النص المفهرس
صفحات 221-240
والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله تعالى: ( وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِّ وَمَا أُوْلَئِكَ بِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَادُعُوْإِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمََّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنِ يَكُنْ لَهُ الْحَقُّ يَأْتُواْإِلَيْهِ مُذِْنِينَ ) إلى قوله: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. لِيَحْكُبَيْنَهُ أَنْ يَقُولُوْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فنفى الإِيمان عمن تولى عن طاعة الرسول ، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا ؛ فبين أن هذا من لوازم الإيمان. ٢٢١ فصل فإن قيل : فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر اللهبه ورسوله فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج، أو تخليدهم فى النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة، وكلا هذين القولين شر من قول المرجئة فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير ، وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم. قيل : أولاً ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر فى النار ؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان ؛ وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد فى النار أحد ممن فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ، وانفقوا أيضاً على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن بأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته. ففي (الصحيحين) عنه أنه قال: ((لكل نبى دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوني شفاعة لأمتى يوم القيامة))، وهذه الأحاديث مذكورة فى مواضعها. وقد نقل بعض الناس عن الصحابة فى ذلك خلافاً ، كما ٢٢٢ روى عن ابن عباس أن القاتل لاتوبة له، وهذا غلط على الصحابة ؛ فإنه لم يقل أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ولا قال: إنهم يخلدون فى النار ، ولكن ابن عباس فى إحدى الروايتين عنه قال: إن القاتل لا توبة له. وعن أحمد بن حنبل فى قبول توبة القاتل روايتان أيضاً . والنزاع في التوبة غير النزاع فى التخليد ، وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي ، فلهذا حصل فيه النزاع . وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله . فهذا ممنوع ، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع فى الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت ((الخوارج والمعتزلة)): هو مجموع ما أمر الله به ورسوله ، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث : قالوا: فإذا ذهب شىء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شىء فيخلد فى النار وقالت ((المرجئة)) على اختلاف فرقهم : لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان إذلو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر ، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه،كقوله: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)). ولهذا كان «أهل السنة والحديث)) على أنه يتفاضل ، وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص ، ومنهم من يقول : يزيد ولا يقول : ينقص ، كماروى عن مالك فى إحدى الروايتين ، ومنهم من يقول: يتفاضل ، كعبد الله بن المبارك، وقد ٢٢٣ ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة؛ فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة : عن حماد بن سلمة ، عن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمي؛ وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان يزيد وينقص؛ قيل له : وما زيادته وما نقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته؛ وإذا غفلنا ونسينا فتلك(١) نقصانه ؛ وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان ، عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال : الإيمان يزيد وينقص . وقال أحمد بن حنبل : حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن عثمان قال : سمعت أشياخنا أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه ، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص ؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه. وروى إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، عن أبى هريرة قال : الإيمان يزيد وينقص . وقال أحمد بن حنبل : حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن طلحة ، عن زبيد ، عن ذر قال، كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : هلموا تزدد إيماناً ، فيذكرون الله عز وجل وقال أبو عبيد فى ((الغريب)) في حديث على: إن الإيمان يبدو لمظة فى القلب ، كما ازداد الإيمان ازدادت اللحظة يروي ذلك عن عثمان بن عبدالله عن عمرو بن هند الجملى عن على قال الأصمعي ، اللمظة: مثل النكتة أو نحوها . (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( فذلك ) ٢٢٤ وقال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع، عن شريك ، عن هلال، عن عبدالله ابن عكيم قال : سمعت ابن مسعود يقول فى دعائه: اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً. وروى سفيان الثوري عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال : كان معاذ بن جبل يقول لرجل : اجلس بنا نؤمن نذكر الله تعالى،وروى أبو اليمان: حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد، أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة ، فنحن فى مجلس ذكر . وهذه الزيادة أثبتها الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كله. وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان الإنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار ؛ وبذل السلام للعالم، ذكره البخاري فى ((صحيحه))، وقال جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً ، والآثار فى هذا كثيرة ، رواها المصنفون فى هذا الباب عن الصحابة والتابعين فى كتب كثيرة معروفة . قال مالك بن دينار : الإيمان يبدو فى القلب ضعيفاً ضئيلاً كالبقلة ؛ فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ، وأماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو أو يزداد، ويصير له أصل وفروع، وتمرة وظل إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال . وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز فنتفتها، أوصى فذهب بها، وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها ، كذلك الإيمان. ٢٢٥ وقال خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن فى الخصب ، ويهزل فى الجدب فحصبه العمل الصالح ، وجدبه الذنوب والمعاصي . وقيل لبعض السلف: يزداد الإيمان وينقص ؟ قال نعم يزداد حتى بصير أمثال الجبال ، وينقص حتى بصير أمثال الهباء . وفي حديث حذيفة الصحيح: « حتى يقال للرجل : ما أجلده، ما أظرفه ما أعقله؛ وما فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) وفى حديثه الآخر الصحيح ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى أصير على قلبين : أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود : مرباداً، كالكوز مجخياً ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب هواه))؛ وفى حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب كفاية ، فإنه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه لأنه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته فى تلك الخصال التى تدل على قوة إيمانهم؛ وتوكلهم على الله فى أمورم كلها . وروى أبو نعيم من طريق الليث بن سعد ، عن يزيد بن عبد الله الیزنى، عن أبى رافع أنه سمع رجلاً حدثه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: أتحب أن أخبرك بصريح الإيمان؟ قال: نعم. قال: إذا أسأت أو ظلمت أحداً ، عبدك أو أمتك أو أحداً من الناس ، حزنت وساءك ذلك. ٢٢٦ وإذا تصدقت أو أحسنت استبشرت وسرك ذلك ، ورواه بعضهم عن يزيد ، عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله عن زيادة الإيمان فى القلب ونقصانه فذكر نحوه، وقال البزار: حدثنا محمد بن أبى الحسن البصري ، تنا هانئ بن المتوكل ، ثنا عبد الله بن سليمان، عن إسحاق عن أنس مرفوعاً: ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان، خلق يعيش به فى الناس ، وورع يحجزه عن معصية الله، وحلم يرد به جهل الجاهل)). و « أربع من الشقاء: جمود العين وقساوة القلب ، وطول الأمل والحرص على الدنيا)). فالخصال الأولى تدل على زيادة الإيمان وقوته، والأربعة الأخر تدل على ضعفه ونقصانه . وقال أبو يعلى الموصلي : ثنا عبد الله القواريري، ويحيى بن سعيد قالا : تنا يزيد بن زريع ، ويحيى بن سعيد قالا : حدثنا عوف حدثني عقبة بن عبد الله المزنى قال يزيد فى حديثه فى مسجد البصرة : حدثني رجل قد سماه ، ونسي عوف اسمه قال : كنت بالمدينة فى مسجد فيه عمر بن الخطاب . فقال لبعض جلسائه : كيف سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الإسلام؟ فقال: سمعته يقول: الإسلام بدأ جذعاً؛ ثم ثنياً ؛ ثم رباعياً؛ ثم سداسياً؛ ثم بازلاً. فقال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان، كذاذكره أبو يعلى فى ((مسند عمر)) وفي ((مسند)) هذا الصحابي المبهم ذكره أولى. قال أبو سليمان: من أحسن في ليله كوفي في نهاره، ومن أحسن فى نهاره كوفى فى ليله] (١) . (١) ما بين القوسين المربعين من ص ٢٢٥ - ٢٢٧ زيادة من المخطوطة. ٢٢٧ والزيادة قد نطق بها القرآن فى عدة آيات؛ كقوله تعالى ( إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَتِهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَا) وهذه زيادة إذا تليت عليهم الآيات أي وقت تليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات زاد فى قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من على الإيمان ما لم يكن ؛ حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ ويحصل فى قلبه من الرغبة فى الخير والرهبة من الشر ما لم يكن ؛ فزاد علمه بالله ومحبته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان، وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقيناً ونوكلا على الله ، وثباتاً على الجهاد وتوحيداً بأن لا يخافوا المخلوق ؛ بل يخافون الخالق وحده، وقال تعالى: (وَإِذَامَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَنَا فَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَ تْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ فَزَادَتُهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ). وهذه ((الزيادة)) ليست مجرد التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيماناً بحسب مقتضاها ؛ فإن كانت أمراً بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة ، وإن كانت نهياً عن شىء انتهوا عنه فكرهوه، ولهذا قال: ( وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) والاستبشار غير مجرد التصديق، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ ج ) ، والفرح بذلك من زيادة الإيمان إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَةٌ قال تعالى: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ). وقال تعالى: (وَيَوْمَيِدٍ ٢٢٨ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ) وقال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَالنَّارِ إِلَّ مَلَئِكَةٌ وَمَا جَعَلْنَا عِدََّهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ وَيَزْدَادَالَّذِينَ ءَامَنُواْإِمَّا). لا وقال: ( هُوَالَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَنَّا مَّعَ إِيَمَنِهِمْ) وهذه نزلت لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديدية ؛ فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان . والسكينة طمأنينة فى القلب غير علم القلب وتصديقه، ولهذا قال يوم حنين: ( ثُمَّأَنَزَلَ اللّهُ سَكِينَتَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا) وقال تعالى: (ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاْ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) ولم يكن قد نزل يوم حنين قرآن ولا يوم الغار ؛ وإنما أنزل سكينته وطمأنينته من خوف العدو ، فلما أنزل السكينة فى قلوبهم، مرجعهم من الحديبية، ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، دل على أن الإيمان المزيد، حال للقلب وصفة له ، وعمل مثل طمأنينته وسكونه ويقينه، واليقين قد يكون بالعمل والطمأنينة، كما يكون بالعلم، والريب المنافى لليقين يكون ريباً فى العلم، وريباً فى طمأنينة القلب ، ولهذا جاء فى الدعاء المأثور : ((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما محول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا)). وفى حديث الصديق الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سلوا الله العافية واليقين؛ فما أعطي أحد بعد اليقين شيئاً ٢٢٩ خيراً من العافية؛ فسلوهما الله تعالى))؛ فاليقين عند المصائب بعد العلم بأن الله قدرها سكينة القلب وطمأنينته وتسليمه، وهذا من تمام الإيمان بالقدر خيره وشره، كما قال تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) قال علقمة: ويروى عن ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وقوله تعالى: (يَهْدِقَلْبَهُ ) هداه لقلبه هو زيادة فى إيمانه؛ كما قال تعالى: ( وَالَّذِينَ آَهْتَدَوْ زَادَهُمْهُدَى) وقال: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُواْبِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى). ولفظ ((الإيمان)) أكثر ما يذكر فى القرآن مقيداً ؛ فلا يكون ذلك اللفظ متناولا لجميع ما أمر الله به ؛ بل يجعل موجباً للوازمه وتمام ما أمر به، وحينئذ يتناوله الاسم المطلق قال تعالى: (ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنْفَقُوْلَمْأَتْرُكَيْرٌ * وَمَا لَكُلَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْلِنُؤْ مِنُوْبِرَّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِسَقَكُمْإِنَ كُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَالَّذِى يُنَزِلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَتٍ ) وقال تعالى فى آخر السورة: (يَأَيُّهَا بَيِّنَتِ لَيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ الَّذِينَءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ). وقد قال بعض المفسرين فى الآية الأولى: إنها خطاب لقريش ؛ وفى الثانية إنها خطاب اليهود والنصارى ، وليس كذلك ؛ فإن الله لم يقل قط للكفار: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) ثم قال بعد ذلك: (لِئَلََّيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلََّيَقْدِرُونَ ٢٣٠ ) وهذه السورة مدنية باتفاق، لم يخاطب بها المشركين عَلَى شَىْءٍمِّن فَضْلِاللَّهِ وَمَا لَكُ لَانُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ مکة ؛ وقد قال : ( ) وهذا لا يخاطب به كافر ؛ وكفار مكة أَخَذَ مِيشَقَكُمْ إِنَ كُم مُّؤْمِنِينَ لم يكن أخذ ميثاقهم، وإنما أخذ ميثاق المؤمنين ببيعتهم له ؛ فإن كل من كان مسلماً مهاجراً، كان يبايح النبى صلى الله عليه وسلم، كما بايعه الأنصار ليلة العقبة وإنما دعاهم إلى تحقيق الإيمان وتكميله، بأداء ما يجب من تمامه باطناً وظاهراً كما نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم فى كل صلاة؛ وإن كان قد هدی المؤمنين للإقرار بما جاء به الرسول جملة ، لكن الهداية المفصلة فى جميع ما يقولونه ويفعلونه فى جميع أمورثم لم تحصل ، وجميع هذه الهداية الخاصة المفصلة هي من الإيمان المأمور به. وبذلك يخرجهم الله من الظلمات إلى النور . ٢٣١ فصل وزيادة الإيمان الذي أمر الله به ، والذي يكون من عباده المؤمنين يعرف من وجوه : ( أحدها ) : الإجمال والتفصيل فيما أمروا به ، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملاً. فمعلوم أنه لا يجب فى أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ، ما يجب على من بلغه غيره ، فمن عرف القرآن والسنن ومعانيها ، لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره ، ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطناً وظاهراً، ثم مات قبل أن يعرف شرائح الدين ، مات مؤمناً بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقع عنه ، مثل إيمان من عرف الشرائح فآمن بها وعمل بها ؛ بل إِيمان هذا أكمل وجوباً ووقوعا، فإن ما وجب عليه من الإيمان أكمل، وما وقع منه أكمل. وقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أي في التشريع بالأمر والنهي ليس المراد أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة ، وأنه فعل ذلك؛ بل فى ((الصحيحين)) عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه وصف النساء ٢٣٢ بأنهن ناقصات عقل ودين، وجعل نقصان عقلها ، أن شهادة امرأتين ، شهادة رجل واحد ، ونقصان دينها أنها إذا حاضت ، لا تصوم ولا تصلى، وهذا النقصان ليس هو نقص مما أمرت به ؛ فلا تعاقب على هذا النقصان، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملاً بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين . ( الوجه الثاني ) : الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم ، فمن آمن بما جاء به الرسول مطلقاً فلم يكذبه قط ، لكن أعرض عن معرفة أمره، ونهيه، وخبره ، وطلب العلم الواجب عليه ؛ فلم يعلم الواجب عليه ، ولم يعمله ؛ بل اتبع هواه، وآخر طلب على ما أمر به فعمل به، وآخر طلب علمه، فعلمه ، وآمن به ولم يعمل به وإن اشتركوا في الوجوب، لكن من طلب على التفصيل وعمل به فإيمانه أكمل به ؛ فهؤلاء ممن عرف ما يجب عليه والتزمه، وأقر به، لكنه لم يعمل بذلك كله ، وهذا المقر بما جاء به الرسول، المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيماناً ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك؛ ولا هو خائف أن يعاقب ؛ بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً . فكلما على القلب ، ما أخبر به الرسول فصدقه ، وما أمر به فالتزمه ؛ كان ذلك زيادة فى إيمانه على من لم يحصل له ذلك ؛ وإن كان معه التزام عام وإقرار عام . وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها، فآمن بها؛ كان إيمانه أكمل ممن لم ٢٣٣ يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيماناً مجملاً، أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته، كان إيمانه به أكمل . (الثالث ) : أن العلم والتصديق نفسه ، يكون بعضه أقوى من بعض ، وأثبت وأبعد عن الشك والريب ، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه ؛ كما أن الحس الظاهر بالشىء الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض؛ وكذلك سماع الصوت الواحد، وشم الرائحة الواحدة ، وذوق النوع الواحد من الطعام ، فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة ! والمعاني التى يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه ، يتفاضل الناس فى معرفتها ، أعظم من تفاضلهم فى معرفة غيرها . ( الرابع ) أن التصديق المستلزم لعمل القلب ، أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله؛ فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق ، ورسوله حق، والجنة حق ، والنارحق وهذا علمه أوجب له محبة الله ، وخشيته، والرغبة فى الجنة ، والهرب من النار والآخر علمه لم يوجب ذلك؛ فعلم الأول أكمل ؛ فإن قوة المسبب ، دل على قوة السبب، وهذه الأمور نشأت عن العلم ، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه؛ والعلم بالمخوف ، يستلزم الهرب منه ؛ فإذا لم يحصل اللازم، دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ليس المخبر كالمعاين)) فإن موسى لما أخبره ٢٣٤ ربه أن قومه عبدوا العجل ، لم يلق الألواح . فلما رآم قد عبدوه ألقاها؛ وليس ذلك لشك موسى فى خبر الله، لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر، فقدلا يتصور المخبر به في نفسه ، كما يتصوره إذا عاينه ؛ بل يكون قلبه مشغولاً عن تصور المخبر به، وإن كان مصدقاً به ؛ ومعلوم أنه عند المعاينة ، يحصل له من تصور المخبر به ما لم يكن عند الخبر ، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق. (الخامس): أن أعمال القلوب، مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجائه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف؛ وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً . (السادس): أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضاً من الإيمان، والناس یتفاضلون فيها . (السابع) ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك ، بحيث لا يكون غافلاً عنه ؛ أكمل ممن صدق به وغفل عنه ؛ فإن الغفلة تضاد كمال العلم؛ والتصديق والذكر، والاستحضار يكمل العلم واليقين؛ ولهذا قال عمر بن حبيب من الصحابة ، إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته؛ وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه وهو كذلك ؛ وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه: اجلسوا بنا ساعة نؤمن، قال تعالى، ( وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ( عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ) وقال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى ثم كلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك؛ وعملبه، * وَيَنَجَنَبُهَا الْأَشْقَى ) ٢٣٥ حصل له معرفة شىء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك وعرف من معاني أسماء الله وآياته ما لم يكن عرفه قبل ذلك، كما فى الأثر ((من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم))، وهذا أمر يجده فى نفسه كل مؤمن. وفي ((الصحيح))، عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((مثل الذى يذكرربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)). قال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتُهُمْ إِيَمنًا)، وذلك أنها تزيدهم على مالم يكونوا قبل ذلك علموه، وتزيدم عملاً بذلك العلم، وتزيدهم تذكراً لما كانوا نسوه، وعملاً بتلك التذكرة، وكذلك ما يشاهده العباد من الآيات فى الآفاق، وفى أنفسهم. قال تعالى: (سَكُرِيِهِمْ ءَ ايَتِنَا فِ اَلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ)، أى إن القرآن حق ، ثم قال تعالى: (أَوَّلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ)، فإن الله شهيد فى القرآن بما أخبر به؛ فآمن به المؤمن ثم أرام فى الآفاق وفي أنفسهم من الآيات، ما يدل على مثل ما أخبر به فى القرآن ، فبينت لهم هذه الآيات ، أن القرآن حق مع ما كان قد حصل لهم قبل ذلك . وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجِ وَاْلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنََّتْنَافِيَهَا مِنْ كُلِ زَوْيِ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) ، فالآيات المخلوقة والمتلوة ، فيها تبصرة، وفيها تذكرة: تبصرة من العمى، وتذكرة من الغفلة؛ فيبصر من لم يكن عرف حتى يعرف، ويذكر من عرف ونسى ، والإنسان يقرأ السورة مرات، حتى سورة الفاتحة ، ويظهر له في أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك ، حتى كأنها تلك الساعة نزلت ؛ فيؤمن بتلك المعانى ويزداد علمه ٢٣٦ وعمله، وهذا موجود فى كل من قرأ القرآن بتدبر ، بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه، ثم كلما فعل شيئاً مما أمر به، استحضر أنه أمر به فصدق الأمر، فحصل له فى تلك الساعة من التصديق فى قلبه ما كان غافلا عنه وإن لم يكن مكذباً منكرا. ( الوجه الثامن ) : أن الإنسان قد يكون مكذباً ومنكراً لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها ، وأمر بها ، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر . بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك ، أو يفسر له معناه ، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه ، فيصدق بما كان مكذباً به ، ویعرف ما كان منكراً ، وهذا تصدیق جدید ، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافراً بل جاهلاً؛ وهذا وإن اشبه المجمل والمفصل لكون قلبه سليما عن تكذيب وتصديق لشيء من التفاصيل، وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك ، فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج ؛ وأما كثير من الناس ، بل من أهل العلوم والعبادات ، فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول وهم لا يعرفون أنها تخالف ، فإذا عرفوا رجعوا، وكل من ابتدع في الدين قولاً أخطأ فيه، أو عمل عملاً أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسول ، أو عرف ما قاله وآمن به ، لم يعدل عنه؛ هو من هذا الباب وكل مبتدع قصده متابعة الرسول فهو من هذا الباب ؛ فمن على ما جاء به الرسول، وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك؛ ومن علم الصواب بعد الخطأ، وعمل به فهو أكمل ممن لم يكن كذلك. ٢٣٧ فصل وقد أثبت الله فى القرآن إسلاماً بلا إيمان في قوله تعالى : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْأَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْ خُلِ اَلْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْاللّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا ). وقد ثبت فى ((الصحيحين))، عن سعد بن أبى وقاص ، قال: أعطى النبى صلى الله عليه وسلم رهطاً، وفى رواية قسم قسماً ، وترك فيهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إلى، فقلت: يارسول الله، مالك عن فلان؟ فوالله إنى لأراه مؤمناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أو مسلماً)). أقولها ثلاثا، ويرددها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، ثم قال: ((إنى لأعطي الرجل ، وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله على وجهه فى النار))، وفى رواية : فضرب بين عنقي وكتفي ، وقال: ((أقتال أي سعد ؟!)). فهذا الإسلام الذي نفى الله عن أهله دخول الإيمان فى قلوبهم ، هل هو إسلام يثابون عليه؟ أم هو من جنس إسلام المنافقين ؟ فيه قولان مشهوران السلف والخلف : أحدهما : أنه إسلام يثابون عليه ، ويخرجهم من الكفر والنفاق. وهذا مروي عن الحسن، وابن سيرين ، وإبراهيم النخعي، ٢٣٨ وأبى جعفر الباقر : وهو قول حماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري، وأبى طالب المكي، وكثير من أهل الحديث والسنة والحقائق. قال أحمد بن حنبل : حدثنا مؤمل بن إسحق عن عمار بن زيد قال : سمعت هشاماً يقول: كان الحسن ومحمد يقولان : مسلم، ويهابان: مؤمن. وقال أحمد بن حنبل : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، قال : قال مالك، وشريك، وأبو بكر بن عياش ، وعبدالعزيز بن أبىسلمة . وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد: ((الإيمان)) المعرفة والإقرار والعمل، إلا أن حماد بن زيد، يفرق بين الإسلام والإيمان، يجعل الإيمان خاصاً ، والإسلام عاماً . و( القول الثانى): أن هذا الإسلام: هو الاستسلام خوف السبى والقتل، مثل إسلام المنافقين. قالوا: وهؤلاء كفار ، فإن الإيمان لم يدخل فى قلوبهم ومن لم يدخل الإيمان فى قلبه فهو كافر . وهذا اختيار البخاري، ومحمد بن نصر المروزي ، والسلف مختلفون فى ذلك . قال محمد بن نصر : حدثنا إسحاق، أنبأنا جرير ، عن مغيرة، قال : أتيت إبراهيم النخعي ، فقلت: إن رجلاً خاصمنى يقال له: سعيد العنبري ، فقال إبراهيم ليس بالعنبري ولكنه زبيدي . قوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامََّقُل لَّمَ فقال: هو الاستسلام ، فقال إبراهيم: لا، تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْأَسْلَمْنَا ) هو الإسلام . وقال : حدثنا محمد بن یحی . حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان عن ٢٣٩ ، قال : مجاهد: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْأَسْلَمْنَا) استسلمنا خوف السبى والقتل. ولكن هذا منقطع ، سفيان لم يدرك مجاهداً. والذين قالوا: إن هذا الإسلام هو كإسلام المنافقين، لا يثابون عليه، قالوا : لأن الله نفى عنهم الإيمان، ومن نفي عنه الإيمان فهو كافر. وقال هؤلاء: الإسلام هو الإيمان، وكل مسلم مؤمن . وكل مؤمن مسلم ، ومن جعل الفساق مسلمين غير مؤمنين ، لزمه أن لا يجعلهم داخلين فى قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ): وفى قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ)، وأمثال ذلك فإنهم إنما دعوا باسم الإيمان، لا باسم الإسلام، فمن لم يكن مؤمناً لم يدخل فى ذلك. وجواب هذا أن يقال : الذين قالوا من السلف : إنهم خرجوا من الإيمان إلى الإسلام ،لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شىء ،بل هذا قول الخوارج، والمعتزلة. وأهل السنة الذين قالوا هذا، يقولون : الفساق يخرجون من النار بالشفاعة . وإن معهم إيمانا يخرجون به من النار . لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان ، لأن الإيمان المطلق، هو الذي يستحق صاحبه الثواب ، ودخول الجنة ، وهؤلاء ليسوا من أهله ، وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان ، لأن الخطاب بذلك هو لمن دخل فى الإيمان وإن لم يستكمله، فإنه إنما خوطب ليفعل تمام الإيمان ، فكيف يكون قد أتمه قبل الخطاب؟! وإلا كنا قد تبينا أن هذا المأمور من الإيمان قبل الخطاب؛ وإنما صارمن الإيمان بعد أن أمروا به، فالخطاب بـ (يَأَيُّهَا ٢٤٠