطِئُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ
أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْأَنفُسَكُمْ) الآية وقد قال غير واحد من السلف :
إن المنافق يعطى يوم القيامة نورا ثم يطفأ، ولهذا قال تعالى: ( يَوْمَ لَ مُخْزِى
اللُّالنَّبِىِّوَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةٍّ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِ بِهِمْ وَبِأَيْمَتِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ
لَنَانُورَنَا وَأَغْفِرْلَنَآ ).
قال المفسرون : إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ ، سألوا الله أن يتم
لهم نورم ويبلغهم به الجنة .
٢٧٤

قال ابن عباس: ليس أحد من المسلمين ، إلا يعطى نوراً يوم القيامة ؛ فأما
المنافق فيطفأ نوره ، وأما المؤمن فيشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق ، فهو
يقول: ( رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَانُورَنَا)، وهو كما قال: فقد ثبت فى ((الصحيحين )) من
حديث أبى هريرة وابى سعيد - وهو ثابت من وجوه أخر - عن النبى صلى الله
عليه وسلم. ورواه مسلم من حديث جابر وهو معروف من حديث ابن مسعود وهو
أطولها - ومن حديث أبى موسى فى الحديث الطويل الذي يذكر فيه أنه ينادى
يوم القيامة:«لتتبع كل أمة ما كانت تعبد؛ فيتبح من كان يعبد الشمس الشمس،
ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت،
وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله فى صورة غير صورته التى يعرفون،
فيقول أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، وهذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء
ربنا عرفناه، فيأتيهم اللّه فى صورته التى يعرفون، فيقول أنا ربكم: فيقولون:
أنت ربنا فيتبعونه)). وفى رواية: ((فيكشف عن ساقه)): وفى رواية فيقول:
((هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها. فيقولون: نعم. فيكشف عن ساقه . فلا يبقى
من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد
نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كما أراد أن يسجد خر على قفاه .
فتبقى ظهورهم مثل صيامي البقر فيرفعون رؤوسهم فإذا نورم بين أيديهم
وبأيمانهم ويطفأ نور المنافقين فيقولون ذرونا نقتبس من نوركم)).
فبين أن المنافقين يحشرون مع المؤمنين فى الظاهر ، كما كانوا معهم فى الدنيا
ثم وقت الحقيقة هؤلاء يسجدون لربهم ، وأولئك لا يتمكنون من السجود.
٢٧٥

فإنهم لم يسجدوا فى الدنيا له، بل قصدوا الرياء للناس، والجزاء فى الآخرة هو
من جنس العمل فى الدنيا ، فلهذا أعطوا نوراً ثم طفئ ، لأنهم في الدنيا دخلوا
في الإيمان، ثم خرجوا منه. ولهذا ضرب الله لهم المثل بذلك. وهذا المثل ،
هو لمن كان فيهم آمن ثم كفر ، وهؤلاء الذين يعطون فى الآخرة نوراً
ثم يطفأ .
ولهذا قال : (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) إلى الإسلام فى الباطن وقال قتادة ومقاتل:
لا يرجعون عن ضلالهم ، وقال السدي: لا يرجعون إلى الإسلام، يعنى فى الباطن ،
وإلا فهم يظهرونه، وهذا المثل إنما يكون في الدنيا، وهذا المثل مضروب لبعضهم وم
الذين آمنوا ثم كفروا. وأما الذين لم يزالوا منافقين فضرب لهم المثل الآخر، وهو
) وهذا أصح القولين.
قوله: ( أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِفِيهِ ظُلُمَتُوَرَعْدٌوَبْقٌ
فإن المفسرين اختلفوا ، هل المثلان مضروبان لهم كلهم، أو هذا المثل لبعضهم؟
على ((قولين)). و ((الثاني)) هو الصواب لأنه قال: ( أو كصيب ) وإنما يثبت
بها أحد الأمرين ؛ فدل ذلك على أنهم مثلهم هذا وهذا ، فإنهم لا يخرجون عن
المثلين بل بعضهم يشبه هذا وبعضهم يشبه هذا ، ولو كانوا كلهم يشبهون المثلين
لم يذكر (أو) بل يذكر الواو العاطفة.
وقول من قال: (أو) ههنا للتخيير - كقولهم: جالس الحسن أو
ابن سيرين - ليس بشيء، لأن التخيير يكون في الأمر والطلب لا يكون فى
الخبر ، وكذلك قول من قال : (أو ) بمعنى الواو أو لتشكيك المخاطبين ،
٢٧٦

أو الإبهام عليهم ليس بشيء، فإن اللّه يريد بالأمثال البيان والتفهيم، لا يريد
التشكيك والإبهام.
والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم ويدل على ذلك أنه قال فى ((المثل الأول)):
( حُ بُكْمَُّمْىٌ) وقال فى ((الثاني)): ( يَجْعَلُونَ أَصَنِعَهُمْ فِىّءَذَانِهِمْ مِنْالصَّوَعِقِ
يَكَادُ الْبَّقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم
حَذَرَ الْمَوْتِّ وَاَللّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ
مَّشَوْافِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْشَآءَ اللَّهُلَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ) فبين فى ((المثل الثانى)) أنهم يسمعون ويبصرون ولو شاء
الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، وفى ((الأول)) كانوا يبصرون ثم صاروا فى ظلمات
لا يبصرون، صم بكم عمي. وفى ((الثانى)) إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه وإذا
أظلم عليهم قاموا، فلهم ((حالان)): حال ضياء وحال ظلام ، والأولون
بقوا فى الظلمة . فالأول حال من كان فى ضوء فصار فى ظلمة ، والثانى
حال من لم يستقر لا فى ضوء ولا فى ظلمة ، بل تختلف عليه الأحوال التى
توجب مقامه واسترابته .
يبين هذا أنه سبحانه ضرب للكفار أيضاً مثلين بحرف (أو )
وَالَّذِينَ كَفَرُوْأَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْشَانُ مَآءَ حَقَّ إِذَا
فقال :
(* أَوْ
جَآءَ هُ لَمْيَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
كُظُلُمَتٍ فِى بَحْرٍأُبِّ يَغْشَتُهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ، مَوٌْمِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ
بَعْضِ إِذَا أَخْرَجُ يَدَهُوَمْ يَكَدِيَهَا وَمَن لَّيَجْعَلِ اللهُلَهُنُورًا فَمَالَهُ مِنْ نُورٍ ) ((فالأول))
٢٧٧

مثل الكفر الذي يحسب صاحبه أنه على حق وهو على باطل ، كمن زين له سوء
عمله فرآه حسنا فإنه لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم ؛ فلهذا مثل بسراب بقيعة
و ((الثانى)) مثل الكفر الذي لا يعتقد صاحبه شيئاً، بل هو فى ظلمات بعضها
فوق بعض من عظم جهله لم يكن معه اعتقاد أنه على حق ؛ بل لم يزل جاهلاً
ضالاً فى ظلمات متراكمة.
و «أيضاً)) فقد يكون المنافق والكافر تارة متصفاً بهذا الوصف وتارة
متصفاً بهذا الوصف ، فيكون التقسيم فى المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع
أحوالهم ، وبكل حال فليس ما ضرب له هذا المثل هو مماثل لما ضرب له هذا
المثل لاختلاف المثلين صورة ومعنى ، ولهذا لم يضرب للإيمان إلا مثل واحد ،
لأن الحق واحد فضرب مثله بالنور ، وأولئك ضرب لهم المثل بضوء لا حقيقة له.
كالسراب بالقيمة أو بالظلمات المتراكمة، وكذلك المنافق يضرب له المثل بمن أبصر
ثم عمي، أو هو مضطرب يسمع ويبصر ما لا ينتفع به. فتبين أن من المنافقين
من كان آمن ثم كفر باطناً، وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم
بالحديث والتفسير والسير أنه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا ، وكان يجري
ذلك لأسباب :
منها أمر القبلة لما حولت ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة ، وكانت محنة
امتحن الله بها الناس. قال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّ لِنَعْلَمَ
مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ )
٢٧٨

قال : أي إذا حولت ؛ والمعنى أن الكعبة هي القبلة التى كان فى علمنا أن نجعلها
قبلتكم ؛ فإن الكعبة ومسجدها وحرمها أفضل بكثير من بيت المقدس وهي
البيت العتيق، وقبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء ، ولم يأمر الله قط أحداً أن يصلي
إلى بيت المقدس، لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما؛ فلم نكن لنجعلها لك قبلة
دائمة ، ولكن جعلناها أولاً قبلة لمتحن بتحويلك عنها الناس فيتبين من يتبع
الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فكان فى شرعها هذه الحكمة.
وكذلك أيضاً لما انهزم المسلمون يوم أحد وشج وجه النبي صلى الله عليه
وسلم وكسرت رباعيته، ارتد طائفة نافقوا قال تعالى: (وَلَتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَنْتُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْ مِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ فَعُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْعٌ مِثْلُهُ،
وَتِلْكَ الْأَّيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ
لَا يُحِبُّ الَّلِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ )، وقال تعالى:
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ
(وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ
ج
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْفِى سَبِيلِاللَّهِ أَوِ آدْفَعُوْ قَالُواْ لَوْنَعْلَمُ قِتَالًاً لََّ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّالَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَايَكْتُمُونَ)
فقوله: ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ ) ظاهر فيمن أحدث نفاقاً وهو يتناول
من لم ينافق قبل ، ومن نافق ثم جدد نفاقاً ثانياً. وقوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَيِدٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ) يبين أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم
بل إما أن يتساويا وإما أن يكونوا للإيمان أقرب، وكذلك كان ؛فإن ابن أبيّ لما
٢٧٩

انخزل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. انخزل معه ثلث الناس قيل: كانوا
نحو ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين فى الباطن ، إذ لم يكن
لهم داع إلى النفاق .
فإن ابن أبي كان مظهراً لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به؛ وكان
كل يوم جمعة يقوم خطيباً في المسجد يأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولم
يكن ما في قلبه يظهر إلا القليل من الناس إن ظهر ، وكان معظماً في قومه ؛ كانوا
قد عزموا على أن يتوجوه ويجعلوه مثل الملك عليهم ؛ فلما جاءت النبوة بطل ذلك
فحمله الحسد على النفاق ، وإلا فلم يكن له قبل ذلك دين يدعو إليه ؛ وإنما كان
هذا في اليهود، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدينه وقد أظهر الله حسنه ونوره
مالت إليه القلوب لا سيما لما نصره الله يوم بدر ، ونصره على يهود بني قينقاع
صار معه الدين والدنيا ؛ فكان المقتضي للإيمان فى عامة الأنصار قائماً ، وكان
كثير منهم يعظم ابن أبي تعظيماً كثيراً ويواليه، ولم يكن ابن أبي أظهر مخالفة
توجب الامتياز ؛ فلما انخزل يوم أحد وقال: يدع رأيى ورأيه، وبأخذ
برأي الصبيان - أو كما قال - انخزل معه خلق كثير، منهم من لم ينافق
قبل ذلك.
وفي الجملة: ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه مايطول ذكره هنا؛ فأولئك
كانوا مسلمين وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا
قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه ولم يكونوا من
٢٨٠