النص المفهرس
صفحات 241-260
الَّذِينَءَامَنُواْ) ؛ غير قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلِهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ونظائرها، فإن الخطاب بـ (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ) أولاً : يدخل فيه من أظهر الإيمان ، وإن كان منافقاً فى الباطن يدخل فيه فى الظاهر ، فكيف لا يدخل فيه من لم يكن منافقاً، وإن لم يكن من المؤمنين حقاً . وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقاً ، يقال فيه: إنه مسلم ، ومعه إيمان يمنعه الخلود في النار ، وهذا متفق عليه بين أهل السنة . لكن هل يطلق عليه اسم الإيمان ؟ هذا هو الذي تنازعوا فيه، فقيل: يقال مسلم ، ولا يقال: مؤمن. وقيل : بل يقال : مؤمن . والتحقيق أن يقال : إنه مؤمن ناقص الإيمان ، مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته ولا يعطي اسم الإيمان المطلق ؛ فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق : واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله، لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه ، وهو لازم له كما يلزمه غيره ، وإنما الكلام فى اسم المدح المطلق ؛ وعلى هذا فالخطاب بالإيمان يدخل فيه ((ثلاث طوائف)): يدخل فيه المؤمن حقاً ، ويدخل فيه المنافق فى أحكامه الظاهرة، وإن كانوا فى الآخرة فى الدرك الأسفل من النار ؛ وهو فى الباطن ينفي عنه الإسلام والإيمان ، وفى الظاهر يثبت له الإسلام والإيمان الظاهر؛ ويدخل فيه الذين أسلموا وإن لم تدخل حقيقة الإيمان فى قلوبهم ؛ لكن معهم جزء من الإيمان والإسلام يثابون عليه. ٢٤١ ثم قد يكونون مفرطين فيما فرض عليهم ، وليس معهم من الكبائر ما يعاقبون عليه كأهل الكبائر، لكن يعاقبون على ترك المفروضات ، وهؤلاء كالأعراب المذكورين فى الآية وغيرهم ؛ فإنهم قالوا: آمنا من غير قيام منهم بما أمروا به باطناً وظاهراً . فلا دخلت حقيقة الإيمان فى قلوبهم ، ولا جاهدوا فى سبيل الله، وقد كان دعاهم النبى صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد وقد يكونون من أهل الكبائر المعرضين للوعيد ؛ كالذين يصلون ويزكون ويجاهدون ، ويأتون الكبائر ؛ وهؤلاء لا يخرجون من الإسلام ؛ بل هم مسلمون ولكن بينهم نزاع لفظي : هل يقال: إنهم مؤمنون كما سنذكره إن شاء الله؟. وأما (الخوارج))، ((والمعتزلة)) فيخرجونهم من اسم الإيمان والإسلام؛ فإن الإيمان والإسلام عندهم واحد ؛ فإذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام؛ لكن الخوارج تقول: هم كفار؛ والمعتزلة تقول: لامسلمون ولا كفار؛ ينزلونهم منزلة بين المنزلتين؛ والدليل على أن الإسلام المذكور فى الآية هو إسلام يثابون عليه وأنهم ليسوا منافقين أنه قال: (قَالَتِ الْأَعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْ خُلِ آلْإِيَمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ) ثم قال: (وَإِن تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا) ؛ فدل على أنهم إذا أطاعوا الله ورسوله مع هذا الإسلام ؛ آجرهم الله على الطاعة . والمنافق عمله حابط فى الآخرة . وأيضاً فإنه وصفهم بخلاف صفات المنافقين ، فإن المنافقين وصفهم بكفر في قلوبهم، وأنهم يبطنون خلاف ما يظهرون؛ كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ ٢٤٢ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِى قُلُوبِهِمْ فَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا) الآيات. وقال: (إِذَاجَاءَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَلَهُيَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ) فالمنافقون يصفهم فى القرآن بالكذب؛ وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم ، وبأن فى قلوبهم من الكفر ما يعاقبون عليه؛ وهؤلاء لم يصفهم بشيء من ذلك، لكن لما ادعوا الايمان قال للرسول: (قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتُّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا ). ونفي الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين ، كما فى قوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِ حُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوْاُللَّهَ وَرَسُولَهُ:(إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ ) ثم قال: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ومعلوم أنه ليس من لم يكن كذلك ؛ يكون منافقاً من أهل الدرك الأسفل من النار بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب، فنفي عنه كما ينفي سائر الأسماء عمن ترك بعض ما يجب عليه فكذلك الأعراب لم يأتوا بالإيمان الواجب ؛ فنفى عنهم لذلك وإن كانوا مسلمين، معهم من الإيمان ما يثابون عليه. وهذا حال أكثر الداخلين فى الإسلام ابتداء ؛ بل حال أكثر من لم يعرف ٢٤٣ حقائق الإيمان ؛ فإن الرجل إذا قوتل حتى أسلم كما كان الكفار يقاتلون حتى يسلموا ، أو أسلم بعد الأسر أو سمع بالإسلام فجاء فأسلم؛ فإنه مسلم ملتزم طاعة الرسول ولم تدخل إلى قلبه المعرفة بحقائق الإيمان، فإن هذا إنما يحصل لمن تيسرت له أسباب ذلك ؛ إما بفهم القرآن وإما بمباشرة أهل الإيمان والاقتداء بما يصدر عنهم من الأقوال والأعمال ، وإما بهداية خاصة من الله يهديه بها. والإنسان قد یظهر له من محاسن الإسلام ما يدعوه إلى الدخول فيه، وإن كان قد ولد عليه وتربى بين أهله فإنه يحبه ، فقد ظهر له بعض محاسنه وبعض مساوئ الكفار. وكثير من هؤلاء قد يرتاب إذا سمع الشبه القادحة فيه ولا يجاهد فى سبيل الله ؛ فليس هو داخلاً فى قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْبِأَمْوَِّهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) وليس هو منافقاً فى الباطن مضمراً للكفر ، فلاهو من المؤمنين حقاً ولا هو من المنافقين، ولا هو أيضاً من أصحاب الكبائر، بل يأتي بالطاعات الظاهرة ولا يأتي بحقائق الإيمان التى يكون بها من المؤمنين حقاً ؛ فهذا معه إيمان وليس هو من المؤمنين حقاً ويثاب على ما فعل من الطاعات ، ولهذا قال تعالى: (وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ) ولهذا قال : ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوَأَ قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَ إِسْلَكٌم ◌َلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْأَنْ هَدَ نَّكُمْلِلْإِيَمَنِ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ) يعنى فى قولكم: ( ءَامَنَّا). يقول : إن كنتم صادقين، فالله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ؛ وهذا ٢٤٤ يقتضي أنهم قد يكونون صادقين فى قولهم : (ءَامَنَّا). ثم صدقهم، إما أن يراد به اقصافهم بأنهم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون، وإما أن يراد به أنهم لم يكونوا كالمنافقين، بل معهم إيمان وإن لم يكن لهم أن يدعوا مطلق الإيمان، وهذا أشبه والله أعلم لأن النسوة الممتحنات قال فيهن : (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّإِلَى الْكُفَّارِ ) ولا يمكن نفي الريب عنهن فى المستقبل ولأن الله إنما كذب المنافقين ولم يكذب غيرم؛ وهؤلاء لم يكنبهم ولكن قال: ( لَّمْتُؤْمِنُواْ ) كما قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) وقوله: ((لايزنى الزانى حین یزنى وهو مؤمن )) و ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) وهؤلاء ليسوا منافقين. وسياق الآية يدل على أن الله ذمهم، لكونهم منوا بإسلامهم لجهلهم وجفائهم وأظهروا ما في أنفسهم مع علم الله به؛ فإن الله تعالى قال: ( قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَبِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ ) فلو لم يكن فى قلوبهم شيء من الدين لم يكونوا يعلمون الله بدينهم؛ فإن الإسلام الظاهر بعرفه كل أحد. ودخلت الباء فى قوله: (أَتُعَلِمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) لأنه ضمن معنى يخبرون ويحدثون كأنه قال : أخبرونه وتحدثونه بدينكم وهو يعلم ما فى السموات وما فى الأرض. وسياق الآية يدل على أن الذي أخبروا به الله هو ما ذكره الله عنهم من قولهم: (ءَامَنَّا) فإنهم أخبروا عما فى قلوبهم . ٢٤٥ وقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت هاتان الآيتان ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون، فنزل قوله تعالى: ( قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَبِدِينِكُمْ) وهذا يدل على أنهم كانوا صادقين أولاً فى دخولهم فى الدين ، لأنه لم يتجدد لهم بعد نزول الآية جهاد حتى يدخلوا به فى الآية ، إنما هو كلام قالوه وهو سبحانه قال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ ) ولفظ: (لما) ينفي به ما يقرب حصوله ويحصل غالباً. كقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ اُلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُالَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ) وقد قال السدي : نزلت هذه الآية في أعراب مزينة وجهينة وأسلم، وأشجع وغفار، وهم الذين ذكرم الله فى سورة الفتح وكانوا يقولون : آمنا بالله ليأمنوا على أنفسهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا؛ فنزلت فيهم هذه الآية . وعن مقاتل : كانت منازلهم بين مكة والمدينة ، وكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا ، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرم فلم ينفروا معه. وقال مجاهد: نزلت في أعراب بنى أسد بن خزيمة ، ووصف غيره حالهم. فقال : قدموا المدينة فى سنة مجدية ، فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارم ، وكانوا يمنون على رسول الله ٢٤٦ صلى الله عليه وسلم يقولون: أتيناك بالأثقال والعيال ، فنزلت فيهم هذه الآية، وقد قال قتادة فى قوله : (يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَعُنُواْ عَلَ إِسْلَامَكُّ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَ نَّكُمْلِلْإِيمَنِ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ) قال : منوا على النبى صلى الله عليه وسلم حين جاءوا فقالوا: إنا أسلمنا بغير قتال، لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، فقال الله لنبيه : ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْلِلْإِيمَانِ). وقال مقاتل بن حيان: هم أعراب بني أسد بن خزيمة ، قالوا : يارسول الله أتيناك بغير قتال ، وتركنا العشائر والأموال ، وكل قبيلة من العرب قاتلتك حتى دخلوا كرها فى الإسلام ؛ فلنا بذلك عليك حق: فأنزل الله تعالى: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْلِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ). فله بذلك المن عليكم وفيهم أنزل الله: (وَلَتْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ) ، ويقال: من الكبائر التى ختمت بنار ، كل موجبة من ركبها ومات عليها لم يتب منها. وهذا كله يبين أنهم لم يكونوا كفاراً فى الباطن ؛ ولا كانوا قد دخلوا فيما يجب من الإيمان ؛ وسورة الحجرات قد ذكرت هذه الأصناف فقال : (إِنَّالَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِالْمُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) ولم يصفهم بكفر ولا نفاق ؛ لكن هؤلاء يخشى عليهم الكفر والنفاق ، ولهذا ارتد بعضهم لأنهم لم يخالط الإيمان بشاشة قلوبهم، وقال بعد ذلك (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ ٢٤٧ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَُّواْ ) الآية وهذه الآية نزلت فى الوليد بن عقبة، وكان قد كذب فيما أخبر . قال المفسرون : نزلت هذه الآية فى الوليد بن عقبة ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى المصطلق ليقبض صدقاتهم ، وقد كانت بينه وبينهم عداوة فى الجاهلية ، فسار بعض الطريق ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتلى ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إليهم، فنزلت هذه الآية. وهذه القصة معروفة من وجوه كثيرة ، ثم قال تعالى في تمامها: (وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الهِلَوَ يُطِعُكُمْفِ كَثِمِنَ الْأَمِْلَنْتُمْ ) وقال تعالى: (وَإِنَ طَايِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَّا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا الآية. ثم نهام عن أن يسخر بعضهم ببعض ، وعن المز عَلَى الْأُخْرَى ) والتنابز بالألقاب وقال: (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنِ) وقد قيل: معناه: لا تسميه فاسقاً ولا كافراً بعد إيمانه، وهذا ضعيف، بل المراد : بئس الاسم أن تكونوا فساقا بعد إيمانكم، كما قال تعالى فى الذي كذب: (إِن جَاءَ كُمْفَاسِقٌ ◌ٍَِ فَتَبَيَّنُواْ) فسماه فاسقاً . وفي ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))، يقول: فإذا ساببتم المسلم وسخر تم منه ولمزتموه استحققتم أن تسموا فساقاً، وقد قال فى آية القذف: (وَلَنَقْبَلُواْلَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). يقول: فإذا أتيتم بهذه الأمور التى تستحقون بها أن تسموا ٢٤٨ فساقاً كنتم قد استحققتم اسم الفسوق بعد الإيمان، وإلا فهم فى تنازم ما كانوا يقولون: فاسق ، كافر، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبعضهم بلقب بعضاً . وقد قال طائفة من المفسرين فى هذه الآية : لا تسميه بعد الإسلام بدينه قبل الإسلام، كقوله لليهودي إذا أسلم: يايهودي، وهذا مروي عن ابن عباس وطائفة من التابعين ، كالحسن ، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني،والقرظي. وقال عكرمة: هو قول الرجل: يا كافر ! يا منافق! وقال عبد الرحمن بن زيد: هو تسمية الرجل بالأعمال، كقوله : يازاني ياسارق يا فاسق وفي تفسير العوفى عن ابن عباس قال : هو تعبير التائب بسيئات كان قد عملها، ومعلوم أن اسم الكفر، واليهودية، والزاني، والسارق وغير ذلك من السيئات ليست هي اسم الفاسق، فعلم أن قوله: (بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ) لم يرد به تسمية المسبوب باسم الفاسق، فإن تسميته كافراً أعظم، بل إن الساب يصير فاسقاً لقوله: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » ثم قال: ( وَمَنْ لَّيَئُّبْ فَأُوْلَكَ هُ الَّلُونَ ) فجعلهم ظالمين إذا لم يتوبوا من ذلك وإن كانوا يدخلون فى اسم المؤمنين، ثم ذكر النهى عن الغيبة، ثم ذكر النهي عن التفاخر بالأحساب، وقال: (إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ ) . ثم ذكر قول الأعراب: ( ءَامَنًا ). فالسورة تنهى عن هذه المعاصي والذنوب التى فيها تعد على الرسول وعلى ٢٤٩ المؤمنين ، فالأعراب المذكورون فيها من جنس المنافقين . وأهل السباب والفسوق والمنادين من وراء الحجرات وأمثالهم، ليسوا من المنافقين ، ولهذا قال المفسرون : إنهم الذين استنفروا عام الحديبية، وأولئك وإن كانوا من أهل الكبائر فلم يكونوا فى الباطن كفاراً منافقين . قال ابن إسحاق : لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة- عمرة الحديبية - استنفر من حول المدينة من أهل البوادى والأعراب ليخرجوا معه خوفاً من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد ، فتناقل عنه كثير منهم ، فهم الذين عنى الله بقوله: ( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَ لُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ) أى ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم ◌َالَيَسَ فِى قُلُوبِهِمْ) أى ما يبالون ، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وهذا حال الفاسق الذي لا يبالي بالذنب، والمنافقون قال فيهم: (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْتَعَالَوْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الَّهِلَوَّوْأ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْلَمْ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ولم يقل مثل هذا في هؤلاء الأعراب، بل الآية دليل على أنهم لو صدقوا فى طلب الاستغفار نفعهم استغفار الرسول لهم ثم قال: ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْيُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَانَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابَ أَلِيمًا) فوعدهم الله بالثواب على طاعة الداعى إلى الجهاد ، وتوعدم بالتولي عن طاعته . وهذا كخطاب أمثالهم من أهل الذنوب والكبائر ؛ بخلاف من هو كافر ٢٥٠ فى الباطن ، فإنه لا يستحق الثواب بمجرد طاعة الأمر حتى يؤمن أولاً ، ووعيده ليس على مجرد توليه عن الطاعة فى الجهاد، فإن كفره أعظم من هذا. فهذا كله يدل على أن هؤلاء من فساق الملة ، فإن الفسق يكون تارة بترك الفرائض، وتارة بفعل المحرمات ، وهؤلاء لما تركوا ما فرض الله عليهم من الجهاد وحصل عندم نوع من الريب الذي أضعف إيمانهم، لم يكونوا من الصادقين الذين وصفهم ، وإن كانوا صادقين فى أنهم فى الباطن متدينون بدين الإسلام. وقول المفسرين: لم يكونوا مؤمنين نفي لما نفاه الله عنهم من الإيمان كما نفاه عن الزاني، والسارق ، والشارب، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وعمن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه؛ وعمن لا يجيب إلى حكم الله ورسوله، وأمثال هؤلاء. وقد يحتج على ذلك بقوله: (بِئْسَ الِأَسُْ الْفُسُوقُ بَعْدَ اَلْإِيمَانِ) كما قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» فذم من استبدل اسم الفسوق بعد الإيمان ؛ فدل على أن الفاسق لا يسمى مؤمناً فدل ذلك على أن هؤلاء الأعراب من جنس أهل الكبائر لا من جنس المنافقين . وأما ما نقل من أنهم أسلموا خوف القتل والسبى ؛ فهكذا كان إسلام غير المهاجرين والأنصار ، أسلموا رغبة ورهبة ، كإسلام الطلقاء من قريش بعد أن قهرهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإسلام المؤلفة قلوبهم من هؤلاء ومن أهل نجد وليس كل من أسلم لرغبة أو رهبة كان من المنافقين الذين م فى الدرك الأسفل ٢٥١ من النار ؛ بل يدخلون فى الإسلام والطاعة وليس فى قلوبهم تكذيب ومعاداة للرسول، ولا استنارت قلوبهم بنور الإيمان ولا استبصروا فيه؛ وهؤلاء قد يحسن إسلام أحدم فيصير من المؤمنين كأكثر الطلقاء ، وقد يبقى من فساق الملة ؛ ومنهم من يصير منافقاً مرتاباً إذا قال له منكر ونكير: ما تقول فى هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه! هاه ! لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته . وقد تقدم قول من قال: إنهم أسلموا بغير قتال ؛ فهؤلاء كانوا أحسن إسلاماً من غيرم، وأن الله إنما ذمهم لكونهم منوا بالإسلام وأزل فيهم ( وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ) وأنهم من جنس أهل الكبائر . وأيضاً قوله: (وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ ) (وَلَمَّا) إنما ينفي بها ما ينتظر ويكون حصوله مترقباً، كقوله: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ اُلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ) وقوله: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْالْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُم ) فقوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ ) يدل على أن دخول الإيمان منتظر منهم ؛ فإن الذي يدخل فى الإسلام ابتداء لا يكون قد حصل فى قلبه الإيمان ، لكنه يحصل فيما بعد كما فى الحديث: ((كان الرجل يسلم أول النهار رغبة فى الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس)). ولهذا كان عامة الذين أسلموا رغبة ورهبة دخل الإيمان فى قلوبهم بعد ذلك؛ وقوله: ( وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا) ٢٥٢ أمر لهم بأن يقولوا ذلك والمنافق لا يؤمر بشيء، ثم قال: (وَإِن تُطِيعُواْاللّهُ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا ) والمنافق لا تنفعه طاعة الله ورسوله حتى يؤمن أولاً . وهذه الآية مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى فى الإيمان دون الإسلام وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام. قال الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في: أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله وأقول: مسلم ولا أستثنى، قال: قلت لأحمد : تفرق بين الإسلام والإيمان ؟ فقال لي : نعم ، فقلت له: بأي شيء تحتيج؟ قال ، وذكر أشياء . لي : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ) وقال الشالنجي : سألت أحمد عمن قال : أنا مؤمن عند نفسي من طريق الأحكام والمواريث ولا أعلم ما أنا عند الله؟ قال : ليس بمرجي . وقال أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي : الاستثناء جائز، ومن قال : أنا مؤمن حقاً ، ولم يقل : عند الله ، ولم يستثن ؛ فذلك عندي جائز وليس بمرجي وبه قال أبو خيثمة وابن أبي شيبة، وذكر الشالنجي أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده ، أي يطلب الذنب بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم ؛ هل يكون مصراً من كانت هذه حاله ؟ قال : هو مصر مثل قوله: ((لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن)) يخرج من الإيمان، ويقع فى الإسلام، ومن نحو قوله: ((ولا يشرب الخمر حين بشربها وهو مؤمن ، ولا ٢٥٣ يسرق السارق حين بسرق وهو مؤمن )) ومن نحو قول ابن عباس فى قوله : (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ) فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض ؛ فكذلك الكفر حتى يجىء من ذلك أمر لا يختلف فيه. وقال ابن أبى شيبة: ((لايزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن)»: لا يكون مستكمل الإيمان، يكون ناقصاً من إيمانه . قال الشالنجى: وسألت أحمد عن الإيمان والإسلام . فقال: الإيمان قول وعمل ؛ والإسلام : إقرار ، قال: وبه قال أبو خيثمة . وقال ابن أبى شيبة: لا يكون إسلام إلا بإيمان ولا إيمان إلا بإسلام؛ وإذا كان على المخاطبة فقال: قد قبلت الإيمان، فهو داخل فى الإسلام ؛ وإذا قال : قد قبلت الإسلام فهو داخل فى الإيمان . وقال محمد بن نصر المروزي : وحكى غير هؤلاء أنه سأل أحمد ابن حنبل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن)) فقال: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن فهو مسلم ، ولا أسميه مؤمناً ، ومن أتى دون ذلك، يريد دون الكبائر، أسميه مؤمناً ناقص الإيمان . قلت : أحمد بن حنبل كان يقول تارة بهذا الفرق ، وتارة كان يذكر الاختلاف ويتوقف، وهو المتأخر عنه، قال أبو بكر الأثرم فى ((السنة)) سمعت أبا عبد الله يسأل عن الاستثناء فى الإيمان ما تقول فيه؟ فقال: أما أنا فلا أعيمه أي من الناس من يعيبه. قال أبو عبد الله: إذا كان يقول: إن الإيمان قول ٢٥٤ وعمل يزيد وينقص ، فاستثنى مخافة واحتياطاً ، ليس كما يقولون على الشك؛ إنما يستثنى للعمل. قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ) أي أن هذا استثناء بغير شك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فى أهل القبور: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) أي لم يكن يشك في هذا، وقد استثناه وذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( وعليها نبعث إن شاء الله)) يعني من القبر وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه)) قال : هذا كله تقوية للاستثناء فى الإيمان. قلت لأبى عبد الله: وكأنك لاترى بأساً أن لا يستثنى. فقال: إذا كان ممن يقول الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ؛ فهو أسهل عندي ؛ ثم قال أبو عبد الله : إن قوماً تضعف قلوبهم عن الاستثناء، كالتعجب منهم، وسمعت أبا عبد الله وقيل له : شبابة أي شيء تقول فيه ؟ : فقال: شبابة كان يدعي الإرجاء ، قال: وحكى عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت عن أحد بمثله ؛ قال أبو عبد الله: قال شبابة: إذا قال: فقد عمل بلسانه كما يقولون فإذا قال فقد عمل بجارحته، أي بلسانه حين تكلم به ؛ ثم قال أبو عبد الله: هذا قول خبيث ما سمعت أحداً يقول به ولا بلغني ، قيل لأبى عبد الله: كنت كتبت عن شبابة شيئاً؟ فقال: نعم كنت كتبت عنه قديماً يسيراً قبل أن نعلم أنه يقول بهذا، قلت لأبى عبد الله: كتبت عنه بعد؟ قال: لا ولا حرفا. قيل لأبى عبد الله: يزعمون أن سفيان كان يذهب إلى الاستثناء فى الإيمان . فقال: هذا مذهب سفيان ، المعروف به الاستثناء ، قلت لأبى عبد الله: من يرويه عن ٢٥٥ سفيان فقال كل من حكى عن سفيان فى هذا حكاية كانيستثنی، قال وقال وكيع عن سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث؟ ولا ندري ما هم عند اللّه قلت لأبى عبد الله: فأنت بأي شيء تقول ؟ فقال : نحن نذهب إلى الاستثناء. قلت لأبى عبد الله : فأما إذا قال : أنا مسلم فلا يستثنى ؟ فقال : نعم لا يستثنى إذا قال : أنا مسلم : قلت لأبي عبد الله: أقول: هذا مسلم، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه ، فذكر حديث معمر عن الزهري : فيرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل ، قال أبو عبد الله: حدثناه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قيل لأبي عبد الله: فنقول : الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم يدل على ذلك، فذكر قوله ((أخرجوا من النار من كان فى قلبه مثقال كذا، أخرجوا من كان في قلبه مثقال كذا )) فهو يدل على ذلك وذكر عند أبي عبد الله عيسى الأحمر، وقوله في الإرجاء فقال: نعم وذلك خبيث القول وقال أبو عبد الله : حدثنا مؤمل ، حدثنا حماد بن زيد، سمعت هشاماً يقول : كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم . ويهابان: مؤمن. قلت لأبى عبد الله: رواه غير سويد؟ قال: ما علمت بذلك، وسمعت أبا عبد الله يقول: الإيمان قول وعمل. قلت لأبي عبد الله: فالحديث الذي يروى «أعتقها فإنها مؤمنة)) قال: ليس كل أحد يقول: إنها مؤمنة يقولون أعتقها . قال: ومالك سمعه من هذا الشيخ هلال بن علي لا يقول ((فإنها مؤمنة)) ٢٥٦ وقد قال بعضهم بأنها مؤمنة ، فهي حين تقر بذاك فحكمها حكم المؤمنة ، هذا معناه. قلت لأبي عبد الله : تفرق بين الإيمان والإسلام ؟ فقال: قد اختلف الناس فيه، وكان حماد بن زيد - زعموا - يفرق بين الإيمان والإسلام، قيل له: من المرجئة ؟ قال : الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل . قلت: فأحمدبن حنبل لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يبق معه منه شيء ، كما تقوله الخوارج والمعتزلة ، فإنه قد صرح فى غير موضع : بأن أهل الكبار معهم إيمان يخرجون به من النار ، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) وليس هذا قوله ولا قول أحد من أكّة أهل السنة ، بل كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين معهم شيء من الإيمان يخرجون به من النار هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين ، لكن إذا كان معه بعض الإيمان لم يلزم أن يدخل فى الاسم المطلق الممدوح، وصاحب الشرع قد نفى الاسم عن هؤلاء فقال: ((لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن))؛ وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه)) وقال: ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) وأقسم على ذلك مرات وقال: ((المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)). و («المعتزلة)» ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، واسم الإسلام أيضاً، ويقولون: ليس معه شيء من الإيمان والإسلام، ويقولون: نزله منزلة بين منزلتين، فهم يقولون: إنه يخلد فى النار لا يخرج منها بالشفاعة ، وهذا هو الذي أنكر عليهم ٢٥٧ وإلا لونفوا مطلق الاسم وأثبتوا معه شيئاً من الإيمان يخرج به من النار لم يكونوا مبتدعة، وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد، وإنما ينازع فى ذلك من يقول: الإيمان لا يتبعض من الجهمية والمرجئة فيقولون: إنه كامل الإيمان ، فالذي ينفي إطلاق الاسم يقول : الاسم المطلق مقرون بالمدح واستحقاق الثواب ، كقولنا : متق، وبر، وعلى الصراط المستقيم، فإذا كان الفاسق لا تطلق عليه هذه الأسماء ، فكذلك اسم الإيمان ، وأما دخوله فى الخطاب ، فلأن المخاطب باسم الإيمان كل من معه شيء منه، لأنه أمر لهم، فمعاصيهم لا تسقط عنهم الأمر. وأما ما ذكره أحمد فى الإسلام، فاتبع فيه الزهري حيث قال : فكانوا يرون الإسلام الكلمة ، والإيمان العمل، فى حديث سعد بن أبى وقاص، وهذا على وجهين ، فإنه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام الذي بينه النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان ويحج البيت » وقد يراد به الكلمة فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة ، وليس هذا هو الذى جعله النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام . لكن قد يقال : إسلام الأعراب كان من هذا، فيقال . الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ألزموا بالأعمال الظاهرة : الصلاة ، والزكاة ، والصيام والحج. ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة، بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها . ٢٥٨ وأحمد إن كان أراد فى هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتان فقط ، فكل من قالها فهو مسلم ، فهذه إحدى الروايات عنه ، والرواية الأخرى : لا يكون مسلماً حتى يأتى بها ويصلى، فإذا لم يصل كان كافراً. و((الثالثة)) أنه كافر بترك الزكاة أبضاً. و((الرابعة)) أنه يكفر بترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ما إذا لم يقاتله ، وعنه أنه لو قال : أنا أؤديها ولا أدفعها إلى الإمام ، لم يكن للإمام أن يقتله، وكذلك عنه رواية أنه يكفر بترك الصيام والحج، إذا عزم أنه لا يحتج أبداً . ومعلوم أنه على القول بكفر تارك المبانى يمتنع أن يكون الإسلام مجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل فى الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يشهد له بالإسلام ولا يشهد له بالإيمان الذى في القلب ، ولا يستثنى فى هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور ، لكن الإسلام الذى هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذى لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها . وقد صار الناس فى مسمى الإسلام على ((ثلاثة أقوال)): قيل: هو الإيمان، وهما اسمان لمسمى واحد. وقيل: هو الكلمة، وهذان القولان لهما وجه سنذكره، لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه النى صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام والإيمان ، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة ، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة ، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام؛ وإذا أفرد الإسلام؛ فقد يكون مع الإسلام مؤمناً بلا نزاع؛ وهذا ٢٥٩ هو الواجب؛ وهل يكون مسلماً ولا يقال له : مؤمن؟ قد تقدم الكلام فيه . وكذلك هل يستلزم الإسلام للإيمان ؟ هذا فيه النزاع المذكور وسنبينه، والوعد الذي فى القرآن بالجنة وبالنجاة من العذاب إنما هو معلق باسم الإيمان وأما اسم الإسلام مجرداً فما علق به فى القرآن دخول الجنة ، لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه . وبالإسلام بعث الله جميع النبيين قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيَّرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ) وقال: ( إِنَّالدِّينَ عِندَ اللَِّالْإِسْلَمُ) وقال نوح: ( يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَ حْمِعُوْ أَفَّْكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّلَا يَكُنْ أَمْرُّكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمُ مِّنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وقد أخبر أنه لم ينتج من العذاب إلا المؤمنين فقال : ( قُلْنَا أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلََّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِالْقَوْلُ وَمَنْءَآ مَنَّ وَمَآءَامَنَ مَعَهُ إِلََّقَلِيلٌ) وقال: (وَأُوْجِى إِلَى نُوعِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْءَامَنَ ) وقال نوح: (وَمَآ أَنْبِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ). وكذلك أخبر عن إبراهيم أن دينه الإسلام فقال تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ * إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ * وَوَضَى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَبَنِىّ إِنَّاللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الْذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ) ٢٦٠