النص المفهرس
صفحات 161-180
أُمَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ) بين سبحانه أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة يستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله ، ومن أضداده استئذانه فى ترك الجهاد، ثم صرح بأن استئذانه إنما يصدر من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ودل قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ) على أن المتقين هم المؤمنون . ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن)) وقوله: (( لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) وقوله: ((لا تؤمنوا حتى تحابوا)) وقوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) وقوله ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه)) وقوله ((من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا)). ١٦١ فصل وأما إذا قيد الإيمان فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح ، فإنه قد يراد به ما فى القلب من الإيمان باتفاق الناس ، وهل يراد به أيضاً المعطوف عليه ويكون من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلاً فى مسماه ؟ بل يكون لا زماً له، على مذهب أهل السنة، أو لا يكون بعضاً ولا لا زماً ، هذا فيه ثلاثة أقوال للناس ، كما سيأتي إن شاء الله، وهذا موجود فى عامة الأسماء يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد، مثال ذلك اسم ((المعروف)) و((المنكر)) إذا أطلق كما فى قوله تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) وقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُ ونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) وقوله: (وَأْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) يدخل فى المعروف كل خير ، وفى المنكر كل شر . ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله: (لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجْوَنُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاجِ بَيْنَ النَّاسِ ) فغاير بين المعروف وبين الصدقة والإصلاح بين الناس - كما غاير بين اسم الإيمان والعمل؛ واسم الإيمان والإسلام - وكذلك قوله تعالى: (إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) ١٦٢ غاير بينهما وقد دخلت الفحشاء فى المنكر فى قوله: (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) ثم ذكر مع المنكر اثنين فى قوله: (إِنَّاللَّهَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِي ) جعل البغي هنا مغايراً لهما، وقد دخل فى المنكر فى ذينك الموضعين . ومن هذا الباب لفظ ((العبادة)) فإذا أمر بعبادة الله مطلقاً دخل فى عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر به والاستعانة به مما أمر به؛ فيدخل ذلك فى مثل قوله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وفى قوله: ( وَأَعْبُدُواْ اُللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا). وقوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ) وقوله: ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ) (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِ ). وقوله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِتَأْمُرُوَنَّ أَعْبُدُأَيُّهَا الْجَهِلُونَ ) . ثم قد يقرن بها اسم آخر كما فى قوله : (إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِيََّكَ نَسْتَعِينُ) وقوله : (فَأُعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ). وقول نوح ( أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ). وكذلك إذا أفرد اسم ((طاعة اللّه)) دخل فى طاعته كل ما أمر به وكانت طاعة الرسول داخلة فى طاعته، وكذا اسم ((التقوى)) إذا أفرد دخل فيه فعل كل مأمور به وترك كل محظور . قال طلق بن حبيب : التقوى : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله نخاف عذاب الله وهذا كما فى قوله: ( إِنَّالْنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَهَرٍ * فِ مَفْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ ). ١٦٣ وقد يقرن بها اسم آخر كقوله: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَ مَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) وقوله: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَيُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وقوله: ( وَتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَّءَلُونَ بِهِء ) . وقوله: ( أَتَّقُواْ اللَّهَ وَاُلْأَرْحَامَ ) وقوله: ( أُتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْقَوْلًا سَدِيدًا وَكُونُواْ مَعَ الصََّدِقِينَ ) وقوله: (أُتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَُّنُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) وأمثال ذلك. فقوله: ( أُتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواقَوْلًا سَدِيدًا) مثل قوله: (ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) وقوله: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَكَبِكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِّن رُّسُلِهِ. فعطف قولهم على وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَـ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اْلْمَصِيرُ) الإيمان ؛ كما عطف القول السديد على التقوى ؛ ومعلوم أن التقوى إذا أطلقت دخل فيها القول السديد، وكذلك الإيمان إذا أطلق دخل فيه السمع والطاعة لله وللرسول، وكذلك قوله: (ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وإذا أطلق الإيمان بالله فى حق أمة محمد صلى الله عليه وسلم دخل فيه الإيمان بالرسول، وكذلك قوله: (كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِّكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ) وإذا أطلق الإيمان باللّه دخل فيه الإيمان بهذه التوابع، وكذلك قوله: (وَالِّينَ يُؤْمِنُونَ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) وقوله: (قُولُوَاْءَامَنَابِاللَّهِوَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِرَهِعْمَ) الآية. ١٦٤ وإذا قيل: (فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّالْأُمِيّ ) دخل في الإيمان برسوله الإيمان بجميع الكتب والرسل والنبيين، وكذلك إذا قيل: (وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ. يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ) وإذا قيل: (ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوْمِمَّا جَعَلَكُمْ ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) دخل فى الإيمان بالله ورسوله الإيمان بذلك كله، والإنفاق يدخل في قوله فى الآية الأخرى: (ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) كما يدخل القول السديد فى مثل قوله: ( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ◌ُلَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ ). وكذلك لفظ (( البر)) إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به كما فى قوله : ( إِنَّالْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَلَفِىِ حَحِيمٍ ) وقوله: ( وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنِ اتَّقَى) وقوله : (وَلَكِنَّ الْبَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِعِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآبِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ صلى وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِرِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ) فالبر إذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى ، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البر، ثم قد يجمع بينهما كما فى قوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْبِّ وَالنَّقْوَى ). وكذلك لفظ ((الإثم)) إذا أطلق دخل فيه كل ذنب ، وقد يقرن بالعدوان كما فى قوله تعالى: ( وَلَنَعَوَنُواْعَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ). وكذلك لفظ ((الذنوب)) إذا أطلق دخل فيه ترك كل واجب وفعل كل محرم، كما فى قوله: ( يَعِبَادِىَ ١٦٥ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَّ أَنْفُسِهِمْ لَنَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ). ( ثم قد يقرن بغيره كما في قوله: ( رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وكذلك لفظ ((الهدى)) إذا أطلق تناول العلم الذي بعث الله به رسوله والعمل به جميعاً فيدخل فيه كل ما أمر الله به كما فى قوله: ( أهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) والمراد طلب العلم بالحق والعمل به جميعاً. وكذلك قوله: ( حُدَى ◌ِلْتَّقِينَ). والمراد به أنهم يعلمون ما فيه ويعملون به، ولهذا صاروا مفلحين ، وكذلك قول أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلّهِالَّذِى هَدَمنَالِهَذَا) وانما هدام بأن ألهمهم العلم النافع والعمل الصالح . ثم قد يقرن الهدى إما بالاجتباء كما في قوله (وَأَخْتَبَيْنَهُ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وكما فى قوله: (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِةِ اجْتَبَهُ وَهَدَنُهُ) (اٌللَّهُ يَجْتَّبِىِّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىَّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) وكذلك قوله تعالى: (هُوَالَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ. بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) والهدى هنا هو الإيمان ودين الحق هو الإسلام ، وإذا أطلق الهدى كان كالإيمان المطلق يدخل فيه هذا وهذا . ولفظ ((الضلال)) إذا أطلق تناول من ضل عن الهدى، سواء كان عمداً أو جهلاً، ولزم أن يكون معذباً كقوله: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْءَابَآءَ هُمْ ضَلِينَ * فَهُمْ عَلَى ءَِّهِ يُهْرَعُونَ ) وقوله: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَاسَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ) وقوله: ( فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) ثم قد يقرن بالغي والغضب كما في قوله: ( مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ ١٦٦ وَمَا غَوَى ). وفى قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ). وقوله: (إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ). وكذلك لفظ ((الفي)) إذا أطلق تناول كل معصية الله كما فى قوله عن الشيطان: (وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَِّعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). وقد يقرن بالضلال كما فى قوله : (مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى) . وكذلك اسم ((الفقير)) إذا أطلق دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ ((المسكين)) تناول الفقير، وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر؛ فالأول كقوله: (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ) وقوله: (فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ ) والثاني كقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ). و ((هذه الأسماء)) التى تختلف دلالتها بالإطلاق والتقييد والتجريد ، والاقتران، تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعم من الآخر، كاسم ((الإيمان)) و(المعروف)) مع العمل ومع الصدق؛ و (( كالمنكر)) مع الفحشاء ومع البغي ونحو ذلك. وتارة يكونان متساويين فى العموم والخصوص، كلفظ ((الإيمان)) و (البر)) و((التقوى)) ولفظ ((الفقير)) و((المسكين))؛ فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر؛ وكذلك لفظ ((التلاوة)) فإنها إذا أطلقت فى مثل قوله: ( الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ) تناولت العمل به كما فسره بذلك الصحابة والتابعون مثل ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم قالوا : يتلونه حق تلاوته يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه. وقيل: هو من التلاوة بمعنى الاتباع كقوله: (وَاُلْقَمَرِ إِذَانَهَا ) ١٦٧ وهذا يدخل فيه من لم يقرأه ، وقيل : بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل به كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. وقوله: ( الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ) قد فسر بالقرآن وفسر بالتوراة . وروى محمد بن نصر بإسناده الثابت عن ابن عباس: ( يَتْلُونَهُ. حَقَّ تِلَاوَتِهِ ) قال يتبعونه حق اتباعه . وروى أيضاً عن ابن عباس : يتلونه حق تلاوته ، قال: يحلون حلاله. ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه، وعن قتادة: يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، قال: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وصدقوا به، أحلوا حلاله وحرموا حرامه وعملوا بما فيه ، ذكر لنا أن ابن مسعود کان یقول إن حق تلاوته: ان يحل حلاله ويحرم حرامه ، وأن نقرأه كما أنزل الله ولا نحرفه عن مواضعه ، وعن الحسن: يتلونه حق تلاوته، قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه، وعن مجاهد يتبعونه حق اتباعه وفى رواية : يعملون به حق عمله. ثم قد يقرن بالتلاوة غيرها كقوله : (آتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ ) . قال أحمد بن حنبل وغيره: تلاوة الكتاب: العمل بطاعة الله كلها، ثم خص الصلاة بالذكر كما فى قوله: ( وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْالصَّلَوَةَ) وقوله: (فَاعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ ١٦٨ لِذِكْرِىّ) . وكذلك لفظ اتباع ما أنزل الله يتناول جميع الطاعات كقوله : أُتَّبِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَذَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ) وقوله: ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) وقوله: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ وَلَا تَتَّبِعُواْالسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) وقد يقرن به غيره كقوله: (وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقوله: ( لَبِعْ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكٌَ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) وقوله: (وَّبِعْ مَايُوحَىَّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ وَهُوَ خَيْرُالْحَكِمِينَ ). وكذلك لفظ ((الأبرار)) إذا أطلق دخل فيه كل تقي من السابقين والمقتصدين، وإذا قرن بالمقربين كان أخص، قال تعالى فى الأول: (إِنَّالْأَبْرَارَ لَفِى نَّعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَلَفِىِ ◌َّحِيمٍ ) وقال فى الثاني: (كَلَّ إِنَّ كِتَبَ اْأَبْرَارِ لَفِى عِلَّتِينَ* وَمَا أَدْرَنكَ مَاعِلَيُّونَ * كِتَبُ قَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقْرَبُونَ ) وهذا باب واسع يطول استقصاؤه . وهو من أنفع الأمور فى معرفة دلالة الألفاظ مطلقاً وخصوصاً ألفاظ الكتاب والسنة ، وبه تزول شهات كثيرة كثر فيها نزاع الناس، من جملتها ((مسألة الإيمان والإسلام)) فإن النزاع في مسماهما أول اختلاف وقع ، افترقت الأمة لأجله وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة ، وكفر بعضهم بعضاً وقاتل بعضهم بعضاً ، كما قد بسطنا هذا فى مواضع أخر، إذ المقصود هنا بيان شرح كلام الله ورسوله على وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلام ١٦٩ الله ورسوله بإقامة الدلائل الدالة، لا يذكر الأقوال التى تقبل بلا دليل وترد بلا دليل ، أو يكون المقصود بها نصر غير الله والرسول فإن الواجب أن يقصد معرفة ما جاء به الرسول واتباعه بالأدلة الدالة على ما بينه الله ورسوله . ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة فى ((تفسير الإيمان)) فتارة يقولون: هو قول وعمل . وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية . وتارة يقولون قول وعمل ونية واتباع السنة . وتارة يقولون : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح. فإذا قالوا: قول وعمل فإنه يدخل فى القول قول القلب واللسان جميعاً؛ وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق . والناس لهم فى مسمى ((الكلام)) و ((القول)) عند الإطلاق أربعة أقوال فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعاً. وقيل: بل مسماه هو اللفظ ، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه ، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة ، وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ . وقيل : بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه ، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه ، وقيل : بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى ، وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ، ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز فى كلام الله حقيقة فى كلام الآدميين ، لأن حروف الآدميين ١٧٠ تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائماً بغير المتكلم، بخلاف الكلام القرآني ؛ فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، ولبسط هذا موضع آخر . ( والمقصودهنا ) أن من قال من السلف : الإيمان قول وعمل ، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ؛ ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب ، ومن قال: قول وعمل ونية ، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك ، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصوده الرد على ((المرجئة)) الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه «أربعة أقسام)) فسروا مرادهم ، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو ؟ فقال : قول وعمل ونية وسنة ، لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر ، وإذا كان قولاً وعملاً بلانية فهو نفاق ، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلاسنة فهو بدعة . ١٧١ فصل وعطف الشيء على الشيء فى القرآن وسائر الكلام يقتضى مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزأه، ولا يعرف لزومه له كقوله ( خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِئَةِ أَيَّامٍ) ونحو ذلك، وقوله: (وَحِيلَ وَمِيكَئلَ) وقوله: ( وَأَنْزَلَ التَّوْرَةَ وَاُلْإِنِجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَ الْفُرْقَانَ ) وهذا هو الغالب . ويليه أن يكون بينهما لزوم كقوله: (وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُوْ اُلْحَقَّ ) وقوله: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ ) فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه ، وفي الآية التي قبلها المعطوف عليه لازم ، فإنه من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. وفى الثاني نزاع، وقوله: (وَلَا تَلْبِسُواْالْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ ) هما متلازمان، فإن من لبس الحق بالباطل فجعله ملبوساً به ، خفى من الحق بقدر ما ظهر من الباطل، فصار ملبوساً ، ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعه ١٧٢ باطلا فيلبس الحق بالباطل، ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أزل الله فلا بد أن يظهر باطلا . وهكذا ((أهل البدع)) لا تجد أحداً ترك بعض السنة التى يجب التصديق بها والعمل إلا وقع فى بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة، كما جاء فى الحديث: ((ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها)) رواه الإمام أحمد. وقد قال تعالى: ( فَنَسُواْحَظًا مِمَّاذُ كِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ اُلْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ ) فلما تركوا حظاً مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَلَهُ فَرِينٌ) أي عن الذكر الذي أنزله الرحمن، وقال تعالى: ( فَمَنِ أَتََّعَ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ, مَعِيشَةً ضَنكاً هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَايَشْقَى وَمَحْشُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) وقال: ( أَتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمُوَلَا تَّبِعُواْمِن دُونِ أَوْلِيَةٌ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) فأمر باتباع ما أنزل ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبح الآخر، ولهذا قال ( وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) قال العلماء: من لم يكن متبعاً سبيلهم كان متبعاً غير سبيلهم ، فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب ، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه . وكذلك من لم يفعل المأمور ، فعل بعض المحظور ، ومن فعل المحظور، لم يفعل جميع المأمور ، فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ١٧٣ ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ماحظر مع تركه لبعض ما أمر، فإن ترك ماحظر من جملة ما أمر به فهو مأمور ، ومن المحظور ترك المأمور ، فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم ، وكل مالا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله، ولهذا كان لفظ ((الأمر)) إذا أطلق يتناول النهي ، وإذا قيد بالنهى كان النهى نظير ما نقدم، فإذا قال تعالى عن الملائكة: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ) دخل فى ذلك أنه إذا نهام عن شيء اجتذبوه، وأما قوله: (وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ ) فقد قيل: لا يتعدون ما أمروا به، وقيل: يفعلونه فى وقته لا يقدمونه ولا يؤخرونه. وقد يقال : هو لم يقل : ولا يفعلون إلا ما يؤمرون، بل هذا دل عليه قوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ) وقد قيل: لا يعصون ما أمرم به فى الماضى ويفعلون ما يؤمرون فى المستقبل ، وقد يقال : هذه الآية خبر عما سيكون، ليس ما أمروا به هنا ماضيا بل الجميع مستقبل، فإنه قال : ( قُوَأ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا ) وما يتقى به إنما يكون مستقبلاً، وقد يقال: ترك المأمور تارة يكون لمعصية الآمر وتارة يكون لعجزه، فإذا كان قادراً مريداً، لزم وجود المأمور المقدور، فقوله (لَّا يَعْصُونَ) لا يمتنعون عن الطاعة ، وقوله (وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ ) أى هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله فيلزم وجود كل ما أمروا به، وقد يكون فى ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به كما يقول القائل: أنا أفعل ما أمرت به أى أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان . ١٧٤ وأيضاً فقوله: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ) إن كان نهاهم عن فعل آخر كان ذلك من أمره ، وإن كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ما لم ينهوا عنه. والمقصود أن لفظ ((الأمر)) إذا أطلق تناول النهى، ومنه قوله: (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوْرَسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِ مِنَكُمْ ) أى أصحاب الأمر، ومن كان صاحب الأمر كان صاحب النهى ووجبت طاعته فى هذا وهذا، فالنهى داخل فى الأمر ، وقال قَالَ فَإِنِ موسى للخضر: ( سَتَجِدُ نِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًاً أُتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْئَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَمِنْهُذِكْرًا) وهذا نهى له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكراً ولما خرق السفينة قال له موسى ( أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) فسأله قبل إحداث الذكر، وقال فى الغلام ( أَقْلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِنَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًاتُكْرًا ) فسأله قبل إحداث الذكر ، وقال في الجدار (لَوْشِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) وهذا سؤال من جهة المعنى، فإن السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما نقول: لو نزلت عندنا لأكرمناك، وإن بت الليلة عندنا أحسنت إلينا، ومنه قول آدم (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن ◌َّْتَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ) وقول نوح (رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُنْ مِّنَ الْخَسِرِينَ ) ومثله كثير ولهذا قال موسى ( إِن سَأَلَئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى ) فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر ، وهذا معصية لنهيه وقد دخل في قوله ( وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا ) فدل على أن عاصي النهى عاص الأمر ، ومنه قوله تعالى ١٧٥ (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) وقد دخل النهى فى الأمر. ومنه قوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) فإن نهيه داخل في ذلك. وقد تنازع الفقهاء فى قول الرجل لامرأته : إذا عصيت أمري فأنت طالق ، إذا نهاها فعصته هل يكون ذلك داخلاً فى أمره ؟ على قولين : قيل : لا يدخل لأن حقيقة النهى غير حقيقة الأمر ، وقيل : يدخل لأن ذلك يفهم منه فى العرف معصية الأمر والنهى، وهذا هو الصواب ، لأن ما ذكر في العرف هو حقيقة فى اللغة والشرع ، فإن الأمر المطلق من كل متكلم إذا قيل : أطع أمر فلان، أو فلان يطيع أمر فلان ، أو لا يعصي أمره ، فإنه يدخل فيه النهى، لأن الناهي آمر بترك المنهي عنه، فلهذا قال سبحانه: (وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُهُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ولم يقل: لا تكتموا الحق فلم ينه عن كل منهما لتلازمهما ، وليست هذه واو الجمع التى يسميها الكوفيون واو الصرف كما قد يظنه بعضهم ، فإنه كان يكون المعنى : لا تجمعوا بينهما فيكون أحدهما وحده غیر منهي عنه. و ((أيضاً)) فتلك إنما تجىء إذا ظهر الفرق كقوله: (وَلَمَّ يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ ) وقوله: ( أَوْيُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِّ ءَابَيْنَا مَالَهُمْ مِّن ◌َّحِيصٍ ) . ومن عطف الملزوم گتِرِ * ) فإنهم إذا أطاعوا قوله تعالى: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ ١٧٦ الرسول فقد أطاعوا الله كما قال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وإذا أطاع الله من بلغته رسالة محمد فإنه لا بد أن يطيع الرسول ، فإنه لا طاعة الله إلا بطاعته. و((الثالث)) عطف بعض الشىء عليه كقوله: (حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى) وقوله ( وَإِذْ أَخَذْنَامِنَ النَِّنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن ◌ُِّ وَإِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَ ) وقوله: ( مَن كَانَ عَدُوَّالِلّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ وَمِيكَلَ) وقوله: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَقَوَهُمْ وَأَرْضَا لَّمْ تَطَقُوهَا) و((الرابع)) عطف الشىء على الشىء لاختلاف الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ * الصفتين، كقوله: ( سَيِجِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ فَهَدَى * وَاُلَّذِىّ أَخْرَ الْمَرْعَى) وقوله: ( وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ * وَمَارَزَقْهُمْ يُفِقُونَ هُمْيُوقُونَ ) وقد جاء فى الشعر ما ذكر أنه عطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله: وألفى قولها كذباً وميناً. ومن الناس من يدعي أن مثل هذا جاء فى كتاب الله كما يذكرونه فى قوله: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) وهذا غلط ، مثل هذا لا يجىء فى القرآن ولا فى كلام فصيح، وغاية ما يذكر الناس اختلاف معنى اللفظ ، كما ادعى بعضهم أن من هذا قوله : وهند أتى من دونها التأي والبعد ألا حبذا هند وأرض بها هند فزعموا أنهما بمعنى واحد . واستشهدوا بذلك على ما ادعوه من أن الشرعة ١٧٧ هي المنهاج، فقال المخالفون لهم: النأي أعم من البعد ، فإن النأي كما قل بعده أوكثر؛ كأنه مثل المفارقة. والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته ، وقد قال تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ ) وهم مذمومون على مجانبته والتنحي عنه سواء كانوا قريبين أو بعيدين، وليس كلهم كان بعيداً عنه، لا سيما عند من يقول : نزلت فى أبى طالب ، وقد قال النابغة : - والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد. والمراد به ما يحفر حول الخيمة لينزل فيه الماء ولا يدخل الخيمة، أى صار كالحوض فهو مجانب للخيمة ليس بعيداً منها . ١٧٨ فصل فإذا تبين هذا، فلفظ ((الإيمان)) إذا أطلق فى القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ ((البر))، وبلفظ ((التقوى)) وبلفظ ((الدين)) كما تقدم ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم بين أن ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فكان كل ما يحبه الله يدخل فى اسم الإيمان وكذلك لفظ ((البر)» يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ ((التقوى)) وكذلك ((الدين، أو دين الاسلام)) وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان فأزل الله هذه الآية (لَّيْسَ الْبِرَّأَنْ تُوَلُوا وُجُوهَكُمْ ) الآية، وقد فسر البر بالإيمان، وفسر بالتقوى ، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله والجميع حق ، وقد روى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان . قال محمد بن نصر : حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقري والملائي قالا: حدثنا المسعودي عن القاسم قال : جاء رجل إلى أبي ذر فسأله عن الإيمان فقراً: (لَّيْسَ الْبِرَّأَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ ) إلى آخر الآية؛ فقال الرجل : ليس عن البر سألتك. فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتنى عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك ، فقال له الذي قلت ١٧٩ لي. فلما أبى أن يرضى قال له: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها . وقال : حدثنا إسحاق حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ عليه: ( لَّيْسَ الْبِرَّأَن تُوُلُّواْ وُجُوهَكُمْ ) إلى آخر الآية، وروى بإسناده عن عكرمة قال : سئل الحسن بن علي بن أبي طالب مقبله من الشام عن الإيمان فقرأ: (لَّيْسَ الْبِرَّأَن تُولُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) وروى ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان قال : قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه ، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة ، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار ، هل يتفاضلان فى الإيمان ؟ قال : لا. قال فذكرت ذلك لعطاء فقال: سلهم الإيمان طيب أو خبيث؟ فإن الله قال: (لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الَِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَنَّمَ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ) فسألتهم فلم يجيبونى، فقال بعضهم: إن الإيمان يبطن ليس معه عمل ، فذكرت ذلك لعطاء فقال: سبحان الله ! أما يقرؤون الآية التى فى البقرة: ( لَيْسَ الْبِرَّأَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ )؟. قال: ثم وصف الله على هذا الاسم وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى ما لزمه من العمل فقال : ( وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ - إلى قوله ــ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ) فقال : سلهم ١٨٠